قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الشَّرْطُ سَبَبًا لَهُ وَمُلَائِمًا لَهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْحَقِّ كَقَوْلِهِ مَا بَايَعْت فُلَانًا أَوْ دَايَنْته أَوْ مَا ثَبَتَ لَك عَلَيْهِ فَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ الشَّرْطُ. وَأَمَّا الْمَالُ فَيَلْزَمُ الْكَفِيلَ حَالًّا وَإِنْ تَكَفَّلَ إلَى أَجَلٍ إنْ كَانَ أَجَلًا مُعَيَّنًا يَتَعَارَفُهُ التُّجَّارُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ تَكَفَّلَ إلَى الْحَصَادِ أَوْ الدِّيَاسِ أَوْ الْقِطَافِ جَازَ، وَإِنْ قَالَ إلَى أَنْ تُمْطِرَ السَّمَاءُ فَالْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ وَالتَّأْجِيلُ بَاطِلٌ وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا قَوْلُهُ (مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَا بَايَعْت فُلَانًا فَعَلَيَّ أَوْ مَا ذَابَ لَك
[ ١ / ٣١٢ ]
عَلَيْهِ) أَيْ تَقَرَّرَ (فَعَلَيَّ) إنَّمَا قَالَ فُلَانًا لِيُعْلَمَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ مَا بَايَعَتْ مِنْ النَّاسِ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ لَمْ يَجُزْ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَالْمَكْفُولِ بِهِ فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي شَاهَانْ، وَإِنْ قَالَ مَا ذَابَ لَك عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ عَلَيَّ لَمْ تَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَا ذَابَ عَلَيْك لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ عَلَيَّ لَمْ تَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ تَكَفَّلْت بِمَا لَك عَلَيْهِ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ ضَمِنَهَا الْكَفِيلُ) إنَّمَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِالْمَجْهُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ كَفِيلٌ وَحِمْلُ الْبَعِيرِ مَجْهُولٌ قَدْ يَزِيدُ، وَقَدْ يَنْقُصُ قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي مِقْدَارِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ الْمُلْتَزِمُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى كَفِيلِهِ)؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ (وَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ)؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِثُبُوتِ الرُّجُوعِ إذْ هُوَ عِنْدَ أَمْرِهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ) هَذَا إذَا كَانَ الْآمِرُ مِمَّنْ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالدُّيُونِ وَيَمْلِكُ التَّبَرُّعَ حَتَّى لَوْ كَانَ صَبِيًّا مَحْجُورًا أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ فَالْكَفَالَةُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ إذَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اضْمَنْ لِفُلَانٍ عَنِّي بِأَلْفٍ لَهُ عَلَيَّ أَمَّا إذَا قَالَ اضْمَنْ الْأَلْفَ الَّذِي لِفُلَانٍ عَلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا،.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ حِرِّيفًا لَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ حِرِّيفًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا اسْتِحْسَانًا وَالْخَلِيطُ هُوَ الَّذِي فِي عِيَالِهِ كَالْوَالِدِ الَّذِي هُوَ فِي عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ مِنْ الْأُجَرَاءِ وَالشَّرِيكِ شَرِكَةَ عِنَانٍ وَقِيلَ الْخَلِيطُ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ وَيُدَايِنُهُ وَيَضَعُ عِنْدَهُ الْمَالَ، وَلَوْ تَكَفَّلَ الْعَبْدُ عَنْ مَوْلَاهُ بِأَمْرِهِ فَعَتَقَ ثُمَّ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَقَوْلُهُ رَجَعَ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ هَذَا إذَا أَدَّى مِثْلَ الدَّيْنِ الَّذِي ضَمِنَهُ قَدْرًا وَصِفَةً أَمَّا إذَا أَدَّى خِلَافَهُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ لَا بِمَا أَدَّى كَمَا إذَا تَكَفَّلَ بِصِحَاحٍ أَوْ جِيَادٍ فَأَدَّى مُكَسَّرَةً أَوْ زُيُوفًا وَتَجَوَّزَ بِهَا الطَّالِبُ أَوْ أَعْطَاهُ دَنَانِيرَ أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ أَيْ بِالصِّحَاحِ وَالْجِيَادِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الدَّيْنَ بِالْأَدَاءِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَمْلِكَ الدَّيْنَ بِالْأَدَاءِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ كَفَلَ لِلرَّجُلِ بِأَلْفٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَمَاتَ الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ وَارِثُهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ وَمَلَكَهُ، وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمَكْفُولِ عَنْهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَفَلَ بِأَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ الْمَالَ عَنْهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ الطَّالِبُ الْمَالَ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ كَذَا فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلْكَفِيلِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ بِالْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ فِي حُكْمِ الْمُقْرِضِ وَمَنْ سَأَلَ رَجُلًا أَنْ
[ ١ / ٣١٣ ]
يُقْرِضَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ لُوزِمَ بِالْمَالِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ) يَعْنِي مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ.
