فَأَمَّا الْفَيْءُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ الْخَرَاجُ عِنْدَنَا خَرَاجُ الأَرْضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأَنَّ اللَّه ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الْحَشْر: ٧] حَتَّى فَرَغَ مِنْ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قَالَ ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحَشْر: ٨]، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْر: ٩]، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْر: ١٠] فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ سَأَلَ بِلَال وَأَصْحَابه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قِسْمَةَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَقَالُوا: اقْسِمِ الأَرْضِينَ بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا كَمَا تُقَسِّمُ غَنِيمَةَ الْعَسْكَرِ؛ فَأَبَى عمر ذَلِك عَلَيْهِم، ولات عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ، وَقَالَ: قَدْ أَشْرَكَ اللَّهُ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ؛ فَلَوْ قَسَّمْتُهُ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ بَعْدِكُمْ شَيْءٌ. وَلَئِنْ بَقِيتُ لَيَبْلُغَنَّ الرَّاعِي بِصَنْعَاءَ نَصِيبُهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ وَدَمه فِي وَجهه.
حكم غنيمَة الأَرْض والأنهار:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى سَعْدِ حِينَ افْتَتَحَ الْعِرَاقَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوكَ أَنْ تَقْسِمَ بَيْنَهُمْ مَغَانِمَهُمْ، وَمَا أَفَاءَ الله عَلَيْهِمْ؛ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْكَ بِهِ إِلَى الْعَسْكَرِ مِنْ كِرَاعٍ وَمَالٍ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاتْرُكِ الأَرَضِينَ وَالأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ فِي اعْطِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ قَسَّمْتَهَا بَيْنَ مَنْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بعدهمْ شَيْء.
من أسلم قبل الْقِتَال وَبعده:
وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُو مَنْ لَقِيتَ إِلَى الْإِسْلامِ قَبْلَ الْقِتَالِ؛ فَمَنْ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ قبل
[ ٣٤ ]
الْقِتَالِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلامِ. وَمَنْ أَجَابَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْهَزِيمَةِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَالَهُ لأَهْلِ الْإِسْلامِ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُ قَبْلَ إِسْلامِهِ؛ فَهَذَا أَمْرِي وعهدي إِلَيْك.
تدوين عمر ﵁ الدَّوَاوِين وَالْقَوْل فِي قسمه الأَرْض الْمَفْتُوحَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ جَيْشُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ شَاوَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ. وَقَدْ كَانَ اتَّبَعَ رَأْيَ أَبِي بَكْر فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَلَمَّا جَاءَ فَتْحُ الْعِرَاقِ شَاوَرَ النَّاسَ فِي التَّفْضِيلِ، وَرَأَى أَنَّهُ الرَّأْيُ؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَنْ رَآهُ. وَشَاوَرَهُمْ فِي قِسْمَةِ الأَرَضِينَ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِيهَا وَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ وَمَا فَتَحُوا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِدُونَ الأَرْضَ بِعُلُوجِهَا١ قَدِ اقْتُسِمَتْ وَوُرِّثَتْ عَنِ الآبَاءِ وَحِيزَتْ، مَا هَذَا بِرَأْيٍ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: فَمَا الرَّأْي، مَا الأَرْض والعلوج إِلَّا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هُوَ إِلا كَمَا تَقُولُ، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَا يُفْتَحُ بَعْدِي بَلَدٌ فَيَكُونُ فِيهِ كَبِير نبيل؛ بَلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ كُلا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِذَا قُسِّمَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ بِعُلُوجِهَا، وَأَرْضُ الشَّامِ بِعُلُوجِهَا فَمَا يُسَدُّ بِهِ الثُّغُورُ وَمَا يَكُونُ لِلذُّرِّيَّةِ وَالأَرَامِلِ بِهَذَا الْبَلَدِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ؟
استشارة عمر الصَّحَابَة فِي قسْمَة الأَرْض الْمَفْتُوحَة:
فَأَكْثَرُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالُوا: أَتَقِفُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلأَبْنَاءِ الْقَوْمِ وَلأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا؟
فَكَانَ عُمَرُ ﵁ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُول: هَذَا رَأْي.
قَالُوا: فَاسْتَشِرْ. قَالَ: فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ ﵁ فَكَانَ رَأْيُهُ أَنْ تُقَسَّمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَرَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَابْنَ عُمَرَ ﵃ رَأْيُ عُمَرَ.
فَأَرْسَلَ إِلَى عَشْرَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: خَمْسَةٍ مِنَ الأَوْسِ وَخَمْسَةٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ؛ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُزْعِجَكُمْ إِلا
_________________
(١) ١ العلوج كفار الْعَجم.
[ ٣٥ ]
لأَنْ تَشْتَرِكُوا فِي أَمَانَتِي فِيمَا حُمِّلْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ؛ فَإِنِّي وَاحِدٌ كَأَحَدِكُمْ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تُقِرُّونَ بِالْحَقِّ، خَالَفَنِي مَنْ خَالَفَنِي وَوَافَقَنِي مَنْ وَافقنِي، وَلَيْسَ أُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعُوا هَذَا الَّذِي هَوَايَ، مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ نَطَقْتُ بِأَمْرٍ أُرِيدُهُ مَا أُرِيدُ بِهِ إِلا الْحَقَّ.
