هي تَركُ مُخالطةِ الخَلقِ بالانزواءِ والانقطاعِ، وأصلُها: منعُ الحواسِ بالخَلوةِ عن التصرُّفِ في المحسوساتِ، فإنَّ كلَّ (^١) آفةٍ وقَعَتْ، وبلاءٍ ابْتُلِيَت (^٢) يَدخُلُ مِن رُؤيَةِ النفسِ (^٣) الحواسَّ، وبها تصيرُ النفسُ خبيثًا (^٤) شقيًّا.
فَبِمجاورةِ النفسِ الخبيثةِ (^٥) الروحَ صارَ (^٦) الروحُ النفيسُ خسيسًا (^٧)، فاستحسنَ ما استحسَنَتْهُ (^٨) النفسُ، واستلذَّ بما استلذَّتْ (^٩) بِه النفسُ، واستمتعَ من المراتِعِ الحيوانيَّةِ، فانقطعَ عنهُ الأغذيةُ الروحانيَّةُ، ونَسِيَ حظائرَ القدسِ وجِوارَ الحقِّ في رياضِ الأُنسِ.
فبالخلوةِ وعزلِ الحواسِّ ينقطعُ مددُ النفسِ عن أسبابِ الشِقاوةِ والخساسةِ، والشيطانُ بإعانةِ الهواءِ والشهواتِ (^١٠)، ويجتمعُ (^١١) القلبُ عن التفرقةِ (^١٢)
_________________
(١) في الأصل: (لكلِّ شيءٍ).
(٢) زيد في (ص): (النفس).
(٣) قوله: (النفس): سقط من (س) و(ص).
(٤) في (ص): (خسيسا).
(٥) في (س) و(ص): (الخسيسة).
(٦) في (ص): (يصير).
(٧) في (س): (خبيثًا).
(٨) في (س): (استحسنه).
(٩) في (س) و(ص): (استلذ).
(١٠) في (س) و(ص): (والشهوة).
(١١) في (س): (ويجمع).
(١٢) زيد في (ص): (المكدِّرة).
[ ٦٢٤ ]
ويحصلُ منهُ (^١) الحضورُ، وهوَ سببُ العبورِ.
وقال المشايخُ: من علامةِ الإفلاسِ الاستئناسُ بالناسِ.
كذا قالَ السلفُ في الزمانِ الذي كانَ (^٢) العِلمُ والعملُ مملوءًا، وأحكامُ الشريعةِ مرعيًّا، وطرقُ الطريقَةِ مسلوكًا، وأمَّا في زمانِنا هذا قد تطايرَتْ شراراتُ الشرورِ، وطَلَعَ فجرُ الفجورِ، وغابَ شَفَقُ الشفقةِ، ورَكَنَت أعلامُ العلومِ بالانتكاسِ، وأشرَفَتْ مناهجُ الطريقةِ على الاندراسِ والانطماسِ (^٣).
فعليكُم - أيُّها الإخوانُ والخِلانُ - في هذهِ الأحوانِ (^٤)، باختيار الانفِرادِ والعُزلَةِ، واستبشار (^٥) الانزواءِ والخَلوةِ، ويُشيرُ على ذلك ما رُوِيَ عن أبي (^٦) يوسفَ بنِ أسباطٍ (^٧) ﵀ (^٨) قالَ: سمعتُ النَّوَرِيَّ (^٩) يقولُ: واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ لقدْ حلَّتِ العُزلَةُ في هذا الزمانِ.
_________________
(١) قوله: (منه الحضور) هو في (ص): (به التصفية والحضور).
(٢) زيد في (س) و(ص): (نور).
(٣) زيد في (ص): (بل لم يبق من الطرية إلّا اسمه على ألسن النّاس).
(٤) في (ص): (هذا الزمان)، وفي (س): (هذا الأوان) ويظهر أنّ (الأحوان) جمع (حين) والمشهور: الأحيان.
(٥) في (ص): (واستئثار).
(٦) قوله: (أبي): سقط من (س).
(٧) (يوسف بْن أسباط الزّاهد، ت (١٩١ - ٢٠٠ هـ) أحد مشايخ القوم، لَهُ مواعظ وحِكَم، رَوَى عَنْ: مُحِلّ بن خليفة، وسُفْيان الثَّوْريّ، وزائدة، وطائفة سواه، رَوَى عَنْهُ: المسيب بن واضح، وعبد الله بن خبيق الأنطاكي، وغيرهما، وكان مرابطًا بالثغور الشامية) "تاريخ الإسلام" (٤/ ١٢٥٥).
(٨) زيد في (س) و(ص): (أنَّه).
(٩) (إسماعيل بن سودكين بن عبد الله، أبو الطاهر، شمس الدين النوري: (صوفي حنفي تونسي، كان من أصحاب الشيخ محيي الدين بن العربي تـ: (٦٤٦ هـ) "الأعلام" (١/ ٣١٤).
[ ٦٢٥ ]
قال الإمام فخرُ الإسلامِ (^١) محمدٌ الغزاليُّ: لقدْ (^٢) حلَّتِ العُزلَةُ في زمانِهِ، ففي (^٣) زمانِنَا هذا وَجَبَتْ وافتُرِضَتْ.
وعن سُفيانَ ﵀: أَنَّهُ كَتَبَ إلى عبَّادٍ الخوّاصِ: أمَّا بعدُ، فإِنَّكَ في زمانٍ كانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ يَتعوَّذُونَ باللهِ مِنْهُ مِنْ أن يُدرِكُوهُ فيما بَلَغَنا، ولهمْ مِنَ العلمِ ما لَيْسِ لنا، فكيفَ بِنا حينَ أدركناهُ على قلَّةِ علمٍ، وقلَّةِ صبرٍ، وقِلَّةِ أعوانٍ على الخيرِ، وكَدَرٍ فاسدٍ (^٤) بينَ (^٥) الناسِ؟!
