(كِتَابُ الزَّكَاةِ) الْمَشْرُوعَاتُ خَمْسٌ اعْتِقَادَاتٌ وَعِبَادَاتٌ وَمُعَامَلَاتٌ وَعُقُوبَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ. فَالِاعْتِقَادَاتُ خَمْسٌ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْعِبَادَاتُ خَمْسٌ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ. وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسٌ الْمُعَاوَضَاتُ وَالْمُنَاكَحَاتُ وَالْمُخَاصَمَاتُ وَالْأَمَانَاتُ وَالشَّرِكَاتُ. وَالْعُقُوبَاتُ خَمْسُ مَزَاجِرَ مَزْجَرَةُ قَتْلِ النَّفْسِ كَالْقِصَاصِ وَمَزْجَرَةُ أَخْذِ الْمَالِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ السِّتْرِ كَالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَمَزْجَرَةُ ثَلْمِ الْعِرْضِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَمَزْجَرَةُ خَلْعِ الْبَيْضَةِ كَالْقَتْلِ عَلَى الرِّدَّةِ. وَالْكَفَّارَاتُ خَمْسٌ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةُ الْإِفْطَارِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةُ جِنَايَاتِ الْحَجِّ.
وَتَرْجِعُ الْعِبَادَاتُ الْخَمْسُ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ بَدَنِيٍّ مَحْضٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ وَمَالِيٍّ مَحْضٍ كَالزَّكَاةِ وَمُرَكَّبٍ مِنْهُمَا كَالْحَجِّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ قَبْلَ الزَّكَاةِ إلَّا أَنَّهُ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثُمَّ تَفْسِيرُ الزَّكَاةِ يَرْجِعُ إلَى وَصْفَيْنِ مَحْمُودَيْنِ الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] فَيَجْتَمِعُ لِلْمُزَكِّي الطَّهَارَةُ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ وَالْخَلَفُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ قَالَ - ﵀ - (الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ) أَيْ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَوَاتِرِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - ﵇ - «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الزَّكَاةَ» وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَالزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ النَّمَاءُ وَهِيَ سَبَبٌ لِلنَّمَاءِ فِي الْمَالِ بِالْخَلَفِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّطْهِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] أَيْ تَطَهَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إيتَاءِ مَالٍ مَعْلُومٍ فِي مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْمُزَكِّي دُونَ الْمَالِ الْمُؤَدَّى عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ لِأَنَّهَا وُصِفَتْ بِالْوُجُوبِ وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ لَا مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هِيَ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمُؤَدَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَهَلْ وُجُوبُهَا عَلَى
[ ١ / ١١٣ ]
الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي.
قَالَ فِي الْوَجِيزِ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّرَاخِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ لَا تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَفِي تَأْخِيرِ الْأَدَاءِ عَنْهُمْ إضْرَارٌ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى التَّرَاخِي وَالْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ لِأَنَّ الْحَجَّ أَدَاؤُهُ مَعْلُومٌ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَالْمَوْتُ فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ لَا يُؤْمَنُ فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ وَالزَّكَاةُ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ (قَوْلُهُ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ) اعْلَمْ أَنَّ شَرَائِطَ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ: خَمْسَةٌ فِي الْمَالِكِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا عَاقِلًا وَأَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَثَلَاثَةٌ فِي الْمَمْلُوكِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا كَامِلًا وَحَوْلًا كَامِلًا وَكَوْنُ الْمَالِ إمَّا سَائِمًا أَوْ لِلتِّجَارَةِ.
(قَوْلُهُ إذَا مَلَكَ نِصَابًا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ وَمَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ قَلِيلٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا فَقِيرٌ وَالْفَقِيرُ مُحْتَاجٌ إلَى الْمُوَاسَاةِ.
(قَوْلُهُ مِلْكًا تَامًّا) يُحْتَرَزُ عَنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَدْيُونِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْمِلْكَ التَّامَّ هُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْيَدُ وَأَمَّا إذَا وَجَدَ الْمِلْكَ دُونَ الْيَدِ كَمِلْكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ وَجَدَ الْيَدَ دُونَ الْمِلْكِ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَدْيُونِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(قَوْلُهُ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) إنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ فِيهِ مِنْ التَّنْمِيَةِ وَهَلْ تَمَامُ الْحَوْلِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ فَعِنْدَهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ يُؤَيِّدُهُ جَوَازُ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ.