وَالْقَبُولِ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ) أَيْ الْمُطْلَقَةِ عَنْ إثْبَاتِ سَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فِي الْجَارِيَةِ أَوْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِشِرَاءٍ أَوْ أَوْ إرْثٍ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ إلَّا ظَاهِرًا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَحِلُّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ وَطْؤُهَا (لِأَنَّ فِي الْأَسْبَابِ تَزَاحُمًا) فَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُهُ. بَيَانُهُ أَنَّ فِي الْأَسْبَابِ كَثْرَةً وَلَا يُمْكِنُ الْقَاضِيَ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْهَا بِدُونِ الْحُجَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِقَصْرِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْمُدَّعِي وَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْهُ ظَاهِرًا، فَأَمَّا أَنْ يَنْفُذَ بَاطِنًا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءٍ جَدِيدٍ فَلَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ طَرِيقَهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فَيُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ وَتَنْفِيذُهُ.
(بَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ)
أَخَّرَ بَيَانَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ عَنْ بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ كَانَا شَرْطَيْ النِّكَاحِ لِأَنَّ حِلَّ مَحَلِّ النِّكَاحِ شَرْطُ جَوَازِهِ بِالِاتِّفَاقِ، بِخِلَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَتَحْرِيرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ
[ ٣ / ٢٥٥ ]
(وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا) وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ) ﵀ (أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِوَلِيٍّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ وُقُوفًا) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ أَصْلًا لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِمَقَاصِدِهِ وَالتَّفْوِيضُ إلَيْهِنَّ مُخِلٌّ بِهَا، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ يَقُولُ: يَرْتَفِعُ الْخَلَلُ بِإِجَازَةِ الْوَلِيِّ.
وَأَمَّا وَجْهُ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِدُونِ الْوَلِيِّ كَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَمَا قَالَ (لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِمَقَاصِدِهِ وَالتَّفْوِيضُ إلَيْهِنَّ مُخِلٌّ بِهَا) لِأَنَّهُنَّ سَرِيعَاتُ الِاغْتِرَارِ سَيِّئَاتُ الِاخْتِيَارِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ التَّوَقَانِ. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا إذَا أَذِنَ لَهَا الْوَلِيُّ كَمَا اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ فَإِنَّ الْخَلَلَ يَنْجَبِرُ بِهِ فَكَانَ الْوَاجِبُ الْجَوَازَ حِينَئِذٍ وَهْم لَا يَقُولُونَ بِهِ. وَأَيْضًا الْمُدَّعِي أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ، فَالدَّلِيلُ الْمُطَابِقُ بَيَانُ الْخَلَلِ فِي الْعِبَارَةِ وَالِاعْتِذَارُ بِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ تَعْلِيلُ
[ ٣ / ٢٥٦ ]
وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً مُمَيِّزَةً وَلِهَذَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ وَلَهَا اخْتِيَارُ الْأَزْوَاجِ،
أَنْ لَا يُفَوَّضَ إلَيْهِنَّ أَمْرُ النِّكَاحِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنْ يَأْذَنَ الْوَلِيُّ أَوْ لَا غَيْرُ دَافِعٍ لِانْتِفَاءِ الْمُطَابَقَةِ. وَأَمَّا وَجْهُ مَنْ جَوَّزَهُ فَهُوَ (أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً مُمَيِّزَةً، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ وَلَهَا اخْتِيَارُ الْأَزْوَاجِ) بِالِاتِّفَاقِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا بَلْ فِي حَقٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِكُفْءٍ. فِي رِوَايَةٍ. قُلْت: لَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَا يُرَدَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِخَالِصِ حَقِّهَا مَا كَانَ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ تَمْلِيكِ مَنَافِعِ بُضْعِهَا وَاسْتِيجَابِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَنَحْوِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ خَالِصُ حَقِّهَا فَلَا يُعْتَبَرُ بِالْعَارِضِ مِنْ لُحُوقِ الْعَارِ لِلْأَوْلِيَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِثْلُهُ فَاسِدٌ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ نُهِيَ الْوَلِيُّ عَنْ الْعَضْلِ وَهُوَ الْمَنْعُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْمَنْعُ إذَا كَانَ الْمَمْنُوعُ فِي يَدِهِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» فَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ مُشْتَرَكَةُ الْإِلْزَامِ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ مَنْعِهِنَّ عَنْ النِّكَاحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُنَّ يَمْلِكْنَهُ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
[ ٣ / ٢٥٧ ]
وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ كَيْ لَا تُنْسَبَ إلَى الْوَقَاحَةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِ الْكُفْءِ وَلَكِنْ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضُ فِي غَيْرِ الْكُفْءِ.
وَقَوْلُهُ ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يُعَارِضُهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَسَاقِطُ الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَنْكَرَهُ، وَلِأَنَّ عَائِشَةَ عَمِلَتْ بِخِلَافِهِ زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، وَلِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» وَالْأَيِّمُ اسْمٌ لِامْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُتَعَارِضَيْنِ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا لِلْجَانِبَيْنِ وَصَارَ إلَى الْمَعْقُولِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا فَلِمَ أُمِرَ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ إذَا طَالَبَتْهُ، وَأَيُّ حَاجَةٍ لَهَا إلَى طَلَبِ التَّصَرُّفِ مِنْ الْوَلِيِّ فِي خَالِصِ حَقِّهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهَا بِمُبَاشَرَةِ هَذَا التَّصَرُّفِ تُنْسَبُ إلَى الْوَقَاحَةِ فَجُعِلَ التَّصَرُّفُ مِنْ الْوَلِيِّ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ النِّسْبَةِ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَلَكِنْ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضُ فِي غَيْرِ الْكُفْءِ) يَعْنِي إذَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الزَّوْجِ.
وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ فَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الْفَسْخِ كَيْ لَا يَضِيعَ الْوَلَدُ عَمَّنْ
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْكُفْءِ
يُرَبِّيهِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَلَكِنْ فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَإِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَعَلِمَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ فَسَكَتَ حَتَّى وَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا جُعِلَ رِضًا فِي حَقِّ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، قَالَ: كَذَا كَانَ مَكْتُوبًا بِخَطِّ شَيْخِي.
وَقَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْكُفْءِ) يَعْنِي لِدَفْعِ ضَرَرِ الْعَارِ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى
[ ٣ / ٢٥٩ ]
لِأَنَّ كَمْ مِنْ وَاقِعٍ لَا يَرْفَعُ. وَيُرْوَى رُجُوعُ مُحَمَّدٍ إلَى قَوْلِهِمَا
(وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ) خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ ﵀. لَهُ الِاعْتِبَارُ بِالصَّغِيرَةِ وَهَذَا لِأَنَّهَا جَاهِلَةٌ بِأَمْرِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ التَّجْرِبَةِ
الِاحْتِيَاطِ، فَلَيْسَ كُلُّ وَلِيٍّ يُحْسِنُ الْمُرَافَعَةَ إلَى الْقَاضِي، وَلَا كُلُّ قَاضٍ يَعْدِلُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (لِأَنَّ كَمْ مِنْ وَاقِعٍ لَا يَرْفَعُ وَيُرْوَى رُجُوعُ مُحَمَّدٍ إلَى قَوْلِهِمَا) يَعْنِي يَنْعَقِدُ نِكَاحُهَا عِنْدَهُ أَيْضًا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا يُوقَفُ عَلَى الْإِجَازَةِ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ) إجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ)
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وَلِهَذَا يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا. وَلَنَا أَنَّهَا حُرَّةٌ مُخَاطَبَةٌ فَلَا يَكُونُ لِلْغَيْرِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ، وَالْوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِقُصُورِ عَقْلِهَا وَقَدْ كَمُلَ بِالْبُلُوغِ بِدَلِيلِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ فَصَارَ كَالْغُلَامِ وَكَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ،
وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى. لَهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ إذَا كَانَتْ بِكْرًا تُزَوَّجُ كُرْهًا فَكَذَا الْبَالِغَةُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْجَهَالَةُ بِأَمْرِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ التَّجْرِبَةِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا جَاهِلَةً بِأَمْرِ النِّكَاحِ (يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا، وَلَنَا أَنَّهَا حُرَّةٌ مُخَاطَبَةٌ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ كَذَلِكَ (لَا يَكُونُ لِلْغَيْرِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ) وَقَوْلُهُ (وَالْوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِالْمُفَارَقَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الصَّغِيرَةِ إنَّمَا كَانَتْ (لِقُصُورِ عَقْلِهَا)
[ ٣ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لِأَنَّهُ قَدْ كَمُلَ بِالْبُلُوغِ بِدَلِيلِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ فَصَارَ الْإِجْبَارُ عَلَيْهَا كَالْإِجْبَارِ عَلَى الْغُلَامِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا جَازَ لِقُصُورِ الْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا لَا يَجُوزُ وَصَارَ كَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ: أَيْ فِي مَالِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ
[ ٣ / ٢٦٢ ]
وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْأَبُ قَبْضَ الصَّدَاقِ بِرِضَاهَا دَلَالَةً
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ التَّصَرُّفُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ. (وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْأَبُ قَبْضَ الصَّدَاقِ بِرِضَاهَا دَلَالَةً) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي عَنْ قَبْضِ صَدَاقِهَا وَأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ ذَلِكَ
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ مَعَ نَهْيِهَا.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَأْذَنَهَا فَسَكَتَتْ أَوْ ضَحِكَتْ فَهُوَ إذْنٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ رَضِيَتْ» وَلِأَنَّ جَنْبَةَ الرِّضَا فِيهِ رَاجِحَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي عَنْ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ لَا عَنْ الرَّدِّ، وَالضَّحِكُ أَدَلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ السُّكُوتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَكَتْ لِأَنَّهُ دَلِيلُ السُّخْطِ وَالْكَرَاهَةِ. وَقِيلَ إذَا
لِيُجَهِّزَهَا بِذَلِكَ مَعَ مَالِ نَفْسِهِ لِيَبْعَثَ بِهَا إلَى زَوْجِهَا فَكَانَ ذَلِكَ إذْنًا دَلَالَةً (وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ مَعَ نَهْيِهَا) لِأَنَّ الدَّلَالَةَ تَبْطُلُ بِصَرِيحٍ يُخَالِفُهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَأْذَنَهَا الْوَلِيُّ فَسَكَتَتْ أَوْ ضَحِكَتْ) ظَاهِرٌ.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ضَحِكَتْ كَالْمُسْتَهْزِئَةِ بِمَا سَمِعَتْ لَا يَكُونُ رِضًا، وَإِذَا بَكَتْ بِلَا صَوْتٍ لَمْ يَكُنْ رَدًّا.
قَالَ (وَإِنْ) (فَعَلَ هَذَا غَيْرُ وَلِيٍّ) يَعْنِي اسْتَأْمَرَ غَيْرُ الْوَلِيِّ (أَوْ وَلِيُّ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ) (لَمْ يَكُنْ رِضًا حَتَّى تَتَكَلَّمَ بِهِ) لِأَنَّ هَذَا السُّكُوتَ لِقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إلَى كَلَامِهِ فَلَمْ يَقَعْ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَا، وَلَوْ وَقَعَ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَالِاكْتِفَاءُ بِمِثْلِهِ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْمَرُ رَسُولَ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِئْمَارِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ لِتَظْهَرَ رَغْبَتُهَا فِيهِ مِنْ رَغْبَتِهَا عَنْهُ
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ فَعَلَ هَذَا) يَعْنِي الِاسْتِئْمَارَ وَالِاسْتِئْذَانَ (غَيْرُ وَلِيٍّ) وَهُوَ الْأَجَانِبُ أَوْ قَرِيبٌ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِأَنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا (أَوْ وَلِيُّ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْهُ) كَاسْتِئْذَانِ الْأَخِ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ (لَا يَكُونُ رِضًا حَتَّى تَتَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا السُّكُوتَ لِقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إلَى كَلَامِهِ فَلَمْ يَقَعْ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَا) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ وَقَعَ) أَيْ السُّكُوتُ دَلِيلًا (فَهُوَ) دَلِيلٌ (مُحْتَمَلٌ) يَحْتَمِلُ الْإِذْنَ وَالرَّدَّ (وَالِاكْتِفَاءُ بِمِثْلِهِ) فِي الدَّلَالَةِ (لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ) لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ، أَوْ فِي حَقِّ وَلِيِّ غَيْرِهِ أَحَقُّ لِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَى كَلَامِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْمِرُ رَسُولَ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ) وَقَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِئْمَارِ تَسْمِيَةُ الزَّوْجِ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْمَرَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُسَمَّى الزَّوْجُ عَلَى وَجْهٍ تَعْرِفُهُ، أَمَّا إذَا أَبْهَمَ وَقَالَ إنِّي أُزَوِّجُك رَجُلًا فَسَكَتَتْ لَا يَكُونُ السُّكُوتُ رِضًا.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
(وَلَا تُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِدُونِهِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَسَكَتَتْ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
وَلَا يُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ) وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فِي الِاسْتِئْمَارِ لِأَنَّ رَغْبَتَهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّدَاقِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ. وَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ لِلنِّكَاحِ صِحَّةً بِدُونِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ (وَلَوْ زَوَّجَهَا فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَسَكَتَتْ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا) مِنْ كَوْنِهِ رِضًا. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَقُولُ: إذَا اسْتَأْمَرَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَسَكَتَتْ فَهُوَ رِضًا مِنْهَا بِالنَّصِّ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَهَا الْعَقْدُ فَسَكَتَتْ فَلَا يَتِمُّ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ هَاهُنَا إلَى الْإِجَازَةِ، وَالسُّكُوتُ لَا يَكُونُ إجَازَةً لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَإِنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الِاسْتِئْمَارِ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا لِتَمَكُّنِهَا أَنْ تَرْجِعَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَحِينَ بَلَغَهَا الْخَبَرُ يَكُونُ مُلْزِمًا فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فَلَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ، لَكِنَّا نَقُولُ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّ لَهَا عِنْدَ الِاسْتِئْمَارِ جَوَابَيْنِ: لَا، وَنَعَمْ. فَيَكُونُ سُكُوتُهَا دَلِيلًا عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي يَحُولُ الْحَيَاءُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَهُوَ نَعَمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي الرِّجَالِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا بَلَغَهَا الْعَقْدُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ فِي السُّكُوتِ لَا يَخْتَلِفُ.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
لِأَنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ فِي السُّكُوتِ لَا يَخْتَلِفُ، ثُمَّ الْمُخْبِرُ إنْ كَانَ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْمُخْبِرُ إنْ كَانَ فُضُولِيًّا) اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْخَبَرِ إذَا كَانَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ كَالْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ وَنَحْوِهَا، وَمَا لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ أَصْلًا كَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالرِّسَالَةِ فِي الْهَدَايَا وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَاَلَّتِي نَحْنُ فِيهَا وَأَخَوَاتِهَا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَإِخْبَارِ الْمَوْلَى بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ وَنَحْوِهَا. فَالْأَوَّلُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَقْلُ وَالْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ مَعَ الْعَدَدِ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ. وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمْيِيزُ دُونَ الْعَدَالَةِ. وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ الْمُبَلِّغُ رَسُولًا أَوْ وَكِيلًا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَخْبَرَ الْغَيْرُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ فَكَذَا هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ: إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ نَظِيرُ الْقِسْمِ الثَّانِي
[ ٣ / ٢٦٨ ]
خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ كَانَ رَسُولًا لَا يُشْتَرَطُ إجْمَاعًا وَلَهُ نَظَائِرُ
(وَلَوْ اسْتَأْذَنَ الثَّيِّبَ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالْقَوْلِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» وَلِأَنَّ النُّطْقَ لَا يُعَدُّ عَيْبًا مِنْهَا وَقَلَّ الْحَيَاءُ بِالْمُمَارَسَةِ
فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ مُمَيِّزًا سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَوْضِعُ ذَلِكَ أُصُولُ الْفِقْهِ.
(وَلَوْ اسْتَأْذَنَ الثَّيِّبَ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالْقَوْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ») وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْفِعْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ وُجِدَ النُّطْقُ مِنْ الْوَلِيِّ بِالسُّؤَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ مِنْهَا فِي الْجَوَابِ. وَقِيلَ الْمُشَاوَرَةُ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الرَّأْيِ بِالْإِشَارَةِ إلَى الصَّوَابِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنُّطْقِ (وَلِأَنَّ النُّطْقَ) فِي النِّكَاحِ مِنْ الثَّيِّبِ (لَا يُعَدُّ عَيْبًا) وَإِذَا لَمْ يُعَدَّ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى النُّطْقِ فِي الْبِكْرِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْهَا عَيْبًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ، وَلِأَنَّ السُّكُوتَ صَارَ رِضًا لِتَوَفُّرِ الْحَيَاءِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ لَمَّا أَخْبَرَتْ أَنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ ﵊ «سُكُوتُهَا
[ ٣ / ٢٦٩ ]
فَلَا مَانِعَ مِنْ النُّطْقِ فِي حَقِّهَا
(وَإِذَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثْبَةٍ أَوْ حَيْضَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ تَعْنِيسٍ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْأَبْكَارِ) لِأَنَّهَا بِكْرٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ مُصِيبَهَا أَوَّلُ مُصِيبٍ لَهَا وَمِنْهُ الْبَاكُورَةُ وَالْبُكْرَةُ وَلِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي لِعَدَمِ الْمُمَارَسَةِ (وَلَوْ زَالَتْ) بَكَارَتُهَا (بِزِنًا فَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا لِأَنَّهَا ثَيِّبٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ مُصِيبَهَا عَائِدٌ إلَيْهَا وَمِنْهُ الْمَثُوبَةُ وَالْمَثَابَةُ وَالتَّثْوِيبُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهَا بَكْرًا
رِضَاهَا» وَالْحَيَاءُ فِي الثَّيِّبِ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ لِقِلَّتِهِ بِالْمُمَارَسَةِ (فَلَا مَانِعَ مِنْ النُّطْقِ فِي حَقِّهَا).
(وَإِذَا زَالَتْ الْبَكَارَةُ بِوَثْبَةٍ) وَهُوَ الْوُثُوبُ مِنْ فَوْقٍ (أَوْ حَيْضَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ تَعْنِيسٍ) عَنَسَتْ الْجَارِيَةُ وَعَنِسَتْ عُنُوسًا: إذَا جَاوَزَتْ وَقْتَ التَّزْوِيجِ فَلَمْ تَتَزَوَّجْ (فَهِيَ فِي حُكْمِ الْأَبْكَارِ) فِي كَوْنِ إذْنِهَا سُكُوتَهَا (لِأَنَّهَا بِكْرٌ) إذْ الْبِكْرُ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مُصِيبُهَا أَوَّلَ مُصِيبٍ، وَهَذِهِ كَذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاكُورَةِ وَهِيَ أَوَّلُ الثِّمَارِ وَمِنْ الْبُكْرَةِ وَهِيَ أَوَّلُ النَّهَارِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَوَجَدَهَا زَائِلَةَ الْبَكَارَةِ بِالْوَثْبَةِ لِأَنَّهَا بِكْرٌ حَقِيقَةً عَلَى مَا قُلْتُمْ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّدَّ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَهُوَ الْعُذْرَةُ لَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ بِكْرٍ، وَلِأَنَّ النُّطْقَ سَقَطَ لِلْحَيَاءِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هَاهُنَا (لِأَنَّهَا تَسْتَحِي لِعَدَمِ الْمُمَارَسَةِ، وَلَوْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِزِنًا فَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا لِأَنَّهَا ثَيِّبٌ حَقِيقَةً) إذْ الثَّيِّبُ مَنْ يَكُونُ مُصِيبُهَا عَائِدًا إلَيْهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَثُوبَةِ وَهِيَ الثَّوَابُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّهَا مَرْجُوعٌ إلَيْهَا فِي الْعَاقِبَةِ، وَمِنْ الْمَثَابَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُثَابُ: أَيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمِنْ التَّثْوِيبِ: وَهُوَ الدُّعَاءُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَإِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهَا بِكْرًا) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ السُّكُوتَ رِضًا بِعِلَّةِ الْحَيَاءِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَإِذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا، وَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَتْ لِمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ النَّاسَ عَرَفُوهَا بِكْرًا
[ ٣ / ٢٧٠ ]
فَيُعَيِّبُونَهَا بِالنُّطْقِ فَتَمْتَنِعُ عَنْهُ فَيُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ عَلَيْهَا مَصَالِحُهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَظْهَرَهُ حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أَحْكَامًا، أَمَّا الزِّنَا فَقَدْ نُدِبَ إلَى سَتْرِهِ، حَتَّى لَوْ اُشْتُهِرَ حَالُهَا لَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا
فَيُعَيِّرُونَهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَعِيبُونَهَا (بِالنُّطْقِ) فَتَسْتَحِي (فَتَمْتَنِعُ) مِنْ النُّطْقِ وَكَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً (فَيُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ عَلَيْهَا مَصَالِحُهَا) وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ بِعِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا لَا تَعْلِيلَ فِي مُقَابَلَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَدْمَ عَمَلٍ بِعِلَّةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا حَيَاءٌ يَكُونُ مِنْ كَرَمِ الطَّبِيعَةِ وَذَلِكَ أَمْرٌ مَحْمُودٌ، وَهَذَا الْحَيَاءُ حَيَاءُ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ مِنْ أَفْرَادِهِ حَتَّى يَدْخُلَ تَحْتَ النَّصِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْحَيَاءَ أَشَدُّ لِأَنَّ فِي الِاسْتِنْطَاقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا ثَيِّبٌ ظُهُورُ فَاحِشَتِهَا فَكَانَ كَالضَّرْبِ مِنْ التَّأْفِيفِ فَيُلْحَقُ بِهِ. قَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَيُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ (أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) لَا يَكُونُ إذْنُهَا سُكُوتَهَا لِعَدَمِ الْحَيَاءِ ثَمَّةَ (لِأَنَّ الشَّرْعَ أَظْهَرَهُ حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أَحْكَامًا) مِنْ لُزُومِ الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ وَإِثْبَاتِ النَّسَبِ (أَمَّا الزِّنَا فَقَدْ نُدِبَ إلَى سَتْرِهِ حَتَّى لَوْ اشْتَهَرَ حَالُهَا) بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ عَادَةً (لَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا) فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ
[ ٣ / ٢٧١ ]
(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ بَلَغَك النِّكَاحُ فَسَكَتَتْ وَقَالَتْ رَدَدْتُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ السُّكُوتَ أَصْلٌ وَالرَّدَّ عَارِضٌ، فَصَارَ كَالْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ يَدَّعِي لُزُومَ الْعَقْدِ وَتَمَلُّكَ الْبُضْعِ وَالْمَرْأَةُ تَدْفَعُهُ فَكَانَتْ مُنْكِرَةً، كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ اللُّزُومَ قَدْ ظَهَرَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى سُكُوتِهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ،
أَيْضًا لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الْبِكْرِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ» أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ ضَعِيفٌ بَعِيدٌ فَإِنَّ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِالشُّبْهَةِ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ هَذَا مَوْجُودٌ أَيْضًا، وَلَا يُكْتَفَى بِسُكُوتِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَقَاءُ صِفَةِ الْحَيَاءِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ السُّكُوتَ أَصْلٌ وَالرَّدُّ عَارِضٌ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَدَمُ الْكَلَامِ، وَلَا شَكَّ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى عُرُوضِ الْكَلَامِ (فَصَارَ كَالْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ) فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي لُزُومَ الْعَقْدِ بِالسُّكُوتِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ السُّكُوتَ أَصْلٌ وَالرَّدَّ عَارِضٌ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي السُّكُوتَ. وَقَوْلُهُ (وَنَحْنُ نَقُولُ) ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْإِنْكَارُ الْمَعْنَوِيُّ وَزُفَرُ يَعْتَبِرُ الْإِنْكَارَ الصُّورِيَّ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ زُفَرَ.
وَوَجْهُهُ أَنْ يُجْعَلَ الْقَوْلُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ وَاللُّزُومُ قَدْ ظَهَرَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ لِلسَّاكِتِ (وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى السُّكُوتِ ثَبَتَ النِّكَاحُ) فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ لِمَا ذَكَرْتُمْ أَنَّ السُّكُوتَ عَدَمُ الْكَلَامِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَسَتَأْتِيك
أُجِيبَ بِأَنَّهَا مَقْبُولَةٌ إذَا كَانَ عِلْمُ الشَّاهِدِ مُحِيطًا بِهِ كَمَا إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ النَّصَارَى وَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ قُلْته فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ يُقْبَلُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ لِمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَهُ لَسَمِعَهُ الشُّهُودُ وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ. قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: بَيِّنَتُهَا أَوْلَى لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الرَّدَّ وَهُوَ يُثْبِتُ عَدَمًا وَهُوَ السُّكُوتُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَهَا عَلَى أَنَّهَا أَجَازَتْ أَوْ رَضِيَتْ حِينَ عَلِمَتْ حَتَّى اسْتَوَتَا فِي الْإِثْبَاتِ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ لِإِثْبَاتِهِ اللُّزُومَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَسَتَأْتِيك
[ ٣ / ٢٧٣ ]
فِي الدَّعْوَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَيَجُوزُ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إذَا زَوَّجَهُمَا الْوَلِيُّ بِكْرًا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ أَوْ ثَيِّبًا وَالْوَلِيُّ هُوَ الْعَصَبَةُ) وَمَالِكٌ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِ الْأَبِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الْحُرَّةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ هُنَا لِانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ، إلَّا أَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ ثَبَتَتْ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْجَدُّ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ.
فِي الدَّعْوَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى).
قَالَ (وَيَجُوزُ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ) يَجُوزُ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ (إذَا زَوَّجَهُمَا الْوَلِيُّ بِكْرًا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ أَوْ ثَيِّبًا وَالْوَلِيُّ هُوَ الْعَصَبَةُ) عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فِي الْإِرْثِ، وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِيُّهُمَا الْأَبُ لَيْسَ إلَّا، حَتَّى لَوْ زَوَّجَهُمَا الْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلِيُّهُمَا الْأَبُ وَالْجَدُّ لَا غَيْرُ إذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ بِكْرًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا، حَتَّى لَوْ زَوَّجَهَا الْأَخُ أَوْ الْعَمُّ، أَوْ زَوَّجَ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ كَرْهًا لَا يَنْفُذُ النِّكَاحُ (وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الْحُرَّةِ) مَعَ قِيَامِ الْمُنَافِي (بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ) فِي الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمَا (غَيْرَ أَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ ثَبَتَتْ نَصًّا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ زَوَّجَ عَائِشَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَدُّ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءُ الْأَبِ فَكَانَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبِ
[ ٣ / ٢٧٤ ]
قُلْنَا: لَا بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَضَمَّنُ الْمَصَالِحَ وَلَا تَتَوَفَّرُ إلَّا بَيْنَ الْمُتَكَافِئَيْنِ عَادَةً وَلَا يَتَّفِقُ الْكُفْءُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَأَثْبَتْنَا الْوِلَايَةَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ إحْرَازًا لِلْكُفْءِ.
وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتِمُّ بِالتَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ لِقُصُورِ شَفَقَتِهِ وَبُعْدِ قَرَابَتِهِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ مَعَ أَنَّهُ أَدْنَى رُتْبَةً، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ فِي النَّفْسِ وَإِنَّهُ أَعْلَى وَأَوْلَى. وَلَنَا أَنَّ الْقَرَابَةَ دَاعِيَةٌ إلَى النَّظَرِ كَمَا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْقُصُورِ أَظْهَرْنَاهُ
عَلَيْهِ كَالْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْجُزْئِيَّةُ قَدْ ضَعُفَتْ بِالْجَدِّ وَشَفَقَتُهُ قَدْ نَقَصَتْ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ (قُلْنَا لَا) نُسَلِّمُ أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الْحُرِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَضَمَّنُ الْمَصَالِحَ) مِنْ التَّنَاسُلِ وَالسَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ وَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ (وَلَا تَتَوَفَّرُ إلَّا بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ عَادَةً وَلَا يَتَّفِقُ الْكُفْءُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَأَثْبَتْنَا الْوِلَايَةَ فِي حَالِ الصِّغَرِ إحْرَازًا لِلْكُفْءِ) لِكُلِّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْإِحْرَازُ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوِلَايَةَ لِلنَّظَرِ وَالنَّظَرُ لَا يَتِمُّ بِالتَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ لِقُصُورِ شَفَقَتِهِ وَبُعْدِ قَرَابَتِهِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِقُصُورِ شَفَقَتِهِ (لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ مَعَ أَنَّهُ أَدْنَى رُتْبَةٍ) لِكَوْنِهِ وِقَايَةً لِلنَّفْسِ (فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ فِي النَّفْسِ وَإِنَّهُ أَعْلَى أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّ) الْوِلَايَةَ لِلنَّظَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قَرِيبٍ، لِأَنَّ (الْقَرَابَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ كَمَا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ) فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهِمَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا مِنْ الْقَرَابَةِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ مُتَفَاوِتٌ كَمَالًا وَقُصُورًا بِقُرْبِ الْقَرَابَةِ وَبُعْدِهَا، لَكِنْ مَا فِي الْبَعِيدَةِ مِنْ الْقُصُورِ مُمْكِنُ التَّدَارُكِ فَأَظْهَرْنَاهُ فِي سَلْبِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ فَجَعَلْنَا لَهُمَا خِيَارَ الْبُلُوغِ، فَإِذَا بَلَغَا وَوَجَدَا الْأَمْرَ عَلَى مَا يَنْبَغِي مَضَيَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ وَجَدَا قَدْ أَوْقَعًا خَلَلًا بِقُصُورِ الشَّفَقَةِ وَالنَّظَرِ فَسَخَا النِّكَاحَ، بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِأَنَّ الْخَلَلَ الْوَاقِعَ بِسَبَبِ الْقُصُورِ غَيْرُ مُمْكِنِ التَّدَارُكِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَدَاوُلِ الْأَيْدِي بِأَنْ يَبِيعَ الْوَلِيُّ ثُمَّ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ وَثُمَّ، وَقَدْ
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فِي سَلْبِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ، بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُ الْخَلَلِ فَلَا تُفِيدُ الْوِلَايَةُ إلَّا مُلْزِمَةً وَمَعَ الْقُصُورِ لَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ. وَجْهُ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الثِّيَابَةَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الرَّأْيِ لِوُجُودِ الْمُمَارَسَةِ فَأَدَرْنَا الْحُكْمَ عَلَيْهَا تَيْسِيرًا. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَوُفُورِ الشَّفَقَةِ، وَلَا مُمَارَسَةَ تُحْدِثُ الرَّأْيَ بِدُونِ
يَغِيبُ بَعْضُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى وَقْتِ الْبُلُوغِ (فَلَا تُفِيدُ الْوِلَايَةَ إلَّا مُلْزِمَةٌ) وَلَا إلْزَامَ مَعَ الْقُصُورِ، بِخِلَافِ الْمُتَنَاكِحَيْنِ فَإِنَّهُمَا ثَابِتَانِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ غَالِبًا، فَكَانَ التَّدَارُكُ بِالتَّوَقُّفِ مُمْكِنًا. وَقَوْلُهُ (وَجْهُ قَوْلِهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الثِّيَابَةَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الرَّأْيِ) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الرَّأْيَ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَالثِّيَابَةُ سَبَبٌ لِحُدُوثِهِ (لِوُجُودِ الْمُمَارَسَةِ) فَتُقَامُ مَقَامَهُ وَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ تَيْسِيرًا (وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُقْتَضَى لِلْوِلَايَةِ النَّظَرِيَّةِ هُوَ الْحَاجَةُ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ لِلصِّغَرِ وَالْمَانِعِ وَهُوَ قُصُورُ الشَّفَقَةِ قَدْ انْتَفَى لِأَنَّ الشَّفَقَةَ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ مُتَوَافِرَةٌ، وَإِذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى وَانْتَفَى الْمَانِعُ يَجِبُ تَحَقُّقُ الْحُكْمِ، وَلَا نُسَلِّمُ حُصُولَ الرَّأْيِ لِلصَّغِيرَةِ بِسَبَبِ الْمُمَارَسَةِ لِأَنَّ الرَّأْيَ وَالْعِلْمَ بِلَذَّةِ الْجِمَاعِ إنَّمَا يَحْدُثُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ بِشَهْوَةٍ وَلَا شَهْوَةَ لَهَا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الثِّيَابَةُ سَبَبًا لِحُدُوثِ الرَّأْيِ لَا تَصْلُحُ مَدَارًا.
وَأَمَّا الصِّغَرُ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَاجَةِ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُدَارًا، فَكُلَّمَا ثَبَتَ
[ ٣ / ٢٧٦ ]
الشَّهْوَةِ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الصِّغَرِ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَيِّدُ كَلَامَنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ «النِّكَاحُ إلَى الْعَصَبَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَالتَّرْتِيبُ فِي الْعَصَبَاتِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ كَالتَّرْتِيبِ فِي الْإِرْثِ وَالْأَبْعَدُ مَحْجُوبٌ بِالْأَقْرَبِ.
قَالَ (فَإِنْ) (زَوَّجَهُمَا الْأَبُ وَالْجَدُّ) يَعْنِي الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ (فَلَا خِيَارَ لَهُمَا بَعْدَ بُلُوغِهِمَا) لِأَنَّهُمَا كَامِلَا الرَّأْي وَافِرَا الشَّفَقَةِ فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِمُبَاشَرَتِهَا كَمَا إذَا بَاشَرَاهُ بِرِضَاهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ (وَإِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
الصِّغَرُ ثَبَتَتْ الْوِلَايَةُ (ثُمَّ الَّذِي يُؤَيِّدُ كَلَامَنَا فِيمَا تَقَدَّمَ) يَعْنِي مِنْ إطْلَاقِ الْوَلِيِّ فِي قَوْلِهِ وَيَجُوزُ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إذَا زَوَّجَهُمَا الْوَلِيُّ (قَوْلُهُ ﷺ «النِّكَاحُ إلَى الْعَصَبَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ») وَقَوْلُهُ (وَالتَّرْتِيبُ فِي الْعَصَبَاتِ)
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الْخِيَارُ إذَا بَلَغَ، إنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا خِيَارَ لَهُمَا اعْتِبَارًا بِالْأَبِ وَالْجَدِّ. وَلَهُمَا أَنَّ قَرَابَةَ الْأَخِ نَاقِصَةٌ وَالنُّقْصَانُ يُشْعِرُ بِقُصُورِ الشَّفَقَةِ فَيَتَطَرَّقُ الْخَلَلُ إلَى الْمَقَاصِدِ عَسَى وَالتَّدَارُكُ مُمْكِنٌ بِخِيَارِ الْإِدْرَاكِ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ يَتَنَاوَلُ الْأُمَّ، وَالْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ لِقُصُورِ الرَّأْيِ فِي أَحَدِهِمَا وَنُقْصَانِ الشَّفَقَةِ فِي الْآخَرِ فَيَتَخَيَّرُ. قَالَ (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَضَاءُ) بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ لِأَنَّ
ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارًا بِالْأَبِ وَالْجَدِّ) بِجَامِعِ دَاعِيَةِ الْقَرَابَةِ (وَلَهُمَا أَنَّ قَرَابَةَ الْأَخِ نَاقِصَةٌ) خُصِّصَ الْأَخُ لِيُعْلَمَ بِهِ حُكْمُ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَوْلِيَاءِ بَعْدَ الْجَدِّ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَطَرَّقُ الْخَلَلُ إلَى الْمَقَاصِدِ عَسَى) يَعْنِي أَنَّ وَرَاءَ الْكَفَاءَاتِ وَالْمَهْرِ مَقَاصِدَ أُخْرَى فِي النِّكَاحِ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ وَحُسْنِهِ وَلَطَافَةِ الْعِشْرَةِ وَغِلَظِهَا وَكَرَمِ الصُّحْبَةِ وَلُؤْمِهَا وَتَوْسِيعِ النَّفَقَةِ وَتَقْتِيرِهَا، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ أَهَمُّ مِنْ الْكَفَاءَةِ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا بِجِدٍّ بَلِيغٍ وَنَظَرٍ صَائِبٍ، فَلِنُقْصَانِ قَرَابَتِهِ وَقُصُورِ شَفَقَتِهِ رُبَّمَا لَا يُحْسِنُ النَّظَرَ فَيُتَوَهَّمُ الْخَلَلُ فِيهَا فَيَتَدَارَكُ بِخِيَارِ الْإِدْرَاكِ.
وَقَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ يَتَنَاوَلُ الْأُمَّ وَالْقَاضِي) يَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَأَرَادَ بِالْإِطْلَاقِ قَوْلَهُ فَإِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى خَالِدُ بْنُ صُبَيْحٍ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْيَتِيمَةِ إذَا زَوَّجَهَا الْقَاضِي لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ وَكَانَ فِي قُوَّةِ وِلَايَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
وَوَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ (بِقَوْلِهِ لِقُصُورِ الرَّأْيِ فِي أَحَدِهِمَا) يَعْنِي الْأُمَّ (وَنُقْصَانُ الشَّفَقَةِ فِي الْآخَرِ) يَعْنِي الْقَاضِيَ، أَلَا تَرَى أَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ وِلَايَةِ الْأَخِ وَالْعَمِّ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُمَا الْخِيَارُ فِي تَزْوِيجِهِمَا فَفِي تَزْوِيجِ الْقَاضِي أَوْلَى. وَقَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ (الْقَضَاءُ لِأَنَّ
[ ٣ / ٢٧٨ ]
الْفَسْخَ هَاهُنَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَفِيٍّ وَهُوَ تَمَكُّنُ الْخَلَلِ وَلِهَذَا يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فَجُعِلَ إلْزَامًا فِي حَقِّ الْآخَرِ فَيُفْتَقَرُ إلَى الْقَضَاءِ. وَخِيَارُ الْعِتْقِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ جَلِيٍّ وَهُوَ زِيَادَةُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا
الْفَسْخَ هَاهُنَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَفِيٍّ وَهُوَ تَمَكُّنُ الْخَلَلِ) بِسَبَبِ قُصُورِ شَفَقَةِ الْمُزَوِّجِ (وَلِهَذَا) أَيْ لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ (يَشْمَلُ) الْفَسْخُ (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) لِأَنَّ قُصُورَ الشَّفَقَةِ كَمَا هُوَ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ مُمْكِنٌ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْغُلَامِ، وَإِذَا كَانَ الضَّرَرُ
[ ٣ / ٢٧٩ ]
(وَلِهَذَا يَخْتَصُّ بِالْأُنْثَى فَاعْتُبِرَ دَفْعًا وَالدَّفْعُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَضَاءِ) ثُمَّ عِنْدَهُمَا إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ وَقَدْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ
خَفِيًّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفْئًا وَالْمَهْرُ تَامًّا فَرُبَّمَا يُنْكِرُهُ الزَّوْجُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ لِلْإِلْزَامِ.
وَأَمَّا خِيَارُ الْعِتْقِ فَلِدَفْعِ ضَرَرٍ جَلِيٍّ وَهُوَ زِيَادَةُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الزَّوْجَ قَبْلَ عِتْقَهَا كَانَ يَمْلِكُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَتَيْنِ وَيَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا فِي قُرْأَيْنِ ثُمَّ ازْدَادَ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ وَهُوَ أَمْرٌ جَلِيٌّ لَيْسَ لِلْإِنْكَارِ فِيهِ مَجَالٌ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى الْإِلْزَامِ، لَكِنْ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهَا وَذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ النِّكَاحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ يَسْتَلْزِمُهَا، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ وُجُودِ اللَّازِمِ مُحَالٌ، فَكَانَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ أَصْلَ الْمِلْكِ فِي ضِمْنِ مَالِهَا مِنْ دَفْعِ الزِّيَادَةِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ دَفْعَهَا مَا عَلَيْهَا مِنْ الزِّيَادَةِ يُبْطِلُ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ الْمُسْتَتْبِعِ الزِّيَادَةِ وَفِي ذَلِكَ جَعْلُ التَّابِعِ مَتْبُوعًا وَهُوَ عَكْسُ الْمَعْقُولِ وَنَقْصُ الْأُصُولِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَعْلِ التَّابِعِ مَتْبُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ لِلضَّرَرِ الْمَرْضِيِّ، فَإِنَّ الزَّوْجَ حِينَ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَالِمًا لَهَا بِخِيَارِ الْعِتْقِ الْتَزَمَ الضَّرَرَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ وَالضَّرَرُ الْمَرْضِيُّ غَيْرُ ضَائِرٍ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَ الْعِتْقِ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهَا فِي النِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ ضَرَرُهَا بِمُرْضٍ فَكَانَ ضَائِرًا، وَإِذَا اجْتَمَعَ الضَّرَرُ الضَّائِرُ وَغَيْرُ الضَّائِرِ يُدْفَعُ الضَّائِرُ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرِدُ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَا يَرَى خِيَارَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا أُمُورٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ:
[ ٣ / ٢٨٠ ]
فَسَكَتَتْ فَهُوَ رِضًا، (وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالنِّكَاحِ فَلَهَا الْخِيَارُ حَتَّى تَعْلَمَ فَتَسْكُتَ) شَرَطَ الْعِلْمَ بِأَصْلِ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا بِهِ، وَالْوَلِيُّ يَنْفَرِدُ بِهِ فَعُذِرَتْ بِالْجَهْلِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْعِلْمُ بِالْخِيَارِ لِأَنَّهَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَالدَّارُ دَارُ الْعِلْمِ فَلَمْ تُعْذَرْ بِالْجَهْلِ، بِخِلَافِ الْمُعْتَقَةِ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَتِهَا فَتُعْذَرُ بِالْجَهْلِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ
(ثُمَّ خِيَارُ الْبِكْرِ يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَقُلْ رَضِيت أَوْ يَجِيءُ مِنْهُ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رِضًا، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ إذَا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبُلُوغِ)
