(وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ مَهْرًا)؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ انْضِمَامٍ وَازْدِوَاجٍ لُغَةً فَيَتِمُّ بِالزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ الْمَهْرُ وَاجِبٌ شَرْعًا إبَانَةً لِشَرَفِ الْمَحَلِّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ،
لَمَّا ذَكَرَ رُكْنَ النِّكَاحِ وَشَرْطَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ حُكْمُهُ، فَإِنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ فَكَانَ حُكْمًا لَهُ، وَالْمَهْرُ هُوَ الْمَالُ يَجِبُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ، إمَّا بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ بِالْعَقْدِ. وَلَهُ أَسَامٍ: الْمَهْرُ، وَالصَّدَاقُ، وَالنِّحْلَةُ، وَالْأَجْرُ، وَالْفَرِيضَةُ، وَالْعُقْرُ. لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿فَانْكِحُوا﴾ وَالنِّكَاحُ لُغَةً لَا يُنْبِئُ إلَّا عَنْ الِانْضِمَامِ وَالِازْدِوَاجِ فَيَتِمُّ بِالْمُتَنَاكِحِينَ، فَلَوْ شَرَطْنَا التَّسْمِيَةَ فِيهِ زِدْنَا عَلَى النَّصِّ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَهْرُ وَاجِبٌ شَرْعًا فَكَيْفَ يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ الْمَهْرُ وَاجِبٌ شَرْعًا) يَعْنِي أَنَّ وُجُوبَهُ لَيْسَ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِبَانَةِ شَرَفِ الْمَحَلِّ (فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ) فَإِنْ قِيلَ: هَذَا دَعْوَى فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ. قُلْت: دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾
[ ٣ / ٣١٦ ]
وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لِمَا بَيَّنَّا، وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ
(وَأَقَلُّ الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إلَيْهَا وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ»
حَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ مَعَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَكُونُ الطَّلَاقُ إلَّا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَعُلِمَ أَنَّ تَرْكَ ذِكْرِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ (وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ انْضِمَامٍ فَيَتِمُّ بِالزَّوْجَيْنِ.
وَقَوْلُهُ وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا (خِلَافُ مَالِكٍ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةِ مِلْكِ مُتْعَةٍ بِمِلْكِ مَهْرٍ فَيَفْسُدُ بِشَرْطِ نَفْيِ عِوَضِهِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا ثَمَنَ وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَهْرٌ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْبَيْعِ يَقْتَضِي شُمُولَ الْعَدَمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتْعَةِ كَمَا سَيَجِيءُ. قُلْنَا: دَلَالَةُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَنْفِيَ الْمَهْرَ كَدَلَالَتِهِ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ ذِكْرِهِ لِأَنَّ إمَّا يَكُونُ عِوَضًا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ تَرْكِ ذِكْرِهِ وَنَفْيِهِ كَالْبَيْعِ.
(وَأَقَلُّ الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ حَقُّهَا) شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا صِيَانَةً لِبُضْعِهَا عَنْ الِابْتِذَالِ مَجَّانًا (فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إلَيْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ») إنَّمَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ
[ ٣ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ». وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ إطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ بِهِ لِأَنَّهُ نُسِخَ. الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ، فَقَالَ ﵊ كَمْ سُقْت إلَيْهَا فَقَالَ: زِنَةُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ ﵊: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَالنَّوَاةُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ، وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً قَامَتْ وَقَالَتْ: وَهَبْت نَفْسِي مِنْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﵊: لَا حَاجَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِالنِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﵊: هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ تَصْدُقُهَا؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي، فَقَالَ ﵊: لَا فَالْتَمِسْ شَيْئًا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ ﵊: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ﵊: زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ». الثَّالِثُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَتْرُوكُ الْعَمَلِ فِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمَهْرِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَحِيحًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَجَبَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّقْيِيدَ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ لِأَنَّ الْفَرْضَ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِأَمْوَالِكُمْ
[ ٣ / ٣١٨ ]
وَلِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ وُجُوبًا إظْهَارًا لِشَرَفِ الْمَحَلِّ
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ مَالًا مُقَدَّرًا، وَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ مِقْدَارَهُ وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ تَوَلَّى بَيَانَ مِقْدَارِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى مَا يُعَجَّلُ بِالسَّوْقِ إلَيْهَا، أَمَّا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلِأَنَّهُ مُصَرِّحٌ بِهِ، وَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَلِأَنَّهُ أَمَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِالِالْتِمَاسِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عِنْدَنَا وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الَّذِي يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. وَعَنْ الثَّالِثِ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَائِشَةَ عَمِلَتْ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ لَمْ تَعْرِفْ نَسْخَهُ مَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَامَ دَلِيلُ النَّسْخِ فِي الْأَوْلِيَاءِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْعَمَلِ بِاَلَّذِي قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ النَّسْخِ تَرْكُهُ بِمَا لَمْ يَقُمْ وَلَا التَّحَكُّمُ.
وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ) أَيْ الْمَهْرُ حَقُّ الشَّرْعِ
[ ٣ / ٣١٩ ]
فَيَتَقَدَّرُ بِمَا لَهُ خَطَرٌ وَهُوَ الْعَشَرَةُ اسْتِدْلَالًا بِنِصَابِ السَّرِقَةِ (وَلَوْ سَمَّى أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فَلَهَا الْعَشَرَةُ) عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ
مِنْ حَيْثُ وُجُوبُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ شَرَفِ الْمَحَلِّ (فَيَتَقَدَّرُ بِمَالِهِ خَطَرٌ وَهُوَ الْعَشَرَةُ اسْتِدْلَالًا بِنِصَابِ السَّرِقَةِ) لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ عُضْوٌ مُحْتَرَمٌ فَلَأَنْ يَتْلَفَ بِهِ مَنَافِعُ بُضْعٍ كَانَ أَوْلَى (وَلَوْ سَمَّى أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَلَهَا الْعَشَرَةُ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ
[ ٣ / ٣٢٠ ]
مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا كَانْعِدَامِهِ وَلَنَا أَنَّ فَسَادَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ صَارَ مُقْتَضِيًا بِالْعَشَرَةِ، فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّهَا فَقَدْ رَضِيَتْ بِالْعَشَرَةِ لِرِضَاهَا بِمَا دُونَهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَرْضَى بِالتَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ تَكَرُّمًا، وَلَا تَرْضَى فِيهِ بِالْعِوَضِ الْيَسِيرِ. وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا تَجِبُ خَمْسَةٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏، وَعِنْدَهُ تَجِبُ الْمُتْعَةُ كَمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا (وَمَنْ سَمَّى مَهْرًا عَشْرَةً فَمَا زَادَ
مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا كَانْعِدَامِهِ) كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ فَسَادَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ صَارَ مَقْضِيًّا بِالْعَشَرَةِ) إمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي كَوْنِهَا صَدَاقًا لَا تَتَجَزَّأُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ؛ كَمَا لَوْ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى نِصْفِهَا صَحَّ فِي جَمِيعِهَا، وَأَمَّا حَقُّهَا وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَقَدْ رَضِيَتْ بِسُقُوطِهِ لِأَنَّ الرِّضَا بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ رِضًا بِالْعَشَرَةِ. وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا بِرِضَاهَا بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا وَحَقَّ الشَّرْعِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، فَمَا كَانَ حَقَّهَا فَقَدْ سَقَطَ لِوِلَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَمَا كَانَ حَقَّ الشَّرْعِ فَلَمْ يَسْقُطْ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِانْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَانْعِدَامِهِ: يَعْنِي لَيْسَ هَذَا الْقِيَاسُ صَحِيحًا (لِأَنَّهَا قَدْ تَرْضَى بِالتَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ تَكَرُّمًا وَلَا تَرْضَى فِيهِ بِالْعِوَضِ الْيَسِيرِ) فَلَا يَكُونُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَا بِالْعَشَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الْعَشَرَةُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِخِلَافِ الرِّضَا بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ رِضًا بِهَا لَا مَحَالَةَ (وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَجَبَ خَمْسَةٌ عِنْدَهُمْ) وَوَجَبَتْ الْمُتْعَةُ عِنْدَهُمْ كَمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ سَمَّى مَهْرًا عَشَرَةً)
[ ٣ / ٣٢١ ]
فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا)؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ الْمُبْدَلِ وَبِهِ يَتَأَكَّدُ الْبَدَلُ، وَبِالْمَوْتِ يَنْتَهِي النِّكَاحُ نِهَايَتَهُ، وَالشَّيْءُ بِانْتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ وَيَتَأَكَّدُ فَيَتَقَرَّرُ بِجَمِيعِ مَوَاجِبِهِ (وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَالْخَلْوَةِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الْآيَة
اعْلَمْ أَنَّ الْمَهْرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَتَقَرَّرُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالدُّخُولِ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ وَبِالْمَوْتِ، أَمَّا الدُّخُولُ فَلِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِهِ تَسْلِيمُ الْمُبْدَلِ وَهُوَ الْبُضْعُ (وَبِهِ) أَيْ بِتَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ (يَتَأَكَّدُ تَسْلِيمُ الْبَدَلِ) وَهُوَ الْمَهْرُ كَمَا فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ يَتَأَكَّدُ بِهِ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا لِكَوْنِهِ عَلَى عَرَضِيَّةِ أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ وَبِتَسْلِيمِهِ يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْمَهْرِ كَانَ عَلَى عَرَضِيَّةِ أَنْ يَسْقُطَ بِتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ أَوْ الِارْتِدَادِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَبِالدُّخُولِ تَأَكَّدَ.
وَأَمَّا الْمَوْتُ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْتَهِي بِهِ نِهَايَتَهُ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ قَابِلًا لِلرَّفْعِ (وَالشَّيْءُ بِانْتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ وَيَتَأَكَّدُ فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَرَّرَ بِجَمِيعِ مَوَاجِبِهِ) الْمُمْكِنِ تَقْرِيرُهَا لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ كَالْإِرْثِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ وَالنَّسَبِ. وَقُلْنَا: " مَوَاجِبِهِ الْمُمْكِنِ تَقْرِيرُهَا " احْتِرَازًا عَنْ النَّفَقَةِ وَحِلِّ التَّزَوُّجِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَلَمْ يَحِلَّ وَقْتَ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ فَهُوَ الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ.
وَيُعْلَمُ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وَالْأَقْيِسَةُ مُتَعَارِضَةٌ، فَفِيهِ تَفْوِيتُ الزَّوْجِ الْمِلْكَ عَلَى نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَفِيهِ عَوْدُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَيْهِ سَالِمًا فَكَانَ الْمَرْجِعُ
وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَالْأَقْيِسَةُ مُتَعَارِضَةٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ كُلُّ الْبَدَلِ، لِأَنَّ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَعُودُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ سَالِمًا إلَيْهَا فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ كُلُّ الْبَدَلِ كَمَا إذَا تَبَايَعَا ثُمَّ تَقَابَلَا.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَقْيِسَةَ مُتَعَارِضَةُ قِيَاسٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْت، وَقِيَاسٌ آخَرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ كُلِّ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَا مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ كُلِّ الْمَهْرِ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى النَّصِّ. وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْقِيَاسَ الْوَاحِدَ لَا وُجُودَ لَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ فَضْلًا عَنْ الْأَقْيِسَةِ وَالثَّانِي أَنَّ التَّعَارُضَ إذَا ثَبَتَ بَيْنَ الْحُجَّتَيْنِ كَانَ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَهُمَا لَا إلَى مَا قَبْلَهُمَا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْقِيَاسَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ التَّعَارُضُ صُورَةً لَمْ يُتْرَكَا.
بَلْ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ذِكْرَ مُعَارَضَةِ الْقِيَاسَيْنِ هَاهُنَا لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا بَلْ لِبَيَانِ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِتَعَارُضِهِمَا أَوْ لِمُخَالَفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا النَّصَّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: فَوَجَبَ الْعَمَلُ عَلَيْنَا بِظَاهِرِ النَّصِّ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فِيهِ النَّصَّ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالدُّخُولِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. .
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا
الْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ، فَإِنَّا لَوْ خَلَّيْنَا وَمُجَرَّدَ الْقِيَاسِ وَعَمِلْنَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى النَّصِّ لَزِمَ تَرْكُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ فَتَرَكْنَاهُمَا جَمِيعًا وَعَمِلْنَا بِالنَّصِّ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ الْمُعَارَضَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا بَلْ هُوَ قَوْلٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَرُدُّ مَا يَرُدُّ فِي التَّعَارُضِ، هَذَا أَحْسَنُ مَا وَجَدْته فِي الِاعْتِذَارِ فِي هَذَا الْبَحْثِ وَهُوَ كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ (وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ) قَدْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا) لِلْمُفَوِّضَةِ وَاَلَّتِي شُرِطَ فِي نِكَاحِهَا أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ إذَا
[ ٣ / ٣٢٤ ]
أَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَلَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الدُّخُولِ. لَهُ أَنَّ الْمَهْرَ خَالِصُ حَقِّهَا فَتَتَمَكَّنُ مِنْ نَفْيِهِ ابْتِدَاءً كَمَا تَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِهِ انْتِهَاءً وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ وُجُوبًا حَقُّ الشَّرْعِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ حَقَّهَا فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَتَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ دُونَ النَّفْيِ
(وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الْآيَة
دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَكَذَا إذَا مَاتَتْ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْمَوْتِ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الدُّخُولِ. لَهُ أَنَّ الْمَهْرَ خَالِصُ حَقِّهَا فَتَتَمَكَّنُ مِنْ نَفْيِهِ ابْتِدَاءً كَمَا تَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِهِ انْتِهَاءً. وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ وُجُوبًا حَقُّ الشَّرْعِ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ حَقَّهَا حَالَةَ الْبَقَاءِ فَتَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ دُونَ النَّفْيِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُلَاقِيَ التَّصَرُّفُ مَا تَمْلِكُهُ دُونَ مَا لَا تَمْلِكُهُ.
(وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾
[ ٣ / ٣٢٥ ]
ثُمَّ هَذِهِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ رُجُوعًا إلَى الْأَمْرِ، وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ (وَالْمُتْعَةُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ مِنْ كِسْوَةِ مِثْلِهَا) وَهِيَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ. وَهَذَا التَّقْدِيرُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَقَوْلُهُ مِنْ كِسْوَةِ مِثْلِهَا
وَالْفَرِيضَةُ هِيَ الْمَهْرُ: أَيْ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي الطَّلَاقِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ الْمِسَاسُ، وَفَرَضَ الْفَرِيضَةَ وَأَمَرَ بِالْمُتْعَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ ﴿حَقًّا﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ أَيْضًا وَذُكِرَ بِكَلِمَةِ عَلَى (وَهَذِهِ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ) عِنْدَنَا (رُجُوعًا إلَى الْأَمْرِ) وَغَيْرِهِ (وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ) فَإِنَّهَا عِنْدَهُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا إحْسَانًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إلَى الَّتِي لَهَا مَهْرٌ أَوْ نِصْفُ مَهْرٍ لِئَلَّا يُعَارَضَ الْأَمْرُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ " مَتَاعًا " مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى مَتِّعُوا وَالْمُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْمُتْعَةُ الْوَاجِبَةُ فَكَيْفَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُسْتَحَبِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ وَكَلِمَةُ عَلَى فِي ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وَمَتَاعًا وَحَقًّا وَكَلِمَةُ عَلَى فِي قَوْلِهِ ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ كُلُّهَا تَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَتَأْكِيدَهُ، فَإِمَّا أَنْ تُبْطِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأَجْلِ لَفْظِ الْإِحْسَانِ أَوْ تُؤَوِّلَهُ لَا أَرَاك تَعْدِلُ عَنْ التَّأْوِيلِ فَتُؤَوِّلُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الْوَاجِبَ وَيَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ إحْسَانًا مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالْمُتْعَةُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ مِنْ كِسْوَةِ مِثْلِهَا وَهِيَ دِرْعٌ وَمِلْحَفَةٌ وَخِمَارٌ) فَإِنْ كَانَتْ مِنْ السَّفِلَةِ فَمِنْ الْكِرْبَاسِ، وَإِنْ كَانَتْ وَسَطًا فَمِنْ الْقَزِّ، وَإِنْ كَانَتْ مُرْتَفِعَةَ الْحَالِ فَمِنْ الْإِبْرَيْسَمِ (وَهَذَا التَّقْدِيرُ) أَيْ تَقْدِيرُ الْعَدَدِ (مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُصَلِّي فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ وَتَخْرُجُ فِيهَا عَادَةً فَتَكُونُ مُتْعَتُهَا كَذَلِكَ.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ فِي الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهُ عَمَلًا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ثُمَّ هِيَ لَا تُزَادُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَا تَنْقُصُ
وَقَوْلُهُ (لِقِيَامِهَا مَقَامَ مَهْرِ الْمِثْلِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ لِقِيَامِهَا مَقَامَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْمَهْرَ التَّامَّ لَمْ يَجِبْ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ إلْحَاقُ الْمُتْعَةِ بِنَفْسِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي اعْتِبَارِ حَالِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَمَامِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفِهِ، وَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ الْمُعْتَبَرُ حَالُهَا فَكَذَا فِيمَا قَامَ مَقَامَهُ.
وَقَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهُ) هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ (عَمَلًا بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أَيْ عَلَى الْغَنِيِّ بِقَدْرِ حَالِهِ ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ أَيْ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُقِلِّ بِقَدْرِ حَالِهِ.
ثُمَّ الْمُتْعَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ هُوَ الْعِوَضُ الْأَصْلِيُّ، وَلَكِنْ تَعَذَّرَ تَنْصِيفُهُ لِجَهَالَتِهِ فَيُصَارُ إلَى
[ ٣ / ٣٢٧ ]
عَنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ تَرَاضَيَا عَلَى تَسْمِيَةٍ فَهِيَ لَهَا إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ) وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ نِصْفُ هَذَا الْمَفْرُوضِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فَيَتَنَصَّفُ بِالنَّصِّ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا الْفَرْضَ تَعْيِينٌ لِلْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ
خَلَفِهِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ فَلَا تُزَادُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فَلَهَا الْمُتْعَةُ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ فَلَهَا الْخَمْسَةُ لِأَنَّ الْمَهْرَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْمُتْعَةَ خَلَفُهُ، وَلَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَا مُتْعَةَ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَهَا الْمُتْعَةُ بِالنَّصِّ. فَإِنْ قِيلَ: نَصُّ الْمُتْعَةِ مُطْلَقٌ عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ فَفِيهَا تَقْيِيدٌ لَهُ وَهُوَ نَسْخٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَالْإِيجَابُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي مَهْرِ مَنْ يُعْتَبَرُ فِي مَهْرِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ بَيَانٌ لِذَلِكَ الْمُقَدَّرِ الْمُجْمَلِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» فَكَانَ مُعَارِضًا لِآيَةِ الْمُتْعَةِ، وَالتَّفْصِيلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ تَوْفِيقٌ بَيْنَهُمَا، فَتَأَمَّلْ إنْ كَانَ الْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ تَرَاضَيَا عَلَى تَسْمِيَةِ مَهْرٍ فَهِيَ لَهَا إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا) بِالِاتِّفَاقِ (وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ نِصْفُ هَذَا الْمَفْرُوضِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ) وَالْمَفْرُوضُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (وَلَنَا أَنَّ هَذَا الْفَرْضَ تَعْيِينٌ لِلْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ) إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ بِهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَالْمَفْرُوضُ جَمِيعًا،
[ ٣ / ٣٢٨ ]
فَكَذَا مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِمَا تَلَا الْفَرْضَ فِي الْعَقْدِ إذْ هُوَ الْفَرْضُ الْمُتَعَارَفُ. .
قَالَ (وَإِنْ زَادَ لَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ) خِلَافًا لِزُفَرَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ) إذَا صُحِّحَتْ الزِّيَادَةُ (تَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا تَنْتَصِفُ مَعَ الْأَصْلِ
أَمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ فَلِأَنَّهُ الْوَاجِبُ بِهَذَا الْعَقْدِ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، وَأَمَّا الْمَفْرُوضُ فَبِحُكْمِ التَّسْمِيَةِ وَكَانَ كَمَا إذَا سَمَّى لَهَا مَهْرًا ثُمَّ زَادَ لَهَا شَيْئًا فَإِنَّهُمَا يَلْزَمَانِ عَلَى تَقْدِيرَيْ الدُّخُولِ وَالْمَوْتِ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيَلْزَمُهُ الْمَفْرُوضُ وَكَانَ تَعْيِينًا لَهُ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لَا يَتَنَصَّفُ (فَكَذَا مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِمَا تَلَا) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (الْفَرْضُ فِي الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ زَادَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ:
[ ٣ / ٣٢٩ ]
لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عِنْدَهُمَا يَخْتَصُّ بِالْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ، وَعِنْدَهُ الْمَفْرُوضُ بَعْدَهُ كَالْمَفْرُوضِ فِيهِ
الزِّيَادَةُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا تُلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إنْ قُبِضَتْ مُلِكَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَوَعَدَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي بَابِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فَنَحْنُ نَتْبَعُهُ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عِنْدَهُمَا يَخْتَصُّ بِالْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ) يَعْنِي بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ (وَعِنْدَهُ الْمَفْرُوضُ بَعْدَهُ كَالْمَفْرُوضِ فِيهِ) عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾
[ ٣ / ٣٣٠ ]
عَلَى مَا مَرَّ.
(وَإِنْ حَطَّتْ عَنْهُ مِنْ مَهْرِهَا صَحَّ الْحَطُّ)؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَقَاءُ حَقِّهَا وَالْحَطُّ يُلَاقِيهِ حَالَةَ الْبَقَاءِ
(وَإِذَا خَلَا الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفًى بِالْوَطْءِ فَلَا يَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ دُونَهُ
مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ) يَعْنِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَالَ (وَإِذَا خَلَا الزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ) هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ فِي حَقِّ لُزُومِ كَمَالِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ عِنْدَنَا. خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ (لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ) وَهُوَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفًى بِالْوَطْءِ فَلَا يَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ دُونَهُ لِأَنَّ التَّأَكُّدَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَسْلِيمِ
[ ٣ / ٣٣١ ]
وَلَنَا أَنَّهَا سَلَّمَتْ الْمُبْدَلَ حَيْثُ رَفَعَتْ الْمَوَانِعَ وَذَلِكَ وُسْعُهَا فَيَتَأَكَّدُ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا أَوْ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ أَوْ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَيْسَتْ الْخَلْوَةُ صَحِيحَةً)
الْمُبْدَلِ وَتَسْلِيمُهَا بِالْوَطْءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَنَا أَنَّهَا سَلَّمَتْ) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إلَّا مَقْدُورًا وَالْمَقْدُورُ لِلْمَرْأَةِ تَسْلِيمُ الْمُبْدَلِ بِرَفْعِ الْمَوَانِعِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهَا ذَلِكَ فَيَتَأَكَّدُ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّ التَّخْلِيَةَ فِيهِ بِرَفْعِ الْمَوَانِعِ تَسْلِيمٌ يَجِبُ بِهِ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفًى بِالْوَطْءِ فَصَحِيحٌ لَكِنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ مُكَلَّفَةً بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا) بَيَانٌ لِمَا يَكُونُ مَانِعًا
[ ٣ / ٣٣٢ ]
حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا كَانَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَوَانِعُ، أَمَّا الْمَرَضُ فَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ أَوْ يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَقِيلَ مَرَضُهُ لَا يُعْرَى عَنْ تَكَسُّرٍ وَفُتُورٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي مَرَضِهَا وَصَوْمِ رَمَضَانَ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالْإِحْرَامِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدَّمِ وَفَسَادِ النُّسُكِ وَالْقَضَاءِ، وَالْحَيْضُ مَانِعٌ طَبْعًا وَشَرْعًا (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَائِمًا تَطَوُّعًا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ)؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْإِفْطَارُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى،
عَنْ الْخَلْوَةِ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا. وَقَوْلُهُ (وَقِيلَ: مَرَضُهُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَرَضَ فِي جَانِبِهَا يَتَنَوَّعُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا الْمَرَضُ مِنْ جَانِبِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ أَيْضًا يَتَنَوَّعُ، وَقِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ وَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: هُوَ الصَّحِيحُ.
وَوَجْهُهُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَرَضُهُ (لَا يَعْرَى عَنْ تَكَسُّرٍ وَفُتُورٍ) وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَائِمًا تَطَوُّعًا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْإِفْطَارُ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كُلُّ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِفْسَادِ فَلَا تَكُونُ الْخَلْوَةُ صَحِيحَةً كَمَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ لُزُومَ الْقَضَاءِ فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا لِضَرُورَةِ صِيَانَةِ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَصَوْمُ الْقَضَاءِ وَالْمَنْذُورِ كَالتَّطَوُّعِ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ فَرْضُهَا كَفَرْضِهِ وَنَفْلُهَا كَنَفْلِهِ.
(وَإِذَا خَلَا الْمَجْبُوبُ بِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ)؛ لِأَنَّهُ أَعْجَزُ مِنْ الْمَرِيضِ، بِخِلَافِ الْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أُدِيرَ عَلَى سَلَامَةِ الْآلَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ فِي حَقِّ السَّحْقِ وَقَدْ أَتَتْ بِهِ.
قَالَ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ) احْتِيَاطًا اسْتِحْسَانًا لِتَوَهُّمِ الشُّغْلِ، وَالْعِدَّةُ حَقُّ الشَّرْعِ وَالْوَلَدِ
يُعَدُّ، وَإِلَى إفْسَادِ الْخَلْوَةِ، بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّ لُزُومَ قَضَائِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فَرْضٌ مُطْلَقٌ فَكَانَ أَثَرُهُ عَامًّا.
وَقَوْلُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ) أَيْ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ الْمُنْتَقَى فِي حَقِّ كَمَالِ الْمَهْرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا فِي حَقِّ جَوَازِ الْإِفْطَارِ فَالصَّحِيحُ غَيْرُ رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْإِفْطَارُ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي حَقِّ كَمَالِ الْمَهْرِ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى، وَفِي حَقِّ جَوَازِ الْإِفْطَارِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنْ الْوَطْءِ شَرْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ الْمُؤْثِمِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا خَلَا الْمَجْبُوبُ) الْمَجْبُوبُ هُوَ الَّذِي اُسْتُؤْصِلَ ذَكَرُهُ وَخُصْيَاهُ مِنْ الْجَبِّ وَهُوَ الْقَطْعُ إذَا خَلَا الْمَجْبُوبُ (بِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ أَعْجَزُ مِنْ الْمَرِيضِ) لِوُجُودِ آلَةِ الْجِمَاعِ فِي الْمَرِيضِ وَقَدْ يُجَامِعُ بِخِلَافِ الْمَجْبُوبِ، وَالْمَرَضُ مَانِعٌ عَنْ الْخَلْوَةِ فَالْجَبُّ أَوْلَى (بِخِلَافِ الْعِنِّينِ) فَإِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعُنَّةِ مُتَعَذَّرٌ وَسَلَامَةُ الْآلَةِ وُجُودُ السَّبَبِ إلَى الْوَطْءِ إذْ الْأَصْلُ السَّلَامَةُ فِي الْوَصْفِ أَيْضًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ فِي حَقِّ السَّحْقِ) لِأَنَّهُ وَسِعَ مِثْلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَدْ أَتَتْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عَدَمُ التَّسْلِيمِ فَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا كَانَتْ الْخَلْوَةُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً (احْتِيَاطًا اسْتِحْسَانًا لِتَوَهُّمِ الشُّغْلِ وَالْعِدَّةُ حَقُّ الشَّرْعِ وَالْوَلَدِ) أَمَّا أَنَّهَا حَقُّ الشَّرْعِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يَمْلِكَانِ إسْقَاطَهَا وَالتَّدَاخُلُ يَجْرِي فِيهَا، وَحَقُّ الْعَبْدِ لَا يَتَدَاخَلُ، وَأَمَّا أَنَّهَا حَقُّ
[ ٣ / ٣٣٤ ]
فَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُحْتَاطُ فِي إيجَابِهِ. وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمَانِعَ إنْ كَانَ شَرْعِيًّا كَالصَّوْمِ وَالْحَيْضِ تَجِبُ الْعِدَّةُ لِثُبُوتِ التَّمَكُّنِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا كَالْمَرَضِ وَالصِّغَرِ لَا تَجِبُ لِانْعِدَامِ التَّمَكُّنِ حَقِيقَةً.
قَالَ (وَتُسْتَحَبُّ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلَّا لِهَذِهِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صِلَةً مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ أَوْحَشَهَا
الْوَلَدِ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ رِعَايَةُ نَسَبِ الْوَلَدِ وَهُوَ حَقُّهُ (فَلَا يُصَدِّقُ) الْمَرْأَةَ (فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ) بِقَوْلِهَا لَمْ يَطَأْنِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَا يُصَدَّقُ الزَّوْجُ فِي إبْطَالِ حَقِّهَا بِقَوْلِهِ لَمْ أَطَأْهَا (بِخِلَافِ الْمَهْرِ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالْخَلْوَةِ الْفَاسِدَةِ (لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُحْتَاطُ فِي إيجَابِهِ) قَوْلُهُ (وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ) أَيْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
قَالَ (وَتُسْتَحَبُّ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلَّا لِهَذِهِ) التَّرْكِيبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا، وَهُوَ كَمَا تَرَى يَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةً لِلْمُفَوِّضَةِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِدُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَهُوَ يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ هَذِهِ الْمُتْعَةُ
[ ٣ / ٣٣٥ ]
بِالْفِرَاقِ، إلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نِصْفَ الْمَهْرِ طَرِيقَةُ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فَسْخٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْمُتْعَةَ لَا تَتَكَرَّرُ
وَاجِبَةٌ، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ الْمُتْعَةُ لِلْمُسْتَثْنَاةِ مُسْتَحَبَّةٌ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهَا لَهَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَالْحَصْرِ. وَزَادَ الْفُقَهَاءُ وَجَامِعُ الْإِسْبِيجَابِيِّ، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ الْمُتْعَةُ وَاجِبَةً لِلْمُسْتَثْنَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ فِي الْحَصْرِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ لِهَذِهِ الْمُسْتَثْنَاةِ أَيْضًا. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: وَتُسْتَحَبُّ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ إلَّا لِمُطَلَّقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا الزَّوْجُ إلَخْ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمُتْعَةَ وَاجِبَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ. فَالْوَاجِبَةُ لِلَّتِي طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَالْمُسْتَحَبَّةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلَّا الَّتِي طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا وَقَدْ وَقَعَ اخْتِيَارُهُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ التُّحْفَةِ وَمُخَالِفًا لِلْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَهُ فِي الْمُسْتَثْنَاةِ قَوْلَانِ: فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: تَجِبُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَصْرِ، وَفِي الْجَدِيدِ لَا تَجِبُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ، فَعَلَى هَذَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبَةٍ، وَمُسْتَحَبَّةٍ، وَغَيْرِ مُسْتَحَبَّةٍ. لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَلْمُوسَةً أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُهَا مُسَمًّى أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِنْ كَانَ فَهِيَ الْمُسْتَثْنَاةُ الَّتِي لَا تُسْتَحَبُّ لَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مَلْمُوسَةً سَوَاءٌ كَانَ مَهْرُهَا مُسَمًّى أَوْ لَمْ يَكُنْ تُسْتَحَبُّ لَهَا الْمُتْعَةُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هِيَ تَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبَةٍ وَإِلَى غَيْرِهَا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهَا وَجَبَتْ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَعَدَمُهُ لِلْمُسْتَثْنَاةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: الْمُتْعَةُ وَجَبَتْ صِلَةً مِنْ الزَّوْجِ لِإِيحَاشِهَا بِالْفِرَاقِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَجِبُ لِكُلِّ مَنْ أُوحِشَتْ بِهِ، فَالْمُتْعَةُ تَجِبُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لِأَنَّهَا أُوحِشَتْ بِالْفِرَاقِ (إلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ) يَعْنِي الْمُسْتَثْنَاةَ (نِصْفَ الْمَهْرِ يَجِبُ بِطَرِيقِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فَسْخٌ) مَعْنًى (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) لِعَوْدِ مَالِهَا إلَيْهَا سَالِمًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْمَهْرِ كُلِّهِ كَمَا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ نِصْفَ الْمَهْرِ بِطَرِيقِ الْمُتْعَةِ (وَالْمُتْعَةُ لَا تَتَكَرَّرُ) فَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِهَذِهِ الْمُطَلَّقَةِ وَتَجِبُ لِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ: وَجَبَتْ صِلَةً احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِنَا إنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ وَالْمُتْعَةَ خَلَفٌ عَنْهُ. وَالْفَائِدَةُ تَظْهَرُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لَا تَسْتَحِقُّ الْمُتْعَةَ عِنْدَنَا لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ مَنَافِعِ الْبُضْعِ مَرَّةً فَلَا تَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَعِنْدَهُ تَسْتَحِقُّ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صِلَةً بِسَبَبِ الْإِيحَاشِ فَيَجِبُ الْمَهْرُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَالْمُتْعَةُ لِوَحْشَةِ الْفِرَاقِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تُزَادُ عَلَى نِصْفِ الْمَهْرِ عِنْدَنَا لِئَلَّا يَزِيدَ الْخَلَفُ عَلَى الْأَصْلِ. وَعِنْدَهُ تُزَادُ.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
(وَلَنَا أَنَّ الْمُتْعَةَ خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْمُفَوِّضَةِ)؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَوَجَبَتْ الْمُتْعَةُ، وَالْعَقْدُ يُوجِبُ الْعِوَضَ فَكَانَ خَلَفًا وَالْخَلَفُ لَا يُجَامِعُ الْأَصْلَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ
وَلَنَا أَنَّ الْمُتْعَةَ خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْمُفَوِّضَةِ) لِوُجُودِ حَدِّ الْخَلَفِ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَوَجَبَتْ الْمُتْعَةُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ الْعِوَضَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، فَكَانَ وُجُوبُ الْمُتْعَةِ مُضَافًا إلَى الْعَقْدِ بَعْدَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَا يَعْنِي بِالْخَلَفِ إلَّا مَا يَجِبُ بَعْدَ سُقُوطِ شَيْءٍ مُضَافًا إلَى سَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ فَثَبَتَ أَنَّهَا خَلَفٌ (وَالْخَلَفُ لَا يُجَامِعُ الْأَصْلَ) فَالْمُتْعَةُ لَا تُجَامِعُ مَهْرَ الْمِثْلِ وَلَا شَيْئًا مُتَّصِلًا بِهِ كَكُلِّ الْمَفْرُوضِ عِنْدَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْضِ الْمَفْرُوضِ عِنْدَهُ قَبْلَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قِيلَ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِهِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْلِ كُلُّ الْمَفْرُوضِ، كَمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالتَّسْمِيَةِ، وَبِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْهُ نِصْفُ الْمَفْرُوضِ كَمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ التَّسْمِيَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْمُتْعَةُ خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنَّ قِيَاسَهُ هَكَذَا الْمُتْعَةُ خَلَفٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْخَلَفُ لَا يُجَامِعُ الْأَصْلَ فَالْمُتْعَةُ لَا تُجَامِعُ الْأَصْلَ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ذِكْرُ التَّسْمِيَةِ كَمَا تَرَى، وَلَيْسَ الْمُدَّعَى إلَّا عَدَمَ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ مَعَ وُجُوبِ الْمُسَمَّى أَوْ بَعْضِهِ وَمَعَ وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ. فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَالْمُتْعَةُ لَا تُجَامِعُهُ وُجُوبًا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ الْمُسَمَّى وَبَعْضُهُ وَمَنْ هِيَ مِنْ الْمُتَّصِلَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ بَعْضُهُمْ مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَالْخَلَفُ وَهُوَ الْمُتْعَةُ لَا يُجَامِعُ الْأَصْلَ وُجُوبًا وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَلَا يُجَامِعُ شَيْئًا مُتَّصِلًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ كُلُّ الْمُسَمَّى بَعْدَ الدُّخُولِ وَبَعْضُهُ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ مُلْحَقًا بِالثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ لَا أَنَّهُ مِنْ نَتِيجَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي مُقَدِّمَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ أُلْحِقَ بِحُكْمِهِ، وَمَعْنَى الِاتِّصَالِ بَيْنَ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا
[ ٣ / ٣٣٧ ]
فَلَا تَجِبُ مَعَ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَانٍ فِي الْإِيحَاشِ فَلَا تَلْحَقُهُ الْغَرَامَةُ بِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ.
(وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ بِنْتَه عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ لِيَكُونَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ فَالْعَقْدَانِ جَائِزَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَطَلَ الْعَقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَالنِّصْفَ مَنْكُوحَةً، وَلَا اشْتِرَاكَ فِي هَذَا الْبَابِ فَبَطَلَ الْإِيجَابُ. وَلَنَا أَنَّهُ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ صَدَاقًا فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا إذَا سَمَّى الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ وَلَا شَرِكَةَ بِدُونِ الِاسْتِحْقَاقِ
يَقَعُ أَمْثَالًا لِمَا هُوَ الْمَهْرُ عِنْدَ اللَّهِ وَبَيَانٌ لَهُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ (فَلَا تَجِبُ مَعَ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ) لِتَنَاوُلِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَكُلِّ الْمُسَمَّى وَبَعْضِهِ، هَذَا الَّذِي سَنَحَ لِي فِي حَلِّ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ غَيْرُ جَانٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ أَوْحَشَهَا بِالْفِرَاقِ. وَتَقْرِيرُهُ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالْفِرَاقِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِيحَاشِ جَانِيًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ (فَلَا تَلْحَقُهُ الْغَرَامَةُ) بِوُجُوبِ الْمُتْعَةِ (فَكَانَ) الْمُتْعَةُ بِتَأْوِيلِ الْمَتَاعِ (مِنْ بَابِ الْفَضْلِ) أَيْ الِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ (وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ) وَإِذَا زَوَّجَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ لِلْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ صَحَّ النِّكَاحُ عِنْدَنَا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيُسَمَّى هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الشِّغَارِ مِنْ الشُّغُورِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَالْإِخْلَاءُ، وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُمَا بِهَذَا الشَّرْطِ كَأَنَّهُمَا رَفَعَا الْمَهْرَ وَأَخْلَيَا الْبُضْعَ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّكَاحَانِ بَاطِلَانِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَ الْبُضْعِ صَدَاقًا وَالنِّصْفَ مَنْكُوحَةً، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ ابْنَتَهُ مَنْكُوحَةَ الْآخَرِ وَصَدَاقَ ابْنَتِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ انْقِسَامَ مَنَافِعِ بُضْعِهَا عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ النِّصْفُ لِلزَّوْجِ بِحُكْمِ النِّكَاحِ وَالنِّصْفُ لِبِنْتِهِ بِحُكْمِ الْمَهْرِ فَيَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَالِاشْتِرَاكُ فِي هَذَا الْبَابِ مُبْطِلٌ لِلْإِيجَابِ (وَلَنَا أَنَّهُ سَمَّى مَا لَا يَصِحُّ صَدَاقًا) وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (كَمَا إذَا سَمَّى الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ) وَقَوْلُهُ (وَلَا شَرِكَةَ بِدُونِ الِاسْتِحْقَاقِ) جَوَابُ الْخَصْمِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْبُضْعَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ صَدَاقًا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاشْتِرَاكُ لِأَنَّ مَنَافِعَ بُضْعِ الْمَرْأَةِ
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ إيَّاهَا سَنَةً أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ وَلَهَا خِدْمَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْخِدْمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا يَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِالشَّرْطِ يَصْلُحُ مَهْرًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ الْمُعَاوَضَةُ، وَصَارَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ أَوْ عَلَى رَعْيِ الزَّوْجِ غَنَمَهَا وَلَنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ بِمَالٍ وَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ عَلَى أَصْلِنَا
لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لِامْرَأَةِ أُخْرَى فَبَقِيَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ لَهَا سَنَةً أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَحَّ النِّكَاحُ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ سَنَةً وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى خِدْمَتِهِ لَهَا سَنَةً جَازَ وَلَهَا الْخِدْمَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْخِدْمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا (لِأَنَّ مَا يَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِالشَّرْطِ يَصْلُحُ مَهْرًا) لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ، وَالتَّعْلِيمُ وَالْخِدْمَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ شَخْصًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ جَازَ عِنْدَهُ (فَصَارَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ أَوْ عَلَى رَعْيِ الزَّوْجِ غَنَمَهَا. وَلَنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ بِمَالٍ) فَلَا يَكُونُ الِابْتِغَاءُ بِهِ مَشْرُوعًا (وَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ عَلَى أَصْلِنَا) لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَالتَّمَوُّلُ يَعْتَمِدُ الْبَقَاءَ زَمَانَيْنِ فَلَا تَكُونُ الْخِدْمَةُ مَالًا فَلَا يَكُونُ الِابْتِغَاءُ بِهِ
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ ابْتِغَاءً بِالْمَالِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ رَقَبَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْحُرُّ، وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ الْحُرِّ لَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، بِخِلَافِ خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاقَضَةَ،
مَشْرُوعًا (وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ ابْتِغَاءٌ بِالْمَالِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ) كَمَا فِي الْإِجَارَةِ (وَلَا كَذَلِكَ الْحُرُّ) وَعَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ يُمْنَعُ جَوَازُ النِّكَاحِ عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ وَرَعْيِ الْغَنَمِ، وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لَا تُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ (لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ) لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ خَادِمَةً وَالزَّوْجُ مَخْدُومًا لِقَوْلِهِ ﵊ «النِّكَاحُ رِقٌّ» وَفِي جَعْلِ خِدْمَةِ الزَّوْجِ مَهْرًا لَهَا كَوْنُ الرَّجُلِ خَادِمًا وَالْمَرْأَةِ مَخْدُومَةً وَذَلِكَ خِلَافُ مَوْضُوعِ النِّكَاحِ بِلَا خِلَافٍ (بِخِلَافِ خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ بِرِضَاهُ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا لِأَنَّهُ يُسَلِّمُ فِيهِ رَقَبَتَهُ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَلَا مُنَاقَضَةَ
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وَبِخِلَافِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ مَعْنًى حَيْثُ يَخْدُمُهَا بِإِذْنِهِ وَبِأَمْرِهِ، وَبِخِلَافِ رَعْيِ الْأَغْنَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا مُنَاقَضَةَ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ إلَّا أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّسْلِيمِ لِمَكَانِ الْمُنَاقَضَةِ فَصَارَ كَالتَّزَوُّجِ عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ إذْ لَا تُسْتَحَقُّ فِيهِ بِحَالٍ فَصَارَ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ،
فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (وَبِخِلَافِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ يَخْدُمُ الْمَوْلَى مَعْنًى حَيْثُ يَخْدُمُهَا بِإِذْنِهِ وَأَمْرِهِ) بِالنِّكَاحِ وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ عُلِمَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ ابْتِغَاءٌ بِالْمَالِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُدَّعَى دَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ الْحُرِّ، فَذَكَرَ الْعَبْدُ مَرَّةً بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ الثَّانِي (وَبِخِلَافِ رَعْيِ الْغَنَمِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا مُنَاقَضَةَ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي رِوَايَةٍ) وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الدَّلِيلِ: وَلَنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَذَا الْمَنَافِعُ عَلَى أَصْلِنَا، فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ وَلَنَا فَقَوْلُهُ (ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ) يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا كَانَ الْمُنَاسِبُ وَلَهُمَا دَفْعًا لِلِالْتِبَاسِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَقَالَ: وَلَنَا وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخِدْمَةِ فَقَالَ فِي الْآخَرِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْخِدْمَةُ مَالٌ عِنْدَ الْعَقْدِ (إلَّا أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّسْلِيمِ لِمَكَانِ الْمُنَاقَضَةِ فَصَارَ كَالتَّزَوُّجِ عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ) أَيْ خِدْمَةَ الْحُرِّ (لَيْسَتْ بِمَالٍ إذْ لَا تُسْتَحَقُّ فِيهِ) أَيْ لَا تُسْتَحَقُّ الْخِدْمَةُ فِي النِّكَاحِ (بِحَالٍ) وَلَوْ كَانَتْ مَالًا لَاسْتُحِقَّتْ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّادِرُ مِنْ الْأَهْلِ الْمُضَافِ إلَى الْمَحَلِّ، وَانْتَفَى الْمَانِعُ وَهُوَ كَوْنُ الْمَهْرِ غَيْرَ مَالٍ. وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ سَمَاعَهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِكَلِمَةِ " أَوْ " هَكَذَا أَوْ لَا تُسْتَحَقُّ فِيهِ بِحَالٍ، وَهُوَ حَسَنٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَا تُسْتَحَقُّ بِحَالٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالْمَالِ، وَالثَّانِي إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجِ الْحُرِّ لَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ إذْ لَا تُسْتَحَقُّ فِيهِ بِحَالٍ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى أَنَّ الْخِدْمَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ
[ ٣ / ٣٤١ ]
وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَهُ بِالْعَقْدِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ بِالْعَقْدِ لَمْ يَظْهَرْ تَقَوُّمُهُ فَيَبْقَى الْحُكْمُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ فَقَبَضَتْهَا وَوَهَبَتْهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِخَمْسِمِائَةٍ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ
إلَّا بِمَا يَنْفِيهِ مِنْ وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ لَا يَتِمُّ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَالًا لَاسْتُحِقَّتْ فِيهِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْمُقْتَضِي وَانْتَفَى الْمَانِعُ وَهُوَ كَوْنُ الْمَهْرِ غَيْرَ مَالٍ يَقُولُ الْمَانِعُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي ذَلِكَ بَلْ كَوْنُهُ مُفْضِيًا إلَى الْمُنَاقَضَةِ مَانِعٌ آخَرُ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ لَكِنْ سَمَاعِي بِكَلِمَةِ إذْ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّهُ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيلِ فِي مَطْلَعِ الْبَحْثِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَعَادَهُ تَمْهِيدًا لِبَيَانِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ (وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ (لِأَنَّ تَقَوُّمَهُ بِالْعَقْدِ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْخِدْمَةُ لِضَرُورَةِ حَاجَةِ النَّاسِ فِي الْعُقُودِ وَهِيَ إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُحْتَاجِ (فَإِذَا لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ) لِمَكَانِ التَّنَاقُضِ (لَمْ يَظْهَرْ تَقَوُّمُهُ فَيَبْقَى الْحُكْمُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ) وَلَوْ قَالَ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ كَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
قَالَ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْقَسِمُ بِالْقِسْمَةِ الْأَوَّلِيَّةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ كَالنُّقُودِ أَوْ عَلَى مَا يَتَعَيَّنُ بِهِ كَالْعُرُوضِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَقْبُوضًا لَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ تَهَبَ الْمَرْأَةُ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَبَضَتْهَا ثُمَّ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهَا الرُّجُوعَ بِنِصْفِ مَا قَبَضَتْ مَهْرًا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يُنَصِّفُ الصَّدَاقَ بِالنَّصِّ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عَيْنُ مَا يَسْتَوْجِبُهُ بِالْهِبَةِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فَكَانَتْ هِبَةً، هَذِهِ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
بِالْهِبَةِ عَيْنُ مَا يَسْتَوْجِبُهُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنَانِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ فِي الذِّمَّةِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا (فَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ الْأَلْفَ حَتَّى وَهَبَتْهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ. وَفِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ)؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْمَهْرَ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ فَلَا تَبْرَأُ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ عَيْنُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَلَا يُبَالِي بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَلَوْ قَبَضَتْ خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ وَهَبَتْ الْأَلْفَ كُلَّهَا الْمَقْبُوضَ وَغَيْرَهُ أَوْ وَهَبَتْ الْبَاقِيَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا قَبَضَتْ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَلِأَنَّ هِبَةَ الْبَعْضِ حَطٌّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَقْصُودَ الزَّوْجِ قَدْ حَصَلَ وَهُوَ سَلَامَةُ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِلَا عِوَضٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الطَّلَاقِ.
الْأَلْفُ كَهِبَةِ أَلْفٍ أُخْرَى، وَإِذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عَيْنُ مَا اسْتَوْجَبَهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ (وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ فِي الذِّمَّةِ) غَيْرَ الدَّرَاهِمِ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ وَهَبَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا رَدُّ عَيْنِ مَا قَبَضَتْ.
(فَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ الْأَلْفَ حَتَّى وَهَبَتْهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، وَفِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ الْمَهْرَ بِالْإِبْرَاءِ) وَمَا سُلِّمَ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ غَيْرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالزَّوْجُ سَلَّمَ لَهُ غَيْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ (فَلَا تَبْرَأُ) الْمَرْأَةُ (عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ) وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ هُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ لَكِنْ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ (وَلَا يُبَالِي بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ كَمَنْ يَقُولُ لِآخَرَ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتهَا مِنْك، وَقَالَ الْآخَرُ: الْجَارِيَةُ جَارِيَتُك وَلِيَ عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ الْمَالُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي السَّبَبِ وَهُوَ بَيْعُ الْجَارِيَةِ (وَلَوْ قَبَضَتْ خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ وَهَبَتْ الْأَلْفَ كُلَّهَا الْمَقْبُوضَ وَغَيْرَهُ أَوْ وَهَبَتْ الْبَاقِيَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا قَبَضَتْ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ) فَلَوْ قَبَضَتْ الْكُلَّ ثُمَّ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عِنْدَنَا عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا قَبَضَتْ فَكَذَا إذَا قَبَضَتْ الْبَعْضَ (وَلِأَنَّ هِبَةَ الْبَعْضِ) الَّذِي لَمْ يَقْبِضْهُ (حُطَّ) وَالْحَطُّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْمَقْبُوضَةِ.
(وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَقْصُودَ الزَّوْجِ) وَهُوَ سَلَامَةُ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِلَا عِوَضٍ (قَدْ حَصَلَ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بَعْدَ الطَّلَاقِ) كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَاسْتَعْجَلَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ بِلَا
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وَالْحَطُّ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ،
عِوَضٍ سَتَظْهَرُ فِيمَا إذَا بَاعَتْ مِنْ زَوْجِهَا.
وَقَوْلُهُ وَالْحَطُّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِأَنَّ هِبَةَ الْبَعْضِ حَطٌّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَطَّ إنَّمَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ عَقْدَ مُغَابَنَةٍ يَحْتَاجُ إلَى دَفْعِ الْغَبْنِ عَنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِالزِّيَادَةِ أَوْ الْحَطِّ وَالنِّكَاحُ لَيْسَ كَذَلِكَ
[ ٣ / ٣٤٤ ]
أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ لَا تَلْتَحِقُ حَتَّى لَا تَتَنَصَّفُ، وَلَوْ كَانَتْ وَهَبَتْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَتْ الْبَاقِيَ، فَعِنْدَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ. وَعِنْدَهُمَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ
(وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَرَضٍ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْ فَوَهَبَتْ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ) وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ نِصْفِ عَيْنِ الْمَهْرِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ سَلَامَةُ نِصْفِ الْمَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا دَفْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكَانَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا،
وَاسْتَوْضَحَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ) يَعْنِي أَنَّ الْحَطَّ وَالزِّيَادَةَ سِيَّانِ فِي الِالْتِحَاقِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَالزِّيَادَةُ فِي النِّكَاحِ لَمْ تَلْتَحِقْ بِأَصْلِ الْعَقْدِ حَتَّى لَا تَتَنَصَّفَ الزِّيَادَةُ مَعَ الْأَصْلِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ الْحَطُّ (وَلَوْ كَانَتْ وَهَبَتْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَتْ الْبَاقِيَ) مِثْلُ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ فَوَهَبَتْ الْمَرْأَةُ مِائَتَيْنِ وَقَبَضَتْ الْبَاقِيَ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ حَتَّى يَتِمَّ النِّصْفُ، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ عِنْدَهُ مَا سُلِّمَ لِلزَّوْجِ مُعْتَبَرٌ وَعِنْدَهُمَا الْمَقْبُوضُ مُعْتَبَرٌ فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَا قَبَضَتْ فَيَتَنَصَّفُ الْمَقْبُوضُ وَهُوَ ثَمَانُمِائَةٍ.
(وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَرَضٍ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْ فَوَهَبَتْ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ نِصْفِ عَيْنِ الْمَهْرِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ سُلِّمَ لَهُ الْمَهْرُ بِالْإِبْرَاءِ فَلَا تَبْرَأُ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) مَا ذَكَرَهُ (أَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ سَلَامَةُ نِصْفِ الْمَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ سَلَامَةُ نِصْفِ الْمَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا (لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ شَيْئًا آخَرَ مَكَانَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا) وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ بِبَذْلٍ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ فِي الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مُتَعَيَّنٌ فِي الرَّدِّ
لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي نِصْفِ الْمَقْبُوضِ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَتْ مَكَانَهُ شَيْئًا آخَرَ جَازَ (بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَتْ) يَعْنِي الصَّدَاقَ الْعَرَضَ مِنْ زَوْجِهَا (لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ بِبَدَلٍ) وَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا نِصْفَ الْمَهْرِ بِلَا بَدَلٍ فَلَا يَنُوبُ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلِذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ) يَعْنِي مِثْلَ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِمَا لَا مُطْلَقَهُ (أَوْ عُرُوضٍ فِي الذِّمَّةِ) بِأَنْ قَالَ عَلَى ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بَيَّنَ جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَسَطُ مِمَّا سَمَّى وَيَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَيُشْبِهُ النُّقُودَ (فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ) يَعْنِي إذَا وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ قَبَضَتْ أَوْ لَمْ تَقْبِضْ (لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مُتَعَيَّنٌ فِي الرَّدِّ) يَعْنِي أَنَّهَا لَوْ قَبَضَتْهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا رَدُّهُ بِعَيْنِهِ،
[ ٣ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَكُلُّ مَا كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ مُتَعَيَّنًا فِي الرَّدِّ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ عَيْنُ حَقِّهِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ حَقُّهُ وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نِصْفِ
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَحَمَّلَتْ فِي النِّكَاحِ فَإِذَا عَيَّنَ فِيهِ يَصِيرُ كَأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ
الْمَهْرِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا لِأَنَّ الْجَهَالَةَ) إشَارَةٌ إلَى شَيْئَيْنِ إلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ بِلَا تَعْيِينٍ، وَإِلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ مُتَعَيَّنٌ فِي الرَّدِّ.
وَتَقْرِيرُهُ الْجَهَالَةَ تُحُمِّلَتْ فِي النِّكَاحِ وَكُلُّ مَا تُحُمِّلَ فِي النِّكَاحِ
[ ٣ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَا يُنَافِي النِّكَاحَ فَالْجَهَالَةُ لَا تُنَافِي النِّكَاحَ، فَإِذَا شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ صَحَّ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينٍ لِيَتَحَقَّقَ الْإِيفَاءُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِذَا عُيِّنَ بِالْقَبْضِ صَارَ كَأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُتَعَيَّنًا فَكَذَلِكَ إذَا عُيِّنَ بِالْقَبْضِ. وَفَائِدَةُ الْأُولَى صِحَّةُ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مَجْهُولًا وَمُنِعَ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَفَائِدَةُ الثَّانِيَةِ عَدَمُ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إنْ وَهَبَتْهُ لَهُ وَعَدَمُ وِلَايَةِ الِاسْتِبْدَالِ إنْ لَمْ تَهَبْ وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
(وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَإِنْ وَفَّى بِالشَّرْطِ فَلَهَا الْمُسَمَّى)؛ لِأَنَّهُ صَلُحَ مَهْرًا وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ (وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُخْرَى أَوْ أَخْرَجَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ، فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنْعَدِمُ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ فَيُكْمِلُ مَهْرَ مِثْلِهَا كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْكَرَامَةِ وَالْهِدَايَةِ مَعَ الْأَلْفِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ أَقَامَ بِهَا فَلَهَا الْأَلْفُ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى الْأَلْفَيْنِ وَلَا يُنْقَصُ عَنْ الْأَلْفِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الشَّرْطَانِ جَمِيعًا جَائِزَانِ) حَتَّى كَانَ لَهَا الْأَلْفُ
قَالَ (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ (أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا) أَوْ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ فُلَانَةَ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ شَرْطُ عَدَمِ التَّزَوُّجِ وَعَدَمِ الْمُسَافَرَةِ وَطَلَاقِ الضَّرَّةِ فَاسِدٌ لِأَنَّ فِيهِ الْمَنْعَ عَنْ الْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ (فَإِنْ وَفَى بِالشَّرْطِ فَلَهَا الْمُسَمَّى) لِأَنَّهُ سَمَّى مَا صَلُحَ مَهْرًا (وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ) وَإِنْ لَمْ يُوفِ بِهِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ (لِأَنَّهُ سَمَّى مَا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ) حَتَّى رَضِيَتْ بِتَنْقِيصِ الْمُسَمَّى عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ (فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنْعَدِمُ رِضَاهَا بِالْأَلْفِ فَيُكْمِلُ مَهْرَ مِثْلِهَا كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْكَرَامَةِ) بِأَنْ شَرَطَ مَعَ الْأَلْفِ أَنْ يُكْرِمَهَا وَلَا يُكَلِّفَهَا الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ وَمَا تَتْعَبُ بِهِ وَكَمَا لَوْ سَمَّى الْهَدِيَّةَ مَعَ الْأَلْفِ بِأَنْ يُرْسِلَ إلَيْهَا مَعَ الْأَلْفِ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرَةٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ ذُكِرَ بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ
[ ٣ / ٣٥٠ ]
إنْ أَقَامَ بِهَا وَالْأَلْفَانِ إنْ أَخْرَجَهَا.
وَقَالَ زُفَرُ: الشَّرْطَانِ جَمِيعًا فَاسِدَانِ، وَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يُنْقَصُ مِنْ أَلْفٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِجَارَاتِ فِي قَوْلِهِ: إنْ خِطْتِهِ الْيَوْمَ فَلَكِ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتِهِ غَدًا فَلَكِ نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَسَنُبَيِّنُهَا فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَهُوَ الْبُضْعُ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَهُمَا الْأَلْفُ وَالْأَلْفَانِ فَتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ لِلْجَهَالَةِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَلَهُمَا أَنَّ ذِكْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ مُفِيدٌ فَيَصِحَّانِ جَمِيعًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ قَدْ صَحَّ لِعَدَمِ الْجَهَالَةِ فِيهِ. فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ الثَّانِي لِأَنَّ الْجَهَالَةَ نَشَأَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَعَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَتْ قَبِيحَةً حَيْثُ يَصِحُّ فِيهَا الشَّرْطَانِ جَمِيعًا بِالِاتِّفَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْأُولَى وُجِدَتْ الْمُخَاطَرَةُ فِي التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَنَّ الزَّوْجَ يُخْرِجُهَا أَوْ لَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا مُخَاطَرَةَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا جَمِيلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِمَّا قَبِيحَةٌ غَيْرَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْرِفُهَا
[ ٣ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجَهْلُهُ بِصِفَتِهَا لَا يُوجِبُ الْمُخَاطَرَةَ فَيَصِحُّ الشَّرْطَانِ جَمِيعًا، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ وُجُوهَ الْأَقْوَالِ وَأَحَالَهَا عَلَى بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخِيَاطَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا أَوْكَسُ وَالْآخَرُ أَرْفَعُ؛ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ أَوْكَسِهِمَا فَلَهَا الْأَوْكَسُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْفَعِهِمَا فَلَهَا الْأَرْفَعُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهَا الْأَوْكَسُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الْأَوْكَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْإِجْمَاعِ)
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ) أَصْلُ هَذَا أَنَّ الضَّمَانَ الْأَصْلِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّسْمِيَةِ إذَا صَحَّتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ تَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ. وَعِنْدَهُمَا الضَّمَانُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إذَا فَسَدَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْأَوْكَسِ لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّ الْأَوْكَسَ فِي ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ، وَمَا فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ (إذْ هُوَ الْأَعْدَلُ) لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ لِأَنَّهُ قِيمَةُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ،
[ ٣ / ٣٥٣ ]
لَهُمَا أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْمُسَمَّى، وَقَدْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْأَوْكَسِ إذْ الْأَقَلُّ مُتَيَقَّنٌ فَصَارَ كَالْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ مَهْرُ الْمِثْلِ إذْ هُوَ الْأَعْدَلُ، وَالْعُدُولُ عَنْهُ عِنْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَقَدْ فَسَدَتْ لِمَكَانِ الْجَهَالَةِ بِخِلَافِ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْبَدَلِ، إلَّا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْفَعِ فَالْمَرْأَةُ رَضِيَتْ بِالْحَطِّ، وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ مِنْ الْأَوْكَسِ فَالزَّوْجُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ، وَالْوَاجِبُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مِثْلِهِ الْمُتْعَةُ وَنِصْفُ الْأَوْكَسِ يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الْعَادَةِ فَوَجَبَ لِاعْتِرَافِهِ بِالزِّيَادَةِ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْهُ، وَالزَّوْجُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَعْطَاهَا ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهَا قِيمَتَهُ)
بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهَا تَقْبَلُهُمَا.
وَقَوْلُهُ إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ الْأَعْدَلَ كَانَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبًا فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ (إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْبَعِ فَالْمَرْأَةُ رَضِيَتْ بِالْحَطِّ وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ مِنْ الْأَوْكَسِ فَالزَّوْجُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ) فَعَمَلُنَا بِرِضَاهُمَا. وَقَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَجِبَ نِصْفُ الْأَرْفَعِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْأَرْفَعُ مَهْرًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ الْمُسَمَّى. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ مَا تَكُونُ التَّسْمِيَةُ فِيهِ فَاسِدَةَ الْمُتْعَةِ (وَنِصْفُ الْأَوْكَسِ يَزِيدُ عَلَيْهَا عَادَةً فَوَجَبَ لِاعْتِرَافِهِ بِالزِّيَادَةِ)
قَالَ (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ)
[ ٣ / ٣٥٤ ]
قَالَ ﵀: مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ جِنْسَ الْحَيَوَانِ دُونَ الْوَصْفِ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ. أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ الْجِنْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى دَابَّةٍ لَا تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى حِمَارٍ أَوْ فَرَسٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ جِنْسَ الْحَيَوَانِ دُونَ الْوَصْفِ) يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: جَيِّدٌ أَوْ وَسَطٌ أَوْ رَدِيءٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ نَوْعٌ لَا جِنْسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مِنْ الْجِنْسِ اسْمَ الْجِنْسِ وَهُوَ مَا عُلِّقَ عَلَى شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ الْجِنْسَ بِأَنْ تَزَوَّجَ عَلَى دَابَّةٍ لَا تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ اسْمُ
[ ٣ / ٣٥٥ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ مَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَاوَضَةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ فَجَعَلْنَاهُ الْتِزَامَ الْمَالِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَفْسُدُ بِأَصْلِ الْجَهَالَةِ كَالدِّيَةِ وَالْأَقَارِيرِ، وَشَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا وَسَطُهُ مَعْلُومٌ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَذَلِكَ عِنْدَ إعْلَامِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطُ ذُو حَظٍّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ جَهَالَةِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَسَطَ لَهُ لِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْأَجْنَاسِ، وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَالْمُمَاكَسَةِ،
جِنْسٍ بِالتَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا عُلِّقَ عَلَى شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُ وَلَمْ تَصِحَّ بِهِ التَّسْمِيَةُ. وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْجِنْسِ مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ النَّوْعُ بِاصْطِلَاحِ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ فِي النِّكَاحِ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً وَمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، أَمَّا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَعْنَى الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً: يَعْنِي بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ وَكَانَ كَالدِّيَةِ وَالْأَقَارِيرِ حَيْثُ يَلْزَمُ فِيهِمَا أَيْضًا مَالٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ فَعَمَلُنَا بِمَعْنَى الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً، وَقُلْنَا: لَا يَفْسُدُ بِأَصْلِ الْجَهَالَةِ فِي مِثْلِهِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي مِثْلِهِ مُتَحَمَّلَةٌ كَمَا فِي الدِّيَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ فِيهَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ وَكَمَا فِي الْأَقَارِيرِ، فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ صَحَّ إقْرَارُهُ وَعَمِلْنَا بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ (وَشَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا) مَعْلُومَ الْوَسَطِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ كَمَا وَجَبَ فِي الزَّكَاةِ ذَلِكَ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ (وَذَلِكَ) إنَّمَا يُتَصَوَّرُ (عِنْدَ إعْلَامِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَالْوَسَطُ ذُو حَظٍّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ جَهَالَةِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ لَا وَسَطَ لَهُ حِينَئِذٍ لِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْأَجْنَاسِ) فَإِنَّهُ إذَا قَالَ عَلَى دَابَّةٍ لَمْ يَجِدْ نَوْعًا يُتَوَسَّطُ فَيَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ مَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ (مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَالْمُمَاكَسَةِ) أَيْ الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً فَيَفْسُدُ بِأَصْلِ الْجَهَالَةِ
[ ٣ / ٣٥٦ ]
أَمَّا النِّكَاحُ فَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْقِيمَةِ فَصَارَتْ أَصْلًا فِي حَقِّ الْإِيفَاءِ، وَالْعَبْدُ أَصْلُ تَسْمِيَةٍ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَمَعْنَاهُ: ذَكَرَ الثَّوْبَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ) وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ جَهَالَةُ الْجِنْسِ إذْ الثِّيَابُ أَجْنَاسٌ، وَلَوْ سَمَّى جِنْسًا بِأَنْ قَالَ هَرَوِيٌّ يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا إذَا بَالَغَ فِي وَصْفِ الثَّوْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَكَذَا إذَا سَمَّى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَسَمَّى جِنْسَهُ دُونَ صِفَتِهِ، وَإِنْ سَمَّى جِنْسَهُ وَصِفَتَهُ لَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ مِنْهُمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا
أَمَّا النِّكَاحُ فَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ) فَلَا يَفْسُدُ بِالْجَهَالَةِ مَا لَمْ تَفْحُشْ.
