(فَائِدَةٌ)
مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أُبِيحَ لَعْنُهُ إلَّا وَالِدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِثُبُوتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُمَا لَهُ حَتَّى آمَنَا بِهِ كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِمَنْ طَعَنَ فِيهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا مَوْضُوعٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ
حَبَا اللَّهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَءُوفَا
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ لِإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفًا
فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفًا
فَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى طَهَارَةِ نَسَبِهِ الشَّرِيفِ - ﵊ - مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَشَيْنِ الْكُفْرِ وَمَحَلُّ كَوْنِ الْإِيمَانِ لَا يَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي غَيْرِ الْخُصُوصِيَّةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - ﵊ - رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ مَغِيبِهَا فَعَادَ الْوَقْتُ حَتَّى صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْعَصْرَ كَرَامَةً لَهُ - ﵊ -
وَسُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ قَالَ: إنَّ أَبَا النَّبِيِّ - ﷺ - فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَلْعُونٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قَالَ وَلَا أَذَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ وَقَالَ الْإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ وَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ فِي أَبَوَيْهِ - ﵊ - لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ»، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُمْسِكَ اللِّسَانَ إذَا ذُكِرَ أَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِشَيْءٍ يَرْجِعُ إلَى الْعَيْبِ أَوْ النَّقْصِ فِيهِمْ فَلَأَنْ نُمْسِكَ وَنَكُفَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَحَقُّ وَأَحْرَى إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحَقُّ الْمُسْلِمِ أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ عَمَّا يُخِلُّ بِشَرَفِ نَسَبِ نَبِيِّهِ - ﵊ - بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ إثْبَاتَ الشِّرْكِ فِي أَبَوَيْهِ إخْلَالٌ ظَاهِرٌ بِشَرَفِ نَسَبِ نَبِيِّهِ الطَّاهِرِ وَجُمْلَةُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَتْ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَلَا حَظَّ لِلْقَلْبِ فِيهَا وَأَمَّا اللِّسَانُ فَحَقُّهُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ النُّقْصَانُ خُصُوصًا عِنْدَ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ وَتَدَارُكِهِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْمَقَالِ وَقَدْ أَتَى الْعَلَّامَةُ الْخَفَاجِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ نَظَمَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا الصَّوَابُ فَقَالَ
لِوَالِدَيْ طَه مَقَامٌ عَلَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَدَارِ الثَّوَابِ
وَقَطْرَةٌ مِنْ فَضَلَاتٍ لَهُ فِي الْجَوْفِ تُنْجِي مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ
فَكَيْفَ أَرْحَامٌ لَهُ قَدْ غَدَتْ حَامِلَةٌ تُصْلَى بِنَارِ الْعَذَابِ
لِأَنَّ فَضَلَاتِهِ - ﵊ - طَاهِرَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ - ﷺ - فَقَالَ لَنْ يَلِجَ النَّارَ بَطْنُكِ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ دَمُ النَّبِيِّ - ﷺ - طَاهِرٌ لِأَنَّ أَبَا طَيْبَةَ شَرِبَهُ وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ غُلَامٌ حِينَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - دَمَ حِجَامَتِهِ لِيَدْفِنَهُ فَشَرِبَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - «مَنْ خَالَطَ دَمُهُ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحَةِ وَذَكَرَهَا فُقَهَاؤُنَا وَتَبِعَهُمْ الشَّافِعِيَّةُ كَالشِّرْبِينِيِّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ وَفُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فَكَانَتْ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ فَضَلَاتِهِ - ﵊ - تُنْجِي مِنْ النَّارِ فَكَيْفَ مَنْ رُبِّيَ مِنْ دَمِهَا وَلَحْمِهَا وَرُبِّيَ فِي بَطْنِهَا وَمَنْ كَانَ أَصْلُ خِلْقَتِهِ الشَّرِيفَةِ مِنْهُ يَدْخُلُ النَّارَ هَذَا مَا جَرَى بِهِ لِسَانُ الْقَلَمِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.