وقال بعضُ السالكينَ (^٦): العُزلَةُ ضَمادٌ يَلتَئِمُ به جراحاتُ تَفرِقَةِ الخواطرِ (^٧)، وذِكْرُ اللهِ شِربَةٌ تَشفِي مرضَ القلبِ.
كما قال (^٨) الكاملُ المكمَّلُ نجمُ الدينِ الكُبَرَاءُ (^٩): أَنَّ كلمةَ (لا إلهَ إِلَّا اللهُ)، معجونٌ مركَّبٌ مِنَ النفيِ والإثباتِ، فالنفيُ (^١٠).
_________________
(١) قوله: (فخر الإسلام): سقط من (ص).
(٢) في (ص): (لئن).
(٣) في (س): (وفي).
(٤) في (س): (وفساد).
(٥) قوله: (فاسد بين) هو في (ص): (وكذر من الدنيا وفساد من).
(٦) في (ص): (الصالحين).
(٧) في (ص): (الخاطر).
(٨) زيد في (ص): (الشيخ).
(٩) (أحمد بن عمر بن محمد، أبو الجنّاب؛ (بالتشديد)، الخيوقي (بكسر الخاء) الخوارزمي، نجم الكبراء، المشتهر بنجم الدين الكبري: شيخ خوارزم في عصره من علماء الصوفية تـ: (٦١٨ هـ) "الأعلام" (١/ ١٨٥).
(١٠) في (ص): (فبالنفي).
[ ٦٢٦ ]
كالمُسهِّلِ يَزِيدُ (^١) الموادَّ الفاسدةَ التي تَولَّدَ منها مرضُ القلبِ، وقيودُ الروحِ، وتقويةُ النفسِ، وبإثباتِ (إِلَّا اللهُ): يَحصُلُ لهُ (^٢) صحَّةُ القلبِ والسلامةُ عَنِ الأخلاقِ الذمِيمَةِ (^٣) بانحرافِ مزاجِهِ الأصليِّ.
وقال الحسنُ البصريُّ: بينَا (^٤) أطوفُ في أزقَّةِ البصرةِ مع شابٍّ عابدٍ سالكٍ مُرتاضٍ (^٥)، إذا أنا بطبيبٍ جالسٍ على الكرسيِّ، وبينَ يديهِ رجالٌ ونساءٌ وصبيانٌ، وكلُّ واحدٍ مِنهُم يَستوصِفُ دواءَ دائِه. قالَ: فتقدَّم الشابُّ (^٦) إلى الطبيبِ، فقالَ: هلْ عندكَ دواءٌ يشفِي مرضَ القلبِ؟ ويحصُلُ منه تَصفيةُ الباطنِ، قالَ (^٧): نعمْ، خُذْ مِنِّي عَشَرة أشياء: خُذْ عُروقَ شجرةِ الفَقر، مع عروقِ شجرةِ التواضعِ (^٨)، واجعل فيها إهليلجَ التوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ تعالى، واطرَحْهُ في هاونِ الرِّضَى، واسْحَقْهُ بِمنجارِ صُوَّانِ (^٩) القناعةِ، واجعَلْ في طِنْجِيرِ (^١٠) التُّقَى والاعتقادِ، وصُبَّ عليهِ ماءَ الصدِق، واغلِهِ بنارِ المحبةِ والعشْقِ، واجعلهُ في قَدَحِ المسْكَنَةِ (^١١)،
_________________
(١) في (س) و(ص): (يزيل).
(٢) قوله: (له) سقط من (ص).
(٣) قوله: (والسلامة عن الأخلاق الذميمة): (وهي الإعراض عما سوى الله تعالى).
(٤) في (ص): (بينما).
(٥) زيد في: (سالك).
(٦) في (س): (شاب).
(٧) زيد في (ص): (نعم).
(٨) زيد في (ص): (والمسكنة).
(٩) قوله: (صوّان): سقط من (س) و(ص).
(١٠) في (ص): (واجعله في طنجر).
(١١) في (ص): (الخوف).
[ ٦٢٧ ]
وروِّحْهُ بِمَرْوَحَةِ الرجاءِ، واشرَبْهُ بملعَقَةِ الإخلاصِ، فإِنَّكَ إِنْ شرِبتَ هذِه الشَّرْبَةَ تُزِيلُ (^١) الموادَّ الناسوتيَّةَ، وتُثبِّتُ القوَّةَ اللَّاهوتيَّةَ، وتشفِي (^٢) مرضَ القلبِ، ويحصُلُ (^٣) تصفيةُ الباطنِ وتنويرُهُ.
ثمَّ أعلم أيُّها الأخُ الطالبُ: أنَّه يجبُ على السالكِ أن يَجِدَّ غايةَ الجِدِّ والجَهْدِ في الانسلاخِ عَنِ الشهواتِ النفسانيَّةِ، ولا يحصُلُ القربُ إلى حضرةِ اللهِ تعالى إِلَّا بعدَ الانقطاعِ عَنِ الشهواتِ الظاهرةِ.
كما حُكِي: أنَّ رجلًا (^٤) جاءَ (^٥) مِنَ المشايخِ حَضَرَ بابَ السلطانِ، والسلطانُ في حَرَمِهِ، فرأى الناسَ (^٦) محجوبينَ عنهُ، إلَّا خادمًا كانَ يدخُلُ حرمَ السلطانِ متى شاءَ بلا حِجَابٍ، فسألَ (^٧) عن حالِهِ (^٨) وسببَ مَحرَمِيَّتِهِ بحَرَمِ السلطانِ؟ قالوا: لأنَّ آلةَ شهوتِهِ مقطوعةٌ عنْهُ، فهو خَصِيٌّ ومجبوبٌ.
وقال (^٩) الشيخُ: سبحانَ من أَشارَني ودلَّنِي على السلوكِ والقُربِ إِلى حَضْرَتِهِ بعدَ سبعينَ سنةً بخصيٍّ ومجبوبٍ (^١٠)،
_________________
(١) في (ص): (تزيل).
(٢) في (ص): (ويشفى).
(٣) في (س): (وتحصل).
(٤) قوله: (رجل) هو في (ص): (واحدًا).
(٥) قوله: (جاء) سقط من (س).
(٦) في (ص): (الأمراء والنّاس).
(٧) في (ص): (الشيخ).
(٨) في (ص): (حال الخادم).
(٩) في "ص): (فقال)، وفي (س): (قال).
(١٠) تهذيب اللغة (١٠/ ٢٧٢): "المَجْبُوبُ: الخِصيُّ الَّذِي قد اسْتُؤْصِلَ ذَكَرُهُ وخُصْيَاهُ، وَقد جُبَّ جَبًا".
[ ٦٢٨ ]
فمَنْ أرادَ القُرْبَ فعليه بتركِ (^١) الشهوةِ النفسانيَّةِ، فإنَّ ارتكابَ الشهواتِ تسدُّ (^٢) أبوابَ المكاشفاتِ.
كما سُئِلَ ذو النون المِصريُّ ﵀: ما الذي احتَجَبَ بِهِ المُريدونَ عَنِ اللهِ تعالى؟ فقالَ: النفسُ بشهواتِها (^٣)، والاشتغالُ بتَدْبيرِها.
ثمَّ أعلم أيُّها الأخُ السالكُ: أَنَّ مَنبَعَ (^٤) الشهواتِ حُطامُ الدنيا وحبُّها (^٥)، فعليكَ بتجريدِ الظاهرِ من حُطامِها، وتخليةِ الباطنِ مِنْ حُبِّها (^٦)، فلا يَغُرَّنَّكَ الظنُّ الفاسدُ في أنَّ الخوضَ في نعيمِ الدنيا بالأبدانِ لا يُوجِبُ محبَّتَها في الجَنَانِ.
ويُبيِّن ذلكَ قولُ النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: "إِنَّما مَثَلُ صاحب الدنيا كمَثَلِ الماشي في الماءِ، هلْ يستطيعُ الذي يَمْشِي في الماءِ ألّا تَبتلَّ (^٧) قدماهُ؟ " (^٨).
وهذا يُعرِّفُكُ جهالةَ قومٍ ظنُّوا أنَّهم يخوضُونَ في نعيمِ الدنيا بأبدانِهم وقُلُوبُهُم عنها مطهَّرةٌ؛ وعلائِقُها عن باطِنِهم مُنقطعَةٌ، وذلكَ مكيدةُ (^٩) الشيطانِ، بل لو أُخرِجوا (^١٠) ممَّا هُمْ فيهِ:
_________________
(١) في (س): (ترك).
(٢) في (ص): (يسد).
(٣) في (س) و(ص): (وشهواتها).
(٤) في (س): (مبلغ).
(٥) في (ص): (ومحبتها).
(٦) في (ص): (محبتها).
(٧) في (س): (يبتل).
(٨) البيهقيُّ في "شُعَبِ الإيمانِ" بابُ (الزهد وقصر الأمل) رقم: (٩٩٧٣).
(٩) زيد في (ص): (من).
(١٠) في (س): (خرجوا).
[ ٦٢٩ ]
لكانوا مِنَ (^١) المتَفَجِّعينَ لِفِراقِها، كما (^٢) أَنَّ المشيَ في الماءِ يقتضي بللًا لا محالةَ يلتَصِقُ بالقدَمِ، فكذلكَ مُلابَسةُ الدنيا (^٣) علاقةٌ وظُلْمةٌ في القلبِ، بل علاقةُ القلبِ معَ الدنيا تَمنَعُ حلاوةَ العبادةِ، ونُورَ الرياضةِ، وذَهابُ حلاوةِ (^٤) العبادةِ مِنَ القلبِ علامةُ البُعدِ من اللهِ تعالى، نعوذُ باللهِ (^٥).
ألا يا أيُّها السالكُ ذلكَ كذلكَ، وأنا أحذِّرُكَ عن ذلكَ، فعليكَ بِتصفيةِ بالِكَ، وتحليَةِ (^٦) بَلبَالِك (^٧)، ترفعْ (^٨) محبَّةَ مالِكَ، حتَّى تَنجوَ مِن أعظَمِ المهالِكِ، وَيَسهُلُ لكَ العبُورُ (^٩) عَنِ الحُجُبِ في المسالكِ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (أعظم).
(٢) في (ص): (فكما).
(٣) زيد في (س) و(ص): (يقتضي).
(٤) في (ص): (لذَّة).
(٥) زيد ففي (ص): (وعلى هذا إنَّ الشهيدَ تَبطُلُ درجةُ شهادَتِهِ إذا نال حظًّا من حظوظِ الدنيا، ولو شربةَ ماءٍ، أو ظلَّ شجرَةٍ، وحُرِمَ كرامةَ الشهَدَاءِ، وامتنَعَ إلحاقُهُ بشهداءِ أحدٍ بشؤمِ حظِّ الدنيا؛ فإنّهم قد ماتُوا عطاشًا والكأسُ يُدارُ عليهِم ولم يَشرَبوا خوفًا من نقصانِ الشهادةِ، هذا في شَرْبَةِ ماءٍ؛ فما ظنُّكَ بمَن جمع الدنيا بحَذافِيرها، أما ينقُصُ من درجتِهِ في دارِ الآخرَةِ، حيثُ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ وقالَ ﵇: "حلاوةُ الدُّنْيَا مرارةُ الآخِرَةِ، ومَرَارَةُ الدُّنْيا حَلاوَةُ الآخِرَةِ).
(٦) في الأصل: (وتحليته)، وفي (ص): (وتخلية).
(٧) (البَلْبَلَةُ: وَسْواس الهُمُوم في الصَّدْر، وهو البَلْبالُ، والجمع البلابل)، ينظر: العين (٨/ ٣٢٠)، وفي جمهرةِ اللغةِ (١/ ١٧٧): (البلبلةُ: الحركةُ والاضطِرَابُ، تَبَلْبَلَ الْقَوْمُ بَلبَلَةً وبلبالًا وبَلبَالًا. والبلبَلَةُ أيضًا: مَا يَجِدُهُ الإِنسانُ في قلبِهِ من حركةِ حُزْنٍ، وَهُوَ البلبالُ أيضًا)، وهو على وزن فَعْلال، ينظر: شمسُ العلومِ ودواءُ كلامِ العربِ من الكلوم (١/ ٣٩٨).
(٨) في (س): (تدفع).
(٩) قوله: (لك العبور) هو في (س): (كل لعبور).
[ ٦٣٠ ]
ومن الرياضةِ (^١) السفرُ الظاهرُ (^٢) في تهذيبِ الأخلاقِ والآدابِ، وقالوا: لكلِّ شيءٍ دباغةٌ، ودِباغةُ الرجُلِ غُربَتُه، والسفرُ الظاهِرُ أَن يَمنَعَ البدنَ عن (^٣) فائِدَتِهِ، فالنفسُ في الوطنِ لا تُظهِرُ (^٤) خبائِثَ أخلاقِها؛ لاستِئْنَاسِها بما يُوافِقُ طَبعَها من المألوفاتِ المعهودةِ.
وإذا (^٥) امتحِنَتْ بمَشَاقِّ الغُربَةِ، وانكشفَتْ غَوائِلُها، يحصلُ (^٦) الوقوف على عيوبها، فيُمكِنُ الاشتغالُ بعَلائِقِها (^٧)، ويقالُ: أسفَرَ الصبحُ إذا تنوَّرَ فظهرَ (^٨) الأشياءُ سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه يُسفِرُ عَنِ (^٩) المسافرِ؛ أي: يُظهِرُ ويَنكَشِفُ الأخلاقُ المقبولَةُ من المذمومَةِ.
وإذا سافَرَ المسافرُ تاركًا حظَّ الدنيا (^١٠): تطيبُ (^١١) النفسُ وتلينُ، وتكونُ لها بالسفر دِباغةٌ حَتَّى تَذهَبَ (^١٢) عنه الخشونةُ واليُبُوسَةُ والجِبلَّةُ (^١٣) والعُفونةُ الطبيعيَّةُ،
_________________
(١) في الأصل وفي (ص): (رياضةِ).
(٢) زيد في (س) و(ص): (وقد اتفق المشايخ على أنه يجب على الطالب السفر الظاهر).
(٣) قوله: (الظاهر أن يمنع البدن عن) هو في (س) و(ص): (لظاهر البدن).
(٤) في (ص): (يظهر).
(٥) قوله: (وإذا) سقط من (ص).
(٦) في الأصول: (ويحصُلُ).
(٧) في (ص): (بعلاجها).
(٨) في (س) و(ص): (وظهر).
(٩) في (ص): (عند).
(١٠) في (س): (النفس).
(١١) قوله: (الدنيا تطيب) هو في (ص): (النفس تطمئن).
(١٢) في (ص): (يذهب)، وفي (س): (تهذب).
(١٣) في (ص): (الجبليَّة).
[ ٦٣١ ]
كالجلودِ تَعودُ (^١) من هيئةِ الجلودِ إلى هيئةِ الثيابِ، فتعودُ (^٢) النفسُ مِنْ طبيعةِ الطغيانِ إلى طبيعةِ الإيمانِ.
والمقصودُ من السفرِ (^٣): زيارةُ الأولياءِ (^٤) والمواضِعِ المُشرِّفةِ، وطلبُ المُرشِدِ، وصُحبةُ الأولياءِ، وانكسارُ النفسِ، واكتسابُ مَكارِمِ الأخلاقِ.
ومن تجريدِ فضائلِ السفرِ: تضييقُ نطاقِ الأرزاقِ (^٥)، وإذا دَخَلَ المسافِرُ البلدَ قصَدَ إلى الزاويةِ (^٦): للفقيرِ بمنْزِلَةِ بيتِه، إذا (^٧) بلغَ بابَ الزاويةِ قعَدَ على بابِ الزاويةِ، مُستقبِلَ القِبْلَةِ إِنْ تَيَسَّرَ.
وينبغي أن يكونَ على طهارةٍ، واضعًا سُجّادتَهُ على كتفِهِ الأيسرِ بعدَ أَن يَضُمَّ ويلُفَّ طرفَيْهِ؛ يعني (^٨): سُجادة رايه (^٩) كدره ناسك (^١٠)، ويصيرُ أحدُ طَرفَي السُّجَّادَةِ مِنَ العَرْضِ (^١١) مفتوحًا، والآخرُ مشدودًا، وهذا بعدَ الضمِّ واللفِّ، ويضَعُ الطرفَ المفتوحَ إلى مَنكِبَيْهِ، والمشدودَ إلى عُنُقِهِ (^١٢).
_________________
(١) في (ص): (يعود).
(٢) في (ص): (فيعود).
(٣) زيد في (ص): (الظاهر للطالب).
(٤) زيد في (ص): (الأنبياء).
(٥) في (ص): (الأوراق).
(٦) زيد في (ص): (والزاوية).
(٧) في (س) و(ص): (وإذا).
(٨) في (ص): (ومعناه بالفارسية).
(٩) في (ص): (راديه).
(١٠) في (ص): (باشد).
(١١) زيد في (س): (مفتوحًا).
(١٢) زيد في (ص): (ثمَّ).
