قَوْلُهُ (وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لِلتَّوَثُّقِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِدَرْءِ الْحُدُودِ وَتَرْكِ التَّوَثُّقِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ وَفِي الْهِدَايَةِ مَعْنَاهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُجْبَرُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ وَفِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ فَيَلِيقُ بِهِمَا الِاسْتِيثَاقُ بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَلَوْ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ وَصُورَتُهُ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فِي قَذْفٍ فَأَنْكَرَهُ فَسَأَلَ الْمُدَّعِي الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُ لَازِمْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ قِيَامِي فَإِنْ أَحْضَرَ شُهُودَهُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَاضِي وَإِلَّا خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَعِنْدَهُمَا يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُقِيمَ لَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالْكَفِيلُ إنَّمَا يَضْمَنُ الْإِحْضَارَ. وَأَمَّا نَفْسُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصُ فَلَا يَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْكَفِيلِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ فَجَائِزَةٌ مَعْلُومًا كَانَ الْمَالُ الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ مَجْهُولًا إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ تَكَفَّلْت عَنْهُ بِأَلْفٍ أَوْ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا يُدْرِكُك مِنْ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَيْعِ)؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْكَفَالَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ فَيَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا مِثْلُ أَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ وَالْقَرْضِ وَالصَّدَاقِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ بِخِلَافِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ إزَالَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَالْكَفِيلُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ قَوْلُهُ (وَالْمَكْفُولُ لَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ طَالَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ كَفِيلَهُ)؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِيَامَ الْأَوَّلِ لَا الْبَرَاءَةَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا الضَّمُّ.