(الشَّهِيدُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا
بَابُ الشَّهِيدِ)
الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا بَوَّبَ لِلشَّهِيدِ بِحِيَالِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ فَكَانَ إخْرَاجُهُ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ كَإِخْرَاجِ جِبْرِيلَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَسُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ إكْرَامًا لَهُ فَكَانَ مَشْهُودًا فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ. وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ (مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) فَقَوْلُهُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، يَعْنِي بِأَيَّةِ آلَةٍ كَانَتْ، وَفِي مَعْنَاهُمْ أَهْلُ الْبَغْيِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ لِلْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ. وَقَوْلُهُ (وَبِهِ أَثَرٌ) أَيْ جِرَاحَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ بَاطِنَةٌ كَخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ نَحْوِهَا وَقَوْلِهِ (أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا)
[ ٢ / ١٤٢ ]
وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ فَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَقَالَ ﵊ فِيهِمْ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ بِالْحَدِيدَةِ ظُلْمًا وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغٌ وَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ فَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَثَرِ الْجِرَاحَةُ لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الْقَتْلِ،
احْتِرَازٌ عَمَّا قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ رَجْمًا أَوْ قِصَاصًا.
وَقَوْلُهُ (وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) احْتِرَازٌ عَنْ شَبَهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُكَفَّنُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُغَسَّلُ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. أَمَّا التَّكْفِينُ فَهُوَ سُنَّةٌ فِي مَوْتَى بَنِي آدَمَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ لَمْ تُنْزَعْ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ» وَفِي رِوَايَةٍ " بِثِيَابِهِمْ " وَيُنْزَعُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالْخُفُّ وَالسِّلَاحُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، وَيَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ إتْمَامًا لِلْكَفَنِ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا عَدَمُ الْغُسْلِ فَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
وَقَالَ ﵊ فِيهِمْ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَلَا تُغَسِّلُوهُمْ» (فَكُلُّ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا بِالْحَدِيدَةِ وَهُوَ طَاهِرٌ بَالِغٌ وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُمْ فَيُلْحَقُ بِهِمْ) وَالْقَيْدُ بِالْحَدِيدَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَكَذَا خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ مَوْضِعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ كَالْعَيْنِ وَنَحْوِهَا، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ
مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ، وَشَرْطُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جُنُبًا يُغَسَّلُ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْكِتَابِ. وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرْتَثًّا عَلَى مَا يَذْكُرُهُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَقَدْ خَالَفْنَا الشَّافِعِيَّ وَقَالَ: السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ فَأَغْنَى عَنْ الشَّفَاعَةِ. وَقُلْنَا الصَّلَاةُ
[ ٢ / ١٤٤ ]
فَأَغْنَى عَنْ الشَّفَاعَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَا، وَالطَّاهِرُ عَنْ الذُّنُوبِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الدُّعَاءِ كَالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ
(وَمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلُ الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ لَمْ يُغَسَّلْ) لِأَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ مَا كَانَ كُلُّهُمْ قَتِيلَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ
(وَإِذَا اُسْتُشْهِدَ الْجُنُبُ غُسِّلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
عَلَى الْمَيِّتِ لِإِظْهَارِ كَرَامَتِهِ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِالْكَرَامَةِ. وَقَوْلُهُ (وَالطَّاهِرُ عَنْ الذُّنُوبِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ) ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُوَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلُوهُ لَمْ يُغَسَّلْ) وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَمِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَكُنْ قَتِيلُهُمْ بِمَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَيُشْتَرَطُ الْحَدِيدَةُ أَوْ الْآلَةُ الَّتِي لَا تَلْبَثُ فِي ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لَمَّا أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ أُلْحِقَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْبَغْيِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ ﷺ
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَقَالَا: لَا يُغَسَّلُ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ وَالثَّانِي لَمْ يَجِبْ لِلشَّهَادَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ
فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ «قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ» وَقَالَ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَإِذَا كَانَ قِتَالُهُمَا مَأْمُورًا بِهِ صَارَ كَقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَفِي قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْحُكْمُ تَعْمِيمُ الْآلَةِ فَكَذَا فِي قِتَالِهِمَا.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ) لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالْغُسْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ (وَالثَّانِي) أَيْ الْغُسْلُ بِسَبَبِ الْمَوْتِ (لَمْ يَجِبْ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَمْنَعُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﵊ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ» لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّهِيدِ الْجُنُبِ وَغَيْرِهِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ثَوْبِ الشَّهِيدِ نَجَاسَةٌ تُغْسَلُ تِلْكَ النَّجَاسَةُ وَلَا يُغَسَّلُ عَنْهُ الدَّمُ. قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ رَافِعًا لَوُضِّئَ الْمُحْدِثُ إذَا اُسْتُشْهِدَ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِلْأَعْلَى أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا لِلْأَدْنَى، وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ (فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ حَنْظَلَةَ ﵁ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: إنَّهُ أَصَابَ مِنِّي فَسَمِعَ الْهَيْعَةَ فَأَعْجَلَتْهُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فَاسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ ﵊
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَالنُّفَسَاءُ إذَا طَهُرَتَا وَكَذَا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيّ لَهُمَا أَنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ.