الْأَوَّلُ أَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ فِي الْفُرْقَةِ يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ دُونَ خِيَارِ الْعِتْقِ. وَالثَّانِي أَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ يَثْبُتُ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ وَخِيَارُ الْعِتْقِ يَثْبُتُ لِلْجَارِيَةِ فَقَطْ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ إذَا بَلَغَتْ وَقَدْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ فَسَكَتَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ تَكُنْ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَالِمَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ فَلِأَنَّهَا لَمْ تُعْذَرْ بِالْجَهْلِ بِالْخِيَارِ (لِأَنَّهَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَالدَّارُ دَارُ الْعِلْمِ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِالنِّكَاحِ فَسَكَتَتْ فَإِنَّهَا عَلَى خِيَارِهَا لِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا بِهِ، وَالْوَلِيُّ يَنْفَرِدُ بِالنِّكَاحِ فَكَانَتْ مَعْذُورَةً فِي الْجَهْلِ؛ وَأَمَّا الْمُعْتَقَةُ فَإِنَّهَا مَعْذُورَةٌ فِي الْجَهْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ جَاهِلَةً بِالْعِتْقِ أَوْ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَنْفَرِدُ بِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْأَمَةَ لِاشْتِغَالِهَا بِالْخِدْمَةِ لَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ مَعْذُورَةً.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ خِيَارُ الْبِكْرِ) تَفْرِيعٌ عَلَى خِيَارِ الْبُلُوغِ الشَّامِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ مَنْ لَهُ خِيَارُ الْبُلُوغِ إذَا كَانَ غُلَامًا فَبَلَغَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ (مَا لَمْ يَقُلْ رَضِيت أَوْ يَجِيءُ مِنْهُ) بِالْجَزْمِ (مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رِضًا) وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً وَقَدْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا يَبْطُلُ خِيَارُهَا بِالسُّكُوتِ (اعْتِبَارًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ بِحَالَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ)
[ ٣ / ٢٨١ ]
اعْتِبَارًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ بِحَالَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَخِيَارُ الْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ لَا يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ وَالْغُلَامِ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ الزَّوْجِ
فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ إذَا أَدْرَكَتْ وَاسْتُؤْمِرَتْ لِلنِّكَاحِ فَسَكَتَتْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَانَ سُكُوتُهَا رِضًا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فَأَدْرَكَتْ وَسَكَتَتْ كَانَ سُكُوتُهَا رِضًا فَيَبْطُلُ اخْتِيَارُهَا وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ الثَّيِّبُ إذَا اُسْتُؤْمِرَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُمَا رِضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الرِّضَا صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً، فَكَذَلِكَ عِنْدَ خِيَارِ الْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ السُّكُوتُ مِنْهُمَا رِضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (وَخِيَارُ الْبُلُوغِ) تَفْرِيعٌ آخَرُ عَلَى خِيَارِ الْبُلُوغِ، وَيَتَضَمَّنُ الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ. وَتَقْرِيرُهُ خِيَارُ الْبُلُوغِ (فِي حَقِّ الْبِكْرِ لَا يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ) يَعْنِي مَجْلِسَ بُلُوغِهَا بِأَنْ رَأَتْ الدَّمَ وَقَدْ كَانَ بَلَغَهَا خَبَرُ النِّكَاحِ فَسَكَتَتْ أَوْ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْخَبَرِ بِالنِّكَاحِ فَسَكَتَتْ، بَلْ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَأَمَّا خِيَارُ الثَّيِّبِ وَالْغُلَامِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ بَلْ يَمْتَدُّ إلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ) دَلِيلُ عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ خَاصَّةً.
وَتَقْرِيرُهُ خِيَارُ بُلُوغِهَا لَمْ يَثْبُتْ بِإِثْبَاتِ الزَّوْجِ وَهُوَ
[ ٣ / ٢٨٢ ]
بَلْ لِتَوَهُّمِ الْخَلَلِ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالرِّضَا غَيْرَ أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ رِضًا، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ الْمَوْلَى وَهُوَ
ظَاهِرٌ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِإِثْبَاتِ الزَّوْجِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَإِنَّ التَّفْوِيضَ هُوَ الْمُقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا سَيَجِيءُ. وَقَوْلُهُ (بَلْ لِتَوَهُّمِ الْخَلَلِ) دَلِيلٌ يَشْمَلُ الْبِكْرَ وَالْغُلَامَ. وَتَقْرِيرُهُ: خِيَارُ الْبُلُوغِ ثَبَتَ بِعَدَمِ الرِّضَا لِتَوَهُّمِ الْخَلَلِ، وَمَا يَثْبُتُ بِعَدَمِ الرِّضَا يَبْطُلُ بِالرِّضَا لِوُجُودِ مُنَافِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ مَعَ مُنَافِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ رِضًا دُونَ سُكُوتِ الْغُلَامِ فَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ وَيَمْتَدُّ خِيَارُهُ إلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْإِدْرَاجِ فِي ضِمْنِ الْإِيجَازِ الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ إلَى حَدِّ الْإِعْجَازِ، جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعِتْقِ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ
[ ٣ / ٢٨٣ ]
الْإِعْتَاقُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَجْلِسُ كَمَا فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ، ثُمَّ الْفُرْقَةُ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْأُنْثَى وَلَا طَلَاقَ إلَيْهَا، وَكَذَا بِخِيَارِ الْعِتْقِ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي مَلَكَهَا وَهُوَ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَرِثَهُ الْآخَرُ) وَكَذَا إذَا مَاتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ صَحِيحٌ وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ بِهِ وَقَدْ انْتَهَى بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ الْفُضُولِيِّ إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَمَّةَ مَوْقُوفٌ فَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَهَاهُنَا نَافِذٌ فَيَتَقَرَّرُ بِهِ.
قَالَ (وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
وَبَيْنَ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَتَقْرِيرُهُ: خِيَارُ الْعِتْقِ ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَقْ لَمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَكُلُّ خِيَارٍ ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ (كَمَا فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ) فَيَكُونُ الْقِيَامُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ. وَبَيَانُ تَضَمُّنِ هَذَا الْوَجْهِ لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ أَنَّهُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ رِضًا. يَعْنِي وَالرِّضَا يُسْقِطُ خِيَارَ الْبُلُوغِ، وَخِيَارُ الْإِعْتَاقِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَجْلِسُ وَيَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ وَالسُّكُوتُ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ وَهُوَ خَفِيٌّ جِدًّا. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْفُرْقَةُ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ) يَعْنِي سَوَاءً كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْأُنْثَى وَلَا طَلَاقَ إلَيْهَا) وَالْفَائِدَةُ تَظْهَرُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَجِبْ نِصْفُ الْمُسَمَّى وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا لَوَجَبَ، وَالثَّانِي أَنَّهُمَا لَوْ تَنَاكَحَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ مَلَكَ الزَّوْجُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ (وَكَذَا بِخِيَارِ الْعِتْقِ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْأُنْثَى. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ) ظَاهِرٌ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ (وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ) الْوِلَايَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ فَرْعُ الْوِلَايَةِ الْقَاصِرَةِ، فَمَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ فِي التَّفْوِيضِ إلَى هَؤُلَاءِ، أَمَّا إلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلِلْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِ الْكُفْءِ، وَأَمَّا إلَى الْعَبْدِ
[ ٣ / ٢٨٤ ]
فَأَوْلَى أَنْ لَا تَثْبُتَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ فِي التَّفْوِيضِ إلَى هَؤُلَاءِ (وَلَا) وِلَايَةَ (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ، أَمَّا الْكَافِرُ فَتَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَيُجْزِئُ بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ
(وَلِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْأَقَارِبِ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَثْبُتُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ،
فَكَذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى (وَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) يَعْنِي الْوِلَايَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْحِسِّيَّةِ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَلِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْأَقَارِبِ) يَعْنِي كَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ (وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ) أَيُّ عَصَبَةٍ كَانَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ عَصَبَةً يَحِلُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ كَابْنِ الْعَمِّ أَوْ لَمْ يَحِلَّ كَالْعَمِّ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَعَصَبَتِهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ الْعَصَبَاتِ الْأُمُّ ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ الْبِنْتُ ثُمَّ بِنْتُ الِابْنِ ثُمَّ
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّدٍ. لَهُمَا مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ صَوْنًا لِلْقَرَابَةِ عَنْ نِسْبَةِ غَيْرِ الْكُفْءِ إلَيْهَا وَإِلَى الْعَصَبَاتِ الصِّيَانَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ وَالنَّظَرُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّفْوِيضِ إلَى مَنْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقَرَابَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ (وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) يَعْنِي الْعَصَبَةَ مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ (إذَا زَوَّجَهَا مَوْلَاهَا الَّذِي أَعْتَقَهَا) (
بِنْتُ الْبِنْتِ ثُمَّ بِنْتُ ابْنِ الِابْنِ ثُمَّ بِنْتُ بِنْتِ الْبِنْتِ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ الْأُخْتُ لِأَبٍ ثُمَّ الْأَخُ وَالْأُخْتُ لِأُمٍّ ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ ثُمَّ الْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ ثُمَّ السُّلْطَانُ ثُمَّ الْقَاضِي وَمَنْ نَصَبَهُ الْقَاضِي إذَا شَرَطَ تَزْوِيجَ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ فِي عَهْدِهِ وَمَنْشُورِهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مُضْطَرِبٌ ذَكَرَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا مَا رَوَيْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ ﵊ «الْإِنْكَاحُ إلَى الْعَصَبَاتِ» عُرِفَ الْإِنْكَاحُ بِاللَّامِ فِي غَيْرِ مَعْهُودٍ فَكَانَ مَعْنَاهُ هَذَا الْجِنْسُ مُفَوَّضٌ إلَى هَذَا الْجِنْسِ فَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِصِيَانَةِ الْقَرَابَةِ عَنْ غَيْرِ الْكُفْءِ وَالصِّيَانَةِ إلَى الْعَصَبَاتِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ، وَالنَّظَرُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّفْوِيضِ إلَى مَنْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْقَرَابَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ) فَإِنْ قُلْت: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ
[ ٣ / ٢٨٦ ]
جَازَ) لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَصَبَاتِ، وَإِذَا عُدِمَ الْأَوْلِيَاءُ فَالْوِلَايَةُ إلَى الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»
أُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْإِنْكَاحُ إلَى الْعَصَبَاتِ إذَا وُجِدَتْ الْعَصَبَاتُ وَالثَّانِي أَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِاعْتِبَارِ الشَّفَقَةِ وَكَمَالِ الرَّأْيِ. وَالْقَوْلُ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَلِكَوْنِ التَّوْرِيثِ مَبْنِيًّا عَلَى الْوِلَايَةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا عُدِمَ الْأَوْلِيَاءُ) يَعْنِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (فَالْوِلَايَةُ إلَى الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ لِقَوْلِهِ ﵊ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ») أَمَّا الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ وَمَنْشُورِهِ، كَذَا
[ ٣ / ٢٨٧ ]
(وَإِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً جَازَ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَقْرَبِ
فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ) يَعْنِي كَالْأَبِ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً جَازَ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ) كَالْجَدِّ أَنْ يُزَوِّجَ. (وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ. لِزُفَرَ أَنَّ وِلَايَةَ الْأَقْرَبِ قَائِمَةٌ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ
[ ٣ / ٢٨٨ ]
قَائِمَةٌ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ حَقًّا لَهُ صِيَانَةً لِلْقَرَابَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ جَازَ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْأَبْعَدِ مَعَ وِلَايَتِهِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إلَى مَنْ لَا يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ فَفَوَّضْنَاهُ إلَى الْأَبْعَدِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ كَمَا إذَا مَاتَ الْأَقْرَبُ، وَلَوْ زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ فِيهِ مُنِعَ
حَقًّا لَهُ صِيَانَةً لِلْقَرَابَةِ عَنْ نِسْبَةِ غَيْرِ الْكُفْءِ إلَيْهَا، وَالْحَقُّ الْقَائِمُ بِشَخْصٍ لَا يَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ (وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ جَازَ) بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ وِلَايَةُ الْأَقْرَبِ فِي غَيْبَتِهِ قَائِمَةً لَا يَكُونُ لِلْأَبْعَدِ وِلَايَةٌ (وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إلَى مَنْ لَا يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ) وَكِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ ظَاهِرَةٌ (فَفَوَّضْنَاهُ) أَيْ النَّظَرَ (إلَى الْأَبْعَدِ) وَقَوْلُهُ (وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ) إشَارَةً إلَى جَوَابِ الشَّافِعِيِّ (كَمَا إذَا مَاتَ الْأَقْرَبُ) فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى السُّلْطَانِ بِمَوْتِ الْأَقْرَبِ فَكَذَا بِغَيْبَتِهِ.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ فِيهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ جَازَ
[ ٣ / ٢٨٩ ]
وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ لِلْأَبْعَدِ بُعْدُ الْقَرَابَةِ وَقُرْبُ التَّدْبِيرِ وَلِلْأَقْرَبِ عَكْسُهُ فَنَزَلَا مَنْزِلَةَ وَلِيَّيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَأَيُّهُمَا عَقَدَ نَفَذَ وَلَا يُرَدُّ (وَالْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لَا تَصِلُ إلَيْهَا الْقَوَافِلُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ. وَقِيلَ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِأَقْصَاهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ بِحَالٍ يَفُوتُ الْكُفْءُ الْخَاطِبُ بِاسْتِطْلَاعِ رَأْيِهِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي إبْقَاءِ وِلَايَتِهِ حِينَئِذٍ
(وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْمَجْنُونَةِ أَبُوهَا وَابْنُهَا فَالْوَلِيُّ فِي نِكَاحِهَا ابْنُهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَبُوهَا)
بِالْمَنْعِ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ جَوَازَهُ (وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ لِلْأَبْعَدِ بَعْدَ الْقَرَابَةِ وَقُرْبُ التَّدْبِيرِ وَلِلْأَقْرَبِ عَكْسُهُ فَنُزِّلَا مَنْزِلَةَ وَلِيَّيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَأَيُّهُمَا عَقَدَ نَفَذَ وَلَا يُرَدُّ) يَعْنِي إذَا حَضَرَ الْأَقْرَبُ وَقَدْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ لَا يُرَدُّ النِّكَاحُ، ثُمَّ فَسَّرَ الْغَيْبَةَ الْمُنْقَطِعَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ (وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مِنْهُمْ الْقَاضِي الْإِمَامُ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عِصْمَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيِّ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي إبْقَاءِ وِلَايَتِهِ حِينَئِذٍ) يَعْنِي لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
لِأَنَّهُ أَوْفَرُ شَفَقَةً مِنْ الِابْنِ. وَلَهُمَا أَنَّ الِابْنَ هُوَ الْمُقَدَّمُ فِي الْعُصُوبَةِ، وَهَذِهِ الْوِلَايَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ كَأَبِي الْأُمِّ مَعَ بَعْضِ الْعَصَبَاتِ.