(بَابُ الشَّهِيدِ) سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ
[ ١ / ١١٠ ]
وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ قَالَ - ﵀ - (الشَّهِيدُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ) سَوَاءٌ كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا بِحَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي مَعْنَى الْمُشْرِكِينَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَالْبُغَاةُ وَكَذَا إذَا أَوْطَأَتْهُ دَوَابُّ الْعَدُوِّ وَهُمْ رَاكِبُوهَا أَوْ سَائِقُوهَا أَوْ قَائِدُوهَا وَأَمَّا إذَا نَفَرَ فَرَسُ الْمُسْلِمِ مِنْ دَوَابِّ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيرٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ رَايَاتِ الْعَدُوِّ أَوْ مِنْ سَوَادِهِمْ حَتَّى أَلْقَى رَاكِبَهُ فَمَاتَ لَا يَكُونُ شَهِيدًا وَكَذَا الْمُسْلِمُونَ إذَا انْهَزَمُوا فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْخَنْدَقِ أَوْ مِنْ السُّورِ فَمَاتُوا لَمْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ هُمْ الَّذِينَ أَلْقَوْهُمْ بِالطَّعْنِ أَوْ الدَّفْعِ أَوْ الْكَرِّ عَلَيْهِمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ) الْمَعْرَكَةُ مَوْضِعُ الْقِتَالِ وَالْأَثَرُ الْجِرَاحَةُ وَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ غُسِّلَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْعُفُ وَيَبُولُ دَمًا وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَمِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ غُسِّلَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْجَوْفِ لَمْ يُغَسَّلْ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِلَوْنِ الدَّمِ فَالنَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ صَافٍ وَالْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ عَلَقٌ وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ الْمُشْرِكِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ وَلَا لَهَا سَائِقٌ وَلَا قَائِدٌ فَأَوْطَأَتْ مُسْلِمًا فِي الْقِتَالِ فَقَتَلَتْهُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ بَلْ بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الْعَجْمَاءِ وَفِعْلُهَا غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالظُّلْمِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ صَارَ قَتِيلًا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
(قَوْلُهُ أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا) قَيَّدَ بِالظُّلْمِ احْتِرَازًا عَنْ الرَّجْمِ فِي الزِّنَا وَالْقِصَاصِ وَالْهَدْمِ وَالْغَرْقِ وَافْتِرَاسِ السَّبُعِ وَالتَّرَدِّي مِنْ الْجَبَلِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ)
يَعْنِي مُبْتَدَأَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ وَلَدَهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ وَهُوَ شَهِيدٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُبْتَدَأَةً بَلْ الْوَاجِبُ أَوَّلًا الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَحَرَّزَ أَيْضًا مِمَّا إذَا قُتِلَ ظُلْمًا وَوَجَبَتْ بِقَتْلِهِ الدِّيَةُ كَالْمَقْتُولِ خَطَأً أَوْ قُتِلَ وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فِي الْمَحَلَّةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَتَلُوهُ بِالْمُثْقَلِ فَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ شَهِيدٌ (قَوْلُهُ فَيُكَفَّنُ) أَيْ يُلَفُّ فِي ثِيَابِهِ (قَوْلُهُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الشُّهَدَاءَ بِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ وَالصَّلَاةُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَوْتَى وَلِأَنَّ «السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ» فَأَغْنَى عَنْ الشَّفَاعَةِ لَهُ وَالصَّلَاةُ هِيَ شَفَاعَةٌ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﵇ - صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَقَالَ - ﷺ - صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَا وَالطَّاهِرُ عَنْ الذُّنُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الدُّعَاءِ كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ قُلْنَا هُوَ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ حَتَّى أَنَّهُ يُورَثُ مَالُهُ وَتَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا اُسْتُشْهِدَ الْجُنُبُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ جُنُبًا بِقَوْلِهِ قَبْلَ الْقِتَالِ أَوْ بِقَوْلِ امْرَأَتِهِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً لَا رَافِعَةً فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ثَوْبِ الشَّهِيدِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ الدَّمِ تُغْسَلُ تِلْكَ النَّجَاسَةُ وَلَا يُغْسَلُ الدَّمُ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا مَنَعَتْ دَمَهُ مِنْ كَوْنِهِ نَجِسًا وَلَمْ تَرْفَعْ النَّجَاسَةَ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الدَّمِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا الصَّبِيُّ) يَعْنِي إذَا اُسْتُشْهِدَ الصَّبِيُّ غُسِّلَ عِنْدَهُ أَيْضًا وَكَذَا الْمَجْنُونُ لِأَنَّ «السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ» وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا ذُنُوبٌ فَكَانَ الْقَتْلُ فِيهِمَا كَالْمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهِمَا.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُغَسَّلَانِ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ أَيْ أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الصَّلَاةُ وَقَدْ سَقَطَتْ بِالْمَوْتِ فَسَقَطَ وُجُوبُ الْغُسْلِ لِسُقُوطِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالْغُسْلُ الثَّانِي الَّذِي لِلْمَوْتِ سَقَطَ بِالشَّهَادَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ أُقِيمَ مُقَامَ الْغُسْلِ كَالذَّكَاةِ فِي الشَّاةِ أُقِيمَتْ مُقَامَ الدِّبَاغِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يُغَسَّلَانِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا لِأَنَّ الشَّهِيدَ إنَّمَا لَا يُغَسَّلُ لِإِبْقَاءِ أَثَرِ الظُّلْمِ وَالظُّلْمُ فِي حَقِّهِمَا أَشَدُّ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُغْسَلُ عَنْ الشَّهِيدِ دَمُهُ) لِقَوْلِهِ - ﵇ - فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَكُلُومِهِمْ» وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ نَجِسٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا صَلَّى حَامِلًا الشَّهِيدَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنْ وَقَعَ دَمُهُ فِي ثَوْبِ إنْسَانٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْخُفُّ وَالْحَشْوُ وَالسِّلَاحُ) الْفَرْوُ الْمَصْنُوعُ مِنْ جُلُودِ الْفِرَاءِ وَالْحَشْوُ الثَّوْبُ الْمَحْشُوُّ قُطْنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَبِسَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِدَفْعِ بَأْسِ الْعَدُوِّ وَقَدْ اُسْتُغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ اُرْتُثَّ غُسِّلَ) اُرْتُثَّ عَلَى مَا لَمْ
[ ١ / ١١١ ]
يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ رَثِيثًا أَيْ جَرِيحًا وَبِهِ رَمَقٌ وَالرَّثُّ الشَّيْءُ الْخَلَقُ وَهَذَا صَارَ خَلَقَا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخِفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الدَّائِنَ إذَا مَلَكَ الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ سَقَطَ عَنْهُ الدَّيْنُ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ وَهُنَا قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ الْمَبِيعَةَ إلَيْهِ وَعَلَيْهَا دُيُونٌ بِمَعْنَى الذُّنُوبِ فَتَسْقُطُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﵇ - «السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ» ثُمَّ الْبَيْعُ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ الْعَاقِلِ الْمُمَيِّزِ وَلِهَذَا يُغَسَّلُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا وَكَذَا إذَا اُرْتُثَّ لِأَنَّ الِارْتِثَاثَ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِ الْبَائِعِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ.
(قَوْلُهُ وَالِارْتِثَاثُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَتَدَاوَى) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عِطَاشًا وَالْكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ يُرْوَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا مَاءً فَكَانَ السَّاقِي يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ إذَا عَرَضَ الْمَاءَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْهُمْ أَشَارَ إلَى صَاحِبِهِ حَتَّى مَاتُوا كُلُّهُمْ عَطَاشَى فَإِنْ أَوْصَى إنْ كَانَ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ مُرْتَثًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَاتِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ مُرْتَثًّا لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ فَإِنْ كَانَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فَهُوَ مُرْتَثٌّ إجْمَاعًا وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ الْقِتَالِ سَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ مِنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ فَوَجَدَهُ فِي بَعْضِ الشِّعَابِ وَبِهِ رَمَقٌ فَقَالَ لَهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُقْرِئُك السَّلَامَ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَقْرِئْ رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ بِي كَذَا وَكَذَا طَعْنَةً كُلُّهَا أَصَابَتْ مَقَاتِلِي وَأَقْرِئْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ إنَّ بِي جِرَاحَاتٍ كُلُّهَا أَصَابَتْ مَقَاتِلِي فَلَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ ثُمَّ مَاتَ» فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ فَلَمْ يُغَسَّلْ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ أَوْ يَبْقَى حَيًّا حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ) لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبْقَى ثُلُثَيْ نَهَارٍ قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَاتِ أَبِي يُوسُفَ
وَيُغَسَّلُ الْمَقْتُولُ إنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ أَوْ انْقَضَى ثُلُثَا نَهَارٍ وَهُوَ حَيُّ
وَمَا تَمَامُ الْيَوْمِ شَرْطًا يَا بُنَيُّ
وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا مَكَثَ فِي الْمَعْرَكَةِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَيًّا وَالْقَوْمُ فِي الْقِتَالِ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ لَا يَعْقِلُ فَهُوَ شَهِيدٌ وَالِارْتِثَاثُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ تَصَرُّمِ الْقِتَالِ.
(قَوْلُهُ أَوْ يُنْقَلُ مِنْ الْمَعْرَكَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ)
لِأَنَّهُ نَالَ بِهِ بَعْضَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ إلَّا إذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا فِي الشَّهِيدِ الْكَامِلِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ وَإِلَّا فَالْمُرْتَثُّ شَهِيدٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ فِي الشَّهَادَةِ حَتَّى أَنَّهُ يُغَسَّلُ
(قَوْلُهُ وَمَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ظُلْمًا.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْبُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُغَسَّلْ) عُقُوبَةً لَهُ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا أُخِذَ الْبَاغِي وَأُسِرَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَمَنْ قَتْلَ نَفْسَهُ خَطَأً بِأَنْ أَرَادَ ضَرْبَ الْعَدُوِّ فَأَصَابَ نَفْسَهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ وَالْبَاغِي لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يُحَارِبْ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -» وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ السَّبُعُ أَوْ مَاتَ تَحْتَ هَدْمٍ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