هُوَ ذَاكَ» وَالْهَيْعَةُ: الصَّوْتُ الَّذِي يُفْزَعُ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ الْوَاجِبُ غُسْلُ بَنِي آدَمَ دُونَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِإِعَادَةِ غُسْلِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْغَاسِلُ فَيَجُوزُ كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا غَسَّلُوا آدَمَ ﵇ تَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ وَلَمْ يُعِدْ أَوْلَادُهُ غُسْلَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا طَهُرَتَا) يَعْنِي عِنْدَهُمَا لَا يُغَسَّلَانِ لِأَنَّ الْغُسْلَ الْأَوَّلَ سَقَطَ بِالْمَوْتِ وَالثَّانِيَ لَمْ يَجِبْ بِالشَّهَادَةِ، وَعِنْدَهُ يُغَسَّلَانِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً غَيْرَ رَافِعَةٍ (وَكَذَا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ) فَإِنَّهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُغَسَّلَانِ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ مَا كَانَ وَاجِبًا. عَلَيْهِمَا. قَبْلَ الِانْقِطَاعِ. وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ يُغَسَّلَانِ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ حَصَلَ بِالْمَوْتِ، وَالدَّمُ السَّائِلُ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ) عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَوْلُهُ (بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ) أَيْ بِسُقُوطِ الْغُسْلِ فَإِنَّ سُقُوطَ الْغُسْلِ عَنْ الشَّهِيدِ
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَلَهُ أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الْغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ طُهْرَةً، وَلَا ذَنْبَ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ
(وَلَا يُغْسَلُ عَنْ الشَّهِيدِ دَمُهُ، وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ) لِمَا رَوَيْنَا (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ (وَيَزِيدُونَ وَيُنْقِصُونَ مَا شَاءُوا) إتْمَامًا لِلْكَفَنِ
قَالَ (وَمَنْ اُرْتُثَّ غُسِّلَ) وَهُوَ مَنْ صَارَ خَلْفًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ لِنَيْلِ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخِفُّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ (وَالِارْتِثَاثُ: أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُدَاوَى أَوْ يُنْقَلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ حَيًّا) لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ. وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ مَاتُوا عَطَاشَى وَالْكَأْسُ تُدَارُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا خَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ الشَّهَادَةِ، إلَّا إذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ كَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ، لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ، وَلَوْ آوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَانَ مُرْتَثًّا لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ بَقِيَ حَيًّا حَتَّى مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ
لَا بَقَاءَ أَثَرِ مَظْلُومِيَّتِهِ فِي الْقَتْلِ فَكَانَ إكْرَامًا لَهُ، والمظلومية فِي حَقِّ الصَّبِيِّ أَشَدُّ فَكَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الْغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ طَهَّرَهُ) عَنْ الذَّنْبِ (وَلَا ذَنْبَ لِلصَّبِيِّ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُمْ) وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ غُسِّلَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُغَسَّلُ عَنْ الشَّهِيدِ دَمُهُ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَيُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ إلَخْ) مَذْهَبُنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ وَاحْتَجَّ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ " زَمِّلُوهُمْ " مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» وَإِذَا تَعَارَضَا صِرْنَا إلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ (قَوْلُهُ وَيَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ مَا شَاءُوا) أَيْ يَزِيدُونَ مَا شَاءُوا إذَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ وَيَنْقُصُونَ مَا شَاءُوا يَعْنِي إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ اُرْتُثَّ) هُوَ مِنْ قَوْلِك ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ
[ ٢ / ١٤٨ ]
مُرْتَثٌّ) لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ. قَالَ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ كَانَ ارْتِثَاثًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَاتِ
(وَمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي الْمِصْرِ غُسِّلَ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ (إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَالْقَاتِلُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْهَا ظَاهِرًا، إمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ الْعُقْبَى. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا لَا يَلْبَثُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَيُعْرَفُ فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يُغَسَّلُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) أَيْ حِينَئِذٍ لَا يُغَسَّلُ قِيلَ هَذَا إذَا عُلِمَ قَاتِلُهُ عَيْنًا. وَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ يُغَسَّلُ لِمَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، وَلَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ (لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ) لَا قِصَاصَ يَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَاتِلِ الْمَعْلُومِ (وَهُوَ) أَيْ الْقِصَاصُ (عُقُوبَةٌ وَالْقَاتِلُ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْ الْعُقُوبَةِ ظَاهِرًا) أَمَّا فِي الدُّنْيَا إنْ وَقَعَ الِاسْتِيفَاءُ أَوْ فِي الْعُقْبَى إنْ لَمْ يُسْتَوْفَ، فَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ مَانِعًا عَنْ الشَّهَادَةِ لَا نَسُدُّ بَابَهَا وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ قِيلَ مَنْ وَجَبَ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ لَيْسَ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ إذْ لَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُمْ يُغَسَّلُ. أُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْقِصَاصِ تَرْجِعُ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ وَسَائِرِ النَّاسِ دُونَ الْقَتِيلِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِالْقَتْلِ شَيْءٌ كَمَا لَمْ يَحْصُلْ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إلَى الْمَيِّتِ حَتَّى تُقْضَى دُيُونُهُ وَتَنْفُذَ وَصَايَاهُ. وَقَوْلُهُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَا لَا يَلْبَثُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ) يَعْنِي لَا يُشْتَرَطُ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ فِي الْمِصْرِ أَنْ يُقْتَلَ بِحَدِيدَةٍ عِنْدَهُمَا، بَلْ الْمُثْقَلُ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ مِثْلُ السَّيْفِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يُغَسَّلُ الْقَتِيلُ ظُلْمًا فِي الْمِصْرِ إذْ عُرِفَ قَاتِلُهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْمُثْقَلِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ
[ ٢ / ١٤٩ ]
(وَمَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ
(وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْبُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْبُغَاةِ.