(الْأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) لِلنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.
(وَصِفَةُ الْأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) وَهُوَ كَمَا أَذَّنَ الْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ.
(بَابُ الْأَذَانِ)
لَمَّا كَانَ الْأَذَانُ إعْلَامًا بِدُخُولِ سَبَبِ الصَّلَاةِ نَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ عَقِبَيْهِ وَالْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ إعْلَامٌ وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إعْلَامٌ مَخْصُوصٌ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ ابْتِدَاءً رُؤْيَا جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ ﵁ وَنُزُولُ الْمَلَكِ مِنْ السَّمَاءِ وَتَعْلِيمُ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَقَاءُ دُخُولِ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَصِفَتُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ (سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ) وَذَكَرَ الْجُمُعَةَ لِدَفْعِ وَهْمِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنْ لَا أَذَانَ لَهَا كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْإِمَامِ وَالْمِصْرِ الْجَامِعِ وَإِلَّا فَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْخَمْسِ.
وَقَوْلُهُ: (لِلنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ) يَعْنِي ثَبَتَ مُتَوَاتِرًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْوِتْرِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالسُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ». وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ وَاجِبٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ إذَا تَرَكُوا الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ قُوتِلُوا، وَالْقِتَالُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ السُّنَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً إلَّا أَنَّ تَرْكَهُ بِالْإِصْرَارِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ فَلَزِمَ الْقِتَالُ.
(وَصْفَةُ الْأَذَانِ) أَيْ كَيْفِيَّتُهُ (مَعْرُوفَةٌ وَهُوَ كَمَا أَذَّنَ الْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ) وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْمَلَكِ، فَقِيلَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇، وَقِيلَ
[ ١ / ٢٤٠ ]
(وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ مَا خَفَضَ بِهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّرْجِيعِ». وَلَنَا أَنَّهُ لَا تَرْجِيعَ فِي الْمَشَاهِيرِ وَكَانَ مَا رَوَاهُ تَعْلِيمًا فَظَنَّهُ تَرْجِيعًا.
(وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ)
كَانَ غَيْرَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ وَهُوَ) أَيْ التَّرْجِيعُ (أَنْ يُرَجِّعَ) وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ ذَلِكَ) أَيْ فِي الْأَذَانِ التَّرْجِيعُ. (وَقَوْلُهُ: لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ) ظَاهِرٌ إلَى قَوْلِهِ فَظَنَّهُ تَرْجِيعًا. ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ رَوَيْت فِي قِصَّتِهِ، وَهِيَ «أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ كَانَ يُبْغِضُ النَّبِيَّ ﷺ
[ ١ / ٢٤١ ]
«لِأَنَّ بِلَالًا ﵁ قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ حِينَ وَجَدَ النَّبِيَّ ﵊ رَاقِدًا، فَقَالَ ﵊: مَا أَحْسَنَ هَذَا يَا بِلَالُ
قَبْلَ الْإِسْلَامِ بُغْضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ خَفَضَ صَوْتَهُ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَرَكَ أُذُنَهُ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَامْدُدْ بِهَا صَوْتَك» إمَّا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ فِي الْحَقِّ أَوْ لِيَزِيدَهُ مَحَبَّةً لِلرَّسُولِ بِتَكْرِيرِ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بِلَالًا) رُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ جَاءَ إلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: الرَّسُولُ نَائِمٌ، فَقَالَ بِلَالٌ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، فَلَمَّا انْتَبَهَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ فَاسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٢٤٢ ]
اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» وَخُصَّ الْفَجْرُ بِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ.
(وَالْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ إلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) هَكَذَا فَعَلَ الْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ثُمَّ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا فُرَادَى فُرَادَى إلَّا قَوْلَهُ
وَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك» وَقَوْلُهُ: (وَخُصَّ الْفَجْرُ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا فُرَادَى) فَإِنَّهُ يَقُولُ يَشْفَعُ الْأَذَانَ وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا بِذَلِكَ: قُلْنَا: الْمُعْتَمَدُ عَلَى مَا فَعَلَ الْمَلَكُ النَّازِلُ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ التَّكْرَارُ، وَمَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ أَنْ يُؤَذِّنَ بِصَوْتَيْنِ وَيُقِيمَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَشْفُوعُ كَلِمَةِ مُوتِرٌ صَوْتًا. وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ مَرَّ
[ ١ / ٢٤٣ ]
قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.
(وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرُ فِي الْإِقَامَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِبِلَالٍ «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ (وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ الْمَلَكَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ أَذَّنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ (وَإِنْ اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ فَحَسَنٌ) مُرَادُهُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْوِيلَ الْوَجْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا (مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ) مَكَانَهُمَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ بِأَنْ كَانَتْ الصَّوْمَعَةُ مُتَّسَعَةً، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا.
(وَالْأَفْضَلُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ
بِمُؤَذِّنٍ يُوتِرُ الْإِقَامَةَ فَقَالَ اشْفَعْهَا لَا أُمَّ لَك.
وَقَوْلُهُ: (وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ) بَيَانُ السُّنَنِ الَّتِي فِيهِ وَهِيَ نَوْعَانِ: مَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْأَذَانِ، وَمَا يَرْجِعُ إلَى صِفَاتِ الْمُؤَذِّنِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ رَافِعًا صَوْتَهُ وَيَفْصِلُ بَيْنَ كَلِمَتَيْ الْأَذَانِ بِسَكْتَةٍ مُطَوِّلًا غَيْرَ مُطْرِبٍ وَهُوَ التَّرَسُّلُ مَنْ تَرَسَّلَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا تَمَهَّلَ فِيهَا وَتَوَقَّفَ، وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ كَلِمَتَيْ الْإِقَامَةِ بَلْ يَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا وَهُوَ الْحَدْرُ، وَيَكُونُ صَوْتُهُ أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِ الْأَذَانِ، وَيُرَتِّبُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَمَا شُرِعَ، فَإِنْ قَدَّمَ بَعْضًا وَأَخَّرَ بَعْضًا فَالْأَفْضَلُ الْإِعَادَةُ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ، وَأَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ فَالسَّنَةُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ وَيَسْتَقْبِلَ بِهِمَا الْقِبْلَةَ إلَّا فِي الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَاقِلًا صَالِحًا عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَبِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَأَذَانُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَذَانُ الْبَالِغِ أَفْضَلُ، وَأَذَانُ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَالسَّكْرَانِ يُعَادُ، وَكَذَلِكَ أَذَانُ الْمَرْأَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا) أَيْ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (الْقِبْلَةَ) لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ لِلصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ) يَعْنِي عِنْدَ قَوْلَهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (يَمْنَةً وَيَسْرَةً)؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ. قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحَوَّلَ وَرَاءَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَمَا يَكُونُونَ فِيهَا كَذَلِكَ يَكُونُونَ فِي الْخَلْفِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُحَوِّلْ وَرَاءَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ فِيمَا هُوَ دُعَاءٌ إلَى التَّوَجُّهِ إلَيْهَا فَاكْتَفَى فِيهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ بُلُوغِ الصَّوْتِ عِنْدَ تَحْوِيلِ الْوَجْهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً (وَإِنْ اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ فَحَسَنٌ) ظَاهِرٌ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) بِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِلَالًا ﵁ وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْإِعْلَامِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ (وَالتَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَسَنٌ) لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ (وَكُرِهَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) وَمَعْنَاهُ الْعَوْدُ إلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفُوهُ، وَهَذَا التَّثْوِيبُ أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ بَعْدَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَخَصُّوا الْفَجْرَ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ) أَيْ فَالْأَذَانُ حَسَنٌ لَا تَرْكُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ السُّنَنِ الْأَصْلِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي بَابِ الْأَذَانِ لَكِنَّهُ فِعْلٌ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ تَرْكُهُ بِالْحَسَنِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي زَوَالِ الْحُسْنِ الْمُتَمَكِّنِ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى فَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَذَانَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَحْسَنُ وَبِتَرْكِهِ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالتَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (حَسَنٌ) خَبَرُهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَكُرِهَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَأَى مُؤَذِّنًا يُثَوِّبُ فِي الْعِشَاءِ فَقَالَ: أَخْرِجُوا هَذَا الْمُبْتَدِعَ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ قَالَ: دَخَلْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ الظُّهْرُ فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا يُثَوِّبُ فَغَضِبَ وَقَالَ: قُمْ حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ، فَمَا كَانَ التَّثْوِيبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى التَّثْوِيبِ فِي الِاصْطِلَاحِ (الْعَوْدُ إلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ عَمَلِهِ تَعُودُ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّثْوِيبُ (عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفَهُ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ) مِنْ التَّنَحْنُحِ أَوْ قَوْلُهُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ أَوْ قَوْلُهُ: قَامَتْ قَامَتْ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا تَعَارَفُوهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (التَّثْوِيبُ أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ بَعْدَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَخَصُّوا الْفَجْرَ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا) أَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةٍ وَلَمْ يُذْكَرْ التَّثْوِيبُ الْقَدِيمُ هَاهُنَا، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ التَّثْوِيبَ الْأَوَّلَ كَانَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْأَذَانِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَأَحْدَثَ النَّاسُ هَذَا التَّثْوِيبَ: يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ (وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ) أَيْ التَّثْوِيبَ الْمُحْدَثَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَلَكِنْ
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀، لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ لِلْأَمِيرِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الصَّلَاةَ يَرْحَمُك اللَّهُ، وَاسْتَبْعَدَ مُحَمَّدٌ ﵀ لِأَنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ فِي أَمْرِ الْجَمَاعَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِزِيَادَةِ اشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَيْ لَا تَفُوتَهُمْ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَى هَذَا الْقَاضِي وَالْمُفْتِي.
(وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: يَجْلِسُ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا جَلْسَةً خَفِيفَةً) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْفَصْلِ إذْ الْوَصْلُ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَقَعُ الْفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ لِوُجُودِهِمَا بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ فَيَفْصِلُ بِالْجَلْسَةِ كَمَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ فَيَكْتَفِي بِأَدْنَى الْفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ وَالْمَكَانُ فِي مَسْأَلَتِنَا مُخْتَلَفٌ، وَكَذَا النَّغْمَةُ فَيَقَعُ الْفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْخُطْبَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَفْصِلُ بِرَكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ
لَمْ يَشْتَرِطُوا عَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بَلْ ذَكَرُوا مَا تَعَارَفُوهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَيَكُونُ هَذَا إحْدَاثًا بَعْدَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ التَّثْوِيبَ الْأَصْلِيَّ كَانَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ لَا غَيْرُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، فَأَحْدَثَ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ خَاصَّةً مَعَ إبْقَاءِ الْأَوَّلِ، وَأَحْدَثَ الْمُتَأَخِّرُونَ التَّثْوِيبَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفُوهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ سِوَى الْمَغْرِبِ مَعَ إبْقَاءِ الْأَوَّلِ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْوِيبِ الْمُحْدَثِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِزِيَادَةِ اخْتِصَاصٍ بِمَنْ يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ) لَا خِلَافَ أَنَّ وَصْلَ الْأَذَانِ بِالْإِقَامَةِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَانِ إعْلَامُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِيَتَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ فَيَحْضُرُوا الْمَسْجِدَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَبِالْوَصْلِ يَنْتَفِي هَذَا الْمَقْصُودُ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يُتَطَوَّعُ قَبْلَهَا مَسْنُونًا كَانَ أَوْ كَانَتْ مُسْتَحَبًّا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ قَالَهُ ثَلَاثًا، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ» فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمَغْرِبِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهِ أَيْضًا لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ قَائِمًا مِقْدَارَ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مِقْدَارَ مَا يَخْطُوا ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ ثُمَّ يُقِيمُ عِنْدَهُمَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ مِقْدَارَ الْجِلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَالْوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ إنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ، بِخِلَافِ سَائِرِ
[ ١ / ٢٤٦ ]
(قَالَ يَعْقُوبُ: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ وَيُقِيمُ وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَهَذَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ
الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ التَّأْخِيرَ فِيهَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَالِاشْتِغَالُ بِالرَّكْعَتَيْنِ يُؤَدِّي إلَى التَّأْخِيرِ فَلِذَلِكَ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَذْكُورُ هُنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ (قَالَ يَعْقُوبُ: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ وَيُقِيمُ وَلَا يَجْلِسُ، وَهَذَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا) أَنْ لَا جُلُوسَ عِنْدَهُ فِي أَذَانِ الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيُؤَكِّدَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِفِعْلِهِ: " قِيلَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَبَا يُوسُفَ بِاسْمِهِ دُونَ كُنْيَتِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْظِيمِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ مَأْمُورًا مِنْ جِهَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمِهِ حَيْثُ ذَكَرَ أَبَا حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قُلْنَا يَعْنِي يُفِيدُ مَا قُلْنَا، وَيُفِيدُ اسْتِحْبَابَ (كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ
[ ١ / ٢٤٧ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «وَيُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ».
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ)
لِقَوْلِهِ ﵊ «وَيُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ») وَخِيَارُهُمْ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْأَحْسَنُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَوِّضَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يُبَاشِرُ الْأَذَانَ
[ ١ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْإِقَامَةَ بِنَفْسِهِ وَكَانَ إمَامًا لَهُمْ فِي الصَّلَوَاتِ. قُلْنَا: أَذَّنَ وَأَقَامَ ﷺ أَحْيَانًا. رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ «كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الظُّهْرَ».
[ ١ / ٢٤٩ ]
«لِأَنَّهُ ﵊ قَضَى الْفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ»،
وَقَوْلُهُ: (غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ) التَّعْرِيسُ النُّزُولُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْت بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْت؟ قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ ﵊: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ
[ ١ / ٢٥٠ ]
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ (فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ) لَمَا رَوَيْنَا (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الْبَاقِي، إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ) لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ (وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلِاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ. قَالَ ﵁: وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُقِيمُ لِمَا بَعْدَهَا وَلَا يُؤَذِّنُ، قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طُهْرٍ، فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الْوُضُوءُ فِيهِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ
حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ قَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً» (وَهُوَ) أَيْ قَضَاءُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ) لَا يُقَالُ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ بِدُونِ ذِكْرِ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، فَالْعَمَلُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ رَاوِيهِمَا وَاحِدًا وَلَمْ يَثْبُتْ هَاهُنَا ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا إنَّمَا يُعْمَلُ بِالْخَبَرَيْنِ إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ (فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ حَدِيثِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ) لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ (وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ)؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلِاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الرِّفْقُ مُتَعَيِّنًا فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلَا تَخْيِيرَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي قَصْرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَهَاهُنَا الرِّفْقُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْإِقَامَةِ فَمَا وَجْهُ التَّخْيِيرِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ لَا فِي السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَاتِ.
قَالَ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) رُوِيَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ عَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا فَاتَتْ صَلَوَاتٌ تُقْضَى الْأُولَى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْبَوَاقِي بِالْإِقَامَةِ دُونَ الْأَذَانِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ (يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَهُمْ جَمِيعًا) وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
قَالَ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى طُهْرٍ)؛ لِأَنَّ لَهُمَا شَبَهًا بِالصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَإِنْ أَذَّنَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ بِلَا
[ ١ / ٢٥١ ]
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جُنُبٌ) رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهًا بِالصَّلَاةِ فَتَشْتَرِطُ الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يُعِيدُ وَالْجُنُبُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ (وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخِفَّةِ الْحَدَثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي الْإِعَادَةِ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ دُونَ الْإِقَامَةِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ دُونَ الْإِقَامَةِ.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ: يَعْنِي الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ بِدُونِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُؤَذِّنُ) مَعْنَاهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَادَ
كَرَاهَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فَكَانَ الْوُضُوءُ فِيهِ مُسْتَحَبًّا كَالْقِرَاءَةِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالِاشْتِغَالِ بِأَعْمَالِ الْوُضُوءِ، وَالْإِقَامَةُ شُرِعَتْ مُتَّصِلَةً بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ (وَيُرْوَى أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (لَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ أَيْضًا)؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ، وَالْآخَرُ وَهُوَ الْأَذَانُ لَا يُكْرَهُ بِلَا وُضُوءٍ فَكَذَا الْإِقَامَةُ (وَيُرْوَى يُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا) وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إلَى مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَهُوَ جُنُبٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) أَيْ بَيْنَ أَذَانِ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ أَذَانُهُ (أَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهًا بِالصَّلَاةِ) فِي أَنَّهُمَا يُفْتَتَحَانِ بِالتَّكْبِيرِ وَيُؤَدَّيَانِ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ وَيُرَتِّبُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَيَخْتَصَّانِ بِالْوَقْتِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِمَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ صَلَاةً عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمْ يَجُزْ مَعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ فَإِذَا كَانَ مُشَبَّهًا بِهَا كُرِهَ مَعَ الْجَنَابَةِ اعْتِبَارًا لِلشَّبَهِ وَلَمْ يُكْرَهْ مَعَ الْحَدَثِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ وَلَمْ يُعْكَسْ؛ لِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا فِي الْحَدَثِ جَانِبَ الشَّبَهِ لَزِمَنَا اعْتِبَارُهُ فِي الْجَنَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ الْحَدَثَيْنِ فَكَانَ يَتَعَطَّلُ جَانِبُ الْحَقِيقَةِ. وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْإِعَادَةِ وَعَدَمِهَا.
وَقَوْلُهُ: (أَمَّا الْأَوَّلُ) يَعْنِي عَدَمَ إعَادَةِ أَذَانِ الْمُحْدِثِ وَإِقَامَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّانِي) يَعْنِي اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ. وَقَوْلُهُ: (رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُسْتَحَبُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ يَجِبُ وَالْأَشْبَهُ إعَادَةُ الْأَذَانِ فَقَطْ)؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ. وَقَوْلُهُ: (يَعْنِي الصَّلَاةَ) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَازِ أَصْلَ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ زَائِدٌ فِي الْبَابِ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُؤَذِّنُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْجُنُبُ
[ ١ / ٢٥٢ ]
لِيَقَعَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ
(وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَقَبْلَ الْوَقْتِ تَجْهِيلٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ) لِتَوَارُثِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ. وَالْحُجَّةُ عَلَى الْكُلِّ قَوْلُهُ ﵊ لِبِلَالٍ ﵁ «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ الْفَجْرُ هَكَذَا
أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ. وَقَوْلُهُ: (لِيَقَعَ) أَيْ الْأَذَانُ (عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ) فَإِنَّ أَذَانَ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا فِي أَعْلَى مَوْضِعٍ ارْتَكَبَتْ بِدْعَةً وَإِلَّا لَمْ تُؤَذِّنْ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَتَرْكُ وَجْهِ هَذِهِ السُّنَّةِ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَا الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَجَمَاعَتُهُنَّ مَنْسُوخَةٌ وَإِنْ صَلَّيْنَ بِجَمَاعَةٍ صَلَّيْنَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لِحَدِيثِ رَائِطَةَ قَالَتْ: كُنَّا جَمَاعَةً مِنْ النِّسَاءِ أَمَّتْنَا عَائِشَةُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالْحُجَّةُ عَلَى الْكُلِّ) أَيْ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ: يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ» وَيُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَمَدَّ يَدَهُ عَرْضًا».
(وَالْمُسَافِرُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ ﵄ «إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا»
أُجِيبَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرْ النَّبِيُّ ﷺ أَذَانَهُ وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاغْتِرَارِ بِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ «أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ»: يَعْنِي نَفْسَهُ، أَيْ أَنَّهُ أَذَّنَ فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ وَكَانَ يَبْكِي وَيَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَقُولُ: لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَنِينِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُعَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُ.
وَقَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَبْسُوطِ بِخِطَابِ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ: رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَابْنِ عَمٍّ لَهُ إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْثَرُكُمَا قُرْآنًا» وَرَوَى فَخْرُ الْإِسْلَامِ "
[ ١ / ٢٥٤ ]
(فَإِنْ تَرَكَهُمَا جَمِيعًا يُكْرَهُ) وَلَوْ اكْتَفَى بِالْإِقَامَةِ جَازَ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الْغَائِبِينَ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِقَامَةُ لِإِعْلَامِ الِافْتِتَاحِ وَهُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجُونَ (فَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ يُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ تَرَكَهُمَا جَازَ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا.
«وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّ تَرْكَهُمَا جَمِيعًا يُكْرَهُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فَقِيلَ لَهُ أَلَا تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ؟ فَقَالَ (أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ نَائِبٌ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِنَصْبِهِمْ إيَّاهُ لِذَلِكَ، فَكَانَ الْمُصَلِّي فِي الْحَيِّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ حَقِيقَةً مُصَلِّيًا بِهِمَا حُكْمًا فَلَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ تَارِكًا لَهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَهُوَ تَارِكٌ لِلْجَمَاعَةِ حَقِيقَةً وَتَشَبُّهًا، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهٌ، فَكَذَا تَرْكُ التَّشَبُّهِ كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ وَقَدَرَ عَلَى التَّشَبُّهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُ.