الْوَقْفُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْحَبْسُ يُقَالُ وَقَفْت الدَّابَّةَ وَأَوْقَفْتهَا أَيْ حَبَسْتهَا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ الْعَيْنِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالتَّصَدُّقُ بِالْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ الْعَيْنِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ تَصِلُ الْمَنْفَعَةُ إلَى الْعِبَادِ فَيَزُولُ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُ وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُرْهَنُ وَلَا يُورَثُ قَالَ - ﵀ - (لَا يَزُولُ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْ الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ) يَعْنِي الْمَوْلَى أَمَّا الْمُحَكَّمُ فَفِيهِ خِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَطَرِيقُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسَلِّمَ الْوَاقِفُ مَا وَقَفَهُ إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مُحْتَجًّا بِعَدَمِ اللُّزُومِ فَيَتَخَاصَمَانِ إلَى الْقَاضِي فَيَقْضِيَ بِلُزُومِهِ، وَكَذَا إذَا أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُمْ فَإِذَا رَضُوا بِزَوَالِ مِلْكِهِمْ جَازَ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ قَوْلُهُ (أَوْ يُعَلِّقَهُ بِمَوْتِهِ فَيَقُولُ إذَا مِتّ فَقَدْ وَقَفْت دَارٍ عَلَى كَذَا)؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ بِمَوْتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَّقَهُ بِمَوْتِهِ فَكَانَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ)؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
قَوْلُهُ (
[ ١ / ٣٣٣ ]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْوَقْفِ وَلِيًّا وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ)؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوَقْفِ عِنْدَهُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَالْهِبَةِ وَإِذَا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْقَبْضُ أَقَامَ إنْسَانًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ لِيَصِحَّ ثُمَّ إذَا جَعَلَ لَهُ وَلِيًّا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ عَزْلَ الْقُوَّامِ وَالِاسْتِبْدَالَ بِهِمْ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ لَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا عَزَلَهُ فِي حَيَاتِهِ يَصِحُّ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْوَاقِفُ بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْقَوَّامِ؛ لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ إلَّا إذَا جَعَلَهُ قَيِّمًا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ وَصِيًّا كَذَا فِي الْفَتَاوَى ثُمَّ إذَا صَحَّ الْوَقْفُ عِنْدَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ كَانَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ وَقَفَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْهِبَةِ قَوْلُهُ (وَإِذَا صَحَّ الْوَقْفُ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ) حَتَّى لَوْ كَانُوا عَبِيدًا فَأَعْتَقَهُمْ لَا يَعْتِقُونَ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ نَفَذَ بَيْعُهُ فِيهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إذَا صَحَّ الْوَقْفُ أَيْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْحُكْمِ أَوْ بِالتَّعْلِيقِ بِالْمَوْتِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا بِالْوَقْفِ وَالتَّسْلِيمِ.