[ ٦٣٢ ]
يقعدُ بالأدبِ (^١) ولا يلتفِتُ إلى جوانبِه، ولا يُسلِّمُ أحدًا ولا يتكلَّمُ مع أحدٍ، إِلَّا عندَ الضرورةِ، حتَّى يَجيءَ الخادِمُ، فيأخذَ (^٢) سُجَّادَتَهُ من منكبيه (^٣) ويبسُطُ بينَ الفقراءِ بموضِعٍ يُناسِبُه، ثمَّ يَضَعُ الخَادِمُ القُفَلَ على رُكْنِ السُّجّادَةِ، وهو كَسْرُ رُكنِ السُّجَّادَةِ مِقدار خمسةِ أصابع أو (^٤) فصاعدًا مِنَ اليسارِ مِنْ طَرَفِ الصعودِ، ثمَّ يَدُلُّ للوارِدِ (^٥) إلى الزاويةِ، ويأخُذُ العَصا مِنْ يدِهِ، وينبغي أن يَبْتَدِئَ في الدخولِ برجلِهِ اليُمنَى، فإذا (^٦) أرادَ أنْ يَنْزِعَ خُفَّهُ فِينْزِعُ أَوَّلًا خُفَّهُ اليسارَ، ثمَّ خُفَّهُ الأيمنَ (^٧)، وفي اللّبسِ بالعَكسِ (^٨).
فإذا دَخَلَ بينَ الفقراء: لا يُسلِّمُ أحدًا مِنَ الفقراءِ (^٩)، ولكنْ (^١٠) يَفْحَصُ (^١١) عَنْ (^١٢) سُجَادَتِه، ووجُهه (^١٣) إلى القِبلةِ، ثمَّ قَصَدَ إلى سُجَّادَتِه، وإِذا وَصَلَ سُجّادَتَهُ من طريقِ (^١٤) الصعودِ: يَضَعُ رِجلَهُ اليُمنى على طرفِ السُّجَّادَةِ، ويَحُلُّ القُفلَ برجلِهِ
_________________
(١) زيد في (ص): (والحضور).
(٢) في (س) و(ص): (ويأخذ).
(٣) (س): (منكبه).
(٤) قوله: (أو) سقط من (ص).
(٥) في (ص): (الخادم الوارد).
(٦) في (ص): (وإذا).
(٧) هو في (ص): (خفه اليسار بيده اليسرى، ثم خفه اليمنى)، وفي الأصل: (اليسارَ الأيمنَ).
(٨) قوله: (بالعكس): هو في (س) و(ص): (يبتدئ باليمنى ثم باليسار).
(٩) قوله: (أحدًا من الفقراء): هو في (ص): (عليهم).
(١٠) في (س): (لكن).
(١١) في (ص): (يتفحص).
(١٢) قوله: (عن): سقط من (س).
(١٣) في الأصل وفي (ص): (وجهه).
(١٤) في (ص): (طرف).
[ ٦٣٣ ]
اليُسرى؛ يعني: يرفعُ الرُّكنَ المكسورَ برجلِه اليُسرى، ويبسُطُ، ثمَّ يَصعَدُ (^١) على (^٢) السُّجَّادَةِ.
فوضعُ القِفلِ على رُكنِ السُّجَّادَةِ في عادةِ أهل التصوُّفِ، مثلُ: إغلاقِ بابِ المسجِدِ، ولا يصعَدُ على السُّجَّادَةِ حَتَّى يَفتَحَ هذا القُفلَ كما ذكرنا، ويَحفَظُ القدَمَ (^٣) من أن يطأَ مَوضِعَ السجودِ من سُجَّادَتِهِ.
ثمَّ يَستقبِلُ القِبلةَ، ويُصلِّي رَكعتينِ تحيَّةَ البُقعةِ، حتّى يُحضِرَ بواطنَ الفُقراءِ (^٤) إلى حالِه، ثمَّ يقومُ (^٥) ويُسلِّمُ على الجماعةِ، ويُقبِّلُ يدَ الشيخِ، ويُصافِحُ الفقراءَ، ثمَّ يَجيءُ ويقعُدُ على سُجّادَتِه، ويُخرجَ تاجَهُ وخِرقَتَهُ، ويَحُلُّ ذَيْلَ الخِرقَةِ، ويَعرِضُ خِرْقَتَهُ على الشيخِ والفُقرَاءِ؛ لينظُروا (^٦) بالصفاءِ (^٧).
وإن كانَ المسافرُ واردًا بحضرَةِ الشيخِ السالكِ الكبيرِ الذي خِرقَةُ الوارِدِ منسوبٌ إليه: يُخرِجُ الواردُ تاجَهُ وخِرقَتَهُ، ويَضَعُ بينَ (^٨) يدَي الشيخِ بعدَ حَلِّ ذيلِ الخِرقَةِ، والشيخُ يُلبِسُهُ بيدِهِ أو بيدِ الخادِمِ.
ثمَّ يجيءُ ويَقعُدُ على سُجَّادَتِه، وهذه الرسومُ الظاهِرةُ التي (^٩) استحسَنَها أهلُ
_________________
(١) قوله: (برجله اليسرى، ويبسُطُ ثم يصعد): هو في (ص): (ويبسط ويصعد).
(٢) قوله: (يصعد على) هو في (س): (يصدِّغ).
(٣) في الأصل وفي (س): (القادم).
(٤) في (ص): (الفقر).
(٥) في (س): (يقدم).
(٦) في (س): (لينظر).
(٧) في (ص): (بنظر الصَّفاء).
(٨) قوله: (بين) سقط من (س).
(٩) قوله: (التي) سقط من (س).
[ ٦٣٤ ]
التصوُّفِ، ولا يُنكَرُ على من يتقيَّدُ بذلكَ؛ لأنَّه مِن استحسانِ مشايخِ الشامِ ومصرَ والعراقِ.
ومِن أدبِ الواردِ ألّا يَبْتَدِئَ بالكلامِ دونَ أن يُسأَلَ.
ويَمكُثُ ثلاثةَ أيّامٍ، ولا يَقصُدُ زيارةً ومشهدًا أو غيرَ (^١) ذلكَ ممّا هو مقصودٌ (^٢) من المدينةِ حتَّى يَذهبَ عنهُ عناءُ السَّفَرِ (^٣)، ويعودَ ظاهِرُه وباطنُهُ إلى الاستراحةِ والسكينَةِ والجمعِ حتّى يُجمَعَ (^٤) في ثلاثةِ أيّامٍ، ويَستعِدُّ للقاءِ المشايخِ والمزاراتِ، ويستوفِيَ حظَّهُ مِن كُلِّ شيخٍ وأخٍ يَزورُهُ.