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالزَّوْجُ مُخَيَّرٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَسَطِ وَالْقِيمَةِ جِهَةَ أَصَالَةٍ، أَمَّا الْقِيمَةُ فَلِأَنَّ الْوَسَطَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْقِيمَةِ فَصَارَتْ أَصْلًا فِي حَقِّ الْإِيفَاءِ، وَأَمَّا الْوَسَطُ فَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبُولِ بِأَيِّهِمَا أَتَى.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ) يَعْنِي لَمْ يَذْكُرْ نَوْعًا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ (إذْ الثِّيَابُ أَجْنَاسٌ) يَعْنِي أَنَّهَا تَكُونُ قُطْنًا وَكَتَّانًا وَإِبْرَيْسَمًا وَغَيْرَهَا. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا بَالَغَ فِي وَصْفِ الثَّوْبِ) مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ هُوَ أَنْ يُوصِلَهُ إلَى حَدٍّ يَجُوزُ فِيهِ عَقْدُ السَّلَمِ.
وَقَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّوْجَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَسَطِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ يَلْتَحِقُ بِذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ بِضَرْبِ الْأَجَلِ صَارَ نَظِيرَ السَّلَمِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ مُسْتَهْلِكَهَا لَا يَضْمَنُ الْمِثْلَ فَصَارَتْ كَالْعَبْدِ (وَكَذَا إذَا سَمَّى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَسَمَّى جِنْسَهُ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُك عَلَى كُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ مَنٍّ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ الزَّوْجُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْوَسَطِ وَقِيمَتِهِ (وَإِنْ سَمَّى جِنْسَهُ وَصِفَتَهُ لَا يُخَيَّرُ) بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْوَسَطِ (لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ مِنْهُمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا) حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا وَلِهَذَا
[ ٣ / ٣٥٧ ]
(وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْخَمْرِ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لَكِنْ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ لِمَا أَنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنْ الْخَلِّ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَهَا
جَازَ اسْتِقْرَاضُهُ وَالسَّلَمُ فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْخَمْرِ شَرْطٌ فَاسِدٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَزَوَّجْتُك عَلَى خَمْرٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ تَزَوَّجْتُك بِشَرْطِ قَبُولِك الْخَمْرَ، هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَا يَرْبُو عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُهُ فَهَذَا أَوْلَى (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ بِمَعْنَى الرِّبَا وَهُوَ يُفْسِدُهُ، وَفِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ قِيَاسِ مَالِكٍ النِّكَاحَ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ قَالَ تَسْمِيَةُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ تَمْنَعُ وُجُوبَ عَرَضٍ آخَرَ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَكَانَ كَمَا لَوْ بَاعَ عَيْنًا بِهِمَا، وَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ فِي نَفْسِهَا لِكَوْنِ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ: أَيْ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَمْ تَمْنَعْ وُجُوبَ الْغَيْرِ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
قَالَ (فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنْ الْخَلِّ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرَةٌ.
وَحَاصِلُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ
[ ٣ / ٣٥٨ ]
مِثْلُ وَزْنِهِ خَلًّا، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ الْقِيمَةُ) لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَطْمَعَهَا مَالًا وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ وَالتَّسْمِيَةُ فَتُعْتَبَرُ الْإِشَارَةُ لِكَوْنِهَا أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّعْرِيفُ، فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ حُرٍّ.
بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ فِي إيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ. ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْإِشَارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا وَالْإِشَارَةُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَالتَّسْمِيَةُ فِي الْجِنْسَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ دَلِيلَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ فِيهِ (لِكَوْنِهَا) يَعْنِي الْإِشَارَةَ (أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّعْرِيفُ) لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ، وَيَحْصُلُ بِهَا كَمَالُ التَّمْيِيزِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الشَّيْءِ وَارِدَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَمِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَأَخَّرَ دَلِيلَ مُحَمَّدٍ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى اخْتِيَارِ مَذْهَبِهِ، وَدَلِيلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَاهِيَّةِ هُوَ الْحَقِيقَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَبِالذَّاتِ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إلَيْهِ إشَارَةً حِسِّيَّةً.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنْسِ مَا يَكُونُ الْفَاصِلُ بَيْنَ آحَادِهِ أَمْرًا وَاحِدًا فَيَكُونُ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا كَالْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالْمَيْتَةِ وَالْمُذَكَّاةِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي غَيْرِ الْإِنْسَانِ، وَبِالْجِنْسَيْنِ مَا يَكُونُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَفْحُشُ التَّفَاوُتُ كَالْخَلِّ وَالْخَمْرِ فَإِنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَهُمَا الِاسْمُ وَالصِّفَةُ كَالْحُمُوضَةِ فِي الْخَلِّ وَالْحِدَّةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَعْنَى كَالْإِسْكَارِ وَعَدَمِهِ، وَالْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ فَإِنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَهُمَا الِاسْمُ وَالصِّفَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ هَذَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ التَّسْمِيَةُ وَالْإِشَارَةُ فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى وَالْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمُشَارَ إلَيْهِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هُنَاكَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَاهِيَّةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ وَالصِّفَةُ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمَوْصُوفُ مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ لَوْلَا الصِّفَةُ وَلَمْ تُعْتَبَرْ الصِّفَةُ لِتَبَعِيَّتِهَا وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ، فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمُسَمَّى لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ حِينَئِذٍ تَدُلُّ عَلَى مَاهِيَّةِ خِلَافِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُسَمَّى مِثْلَ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَلَا يَكُونَ تَابِعًا لَهُ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِعَدَمِ شَيْءٍ لَا يَتْبَعُهُ فَيَتَعَارَضَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَعْرِفُ الْمَاهِيَّةَ، وَالْإِشَارَةُ إنَّمَا تُعْرَفُ ذَاتًا مُشَارًا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ. هَذَا الَّذِي سَنَحَ لِي
[ ٣ / ٣٥٩ ]
وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الْأَصْلُ أَنَّ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ ذَاتًا، وَالْوَصْفُ يَتْبَعُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ
فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ، وَأَزِيدُك بَيَانًا وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ دَلَّتْ التَّسْمِيَةُ فِيهِ عَلَى مَعْنًى يَتَحَقَّقُ الْمُشَارُ إلَيْهِ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ فَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ صِفَةَ كَوْنِهِ عَبْدًا إذَا ارْتَفَعَتْ عَادَ حُرًّا لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ، وَكَذَا فِي الْمَيْتَةِ وَالذَّكِيَّةِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَكُلِّ مَوْضِعٍ دَلَّتْ التَّسْمِيَةُ فِيهِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُشَارُ إلَيْهِ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ لِوُجُودِ الْوَاسِطَةِ فَهُمَا جِنْسَانِ، فَإِنَّ صِفَةَ كَوْنِهِ خَلًّا إذَا ارْتَفَعَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَصِيرًا، وَكَذَا إذَا ارْتَفَعَ كَوْنُهَا جَارِيَةً
[ ٣ / ٣٦٠ ]
خِلَافِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مِثْلُ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُعَرِّفُ الْمَاهِيَّةَ، وَالْإِشَارَةُ تُعَرِّفُ الذَّاتَ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِذَا هُوَ أَخْضَرُ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْعَبْدُ مَعَ الْحُرِّ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَنَافِعِ، وَالْخَمْرُ مَعَ الْخَلِّ جِنْسَانِ لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْبَاقِي إذَا سَاوَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً.
وَعَلَى هَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْبَاقِي إذَا سَاوَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْإِشَارَةَ وَالْإِشَارَةُ إلَى الْحُرِّ تُخْرِجُهُ عَنْ الْعَقْدِ فَكَانَ تَسْمِيَةُ الْعَبْدِ الثَّانِي لَغْوًا وَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ.
وَوَجْهُ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا وَجْهُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ تُعْتَبَرُ الْإِشَارَةُ، وَلَوْ كَانَا حُرَّيْنِ وَجَبَ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا يَجِبُ الْعَبْدُ وَتَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ فِي دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ
[ ٣ / ٣٦١ ]
لِأَنَّهُ مُسَمًّى، وَوُجُوبُ الْمُسَمَّى وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا الْعَبْدُ وَقِيمَةُ الْحُرِّ عَبْدًا)؛ لِأَنَّهُ أَطْمَعَهَا سَلَامَةَ الْعَبْدَيْنِ وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ أَحَدِهِمَا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (لَهَا الْعَبْدُ الْبَاقِي وَتَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ)؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ يَجِبُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ
مُسَمًّى بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْطَلَتْ الْعَبْدَ الثَّانِيَ. وَقَوْلُهُ (وَوُجُوبُ الْمُسَمَّى وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا قَالَ قَبْلَ هَذَا، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا إلَى أَنْ قَالَ وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَبِمَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا ثُمَّ إنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ فَلَهَا الْأَلْفُ إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسَمَّى لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ اُسْتُحِقَّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَفَوَاتُهُ يُوجِبُ فَوَاتَ رِضَاهَا فَيُكْمِلُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ. وَأَمَّا الْحُرُّ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ أَصْلًا، وَبِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى مَا شُرِطَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَهَا إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلٍ لَزِمَهَا ضَرَرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا يَجِبُ الْعَبْدُ وَتَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
(وَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قَبْلَ الدُّخُولِ
عَنْهُ، أَمَّا هَاهُنَا فَيُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَبْلَ النِّكَاحِ بِالتَّفَحُّصِ، فَلَوْ لَزِمَهَا ضَرَرٌ لَزِمَهَا بِضَرْبٍ مِنْ تَقْصِيرِهَا.
قَالَ (وَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ) النِّكَاحُ الْفَاسِدُ مِثْلُ النِّكَاحِ بِلَا شُهُودٍ وَنِكَاحِ
[ ٣ / ٣٦٣ ]
فَلَا مَهْرَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ فِيهِ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِفَسَادِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ (وَكَذَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ)؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِهَا التَّمَكُّنُ فَلَا تُقَامُ مَقَامَ الْوَطْءِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَلَنَا أَنَّ الْمُسْتَوْفَى لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسَمَّى
الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ وَنَحْوِهَا وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (هُوَ يَعْتَبِرُهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ) يَعْنِي أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ تَجِبُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبًا أَصْلِيًّا، فَإِذَا اعْتَرَضَ الْفَسَادُ يُرْجَعُ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ (وَلَنَا أَنَّ الْمُسْتَوْفَى) أَيْ مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ بِهَذَا الْعَقْدِ هُوَ (لَيْسَ بِمَالٍ) وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، فَالْمُسْتَوْفَى بِهِ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ (وَإِنَّمَا يُتَقَوَّمُ بِالتَّسْمِيَةِ) وَالتَّسْمِيَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَبَطَلَتْ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقَوُّمِ الْمُسْتَوْفَى مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ شَرْعًا فَصِرْنَا إلَى مَا هُوَ قِيمَتُهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَهُوَ عَقْدُ الْمُفَوِّضَةِ إذَا كَانَ صَحِيحًا وَذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَيَبْطُلُ،
[ ٣ / ٣٦٤ ]
لِانْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي نَفْسِهِ فَيَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِقِيمَتِهِ
مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إذَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى لَكِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسَمَّى لَا تَجِبُ (لِانْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ) أَيْ تَسْمِيَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى. فَإِنْ قُلْت: هَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ لِأَنَّك أَسْقَطْت اعْتِبَارَ التَّسْمِيَةِ إذَا زَادَتْ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ثُمَّ اعْتَبَرْتهَا إذَا نَقَصَتْ مِنْهُ وَهِيَ إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً يَجِبُ شُمُولُ الْعَدَمِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً يَجِبُ شُمُولُ الْوُجُودِ؟ قُلْت: هِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ، فَاسِدَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا وُجِدَتْ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ فَاعْتَبَرْنَا فَسَادَهَا إذَا زَادَتْ وَصِحَّتَهَا إذَا انْتَقَصَتْ لِانْضِمَامِ رِضَاهَا إلَيْهَا، وَهَذَا الْحَلُّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ. وَإِنَّمَا قَيَّدْت الْمُسْتَوْفَى بِقَوْلِي بِهَذَا الْعَقْدِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَلِئَلَّا يَنْتَقِضَ بِالْمُفَوِّضَةِ فَإِنَّ الْمُسْتَوْفَى هُنَاكَ أَيْضًا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَمْ يُتَقَوَّمْ بِالتَّسْمِيَةِ بَلْ بِالْعَقْدِ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ
[ ٣ / ٣٦٥ ]
(وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) إلْحَاقًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ وَتَحَرُّزًا عَنْ اشْتِبَاهِ النَّسَبِ.
وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَرَفْعُهَا بِالتَّفْرِيقِ
زُفَرَ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) يَعْنِي فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا دَخَلَ بِهَا لِمَا ذَكَرَ أَنَّ الْخَلْوَةَ فِيهِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَقِيقَةِ الدُّخُولِ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ، وَيُعْتَبَرُ الْجِمَاعُ فِي الْقُبُلِ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (إلْحَاقًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ) أَيْ الثَّابِتِ مِنْ وَجْهٍ بِالثَّابِتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ) وَكَانَ قَوْلُهُ (وَتَحَرُّزًا عَنْ اشْتِبَاهِ النَّسَبِ) تَفْسِيرًا لِلِاحْتِيَاطِ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ (وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ) وَقَالَ زُفَرُ: يُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ حَتَّى إذَا وَطِئَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ثُمَّ رَأَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي تَعْتَدُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ تَكُونُ عِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةً. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ وُجُودُ رُكْنِهِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (وَ) شُبْهَةُ النِّكَاحِ (رَفَعَهَا بِالتَّفْرِيقِ) وَقَوْلُهُ التَّفْرِيقَ فِي مَوْضِعَيْنِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَرِّقٍ وَلَيْسَ رَفْعُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا عَلَى تَفْرِيقِ الْقَاضِي بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَسْخُ هَذَا النِّكَاحِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْفَسْخِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَقَّ الْفَسْخِ دُونَ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ وَالرَّافِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا رَفَعَا حُكْمَهُمَا إلَى الْحَاكِمِ.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
(وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ إحْيَاءً لِلْوَلَدِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى الثَّابِتِ مِنْ وَجْهٍ. وَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ النَّسَبِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهِ، وَالْإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِهِ.
قَالَ (وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا) " لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهَا مَهْرُ مِثْلِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ " وَهُنَّ أَقَارِبُ الْأَبِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ، وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي قِيمَةِ جِنْسِهِ
وَقَوْلُهُ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا) ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ النَّسَبِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ كَمَا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَاسِدِ يُؤْخَذُ مِنْ الصَّحِيحِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهِ وَالْإِقَامَةَ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ إقَامَةَ النِّكَاحِ مَقَامَ الْوَطْءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النِّكَاحَ دَاعٍ إلَى الْوَطْءِ وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهِ فَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ، وَفِي تَعْلِيلِهِ هَذَا إشَارَةٌ إلَى فَسَادِ قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
قَالَ (وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا) اعْلَمْ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ بِعَشِيرَتِهَا الَّتِي مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا كَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُعْتَبَرُ بِأُمِّهَا وَقَوْمِ أُمِّهَا كَالْخَالَاتِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ قِيمَةُ بُضْعِ النِّسَاءِ فَيُعْتَبَرُ بِالْقَرَابَاتِ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ. وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (لَهَا مَهْرُ مِثْلِ نِسَائِهَا وَهُنَّ أَقَارِبُ الْأَبِ)
[ ٣ / ٣٦٧ ]
(وَلَا يُعْتَبَرُ بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا إذَا لَمْ تَكُونَا مِنْ قَبِيلَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا بِأَنْ كَانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ بِمَهْرِهَا لِمَا أَنَّهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا.
(وَيُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ تَتَسَاوَى الْمَرْأَتَانِ فِي السِّنِّ وَالْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْبَلَدِ وَالْعَصْرِ)؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ وَالْعَصْرِ قَالُوا: وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي أَيْضًا فِي الْبَكَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ
(وَإِذَا ضَمِنَ الْوَلِيُّ الْمَهْرَ صَحَّ ضَمَانُهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَقَدْ أَضَافَهُ إلَى مَا يَقْبَلُهُ فَيَصِحُّ
لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَيْهَا وَإِنَّمَا يُضَافُ إلَى أَقَارِبِ الْأَبِ لِأَنَّ النَّسَبَ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ قِيمَةَ الشَّيْءِ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَى قِيمَةِ جِنْسِهِ وَالْإِنْسَانُ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ لَا مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أُمِّهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَكُونُ أَمَةً وَالِابْنَةَ تَكُونُ قُرَشِيَّةً تَبَعًا لِأَبِيهَا (وَلَا يُعْتَبَرُ بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا إذَا لَمْ تَكُونَا مِنْ قَبِيلَتِهَا) بِأَنْ يَكُونَ أَبُوهَا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ فَإِنَّ أُمَّهَا وَخَالَتَهَا تَكُونُ مِنْ قَبِيلَتِهَا. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي قِيمَةِ جِنْسِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (بِاخْتِلَافِ الدَّارِ) أَيْ الْبَلَدِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ قِيمَةُ الْبُضْعِ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إنَّمَا تُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَى نَظِيرِهِ بِصِفَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالسِّنِّ السِّنُّ وَقْتَ التَّزَوُّجِ.
(وَإِذَا ضَمِنَ الْوَلِيُّ الْمَهْرَ صَحَّ ضَمَانُهُ) يَعْنِي إذَا زَوَّجَ الْوَلِيُّ ابْنَتَهُ وَضَمِنَ لَهَا الْمَهْرَ عَنْ الزَّوْجِ صَحَّ (لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ، وَقَدْ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى مَا يَقْبَلُ الضَّمَانَ) وَهُوَ الْمَهْرُ لِأَنَّ الْمَهْرَ دَيْنٌ وَالْكَفَالَةُ وَالضَّمَانُ يَصِحَّانِ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ وَضَمِنَ عَنْهُ الْمَهْرَ لِلْمَرْأَةِ. قُلْت يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ ثُمَّ الْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ وَإِنْ كَانَا فِي الصِّحَّةِ سَوَاءً؛
[ ٣ / ٣٦٨ ]
(ثُمَّ الْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ فِي مُطَالَبَتِهَا زَوْجَهَا أَوْ وَلِيَّهَا) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْكَفَالَاتِ، وَيَرْجِعُ الْوَلِيُّ إذَا أَدَّى عَلَى الزَّوْجِ إنْ كَانَ بِأَمْرٍ كَمَا هُوَ الرَّسْمُ فِي الْكَفَالَةِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَوَّجَةُ صَغِيرَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْأَبُ مَالَ الصَّغِيرَةِ وَضَمِنَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فِي النِّكَاحِ، وَفِي الْبَيْعِ عَاقِدٌ وَمُبَاشِرٌ حَتَّى تَرْجِعَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ وَالْحُقُوقُ إلَيْهِ، وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
وَذَكَرَ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ الْأَبَ إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَ امْرَأَةً فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَ بِالْمَهْرِ مِنْ أَبِ الزَّوْجِ فَيُؤَدِّيَ الْأَبُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ بِاللَّفْظِ صَرِيحًا، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إذَا زَوَّجَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَ الْوَكِيلَ بِالْمَهْرِ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ الْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ) أَيْ إبْرَاءُ الْأَبِ الْمُشْتَرِيَ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وَيَمْلِكُ قَبْضَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَلَوْ صَحَّ الضَّمَانُ يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ وَوِلَايَةُ قَبْضِ الْمَهْرِ لِلْأَبِ بِحُكْمِ الْأُبُوَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَاقِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ بَعْدَ بُلُوغِهَا فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ.
قَالَ (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ وَتَمْنَعَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا) أَيْ يُسَافِرَ بِهَا لِيَتَعَيَّنَ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الزَّوْجِ فِي الْمُبْدَلِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ السَّفَرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَزِيَارَةِ أَهْلِهَا حَتَّى يُوَفِّيَهَا الْمَهْرَ كُلَّهُ: أَيْ الْمُعَجَّلُ مِنْهُ
وَيَمْلِكُ قَبْضَهُ) أَيْ يَمْلِكُ الْأَبُ قَبْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَوِلَايَةُ قَبْضِ الْمَهْرِ لِلْأَبِ بِحُكْمِ الْأُبُوَّةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ قَبْضَ الصَّدَاقِ أَيْضًا كَالْوَكِيلِ يَمْلِكُ قَبْضَ الثَّمَنِ، فَلَوْ صَحَّ الضَّمَانُ صَارَ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ فِي الْأَبِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا) أَيْ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَهْرٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ كُلُّهُ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَجَّلًا، أَوْ بَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا؛ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مُعَجَّلًا فَإِمَّا إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا (حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ وَلَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ عَنْ إخْرَاجِهَا) إلَى السَّفَرِ (لِيَتَعَيَّنَ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ) وَهُوَ الْمَهْرُ (كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي الْمُبْدَلِ) وَهُوَ الْبُضْعُ (فَصَارَ كَالْبَيْعِ) فِي أَنَّ الْبَائِعَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَأْخُذَ الثَّمَنَ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ فِي التَّعْيِينِ (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ السَّفَرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ
[ ٣ / ٣٧٠ ]
لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ قَبْلَ الْإِيفَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ كُلُّهُ مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا بِالتَّأْجِيلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
مَنْزِلِهِ وَزِيَارَةِ أَهْلِهَا حَتَّى يُوفِيَهَا الْمَهْرَ كُلَّهُ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْمُسْتَحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ قَبْلَ الْإِيفَاءِ) وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَتَذَكَّرَهُ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مُؤَجَّلًا، فَإِمَّا أَنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِالتَّأْجِيلِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: مُوجَبُ النِّكَاحِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَسْلِيمُ الْمَهْرِ أَوَّلًا عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، فَحِينَ قَبِلَ الزَّوْجُ الْأَجَلَ مَعَ عِلْمِهِ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ فَقَدْ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ إلَى أَنْ يُوفِيَ الْمَهْرَ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَبِهِ فَارَقَ الْبَيْعَ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ أَوَّلًا لَيْسَ مِنْ مُوجَبَاتِ الْبَيْعِ لَا مَحَالَةَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ مُقَايَضَةً لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ أَوَّلًا فَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي رَاضِيًا بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يُوفِيَ الثَّمَنَ.
وَقَوْلُهُ لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا بِالتَّأْجِيلِ) فَإِطْلَاقُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الْمَنْعُ لَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، أَمَّا قَبْلَ الْحُلُولِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَا أَوْجَبَ حَقَّ الْحَبْسِ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ، وَفِي هَذَا
[ ٣ / ٣٧١ ]
فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا. وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الدُّخُولُ بِرِضَاهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي الْحَبْسِ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخَلْوَةُ بِهَا بِرِضَاهَا. وَيَبْتَنِي عَلَى هَذَا اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ. لَهُمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ كُلَّهُ قَدْ صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِالْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَبِالْخَلْوَةِ، وَلِهَذَا يَتَأَكَّدُ بِهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا حَقُّ الْحَبْسِ، كَالْبَائِعِ إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ. وَلَهُ أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْهُ مَا قَابَلَ الْبَدَلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَطْأَةٍ تُصْرَفُ فِي الْبُضْعِ الْمُحْتَرَمِ فَلَا يُخْلَى عَنْ الْعِوَضِ إبَانَةً لِخَطَرِهِ، وَالتَّأْكِيدُ بِالْوَاحِدَةِ لِجَهَالَةِ مَا وَرَاءَهَا فَلَا يَصْلُحُ مُزَاحِمًا لِلْمَعْلُومِ. ثُمَّ إذَا وُجِدَ آخَرُ وَصَارَ مَعْلُومًا تَحَقَّقَتْ الْمُزَاحَمَةُ وَصَارَ الْمَهْرُ مُقَابَلًا بِالْكُلِّ، كَالْعَبْدِ إذَا جَنَى جِنَايَةً يَدْفَعُ كُلَّهُ بِهَا، ثُمَّ إذَا جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى وَأُخْرَى يَدْفَعُ بِجَمِيعِهَا، وَإِذَا أَوْفَاهَا مَهْرَهَا
الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْمَنْعِ قَبْلَ الدُّخُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَلَأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَهُ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَإِنْ دَخَلَ بِهَا) يَعْنِي فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يَعْنِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ. وَقَالَا: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَ الدُّخُولُ بِرِضَاهَا، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي الْحَبْسِ بِالِاتِّفَاقِ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخَلْوَةُ بِهَا) إنْ كَانَتْ (بِرِضَاهَا) فَعَلَى الِاخْتِلَافِ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا بِالِاتِّفَاقِ (وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ) تَسْتَحِقُّهَا مُدَّةَ الْمَنْعِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ مَنْعٌ يَحِقُّ وَلَا تَسْتَحِقُّهَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّهَا نَاشِزَةٌ (لَهُمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ كُلَّهُ قَدْ صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِالْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَبِالْخَلْوَةِ وَلِهَذَا يَتَأَكَّدُ بِهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ) وَتَسْلِيمُهُ يَنْفِي حَقَّ الْحَبْسِ كَالْبَائِعِ إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ.
وَقَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْهُ) جَازَ أَنْ يَكُونَ مُنَاقَضَةً، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ كُلَّهُ قَدْ صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِالْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا مَنَعَتْ مِنْهُ (مَا قَابَلَ الْبَدَلَ لِأَنَّ كُلَّ وَطْأَةٍ تَصَرُّفٌ فِي الْبُضْعِ الْمُحْتَرَمِ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ كُلِّهِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُعَارَضَةً وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْهُ مَا قَابَلَ الْبَدَلَ لِأَنَّ كُلَّ وَطْأَةٍ تَصَرُّفٌ فِي الْبُضْعِ الْمُحْتَرَمِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ لَا يُخَلَّى عَنْ الْبَدَلِ إبَانَةً لِخَطَرِهِ وَالْمَنْعُ عَمَّا يُقَابِلُ الْبَدَلَ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ وَالتَّأْكِيدُ بِالْوَاحِدَةِ) أَيْ بِالْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا يَتَأَكَّدُ بِهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا كَانَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ قَبْلَ أَدَاءِ الْمُعَجَّلِ، فَإِذَا أَدَّى لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ. فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ سَمَّوْا الْمَهْرَ سَاكِتِينَ عَنْ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيرِ مَاذَا يَكُونُ حُكْمُهُ؟ قُلْت: يَجِبُ حَالًّا، وَقَدْ أُشِيرَ إلَى ذَلِكَ فِي دَلِيلِ أَبِي يُوسُفَ آنِفًا فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ (وَإِذَا أَوْفَاهَا مَهْرَهَا
[ ٣ / ٣٧٢ ]
نَقَلَهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، وَقِيلَ لَا يُخْرِجُهَا إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهَا؛ لِأَنَّ الْغَرِيبَ يُؤْذَى وَفِي قُرَى الْمِصْرِ الْقَرِيبَةِ لَا تَتَحَقَّقُ الْغُرْبَةُ. .
قَالَ (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ) فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، وَمَعْنَاهُ مَا لَا يُتَعَارَفُ مَهْرًا لَهَا
نَقَلَهَا إلَى حَيْثُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وَقِيلَ لَا يُخْرِجُهَا إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهَا) وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ (لِأَنَّ الْغَرِيبَ يُؤْذِي) قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ: الْأَخْذُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الَّذِي أَخَذَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ دَلِيلٌ مَخْصُوصٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (وَفِي قُرَى الْمِصْرِ الْقَرِيبَةِ لَا تَتَحَقَّقُ الْغُرْبَةُ) سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ عَمَّنْ يُخْرِجُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْقَرْيَةِ وَمِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ذَلِكَ تَبْوِئَةٌ وَلَيْسَ بِسَفَرٍ، وَإِخْرَاجُهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ سَفَرٍ لَيْسَ بِتَبْوِئَةٍ.
قَالَ (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِمَا أَوْ تَخْتَلِفَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَمَاتِهِمَا أَوْ يَكُونَ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي حَيَاتِهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ أَوْ فِي مِقْدَارِ الْمُسَمَّى، أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إلَى تَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ وَرَثَتِهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ فِي الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَكَلَامُهُ فِي تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ
[ ٣ / ٣٧٣ ]
هُوَ الصَّحِيحُ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ مَنَافِعِ الْبُضْعِ ضَرُورِيٌّ، فَمَتَى أَمْكَنَ إيجَابُ شَيْءٍ مِنْ الْمُسَمَّى لَا يُصَارُ إلَيْهِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ فِي الدَّعَاوَى قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَصَارَ كَالصَّبَّاغِ مَعَ رَبِّ الثَّوْبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْأَجْرِ يَحْكُمُ فِيهِ الْقِيمَةَ الصَّبْغُ.
هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: إنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَكُونُ دُونَ الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا لِأَنَّهُ لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَدَّعِيَ شَيْئًا قَلِيلًا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتَزَوَّجُ مِثْلُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَهْرِ عَادَةً فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مُسْتَنْكَرٍ وَلَيْسَ فِي الثَّمَنِ تَقْدِيرٌ شَرْعًا.
وَقَوْلُهُ (لَا يُصَارُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا أَنَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ، وَهَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَحْكُمُ مُتْعَةُ مِثْلِهَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ مُوجَبَةٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَمَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَهُ فَتَحْكُمُ كَهُوَ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَصْلِ فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ، وَالْمُتْعَةُ لَا تَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي الْعَادَةِ فَلَا يُفِيدُ تَحْكِيمُهَا، وَوَضْعُهَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي الْعَشَرَةِ وَالْمِائَةِ وَمُتْعَةُ مِثْلِهَا عِشْرُونَ فَيُفِيدُ تَحْكِيمَهَا، وَالْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ سَاكِتٌ عَنْ ذِكْرِ الْمِقْدَارِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ. وَشَرْحُ قَوْلِهِمَا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا ادَّعَى الْأَلْفَ وَالْمَرْأَةَ الْأَلْفَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَلْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا،
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا) أَيْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ مُوجِبَةٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ) أَيْ مُوجَبِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ (كَمَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ (فَتَحَكُّمٌ) الْمُتْعَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَمَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ (وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ) أَيْ بَيْنَ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَبَيْنَ رِوَايَتَيْ الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) يَعْنِي مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّعَاوَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ (وَإِنْ كَانَ أَلْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) أَيْ مَعَ يَمِينِهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي عَلَيْهَا الْحَطَّ وَهِيَ تُنْكِرُ، فَإِنْ نَكَلَتْ يُقْضَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالْحَطِّ، وَإِنْ حَلَفَتْ يُقْضَى لَهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَلْفٍ بِطَرِيقِ التَّسْمِيَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَلْفِ وَأَلْفٍ بِاعْتِبَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ فِي هَذَا الْأَلْفِ إنْ شَاءَ
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ تُقْبَلُ. وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْحَطَّ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ تَحَالَفَا، وَإِذَا حَلَفَا يَجِبُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ.
أَعْطَى الدَّرَاهِمَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الدَّنَانِيرَ (وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِيمَا إذَا شَهِدَ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلزَّوْجِ وَفِيمَا إذَا شَهِدَ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَرْأَةِ (تُقْبَلُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ شَاهِدًا لِلزَّوْجِ (تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي) وَهُوَ مَا إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ شَاهِدًا لِلْمَرْأَةِ تُقْبَلُ (بَيِّنَتُهُ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْحَطَّ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُثْبِتُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ ظَاهِرًا (وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ تَحَالَفَا) لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي عَلَيْهَا الْحَطَّ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهِيَ تُنْكِرُ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرِعَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فِي الْبِدَايَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا، فَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ يُقْضَى بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ صَرِيحًا، وَإِنْ نَكَلَتْ الْمَرْأَةُ وَجَبَ الْمُسَمَّى أَلْفٌ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالْحَطِّ، وَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا وَجَبَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ أَلْفٌ بِطَرِيقِ التَّسْمِيَةِ لَا يُخَيَّرُ الزَّوْجُ فِيهَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَلْفِ وَخَمْسُمِائَةٍ بِاعْتِبَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ يُخَيَّرُ فِيهَا الزَّوْجُ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَقَامَا يُقْضَى بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ؛ أَلْفٍ بِطَرِيقِ التَّسْمِيَةِ وَخَمْسِمِائَةٍ بِاعْتِبَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ بَطَلَتَا لِمَكَانِ التَّعَارُضِ،
[ ٣ / ٣٧٦ ]
هَذَا تَخْرِيجُ الرَّازِيّ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ الْمُسَمَّى يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءِ بِالْمُسَمَّى فَيُصَارُ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي حَيَاتِهِمَا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ لَا يَسْقُطُ
وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمَرْأَةِ أَوْلَى لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا إذَا تَحَالَفَا فَقَالَ ثُمَّ إذَا تَحَالَفَا يُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ أَبْيَنُهُمَا إنْكَارًا وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَالْبَيِّنَةُ مَشْرُوعَةٌ لِلْإِثْبَاتِ (هَذَا تَخْرِيجُ الرَّازِيِّ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ) عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ شَاهِدًا لَهُ أَوْ شَاهِدًا لَهَا أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يُصَارُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ التَّسْمِيَةِ، وَالتَّسْمِيَةُ الصَّحِيحَةُ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِذَا حَلَفَا تَعَذَّرَ التَّسْمِيَةُ فَيُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ. قِيلَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ أَصَحُّ لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْمَهْرِ لَيْسَ لِإِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الدَّعَاوَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ مَعَ يَمِينِهِ (وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ الْمُسَمَّى) بِأَنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّسْمِيَةَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُنْكِرُ التَّسْمِيَةَ (وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْإِجْمَاعِ) الْمُرَكَّبِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي التَّحْكِيمِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالْمُسَمَّى لِعَدَمِ ثُبُوتِ التَّسْمِيَةِ لِلِاخْتِلَافِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا.
(وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) بَيْنَ الْحَيِّ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ (فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي حَيَاتِهِمَا) فِي الْأَصْلِ، وَالْمِقْدَارُ فِي الْأَصْلِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْمُتْعَةُ قَبْلَهُ،
[ ٣ / ٣٧٧ ]
بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا فِي الْمِقْدَارِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْمُسَمَّى فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. .
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجَانِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا فَلِوَرَثَتِهَا أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهُ مَهْرًا فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لِوَرَثَتِهَا الْمَهْرُ فِي الْوَجْهَيْنِ) مَعْنَاهُ الْمُسَمَّى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْمُسَمَّى دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ وَقَدْ تَأَكَّدَ بِالْمَوْتِ فَيُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهَا مَاتَتْ أَوَّلًا فَيَسْقُطُ
وَفِي الْمِقْدَارِ عِنْدَهُمَا يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَلَا تَرَى إلَى مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَعِنْدَهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا فِي الْمِقْدَارِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الزَّوْجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَسْتَثْنِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ) بِحُكْمِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنَّهُ تَرَكَهُ اسْتِحْسَانًا لِمَا نَذْكُرُهُ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَهُ لَا يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا نُبَيِّنُهُ مِنْ بَعْدُ) إشَارَةً إلَى دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجَانِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا فَلِوَرَثَتِهَا أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لِوَرَثَتِهَا الْمَهْرُ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ لِوَرَثَتِهَا الْمَهْرُ فِي الْوَجْهَيْنِ (الْمُسَمَّى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا سَمَّى (وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي) وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ (أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ وُجُوبُ الْمُسَمَّى (فَلِأَنَّ الْمُسَمَّى دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ) إمَّا بِثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالتَّصَادُقِ (وَقَدْ تَأَكَّدَ بِالْمَوْتِ فَيُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ) إذَا عُلِمَ أَنَّهُمَا مَاتَا مَعًا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ
[ ٣ / ٣٧٨ ]
نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسَمَّى فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَوْتَهُمَا يَدُلُّ عَلَى انْقِرَاضِ أَقْرَانِهِمَا فَبِمَهْرِ مَنْ يُقَدِّرُ الْقَاضِي مَهْرُ الْمِثْلِ
(وَمَنْ بَعَثَ إلَى امْرَأَتِهِ شَيْئًا فَقَالَتْ هُوَ هَدِيَّةٌ وَقَالَ الزَّوْجُ هُوَ مِنْ الْمَهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمَلِّكُ فَكَانَ أَعْرَفَ بِجِهَةِ التَّمْلِيكِ، كَيْفَ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَسْعَى فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ. قَالَ (إلَّا فِي الطَّعَامِ الَّذِي يُؤْكَلُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا)
أَوَّلًا أَوْ عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ مَاتَ أَوَّلًا، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهَا مَاتَتْ أَوَّلًا فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ (وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسَمَّى فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ لَكِنْ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ (إنَّ مَوْتَهُمَا يَدُلُّ عَلَى انْقِرَاضِ أَقْرَانِهِمَا فَبِمَهْرِ مَنْ يُقَدِّرُ الْقَاضِي مَهْرَ الْمِثْلِ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي صُورَةِ التَّقَادُمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ ادَّعَى وَرَثَةُ عَلِيٍّ عَلَى وَرَثَةِ عُمَرَ مَهْرَ أُمِّ كُلْثُومٍ أَكُنْت أَقْضِي فِيهِ بِشَيْءٍ؟ وَهَذَا لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَانْقَرَضَ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْقَاضِي الْوُقُوفُ عَلَى مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَهْدُ مُتَقَادِمًا بِأَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ مَهْرُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ يُقْضَى بِمَهْرِ مِثْلِهَا. وَلِلْمَشَايِخِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قِيمَةُ الْبُضْعِ يُشْبِهُ الْمُسَمَّى، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ يُشْبِهُ الصِّلَةَ كَالنَّفَقَةِ؛ فَبِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْقُطْ فَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَبِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ الثَّانِي يَسْقُطُ فَيَسْقُطُ بِمَوْتِهِمَا لِأَنَّ الْمُسْقِطَ تَأَكَّدَ بِالْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ بَعَثَ إلَى امْرَأَتِهِ شَيْئًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ حَلَفَ وَالْمَتَاعُ قَائِمٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ وَتَرْجِعَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَهْرِ وَإِنْ كَانَ
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مُهَيَّأً لِلْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَارَفُ هَدِيَّةً، فَأَمَّا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَقِيلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَهُ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَالِكًا لَمْ تَرْجِعْ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَسْعَى فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ. وَقَوْلُهُ (وَقِيلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّهُ إذَا بَعَثَ الْخُفَّ وَالْمُلَاءَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَهُ مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (وَغَيْرِهِمَا) قِيلَ كَمَتَاعِ الْبَيْتِ.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٨٣ ]