قَالَ (الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ
بَابُ الِاعْتِكَافِ)
:
وَجْهُ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الِاعْتِكَافِ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَبَيَّنَ صِفَتَهُ قَبْلَ بَيَانِ تَفْسِيرِهِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ حَيْثُ عِلْمُ الْفِقْهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُوَاظَبَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ». أُجِيبَ: بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَنْكَرَ، فَكَانَتْ الْمُوَاظَبَةُ بِلَا تَرْكٍ مُعَارِضًا بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ،
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَالْمُوَاظَبَةُ دَلِيلُ السُّنَّةِ (وَهُوَ اللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ وَنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ) أَمَّا اللَّبْثُ فَرُكْنُهُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ فَكَانَ وُجُودُهُ بِهِ، وَالصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، هُوَ يَقُولُ: إنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ وَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» وَالْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الْمَنْقُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ،
وَتَفْسِيرُهُ لُغَةً الِاحْتِبَاسُ، لِأَنَّهُ مِنْ الْعُكُوفِ وَهُوَ الْحَبْسُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرِيعَةً فَمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ وَنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ رُكْنُهُ وَهُوَ اللُّبْثُ لِأَنَّهُ يُنْبِي عَنْهُ لُغَةً كَمَا ذَكَرْنَا، وَبَعْضُ شَرَائِطِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالنِّيَّةُ، أَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: الصَّوْمُ عِبَادَةٌ وَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ وَإِلَّا لَا يَكُونُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، فَمَا فَرَضْنَاهُ أَصْلًا لَا يَكُونُ أَصْلًا، هَذَا خَلْفٌ بَاطِلٌ.
(وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ (وَالْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الْمَنْقُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
[ ٢ / ٣٩٠ ]
ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَاجِبِ مِنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الِاعْتِكَافَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فَاشْتِرَاطُ الصَّوْمِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ نَسْخٌ لَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَتَحَقَّقُ فِي اللَّيَالِي وَالصَّوْمُ فِيهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَفِي ذَلِكَ تَحَقُّقُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْجِمَاعِ ثَبَتَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ بِهَذَا النَّصِّ الْقَطْعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ فَأُلْحِقَ بِهِ الرُّكْنُ الْآخَرُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ بِالدَّلَالَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، كَمَا أُلْحِقَ الْجِمَاعُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ نَاسِيًا فِي حَقِّ بَقَاءِ الصَّوْمِ بِالدَّلَالَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَى الْمُعْتَكِفِ عَنْ الشَّهْوَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ صَوْمًا. وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّ الشُّرُوطَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ بِعُذْرِ الْحَيْضِ، وَالصَّوْمُ فِي اللَّيَالِي غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَاجِبِ مِنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً)
[ ٢ / ٣٩١ ]
لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ.
أَيْ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ. فَمَعْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ صَامَ رَجُلٌ تَطَوُّعًا ثُمَّ قَالَ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ: عَلَيَّ اعْتِكَافُ هَذَا الْيَوْمِ. لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ صَوْمَهُ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقَلُّهُ سَاعَةٌ فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ. لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْعُدُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَطَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ الْقَطْعُ إبْطَالًا. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْيَوْمِ كَالصَّوْمِ.
، ثُمَّ الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ ﵁ " لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ " وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ
انْعَقَدَ تَطَوُّعًا فَتَعَذَّرَ جَعْلُهُ وَاجِبًا بِنَذْرِ الِاعْتِكَافِ. وَقَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ) قَالُوا: هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ الْقَطْعُ إبْطَالًا) يُفْهَمُ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مُتَطَوِّعًا حَيْثُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ، وَالصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ) هَذَا أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ جَوَازِهِ، وَمَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ أُدِّيَتْ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْ لَا (لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَ) رَوَى الْحَسَنُ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، لِأَنَّهُ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ تُؤَدَّى فِيهِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ لِصَلَاتِهَا فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ.
(وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ الْجُمُعَةِ) أَمَّا الْحَاجَةُ فَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ النَّبِيُّ ﵊ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي تَقْضِيَتِهَا فَيَصِيرُ الْخُرُوجُ لَهَا مُسْتَثْنًى، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطُّهُورِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْخُرُوجُ إلَيْهَا مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مَشْرُوعٌ،
الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ فِي الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ الَّتِي كَثُرَ أَهْلُهَا. وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا) هَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا اعْتِكَافَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاعْتِكَافِ تَعْظِيمُ الْبُقْعَةِ فَيَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ مُعَظَّمَةٍ شَرْعًا وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ. وَلَنَا أَنَّ مَوْضِعَ الِاعْتِكَافِ فِي حَقِّهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي تَكُونُ صَلَاتُهَا فِيهِ أَفْضَلَ كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ، فَكَانَ مَوْضِعُ الِاعْتِكَافِ مَسْجِدَ بَيْتِهَا.
قَالَ: (وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ الْجُمُعَةِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ دُونَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ اعْتَكَفَ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اعْتَكَفَ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَإِذَا صَحَّ الشُّرُوعُ فَالضَّرُورَةُ مُطْلَقَةٌ فِي الْخُرُوجِ، وَيَخْرُجُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنْهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ إدْرَاكُهَا وَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِتًّا، الْأَرْبَعُ سُنَّةٌ، وَالرَّكْعَتَانِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ، وَسُنَنُهَا تَوَابِعُ لَهَا فَأُلْحِقَتْ بِهَا، وَلَوْ أَقَامَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافَهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اعْتِكَافٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَهُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتِمَّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ سَاعَةً بِغَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِوُجُودِ الْمُنَافِي وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَا: لَا يُفْسِدُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ
فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْخُرُوجِ. وَلَنَا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مَشْرُوعٌ، وَإِذَا صَحَّ الشُّرُوعُ صَحَّتْ الضَّرُورَةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْخُرُوجِ إلَيْهَا لِأَنَّ تَرْكَهَا صِيَانَةً لِلِاعْتِكَافِ لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ دُونَهَا فِي الْوُجُوبِ لِكَوْنِهَا وَاجِبَةً بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إسْقَاطُ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ بِإِيجَابِهِ. وَقَوْلُهُ (فَلَا يُتِمُّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ عَنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ثَمَّةَ ضَرُورَةٌ مِثْلُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ فَيَنْهَدِمُ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى الْخُرُوجِ فَكَانَ عَفْوًا.
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الْقِيَاسُ) لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِكَافِ هُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجُ مُفَوِّتٌ لَهُ، فَكَانَ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ سَوَاءً كَالْأَكْلِ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ لِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةً.
قَالَ (وَأَمَّا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ يَكُونُ فِي مُعْتَكَفِهِ)
فِي الصَّوْمِ. وَالْحَدَثِ فِي الطَّهَارَةِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةً) بَيَانُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يُسْرِعَ فِي الْمَشْيِ. وَلَهُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى التُّؤَدَةِ فَكَانَ الْقَلِيلُ عَفْوًا وَالْكَثِيرُ لَيْسَ بِعَفْوٍ. فَجَعَلْنَا الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَهُمَا الْأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ. إذَا وُجِدَتْ فِي أَكْثَرِ الْيَوْمِ جُعِلَتْ كَأَنَّهَا
[ ٢ / ٣٩٦ ]
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوًى إلَّا الْمَسْجِدَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْخُرُوجِ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْضِرَ السِّلْعَةَ) لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَاجَتِهِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ إحْضَارُ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّرٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ إلَى أَنْ قَالَ وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ».
قَالَ (وَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ
وُجِدَتْ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ. لِأَنَّ الْقَلِيلَ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ.
وَقَوْلُهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوًى إلَّا الْمَسْجِدُ) يَعْنِي فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ فِيهِ حِينَئِذٍ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ) يَعْنِي مَا كَانَ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهِ) فَإِذَا كَانَ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ مَكْرُوهًا فَمَا ظَنُّك بِالْمُعْتَكِفِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ) يَعْنِي أَنَّ التَّكَلُّمَ بِالشَّرِّ فِي الْمُعْتَكِفِ أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ فَإِنَّ الظُّلْمَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا مُطْلَقًا لَكِنَّهُ قَيَّدَهُ
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ) لِأَنَّ صَوْمُ الصَّمْتِ لَيْسَ بِقُرْبَةِ شَرِيعَتِنَا لَكِنَّهُ يَتَجَانَبُ مَا يَكُونُ مَأْثَمًا.
(وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْوَطْءُ)
بِالْأَشْهُرِ لِأَنَّهُ فِيهَا أَشَدُّ حُرْمَةً. وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ) قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَنْذِرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ أَصْلًا كَمَا كَانَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا. وَقِيلَ: أَنْ يَصْمُتَ وَلَا يَتَكَلَّمَ أَصْلًا مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ سَابِقٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ الْمَعْهُودَ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ مَعَ زِيَادَةِ نِيَّةِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ صَوْمَ الصَّمْتِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ) فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ الْوِصَالِ وَصَوْمِ الصَّمْتِ» فَقَالَ الرَّاوِي وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ: قُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ: مَا صَوْمُ الصَّمْتِ؟ قَالَ: أَنْ يَصُومَ وَلَا يُكَلِّمَ أَحَدًا فِي يَوْمِ الصَّوْمِ. وَقَوْلُهُ (يَتَجَانَبُ مَا يَكُونُ مَأْثَمًا) أَيْ إثْمًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ. لَا يُقَالُ فِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ، يَقْتَضِي حَصْرَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِخَيْرٍ.
وَقَوْلُهُ (يَتَجَانَبُ مَا يَكُونُ مَأْثَمًا) يَقْتَضِي جَوَازَ التَّكَلُّمِ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ. لِأَنَّا نَقُولُ مَا لَيْسَ بِمَأْثَمٍ فَهُوَ خَيْرٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْخَيْرَ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْحَاصِلِ لِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا لَهُ إذَا كَانَ مُؤَثِّرًا. وَالتَّكَلُّمُ بِالْمُبَاحِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْوَطْءُ) يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ، لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْوَطْءُ، وَأَوَّلُوهُ بِأَنَّهُ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْحَاجَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ، لِأَنَّ اسْمَ الْمُعْتَكِفِ لَا يَزُولُ عَنْهُ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ وَيَقْضُونَ حَاجَتَهُمْ فِي الْجِمَاعِ ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ فَيَرْجِعُونَ إلَى مُعْتَكَفِهِمْ، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى
[ ٢ / ٣٩٨ ]
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (وَ) كَذَا (اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ) لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إذْ هُوَ مَحْظُورُهُ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّ الْكَفَّ رُكْنُهُ لَا مَحْظُورُهُ فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى دَوَاعِيهِ (فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَكَذَا اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ (مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، إذْ هُوَ) أَيْ الْجِمَاعُ (مَحْظُورُ الِاعْتِكَافِ، كَمَا أَنَّهُ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ) فَكَانَتْ الدَّوَاعِي مُحَرَّمَةً. فَإِنْ قِيلَ: الْجِمَاعُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا أَنَّهُ يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الْكَفَّ) أَيْ عَنْ الْجِمَاعِ (رُكْنُهُ لَا مَحْظُورُهُ، فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى دَوَاعِيهِ) وَلَا زَالَ فِي تَحْقِيقِهِ اصْطَكَّتْ الرُّكَبُ، وَأَقْصَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ الْقَدْرُ أَنْ قَالُوا: الْوَطْءُ مَحْظُورُ الِاعْتِكَافِ لِأَنَّ مَحْظُورَ الشَّيْءِ مَا نُهِيَ عَنْهُ بَعْدَ وُجُودِهِ مِمَّا يُفْسِدُهُ، وَالْوَطْءُ فِي الِاعْتِكَافِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ اللُّبْثُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ، هَذَا حَقِيقَتُهُ.
ثُمَّ نُهِيَ الْمُعْتَكِفُ أَنْ يَرْتَكِبَ الْوَطْءَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ بِصَرِيحِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ مَقْصُودًا فَتَعَدَّتْ الْحُرْمَةُ إلَى الدَّوَاعِي؛ لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِحْرَامِ: إنَّ حَقِيقَتَهُ التَّلْبِيَةُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَمَا وُجِدَ ذَلِكَ صَارَ الْوَطْءُ حَرَامًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فَتَعَدَّتْ الْحُرْمَةُ إلَى الدَّوَاعِي مِنْ الْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَالْوَطْءُ لَيْسَ بِمَحْظُورِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمَحْظُورِ، فَإِنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ الْكَفُّ عَنْ الْوَطْءِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ الْآيَةَ. وَثَبَتَ إذْ ذَاكَ حُرْمَةُ الْجِمَاعِ الْمُفَوِّتِ لِلرُّكْنِ وَهُوَ الْكَفُّ بِالنَّهْيِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ ضِمْنًا لَا مَقْصُودًا، ضَرُورَةَ بَقَاءِ الرُّكْنِ، وَالضَّرُورِيُّ لَا يَتَعَدَّى عَنْ مَحَلِّهِ فَبَقِيَتْ الدَّوَاعِي عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الضِّمْنِيَّ لَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ الدَّوَاعِي وَالْقَصْدِيَّ يَقْتَضِيهَا، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوَطْءِ حَالَةَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ قَصَدَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وَلَمْ تَحْرُمْ الدَّوَاعِي.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ فِيهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْحَرَجِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْحَيْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ مَبْنَى الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَى مَا عَرَفْت مِنْ تَفْسِيرِهِ هُوَ الَّذِي يَتَعَدَّى، وَالْوَطْءُ حَالَةَ الْحَيْضِ لَيْسَ كَذَلِكَ، هَذَا، وَلَيْسَ وَرَاءَ عَبَّادَانَ قَرْيَةٌ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا) يَعْنِي أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ (بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ اعْتِكَافٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ) فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الِاعْتِكَافُ فَرْعٌ عَنْ الصَّوْمِ وَالْفَرْعُ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَحَالَةُ الْعَاكِفِينَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ (وَلَوْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ حَتَّى يَفْسُدَ بِهِ الصَّوْمُ، وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ الْمُفْسِدُ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ
مُلْحَقٌ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ، وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ فَكَيْفَ يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَحَالَةُ الْعَاكِفِينَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ) بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مُذَكِّرَ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَفْسُدَ بِالْأَكْلِ نَاسِيًا كَالْجِمَاعِ. أُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَكْلِ لَيْسَتْ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ بَلْ لِأَجْلِ الصَّوْمِ حَتَّى اُخْتُصَّتْ بِوَقْتِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْجِمَاعِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لِأَجْلِ الِاعْتِكَافِ نَصًّا فَكَانَ كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَاصِدُ وَغَيْرُهُ (وَلَوْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ وَلِهَذَا فَسَدَ بِهِ الصَّوْمُ، وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ) فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْت نَفْسَ الْمُبَاشَرَةِ مُفْسِدَةً مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ وَتِلْكَ تَتَحَقَّقُ فِي الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَجَازَ وَهُوَ الْجِمَاعُ لَمَّا كَانَ مُرَادًا بَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّوْمِ فِيهَا وَنَفْسُهَا لَمْ تُفْسِدْ الصَّوْمَ فَكَذَا الِاعْتِكَافُ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ) أَيْ: وَمَنْ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
لَزِمَهُ اعْتِكَافُهَا بِلَيَالِيِهَا) لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي، يُقَالُ: مَا رَأَيْتُك مُنْذُ أَيَّامٍ وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا وَكَانَتْ (مُتَتَابِعَةً وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ) لِأَنَّ مَبْنَى الِاعْتِكَافِ عَلَى التَّتَابُعِ، لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ كُلَّهَا قَابِلَةٌ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّفَرُّقِ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ فَيَجِبُ عَلَى التَّفَرُّقِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَى التَّتَابُعِ (وَإِنْ نَوَى الْأَيَّامَ خَاصَّةً صَحَّتْ نِيَّتُهُ) لِأَنَّهُ نَوَى الْحَقِيقَةَ.
قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ (تَلْزَمُهُ بِلَيَالِيِهَا مُتَتَابِعَةً) أَمَّا لُزُومُهَا بِلَيَالِيِهَا فَلِمَا ذَكَرَ (أَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي) عُرْفًا (يُقَالُ: مَا رَأَيْتُك مُنْذُ أَيَّامٍ، وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا) وَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا أَوْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ زَكَرِيَّا ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ وَقَالَ ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَتَأْوِيلُهُ مَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَدْفَعُ مَا يُقَالُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ خَاصَّةً، وَالِاعْتِكَافُ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَيَّامِ النُّهُرُ دُونَ اللَّيَالِيِ وَإِلَّا لَانْتُقِضَ الْقَاعِدَةُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، حَتَّى لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا اُخْتُصَّ بِبَيَاضِ النَّهَارِ، كَذَا فِي التُّحْفَةِ، وَأَمَّا التَّتَابُعُ فَلِمَا ذَكَرَ أَنَّ مَبْنَى الِاعْتِكَافِ عَلَى التَّتَابُعِ إلَخْ (وَإِنْ نَوَى الْأَيَّامَ خَاصَّةً صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَقِيقَةَ) فَإِنْ قِيلَ: الْحَقِيقَةُ مُنْصَرَفُ اللَّفْظِ بِدُونِ قَرِينَةٍ أَوْ نِيَّةٍ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَقِيقَةَ؟ قُلْت: كَأَنَّهُ اخْتَارَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ أَنَّ الْيَوْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ بَيَاضِ النَّهَارِ وَمُطْلَقِ الْوَقْتِ، وَأَحَدُ مَعْنَيْ الْمُشْتَرَكِ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِتَعْيِينِ الدَّلَالَةِ لَا لِنَفْسِ الدَّلَالَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارُهُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَجَوَابُهُ أَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ
[ ٢ / ٤٠١ ]
(وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ يَلْزَمُهُ بِلَيْلَتَيْهِمَا). وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا تَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الْأُولَى لِأَنَّ الْمُثَنَّى غَيْرُ الْجَمْعِ، وَفِي الْمُتَوَسِّطَةِ ضَرُورَةُ الِاتِّصَالِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ فَيَلْحَقُ بِهِ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
صَارِفٌ لَهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ دَفْعًا لِلصَّارِفِ عَنْ الْحَقِيقَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافُ يَوْمَيْنِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِمَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَجْهُ الظَّاهِرِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمُثَنَّى غَيْرُ الْجَمْعِ) ظَاهِرٌ. وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لَفْظُ الْمُثَنَّى وَلَفْظُ الْمُفْرَدِ سَوَاءً. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا لَمْ تَدْخُلْ لَيْلَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَا فِي التَّثْنِيَةِ إلَّا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْوُسْطَى تَدْخُلُ لِضَرُورَةِ اتِّصَالِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ الْمُثَنَّى غَيْرَ الْجَمْعِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي الْجُمُعَةِ بِالِاثْنَيْنِ سِوَى الْإِمَامِ وَقَدْ اكْتَفَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا ذَكَرْت هَاهُنَا لِأَنَّ فِيهِ الْعَمَلَ بِأَوْضَاعِ الْوُحْدَانِ وَالْجَمْعِ إلَّا أَنِّي وَجَدْت فِي الْجُمُعَةِ مَعْنًى لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ، وَفِي الْجَمَاعَةِ وَالتَّثْنِيَةِ كَذَلِكَ، فَكَانَتْ التَّثْنِيَةُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ كَالْجَمْعِ فَاكْتَفَيْت بِهَا (وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ) لِاجْتِمَاعِ فَرْدٍ وَفَرْدٍ فِيهِ (فَيُلْحَقُ بِالْجَمْعِ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ) وَفِيهِ تَلْوِيحٌ إلَى أَنَّهُمَا إنَّمَا
[ ٢ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَمْ يُلْحِقَا الْمُثَنَّى بِالْجَمْعِ فِي الْجُمُعَةِ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ، وَذَلِكَ فِي الْإِلْحَاقِ غَيْرُ يَقِينٍ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ عَلَى حِدَةٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي كَوْنِ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ تَرَدُّدٌ لِجَاذِبِ الْفَرْدِ وَالْجَمْعِ إذْ هِيَ بَيْنَهُمَا، وَفِي اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ لَا تَرَدُّدَ فِي الْخُرُوجِ فَكَانَ شَرْطًا، وَأَمَّا فِي الِاعْتِكَافِ فَفِي إلْحَاقِهِ بِالْجَمْعِ خُرُوجٌ عَنْهَا بِيَقِينٍ، لِأَنَّ إيجَابَ لَيْلَتَيْنِ مَعَ يَوْمَيْنِ أَحْوَطُ مِنْ إيجَابِ يَوْمَيْنِ بِلَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[ ٢ / ٤٠٣ ]