قَالُوا: قُلْ نَسْمَعْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ كَلامَ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنِّي أَظْلِمَهُمْ حُقُوقَهُمْ. وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْكَبَ ظُلْمًا، لَئِنْ كُنْتُ ظَلَمْتُهُمْ شَيْئًا هُوَ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُ غَيْرَهُمْ لَقَدْ شَقِيتُ؛ وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُفْتَحُ بَعْدَ أَرْضِ كِسْرَى١، وَقَدْ غَنَّمَنَا اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْضَهُمْ وَعُلُوجَهُمْ فَقَسَّمْتُ مَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالٍ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَخْرَجْتُ الْخُمُسَ فَوَجَّهْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَنَا فِي تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَحْبِسَ الأَرَضِينَ بِعُلُوجِهَا وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ فهيا الْخَرَاجَ وَفِي رِقَابِهِمُ الْجِزْيَةَ يُؤَدُّونَهَا فَتَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَلِمَنْ يَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ. أَرَأَيْتُمْ هَذِه الثغور لَا بُد لَهَا مِنْ رِجَالٍ يَلْزَمُونَهَا، أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْمُدُنَ الْعِظَامَ -كَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ والكوفة وَالْبَصْرَة ومصر- لَا بُد لَهَا مِنْ أَنْ تُشْحَنَ بِالْجُيُوشِ، وَإِدْرَارِ الْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَمِنْ أَيْنَ يُعْطَى هَؤُلاءِ إِذَا قُسِّمَتِ الأَرَضُونَ والعلوج.
مَا جبي من أَرض السوَاد فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁:
فَقَالُوا جَمِيعًا: الرَّأْيُ رَأْيُكَ؛ فَنِعْمَ مَا قلت وَمَا رَأَيْت، وَإِن لَمْ تَشْحِنْ هَذِهِ الثُّغُورَ وَهَذِهِ الْمُدُنَ بِالرِّجَالِ، وَتُجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَتَّقَوَّوْنَ بِهِ رَجَعَ أَهْلُ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ؛ فَقَالَ: قَدْ بَانَ لِيَ الأَمْرُ فَمَنْ رَجُلٌ لَهُ جَزَالَةٌ وَعَقْلٌ يَضَعُ الأَرْضَ مَوَاضِعَهَا، وَيَضَعُ عَلَى الْعُلُوجِ مَا يَحْتَمِلُونَ؟ فَاجْتَمَعُوا لَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حنيف وَقَالُوا: تبعثه إِلَى أهل ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَهُ بَصَرًا وَعَقْلا وَتَجْرِبَةً؛ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَوَلاهُ مِسَاحَةَ أَرْضِ السَّوَادِ فَأَدَّتْ جِبَايَةَ سَوَادِ الْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِعَامٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ وَدَانِقَانِ، وَنِصْفٌ، وَكَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ يَوْمَئِذٍ وَزْنُ الْمِثْقَالِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرَادُوا عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ يُقَسِّمَ الشَّامَ كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بن الْعَوام
_________________
(١) ١ أَرض فَارس.
[ ٣٦ ]
وبلال بن رَبَاحٍ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَنْ أَتْرُكُ مَنْ بعدكم من الْمُسلمين لَا شَيْء لَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ: فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الطَّاعُونَ الَّذِي أَصَابَهُمْ بِعَمْوَاسَ عَنْ دَعْوَةِ عُمَرَ١ قَالَ: وَتَرَكَهُمْ عُمَرُ ﵁ ذِمَّةً يؤدون الْخراج للْمُسلمين.
مَا اسْتشْهد بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي تَقْسِيم الْفَيْء:
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي السَّوَادِ حِينَ افْتُتِحَ؛ فَرَأَى عَامَّتُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَهُ وَكَانَ بِلَال بن رَبَاح أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلا يُقَسِّمَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ، وَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً أَوْ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنِّي قَدْ وَجَدْتُ حُجَّةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْحَشْر: ٦]؛ حَتَّى فَرَغَ مِنْ شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ فَهَذِهِ عَامَّةٌ فِي الْقُرَى كُلِّهَا. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الْحَشْر: ٧]، ثُمَّ قَالَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحَشْر: ٨] ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ؛ فَقَالَ: ﴿وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْر: ٩]؛
فَهَذَا فِيمَا بَلَغَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِلأَنْصَارِ خَاصَّةً. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّك رؤوف رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْر: ١٠]؛ فَكَانَتْ هَذِهِ عَامَّةٌ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ؛ فَقَدْ صَارَ هَذَا الْفَيْءُ بَيْنَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا؛ فَكَيْفَ نُقَسِّمُهُ لِهَؤُلاءِ وَنَدَعُ مَنْ تَخَلَّفَ بَعْدَهُمْ بِغَيْرِ قَسْمٍ؛ فَأَجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَمْعِ خَرَاجِهِ.
_________________
(١) ١ فقد مَاتَ أَكْثَرهم فِي طعون عمواس الَّذِي وَقع فِي أَرض الشَّام.
[ ٣٧ ]
كَانَ رَأْي عمر هُوَ الصَّوَاب:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالَّذِي رَأَى عُمَرُ ﵁ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْ قِسْمَةِ الأَرَضِينَ بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا عِنْدَ مَا عَرَّفَهُ اللَّهُ مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كَانَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ، وَفِيهِ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيمَا رَآهُ مِنْ جَمْعِ خَرَاجِ ذَلِكَ وَقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومَ النَّفْعِ لِجَمَاعَتِهِمْ؛ لأَنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى النَّاسِ فِي الأُعْطِيَاتِ وَالأَرْزَاقِ لَمْ تُشْحَنَ الثُّغُورُ وَلَمْ تَقْوَ الْجُيُوشُ عَلَى السَّيْرِ فِي الْجِهَادِ، وَلَمَا أَمِنَ رُجُوعَ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالْمُرْتَزَقَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ.
[ ٣٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١