(بَابُ الْإِحْصَارِ) الْإِحْصَارُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ يُقَالُ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الْمُحْرِمِ عَنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالدَّمِ بِشَرْطِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ قَالَ - ﵀ - (إذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِعَدُوٍّ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُضِيِّ حَلَّ لَهُ التَّحَلُّلُ) ذِكْرُ الْعَدُوِّ يَنْتَظِمُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالسَّبْعَ وَكَذَا إذَا أُحْصِرَ بِحَبْسٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ وَكَذَا إذَا مَاتَ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَكَذَا إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ أَوْ مَاتَتْ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْمَشْيِ فَهُوَ مُحْصَرٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ (قَوْلُهُ وَقِيلَ لَهُ ابْعَثْ بِشَاةٍ تُذْبَحُ بِالْحَرَمِ) أَوْ بِقِيمَتِهَا وَلَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ وَتَقْيِيدُهُ بِالْحَرَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ فِي الْحِلِّ فَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ وَذَبَحَ مَكَانَهُ حَلَّ وَإِنْ ذَبَحَ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَوْ لَمْ يَذْبَحْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَاعَدَهُمْ فِيهِ فَحَلَّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْلَالِهِ وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ كَمَا كَانَ حَتَّى يَذْبَحَ عَنْهُ فَإِنْ بَعَثَ بِهَدْيَيْنِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِذَبْحِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَالْآخَرُ يَكُونُ تَطَوُّعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَارِنًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَبْحِ الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ وَوَاعَدَ بِهَا مَنْ يَحْمِلُهَا لِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ) إنَّمَا يُوَاعَدُهُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُ لَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُوَاعَدَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَتَحَلَّلُ) أَيْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ يَتَحَلَّلُ بِالْحَلْقِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قِيلَ الْحَلْقُ وَاجِبٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا وَالتَّحَلُّلُ يَقَعُ بِالذَّبْحِ عِنْدَنَا وَهَذَا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَمَّا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ فَالْحَلْقُ وَاجِبٌ كَذَا فِي شَرْحِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَأَرَادَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فَعَلَ أَدْنَى مَا يَحْظُرُهُ الْإِحْرَامُ لِيَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ قَارِنًا بَعَثَ بِدَمَيْنِ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى التَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامَيْنِ فَإِنْ بَعَثَ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَيَبْقَى فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهُمَا شُرِعَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ فَهُوَ مُحْرِمٌ إلَى أَنْ يَجِدَهُ أَوْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يُقَوَّمُ الْهَدْيُ بِالطَّعَامِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا فَإِنْ أَدْرَكَ الْمُحْصَرُ هَدْيَهُ بَعْدَمَا بَعَثَ بِهِ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ بَعَثَ هَدْيَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ فَلَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ ذُبِحَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يُذْبَحْ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ الْإِحْصَارِ إلَّا فِي الْحَرَمِ وَيَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ لِمُحْصَرٍ بِالْحَجِّ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ) اعْتِبَارًا بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَخَصَّهُ بِمَكَانٍ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِزَمَانٍ وَلِأَنَّهُ دَمُ كَفَّارَةٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنْهُ فَيَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ الذَّبْحُ مَتَى شَاءَ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَخْتَصُّ التَّحَلُّلُ مِنْهَا بِيَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يَخْتَصُّ هَدْيُ الْإِحْصَارِ فِيهَا بِيَوْمِ النَّحْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ إذَا تَحَلَّلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) هَذَا إذَا قَضَى الْحَجَّ
[ ١ / ١٧٨ ]
مِنْ قَابِلٍ أَمَّا إذَا قَضَاهُ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّ الْإِحْصَارَ مِنْهَا مُتَحَقِّقٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَحَقَّقُ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّتُ لَنَا أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا عُمَّارًا فَحَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالنَّبِيُّ - ﵇ - حَلَقَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قُلْت ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ الْمُحْصَرَ إنَّمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَمَّا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَحْلِقُ لِأَنَّ الْحَلْقَ عِنْدَهُمَا مُؤَقَّتٌ بِالْحَرَمِ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ مُحْصَرًا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَبَعْضُهَا مِنْ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) أَمَّا الْحَجُّ وَإِحْدَاهُمَا فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُفْرِدِ وَالثَّانِيَةُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْرُنْ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا قَرَنَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعُمْرَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا فِي الْمُفْرِدِ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِذَا بَعَثَ الْمُحْصَرُ هَدْيًا وَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ وَالْحَجِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ وَلَزِمَهُ الْمُضِيُّ) لِزَوَالِ الْعَجْزِ فَإِذَا أَدْرَكَ هَدْيَهُ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ دُونَ الْحَجِّ تَحَلَّلَ) بِذَبْحِ الْهَدْيِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ دُونَ الْهَدْيِ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ اسْتِحْسَانًا) وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُمَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَمَنْ يُدْرِكُ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْهَدْيَ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ تَوْقِيتِ الدَّمِ بِيَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَهُ وَذَكَرَ الْمَكِّيُّ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ يُتَصَوَّرُ أَيْضًا عَلَى الْإِجْمَاعِ كَمَا إذَا أُحْصِرَ فِي عَرَفَةَ وَأَمَرَهُمْ بِالذَّبْحِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ فَزَالَ الْإِحْصَارُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْحَجَّ دُونَ الْهَدْيِ لِأَنَّ الذَّبْحَ بِمِنًى وَلَوْ أَنَّ الْمُحْصَرَ ذَهَبَ إلَى الْقَضَاءِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَحَلَّلَ بِالذَّبْحِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ الْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ كَانَ مُحْصَرًا) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ وَكَذَا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ أَيْضًا فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ) أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ دُونَ الْوُقُوفِ فَلِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهِ وَالدَّمُ بَدَلٌ عَنْهُ فِي التَّحَلُّلِ وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْوُقُوفِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَلَا يَكُونُ مُحْصَرًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا هَلْ يَتَحَلَّلُ قِيلَ لَا لِأَنَّهُ لَوْ تَحَلَّلَ فِي مَكَانِهِ يَقَعُ التَّحَلُّلُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَهُوَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْحَرَمِ وَلَوْ أَخَّرَ التَّحَلُّلَ حَتَّى يَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ يَقَعُ فِي غَيْرِ زَمَانِ الْحَلْقِ وَالتَّأْخِيرُ عَنْ الزَّمَانِ أَهْوَنُ مِنْ التَّأْخِيرِ عَنْ الْمَكَانِ فَيُؤَخِّرُ الْحَلْقَ حَتَّى يَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ وَقِيلَ يَتَحَلَّلُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْحِلِّ رُبَّمَا يَمْتَدُّ الْإِحْصَارُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَيَفُوتُ عَنْهُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ جَمِيعًا فَتَحَمُّلُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.