فإِنَّهُ يَجْلو القلبَ ويُصفِّيه، ويُنوِّرُهُ، ويَنضافُ إلى الصفَاءِ الذي حصلَ (^٧) من الجوعِ، ويصيرُ القلبُ كالكوكبِ الدرِّيِّ، والمِرآةِ المجلوَّةِ، فَيَلوحُ فيه جمالُ الحقِّ، ويُشاهِدُ فيه رَفيعَ الدرجاتِ في الآخرةِ، وحقارةَ الدنيا وآفاتِها، فيُتِمُّ به رغبَتَهُ عنِ الدنيا، وإقبالَهُ على الآخرةِ.
والسهرُ أيضًا نتيجةُ الجوعِ، فإنَّ السهرَ مَعَ الشِبَعِ غيرُ ممكنٍ، والنومُ
_________________
(١) زيد في (ص): (وقال).
(٢) (محمد بن عبد الله بن جعفر، والد تمام بن محمد الرازي، له مصنف في أخبار الشافعي وأحواله كتاب جليل حفيل، قاله ابن الصلاح. مات سنة سبع وأربعين وثلاثمئة "العقد المذهب" (١/ ٢٣٣).
(٣) قوله: (أبا): سقط من (س).
(٤) (أَحمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَبو مُحَمَّد الْجريرِي، بِالْجِيم والراءين، كَذَا وجدته، سمع شَيْئًا من السّري، كَانَ الْجُنَيْد يُكرمهُ ويبجله وَإِذا تكلم الْجُنَيْدِ فِي الْحَقَائِقِ قَالَ: هَذَا من بابة أبي مُحَمَّد الْجريرِي، توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَثَلاثمئَة) "الوافي بالوفيات" (٧/ ٢٤٧).
(٥) زيد في (ص): (الرياضة من).
(٦) قوله: (ومخذول): سقط من (ص).
(٧) في (ص): (يحصل).
[ ٦٢٢ ]
يُقسِّي القلبَ ويُميتُهُ؛ إلَّا إذا كان بِقَدْرِ الحاجةِ أو الضرورةِ (^١)، فيكونُ سببَ المُكاشفةِ لأسرارِ الغيبِ.
فقدْ قيلَ في صفةِ الأبدالِ: إنَّ (^٢) أكلَهُم فاقةٌ، ونومَهُم غَلبَةٌ، وكلامَهُم ضرورةٌ.
وقال إبراهيم الخوّاصُ: اجتمعَ رأيي ورأيُ (^٣) سبعينَ صدِّيقًا على أنَّ كثرةَ النومِ مِنْ كَثرَةِ شُربِ الماءِ، وكثرةُ شُربِ الماءِ من كثرةِ الأكلِ.
وكان وصيةُ شيخِي ومُرشِدي بِمنزلةِ رُوحي في جَسِدي لمريديهِ بِتركِ شُربِ الماءِ في بابِ (^٤) الرياضةِ، وكانَ بَيْنَ إخواننا سالكونَ مَا شَرِبَ (^٥) الماءَ مُدَّةً مديدةً، وزمانًا بعيدةً، وفي سببِ المُكاشفَةِ له أثرٌ عظيمٌ (^٦).
_________________
(١) في (ص): (والضرورة).
(٢) قولهم: (إن): سقط من (س).
(٣) قوله: (رأيي ورأي) هو في (ص): (رأي).
(٤) في (ص): (إناء بين).
(٥) في (س) و(ص): (شربوا).
(٦) زيد في (ص): (وأمّا الصمتُ فإِنَّهُ يُدِيمُ التصفيةَ التي تحصُلُ من السهرِ، ويزيدُ الحضورَ؛ لأنَّ تفرِقَةَ الخاطرِ وتكديرَهُ من التكلُّمِ بما لا يَعني، وبه يقسُو القلبُ؛ فإنَّ اللسانَ صغيرٌ حِرْمُهُ، عظيمٌ جُرْمُهُ، وهو رَحبُ الميدانِ، ليس له مَرَدٌّ، ولا لمجالِه مُنتَهىً وحدٌّ، فمن أطلَقَ عَزْبَةَ اللسانِ، وأَهْمَلَهُ مُرْخَى العنانِ؛ سلكَ به الشيطانُ في كلِّ ميدانٍ، وساقَهُ إلى جُرُفٍ هارٍ، إلى أن يَضطَرَّهُ إِلى البوارِ، ولا يَكُبُّ الناسَ على مناخِرِهم إلا حصائدُ ألسنتِهِم، ولا يُنجِي مِنْ شَرِّ اللسانِ إلا أنْ يُقيَّد بلجامِ الشرعِ؛ فلا يُطلَقَ إلا فيما ينفَعُ في الدنيا والآخرةِ، ويُكفَّ عن كلِّ ما يُخشَى غائلَتُهُ في عاجِلِهِ وآجِلِهِ. وأعصَى الأعضاءِ على الإنسانِ اللسانُ، فإنّه لا تَعَبَ في تحريكِهِ، ولا مؤنة في إطلاقِهِ، وقد تساهَلَ الخلقُ في الاحترازِ عن آفاتِه وغوائِلِه، والحذرِ من مصائِدِهِ وحبائِلِه، وإنه أعظمُ آلةٍ للشيطانِ في استغواءِ الإنسانِ).
[ ٦٢٣ ]