(بَابُ الْأَذَانِ) الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِعْلَامُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إعْلَامٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ جُعِلَتْ عَلَمًا لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِعْلَامِ إذْ الْإِعْلَامُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْمُعْلَمِ بِهِ فَلَا بُدَّ لِلْأَخْبَارِ مِنْ سَابِقَةِ وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَلِأَنَّ أَثَرَ الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ الْخَوَاصِّ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَذَانُ إعْلَامٌ فِي حَقِّ الْعَوَامّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ أَوْ لِزِيَادَةِ مَرْتَبَةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْإِمَامُ الْكُرْدِيُّ: حَقِيقٌ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِالْوَقْتِ فَإِذَا لَمْ يَتَنَبَّهْهُ بِالْوَقْتِ فَلْيُنَبِّهْهُ الْأَذَانُ، قَالَ - ﵀ - (الْأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) الْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ الْأَذَانِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَمْ الْإِمَامَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ» فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ، وَالْأَمِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الضَّمِينِ وَلِأَنَّهُ - ﵇ - «دَعَا لِلْأَئِمَّةِ بِالرُّشْدِ وَدَعَا لِلْمُؤَذِّنِينَ بِالْمَغْفِرَةِ» وَالْغُفْرَانُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّشْدِ
[ ١ / ٤٣ ]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُمَنَاءُ أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ فَلَا يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ مُشْرِفُونَ عَلَى مَوَاضِعَ عَالِيَةٍ فَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَئِمَّةً وَلَمْ يَكُونُوا مُؤَذِّنِينَ وَهُمْ لَا يَخْتَارُونَ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَفْضَلَهَا
(قَوْلُهُ: سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْجُمُعَةُ) فَإِنْ قِيلَ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْخَمْسِ فَلِمَ أَفْرَدَهَا وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ؟ قِيلَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَذَانَيْنِ وَلِتَتَمَيَّزَ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْعِيدَيْنِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الْإِمَامِ وَالْمِصْرِ فَرُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهَا كَالْعِيدِ
(قَوْلُهُ: دُونَ مَا سِوَاهَا) كَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.
(قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الْأَذَانِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ) أَيْ أَكْبَرُ مِمَّا اشْتَغَلْتُمْ بِهِ وَطَاعَتُهُ أَوْجَبُ فَاشْتَغِلُوا بِطَاعَتِهِ وَاتْرُكُوا أَعْمَالَ الدُّنْيَا وَكَانَ السَّلَفُ إذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ كَانُوا فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُخَالِفٍ لَكُمْ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ - ﵇ - ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) مُحَمَّدٌ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَيْ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ أَخْبَارَ الَّذِي بَعَثَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ جَاءَتْ الْإِبِلُ رُسُلًا أَيْ مُتَتَابِعَةً وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَلِيهِ ذِكْرُ نَبِيِّهِ - ﵇ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي فَهُوَ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ النَّبِيَّ - ﷺ -:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ مِنْ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ إذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدٌ
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَيْهَا
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَى مَا فِيهِ فَلَاحُكُمْ وَنَجَاتُكُمْ وَالْفَلَاحُ هُوَ النَّجَاةُ وَالْبَقَاءُ وَالْمُفْلِحُونَ هُمْ النَّاجُونَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُرَجِّعُ وَهُوَ أَنْ يُرَجِّعَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ سِرًّا إلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَنَّ «بِلَالًا - ﵁ - أَذَّنَ لِلْفَجْرِ ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ نَائِمٌ فَقَالَ بِلَالٌ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ مَا أَحْسَنَ هَذَا اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك لِلْفَجْرِ» فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا أَيْضًا فِي أَذَانِ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَوْجُودٌ فِيهَا إذْ السُّنَّةُ تَأْخِيرُهَا إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَنَامُ قَبْلَهَا قِيلَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْفَجْرِ مَعْدُومٌ فِي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَنَامُونَ قَبْلَ أَذَانِ الْعِشَاءِ فِي الْغَالِبِ وَإِنَّمَا يَنَامُونَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْفَجْرِ فَإِنَّ النَّوْمَ فِيهَا قَبْلَ الْأَذَانِ وَلِأَنَّ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - ﵀ -
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فِيمَا يَقُولُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَيْ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يُتَابِعُ وَفِي قِرَاءَةِ الْفِقْهِ لَا يُتَابِعُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ لَا يَفُوتُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ لَا بِاللِّسَانِ حَتَّى لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَمْشِ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُجِيبًا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ عَلَيْهِ إجَابَةٌ.