وَكَذَا إذَا حُبِسَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ وَمَا لَحِقَهُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُعَامِلَهُ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ قَوْلُهُ (وَإِذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَكْفُولَ عَنْهُ أَوْ اسْتَوْفَى مِنْهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ) سَوَاءٌ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إنَّمَا ضَمِنَ مَا فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فَإِذَا أَدَّى مَا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْء تَعُودُ الْكَفَالَةُ إلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ الْبَرَاءَةَ فَإِنْ رَدَّهَا ارْتَدَّتْ وَهَلْ يَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى الْكَفِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَعُودُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَعُودُ، وَلَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْقَبُولِ قَوْلُهُ (وَإِنْ بَرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يُبْرَأْ الْأَصِيلُ)، وَكَذَا إذَا أَخَّرَ الطَّالِبُ عَنْ الْأَصِيلِ فَهُوَ تَأْخِيرٌ عَنْ كَفِيلِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ عَنْ الْكَفِيلِ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرًا عَنْ الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ وَبَرَاءَةُ الْكَفِيلِ لَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الْبَرَاءَةَ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ الرَّدِّ فَيَقُومَ ذَلِكَ مَقَامَ الْقَبُولِ، وَلَوْ رَدَّهُ ارْتَدَّ وَدُيِّنَ الطَّالِبُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْكَفِيلَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ سَوَاءٌ قَبِلَ الْبَرَاءَةَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ وَهَبَ لَهُ الدَّيْنَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فَإِذَا قَبِلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَصِيلِ كَمَا إذَا أَدَّى، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْت إلَيَّ صَارَ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ قَالَ أَبْرَأْتُك بَرِئَ الْكَفِيلُ وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ، وَإِنْ قَالَ بَرِئْت وَلَمْ يَقُلْ إلَيَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ كَقَوْلِهِ بَرِئْت إلَيَّ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ كَقَوْلِهِ أَبْرَأْتُك يَبْرَأُ الْكَفِيلُ خَاصَّةً دُونَ الْأَصِيلِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ كَسَائِرِ الْبَرَاءَاتِ وَيُرْوَى أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةَ دُونَ الدَّيْنِ فَكَانَ إسْقَاطًا مَحْضًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْكَفِيلِ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ إبْرَاءِ الْأَصِيلِ. وَأَمَّا بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ (وَكُلُّ حَقٍّ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) مَعْنَاهُ بِنَفْسِ الْحَدِّ لَا بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إيجَابُهُ عَلَيْهِ إذْ الْعُقُوبَةُ لَا تُجْزِي فِيهَا النِّيَابَةُ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَكَفَّلَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ جَازَ)؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَفَّلَ عَنْ الْبَائِعِ بِالْمَبِيعِ لَمْ يَصِحَّ)؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَيْنٌ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ وَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ إذْ هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّمُّ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ فَإِنْ كَانَتْ بِعَيْنِهَا لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ)؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الدَّابَّةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلَا يَبْقَى ثَمَّةَ إجَازَةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ بِهَا وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَتْ الْكَفَالَةُ)؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْحَمْلُ وَيُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ بِأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ إلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ)، وَكَذَا الْحَوَالَةُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ بَلْ إذَا بَلَغَهُ فَأَجَازَهُ وَرَضِيَ بِهِ جَازَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِجَازَةَ عِنْدَهُ وَتَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَالَةِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ فَيَقُومُ بِهِمَا
[ ١ / ٣١٤ ]
جَمِيعًا أَيْ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْإِيجَابُ شَطْرُ الْعَقْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَكْفُولِ لَهُ فَوَقَفَ عَلَى رِضَاهُ وَقَبُولِهِ كَالْبَيْعِ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ إيجَابُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْلِ فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ تَكَفَّلْت لِفُلَانٍ كُلَّ الْعَقْدِ عَلَى أَصْلِهِ فَيَقِفُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا قَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ غَائِبٌ أَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِ عِنْدَهُ وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إذَا قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِرَجُلٍ إنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا مِنْ الدَّيْنِ فَاكْفُلْ لَهُ بِهِ عَنِّي أَوْ احْتَلْ لَهُ بِهِ، فَقَالَ كَفَلْت أَوْ ضَمِنْت أَوْ احْتَلْت ثُمَّ بَلَغَ الطَّالِبَ ذَلِكَ فَأَجَازَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ أَنَّ فُضُولِيًّا قَالَ ضَمِنْت مَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ فَبَلَغَهُمَا فَأَجَازَا فَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَإِذَا قَبِلَ مِنْ الْغَائِبِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَوْلُهُ (إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ عَنِّي بِمَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَتَكَفَّلَ بِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ) يَعْنِي إذَا أَجَازَ الطَّالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَكْفُولَ لَهُمْ وَلِهَذَا قَالُوا إنَّمَا تَصِحُّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ يُقَالُ أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ تَفْرِيغًا لِذِمَّتِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ كَمَا إذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ صَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَاكِ وَصَارَ كَأَنَّ الدَّيْنَ انْتَقَلَ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى التَّرِكَةِ فَصَارَ خِطَابُهُ كَخِطَابِ الْأَجْنَبِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُخَاطَبَ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا فَإِنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى اثْنَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ عَنْ الْآخَرِ) كَمَا إذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا بِأَلْفٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ (فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ مَا يُؤَدِّيهِ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ)؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَانِ نِصْفٌ مِنْ جِهَةِ الْمُدَايَنَةِ وَنِصْفٌ مِنْ جِهَةِ الْكَفَالَةِ فَإِذَا أَدَّى النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبِ الْمُدَايَنَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ فَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ وَأَدَّاهُ رَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الضَّمَانِ، وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا تَكَفَّلَ اثْنَانِ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) يَعْنِي إذَا تَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ وَهُوَ أَلْفٌ عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ تَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ أَيْضًا. وَأَمَّا إذَا تَكَفَّلَا لَهُ بِأَلْفٍ مَعًا وَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُدَايَنَةِ فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ حَتَّى يَزِيدَ مَا أَدَّاهُ عَلَى النِّصْفِ فَإِذَا زَادَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الزِّيَادَةِ.