ومِن آدابِ (^٥) الوارِدِ ألَّا يَرِدَ الزاويةَ بعدَ العصرِ، ولكن يَرِدُ بعدَ الإشراقِ إلى العصرِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ بناءَ الزوايا والخانقاهات لم يَكُنْ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لمّا تقادمَ زمانُ الرسالةِ، وبَعُدَ عهدُ النبوَّةِ، وانقطعَ الوحيُ السماويُّ، وتوارَى النورُ المُصطفويُّ، واختلف الآراءُ، وتنوَّعَتِ الفئاتُ، وتفرَّدَ كلُّ ذِي رأيٍ برأيِه، وكَدَّرَ شرفُ العلمِ شوبَ الأهوِيَة، وتزعزعتْ أبنيةُ المُتَّقِينَ، واضطَرَبَتْ عزائمُ الزاهدِينَ، وغَلَبَتِ الجهالةُ (^٦): كُشِفَ (^٧) حِجَابُها، وكثرَتْ عادتُها (^٨)، وتملّكَتْ
_________________
(١) في (ص): (وغير).
(٢) في (ص): (مقصوده).
(٣) زيد في (ص): (وتعب الطريق).
(٤) في (س) و(ص): (يجتمع).
(٥) في (س) و(ص): (أدب).
(٦) في (س) و(ص): (الجهالات).
(٧) في (ص): (وكثف)، وفي (س): (وكشف).
(٨) في (ص): (عاداتها).
[ ٦٣٥ ]
أربابُها، وتزخرَفَتِ الدنيا، وخطَرَ خُطّابُها (^١).
وتفرَّدَ المشايخُ معَ أتباعِهم بأعمالٍ صالحةٍ، وأحوالٍ سَنيَّةٍ، وصِدقٍ في العزيمةِ، وقُوَّةٍ في الدينِ، وزَهِدوا في الدنيا، واغتنموا العُزلةَ والوَحدَةَ، وبنوا لنفوسِهمُ الزوايا والخانقاهات، يجتمعونَ فيها تارةً ويتفرَّدونَ أخرى، فصارَ لهم بعدَ اللسانِ لسانٌ، وبعدَ العرفانِ عرفانٌ، وبعدَ الإيمانِ إيمانٌ غيرَ ما يتعاهدُونَها (^٢)، فصارَ لهم بمُقتضى (^٣) ذلكَ عُلومٌ يَعرِفُونَها، وإشاراتٌ يتعاهَدُونها، فهم أجسامٌ روحانيُّون، وفي الأرضِ سماويُّونَ، ومع الخلقِ ربّانيُّونَ، سكوتٌ نُظّارُ غيبٍ، فصار (^٤) ملوكٌ تحت أظهارٍ (^٥) فانيةٍ.
فانتهى (^٦) الطالبُ أنَّ وجْهَ الأرضِ لا يخلو منهم، وديارَ الإسلامِ (^٧) بمُزَحْزَحٍ عنهم، فليَطْلُبِ الطالِبُ، وليَجْهَدِ (^٨) السالِكُ؛ لقوله ﵇: "مَن طلب شيئًا وجدَّ وَجَد" (^٩)، كما قالوا: "مَن قرع البابَ ولجَّ وَلَجَ".
وذَكَرَ المشايخُ في كُتُبهم: أنَّ أكثرَ (^١٠).
_________________
(١) سقط من الأصل ومن (س): (خطّابها).
(٢) في الأصل وفي (ص): (يتعاهدها).
(٣) في (ص): (لمقتضى).
(٤) في (س) و(ص): (حضّار).
(٥) في (ص): (أطمار).
(٦) قوله: (فانتهى) سقط من (س) و(ص).
(٧) زيد في (س) و(ص): (ما هو).
(٨) في (ص): (والجهد).
(٩) لم أجده في شيء من كتب الحديث التي بين يديّ، ومعناه صحيح.
(١٠) زيد في (س) و(ص): (فقراء).
[ ٦٣٦ ]
هذهِ الأعصارِ كما (^١) خَلَتْ بواطنُهم عن لطائفِ الأفكارِ ودقائقِ الأعمالِ، ولم يحصُلْ لهم أُنسٌ باللهِ تعالى، وتذكرَةٌ (^٢) في الخلوَةِ، وكانوا بطّالينَ غير مُحترفينَ (^٣) ولا مشغولينَ ومُتقنّعينَ باللّبَاسِ، والمُتقنِّصِينَ (^٤) بقناعِ الجهلِ واليأسِ ظاهِرٌ (^٥)، وقد عمَّ صورةُ خَضِرٍ وإلياسَ ﵉، وباطنُهم مشحونةٌ بالحقدِ والغلِّ واليأسِ (^٦)، وقد (^٧) عمَّ فيهم الضلالُ، واجتمعَ عندَهم الحلالُ والحرامُ، ولا يُميِّزونَ الأصدقاءَ من الأعداءِ، ولا يعرِفُونَ الصوتَ من الصداءِ، وقد أَلِفوا البطالةَ، واستثقلوا العملَ، واستعاروا طُرُقَ الكسبِ، واستلافوا جانِبَ السؤالِ، واستطابُوا الزوايا المبيَّنةَ لهُم (^٨) في البلادِ، ولبسوا خرقةً تشبه خرقةَ المشايخِ، واتَّخذوا من الخانقاهاتِ مُتنزَّهاتٍ.
وربَّما تلقَّنوا (^٩) ألفاظًا مُزخرفةً من الطامّاتِ، فينظرونَ إلى أنفُسِهِم وقد
_________________
(١) في (ص): (لما).
(٢) في (ص): (وبذكره).
(٣) في (س): (متحرفين).
(٤) في (ص): (والمتقنعين).
(٥) قوله: (ظاهر) سقط من (س).
(٦) زيد في (ص): (ونقضُوا أركانَ التصوُّف، وستَروا سبيلَهُ، وهدموا أساسَهُ ومبانيهِ، وغيَّرُوا معانِيهِ بآسامٍ أحدَثوه: سمّوا الطمَعَ زيادةً، وسوءَ الأدبِ إخلاصًا، وارتكابَ المحظوراتِ وجدةً، والتلذُّذَ بالمناهِي وجدًا وطِيبةً، واتّباعَ الهوى والشهواتِ عشقًا وجذبةً، وقلةَ الحياءِ مرتبةً، والرجوعَ إلى الدينا وصولًا، وسوء الخُلُقِ هَيبةً، وشَرَهَ النفسِ واللسانِ انبساطًا، والطّامّاتِ معرفةً، والشعبَذَةَ والكذِبَ كرامةً).
(٧) في (ص): (فقد).
(٨) في (ص): (فهُم).
(٩) في (ص): (تلقفوا).
[ ٦٣٧ ]
شبّهُوا (^١) المشايخَ في خِرقَتِهم وفي سيَاحتِهم وفي لفظِهِم وعباراتِهِم (^٢) وفي آدابِ (^٣) ظاهرِهم من سيرَتِهم، فيظُنُّونَ بأنفُسِهم خيرًا، ويحسَبُونَ أَنَّ كُلَّ سوداءَ تَمرةً، وبيضاءَ شحمةً، فيتوهَّمُونَ (^٤) أَنَّ المُشاركةَ في الظواهِرِ تُوجِبُ المُساهَمةَ في الحقائقِ، هيهات! (^٥).
فما أغدَرَ (^٦) حماقةَ من لا يُميِّزُ بين الشحمِ والوَرَمِ، فهؤلاء بُغَضاءُ اللهِ تعالى.
اللهمَّ، أيقظنا من نَومَةِ (^٧) الغرور والغفلَةِ، واحفظنا من اتّباعِ الهوى والضلالةِ، واهدِنا الصراطَ المُستقيمَ والنهجَ القويمَ إنَّك رؤوفٌ رحيمٌ.
أمَّا بعدُ: فإنَّ الفقيرَ الحقيرَ المُتحيِّرَ في تِيهِ الحَيرَةِ (^٨) والوحشَةِ، والمُبتلَى في دارِ الغُربَةِ بالكربَةِ، والطالِبِ [الحيرَةَ (^٩) مع إساءةِ الأدبِ الزِّيفةِ والقربةِ، والمعترِفَ بكثرةِ الذنوبِ والجريمةِ، والمُقِرَّ بقلَّةِ البضاعةِ، محرِّرَ هذه الفوائدِ، ومُؤلِّفَ هذه الفرائدِ، العبدَ الخائفَ من ذنْبِ نفسِهِ، الأنصاريَّ طاهرَ بنَ إسلامِ بنِ قاسمٍ الأنصاريَّ، بصَّرَهُ الله بعيوبِ نفسِهِ قبل أن يُذيقَهُ الحِمامَ من كأسِهِ، وجُعِلَ يومُه خيرًا من أمسِهِ، وخُتِمَ له وقت خروجِ نَفَسِه، ولقَّنَهُ الجوابَ عندَ دخولِ رَمسِهِ، وجعلَهُ في زمرةِ
_________________
(١) في (س) و(ص): (تشبهوا).
(٢) في (ص): (وعباداتهم).
(٣) في (س): (أدب).
(٤) في (ص): (ويتوهمون).
(٥) زيد في (س): (هيهات).
(٦) في (ص): (أعزر).
(٧) في (س): (نوم).
(٨) زيد في (س) و(ص): (والدهشة والغريق في تيّار بحر الحسرة)، في (س): (الحيرة).
(٩) قوله: (الحيرة): سقط من (س).
[ ٦٣٨ ]
أصحاب اليمين يومَ العرضِ الأكبرِ، ورزَقَهُ شفاعةَ صاحِبِ الحوضِ (^١) والكوثِرِ.
فيسألُ من فضلِ اللهِ تعالى أن يَجعلَ ما جَمَعَهُ خالصًا لحضرَتِهِ، الموصوفِ بالكرمِ، المخصوصِ بالقِدَمِ، ويعفوَ (^٢) عمّا طغَى فيه القلمُ، وزلَّ (^٣) به القدَمُ، ولهى القلبُ، وسهى وقتَ الكتابةِ والرقْمِ، ويرضَى عمَّن طالَعَ في هذا المُختصَرِ، ورأى في النقلِ خَللًا، وفي المعنَى زللًا، وفي اللفظِ خطأً وخطلًا، وفي الإعرابِ فسادًا أو حِولًا أصلحَهُ كرمًا وفضلًا، عصَمَهُ اللهُ تعالى بعصمتِهِ، القديمِ أبدًا وأزلًا، والعُذرُ عند كرامِ الناسِ مَقبولُ.
وقد فَرَغَ المُؤلِّفُ من تسويدِهِ وتنقيحِهِ، وأنامِلُه من تجريدِهِ (^٤) وتعليقِهِ في غُرَّةِ رمضانَ المُبارَكِ (^٥)، عامَ إحدى وسبعينَ وسبعمئةٍ، ثمَّ المأمولُ من كرمِ المارِّ بِهِ (^٦) أنجحَ اللهُ بإنجاحِ مآربِهِ، والمطموعُ مِن إحسانِ الَّذي طالعَ في هذا، ومِن شِيمَتِهِ الكريمة، والمُلتمَسُ مِن أنْعَامِهِ الجسيمةِ؛ أن يَذكُرَ العبدَ العاصي؛ الغريقَ في بحارِ المعاصي؛ والخائفَ يومَ يُؤخَذُ بالنواصي، مؤلِّفَ هذا المُختصَرِ ببعضِ دعَوَاتِهِ في بعض أوقاته؛ خصوصًا عقيبَ مُطالعتِه وقراءَتِهِ في مُستطاباتِ ساعاتِه، في أثناءِ مُناجاتِه، وأشرَفِ أوقاتِهِ؛ ليغفرَ اللهُ لهُ ولوالدَيهِ ولأستاذِهِ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ] (^٧).
_________________
(١) في (ص): (الحوت).
(٢) في (س): (ويعف).
(٣) في (س): (أو زل).
(٤) في (س): (تحريره).
(٥) في (س): (المكرم).
(٦) في (س): (الماربة).
(٧) ما بين معقوفين هو في (ص): (ومؤلفُ هذه الفرائدِ العبدُ الخائفُ من ذنبِ نفسِهِ الأنصاريُّ طاهرُ بن =
[ ٦٣٩ ]
فجمَعَ هذا المختصرَ على أن يكونَ تذكرةٌ مِنْهُ (^١) للإخوانِ في اللهِ المُنقطعينَ إلى اللهِ تعالى كمثلِ بضاعةٍ مَزجيَّةٍ (^٢)؛ رجاءَ (^٣) استيفاءِ الدعاءِ منهم إذا اعتاصَ هذا على أفهامِ العامّةِ: فقدَحُوا فيهِ، وخاضوا فيه فيما لم يُحسِنوا، فأيُّ كلامٍ أفصحُ من كلام ربِّ العالمين؟! وقد قالوا لهُ: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾!
فالمَرجُوُّ من فضلِ اللهِ الخلّاق ألّا يُؤاخِذَه فيما جمعه في رحبات (^٤) هذه الأوراق، المسؤولِ (^٥) منه الرحمةُ والمغفرةُ والثوابُ، إنَّه هو الغفّارُ الوَهّابُ
_________________
(١) = إسلامٍ بنِ قاسمٍ الأنصارِيُّ، بَصَّرَهُ اللهُ على عيوبِ نفسِه، قبل أن يُذيقَهُ الحمامَ من كأسِه، وجَعَلَ يومَهُ خيرًا من أمسِه، وخَتَم لهُ بالخيرِ وقْتَ خُروجِ نفسِه، ولقَّنَهُ الجوابَ عندَ دخولِ رمسِه، وجعلَهُ من زُمْرَةِ أصحابِ اليمينِ يومَ العرضِ الأكبرِ، ورَزَقَهُ شفاعةَ صاحبِ الحوض والكَوثَر، فنسأَلُ من فضلِ اللهِ تعالى أن يجعَلَ ما جمَعَهُ خالصًا لحضرتِهِ الموصوفِ بالكرَمِ، المخصوصِ بالقِدَمِ، ويعفُوَ عمّا عثَرَ فيه القلَم، أو زلَّ به القدَمُ، ولها القلبُ عمّا سهَا وقتَ الكتابةِ والرَّقَم، ويَرْضَى عمّنْ طالعَ في هذا المختصرِ؛ ورأى في النَّقل خللًا، وفي المعنى زللًا، واللفظ حظًّا، وخطبًا، وفي الإعراب فسادًا وحِولًا، وأصلحَهُ كرمًا وفضلًا، عصَمَهُ اللهُ تعالى بعصمَتِهِ القديمِ أبدًا وأزلًا، والعذرُ عندَ كرامِ النّاسِ مقبولُ. وقد فرغَ المؤلِّفُ من تسويدِهِ وتنقيحِهِ، وأنامِلُهُ من تحريرِه وتعليقِه، في غرّةِ رمضانَ المكرَّمِ عام إحدَى وسبعينَ وسبعمئةٍ. ثُمَّ المأمولُ من كرَمِ المارِّ به أنجحَ الله بإنجاحِ مآربِهِ أن يذكُرَ العبدَ العاصي، الغريقَ في بحر المعاصي، والخائفَ يوم يؤخَذُ بالنَّواصي، مؤلِّفَ هذا المختصرَ ببعضِ دعواتِه في بعض أوقاتِه، خصوصًا عقيبَ مطالعتِهِ وقراءتِه، في مستطاباتِ ساعاتِه، في أثناء مناجاتِه، وأشرف أوقاتِه، ليغفرَ اللهُ له ولوالديه ولأساتذتِه، إنَّه هو الغفورُ الرَّحِيمُ).
(٢) قوله: (منه) سقط من (س).
(٣) في (س): (مزجاة).
(٤) زاد في الأصل وفي (ص) قولُه: رجاء (على)!.
(٥) في (ص): (وجنّات).
(٦) في (س): (والمسؤول).
[ ٦٤٠ ]
للمؤمنين سبيلَ الصواب، وإليه المَرجِعُ والمآبُ (^١).
[تمَّت هذه الكتاب، قد وقع الفراغُ من كتابة هذا الكتاب على يد الضعيف عبد الرحيم بنبيري، عفا الله تعالى عنه وعن والديه، وأحسن إليهما وإليه وسائر المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، في محروسة القسطنطينيَّة، حماها الله تعالى عن الآفات والكروب، في أوسط صفر المظفَّر من يوم الأحد، وقتَ العصر، سنة تسعة وثمانين وتسعمئة من هجرة النَّبويَّة، تم] (^٢).
وكان الفراغُ تعليقُه يوم السبت المُبارَك تاسعَ عَشَرَ شَعبان المُعظَّمِ، قدرُه سنة ثمانٍ وستِّين وثمانمئة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربَّنا وإليك المَصيرُ، والحمد لله رب العالمين (^٣).
_________________
(١) قوله: (وإليه المرجع والمآب) هو في (س): (تم بعون الله الوهّاب).
(٢) إلى هنا انتهت النسخة الأصلُ، وما بين معقوفين سقط من (س) و(ص).
(٣) في هامش (ص): (بلَغَ مقابلةً على قدرِ الوسعِ والإمكانِ. والكتابُ كالمكلَّفِ لا يَرتَفِعُ عنهُ القلمُ).
[ ٦٤١ ]