وَفِي الْفَوَائِدِ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَقْرَأُ فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى قِرَاءَتِهِ وَيَنْبَغِي لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي حَالِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِجَابَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ) وَهُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ وَلَا تَطْرِيبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى
[ ١ / ٤٤ ]
رِسْلِك أَيْ عَلَى رِفْقِك
(قَوْلُهُ: وَيَحْدُرُ فِي الْإِقَامَةِ) الْحَدْرُ الْوَصْلُ وَالسُّرْعَةُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ فَإِنْ تَرَسَّلَ فِيهِ أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا أَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْأَذَانِ وَيُكْرَهُ التَّغَنِّي فِي الْأَذَانِ وَالتَّطْرِيبُ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْغِضُك فِي اللَّهِ قَالَ وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّك تَتَغَنَّى فِي أَذَانِك، وَرُوِيَ أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرَّبَ فِي أَذَانِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) أَيْ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ وَذَلِكَ يُوجَدُ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَ إلَى الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا) يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْيَمِينِ وَالْفَلَاحَ فِي الشِّمَالِ وَهَلْ يُحَوِّلُ قَدَمَيْهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ لَا إلَّا إذَا كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ نَوَاحِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُحَوِّلَ قَدَمَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَالْمَعْنَى بِالتَّحْوِيلِ إعْلَامُ النَّاسِ وَهُمْ فِي الْأَرْبَعِ الْجِهَاتِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ قُدَّامَهُ وَوَرَاءَهُ لَكِنْ تَرَكَ التَّحْوِيلَ إلَى وَرَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَمِنْ قُدَّامِهِ قَدْ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالتَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ وَهَلْ يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ قِيلَ لَا؛ لِأَنَّهَا إعْلَامٌ لِلْحَاضِرِينَ بِخِلَافِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ إعْلَامٌ لِلْغَائِبِينَ، وَقِيلَ يُحَوِّلُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مُتَّسِعًا وَيَجْعَلُ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا فَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَإِنْ تَرَكَهُ لَا يَضُرُّ وَيُؤَذِّنُ قَائِمًا فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ يَعْنِي إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ أَمَّا إذَا أَذَّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا الْإِعْلَامَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَذَّنَ الْمُسَافِرُ رَاكِبًا فَلَا بَأْسَ وَيَنْزِلُ لِلْإِقَامَةِ وَيُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فَإِنْ عَرَفَ الْقَوْمُ حَاجَتَهُ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طَلَبٍ جَازَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُون الْمُؤَذِّنُ فَاسِقًا فَإِنْ صَلَّوْا بِأَذَانِهِ أَجْزَأَهُمْ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْأَذَانِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَهِيَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَادُ أَذَانُ أَرْبَعَةٍ الْمَجْنُونِ وَالْجُنُبِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا يُعَادُ أَذَانُهُ فَإِنْ أُعِيدَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَصِحُّ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَذَانٌ وَأَشَارَ فِي شَرْحِهِ لِلْكَرْخِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْوَادِي إلَى أَنْ أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ فَلَمَّا انْتَبَهَ - ﷺ - قَالَ قُومُوا ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا - ﵁ - فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْفَجْرَ»
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الثَّانِيَةِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الْغَائِبِينَ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِقَامَةُ لِإِعْلَامِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَهُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجُونَ وَهَذَا إذَا قَضَاهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا قَضَاهَا فِي مَجَالِسَ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى وُضُوءٍ) فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ فِي الْأَذَانِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ فَالْأَذَانُ أَوْلَى لَكِنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ وَهُوَ جُنُبٌ) فَإِنْ أَذَّنَ أُعِيدَ أَذَانُهُ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ بِالْجَنَابَةِ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْوَقْتِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ مِنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْتَفِتُ فِيهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا تَحْرِيمَةَ فِيهِ وَلَا قِرَاءَةَ فَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَهُوَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ تَجْهِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ» وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - سَمِعَ مُؤَذِّنًا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فَقَالَ أَمَا خَشِيتَ أَنْ يَنْقَطِعَ مُرَيْطَاؤُكَ
[ ١ / ٤٥ ]
وَهُوَ عِرْقٌ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ وَالتَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَيُكْرَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعٍ وَيَقَظَةٍ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَصِفَتُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ إمَّا بِقَوْلِهِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ أَوْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.