انْحِرَافًا فَاحِشًا، وَلَا يَكُونُ شَاكًّا فِي إيمَانِهِ، وَأَلَّا يَتَوَضَّأَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْقَلِيلِ، وَأَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ إنْ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَفْرُكَ الْيَابِسَ مِنْهُ، وَأَلَّا يَقْطَعَ الْوِتْرَ، وَيُرَاعِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْفَوَائِتِ وَأَنْ يَمْسَحَ رُبْعَ رَأْسِهِ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جَازَ وَيُكْرَهُ. هَذَا حُكْمُ الْفَسَادِ الرَّاجِعِ إلَى زَعْمِ الْمُقْتَدِي، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْفَسَادِ الرَّاجِعِ إلَى زَعْمِ الْإِمَامِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إنَّ الْمُقْتَدِيَ إنْ رَأَى إمَامَهُ مَسَّ امْرَأَةً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا جَوَّزُوهُ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَقَوْلُ الْهِنْدُوَانِيِّ أَقْيَسُ لِمَا أَنَّ زَعْمَ الْإِمَامِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ حِينَئِذٍ بِنَاءُ الْمَوْجُودِ عَلَى الْمَعْدُومِ فِي زَعْمِ الْإِمَامِ وَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ (وَالْمُخْتَارُ فِي الْقُنُوتِ الْإِخْفَاءِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَانِتُ إمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ مُنْفَرِدًا (لِأَنَّهُ دُعَاءٌ) وَخَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ لَا.
(بَابُ النَّوَافِلِ):
[ ١ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، وَتَرْجَمَ الْبَابَ بِالنَّوَافِلِ لِكَوْنِهَا أَعَمَّ
[ ١ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَشْمَلَ وَقَدَّمَ السُّنَنَ عَلَى النَّوَافِلِ وَهُوَ فِي مَحَزِّهِ، وَابْتَدَأَ بِذِكْرِ سُنَّةِ الْفَجْرِ لِكَوْنِهَا أَقْوَى، قَالَ ﷺ «صَلُّوهَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» أَوْ لِيُنَاسِبَ ذِكْرَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ وَقْتِ الْفَجْرِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَدَّمَ ذِكْرَ سُنَّةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الظُّهْرِ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ فِي الْأَقْوَى، فَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدَعْهَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ لِكَوْنِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ. وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ، قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ
[ ١ / ٤٤٠ ]
(السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ)
(وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ،
؛ لِأَنَّ فِيهَا وَعِيدًا مَعْرُوفًا، قَالَ ﷺ «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ أَدَاؤُهَا فِي الْمَنْزِلِ إلَّا التَّرَاوِيحَ؛ لِأَنَّ فِيهَا إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ.
وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ، وَلَا تَخْتَصُّ الْفَضِيلَةُ بِوَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ مَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاءِ وَأَجْمَعَ لِلْإِخْلَاصِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: ﷺ مَنْ ثَابَرَ) وَالْمُثَابَرَةُ الْمُوَاظَبَةُ فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ تَرْكٍ (وَفَسَّرَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ)
[ ١ / ٤٤١ ]
غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الْأَصْلِ حَسَنًا وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَرْبَعُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيِّرَ،
يَعْنِي الْمَبْسُوطَ أَوْ مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ) بَيَانُ مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ زَائِدٌ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَقَوْلُهُ: (فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ) أَيْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعَصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ (حَسَنًا وَخَيَّرَ) بِقَوْلِهِ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ (لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» وَعَلِيًّا قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» قَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَرْبَعُ)؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ) وَفِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَلِهَذَا: أَيْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: أَيْ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ كَانَ مُسْتَحَبًّا " فَقَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عِلَّةٌ أُخْرَى لِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ لِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ (وَذَكَرَ فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ (رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ حَدِيثِ الْمُثَابَرَةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كُنَّ كَمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا) أَنْ فَلِلِاخْتِلَافِ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالرَّكْعَتَيْنِ (خَيَّرَ)
[ ١ / ٤٤٢ ]
إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَوْ الْقُدُورِيُّ بِقَوْلِهِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ الْأَرْبَعَ أَفْضَلُ خُصُوصًا إلَخْ) إشَارَةً إلَى مَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَجَعَلَ هَذِهِ فَرْعًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ
[ ١ / ٤٤٣ ]
عِنْدَنَا، كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ
مَثْنَى مَثْنَى أَفْضَلُ أَوْ أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَهُ الْأَرْبَعُ أَفْضَلُ وَعِنْدَهُمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَهِيَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَقَّتَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا (كَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ) رَوَى أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقُلْت: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَأُحِبُّ
[ ١ / ٤٤٤ ]
قَالَ (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى بِتَسْلِيمَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ، فَقُلْت: أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقُلْت: أَبِتَسْلِيمَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُؤَدِّيهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِنَّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ». وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ: أَيْ بِتَشَهُّدَيْنِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْحَالِ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَالنَّهَارِ غَرِيبٌ، وَلَئِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ شَفْعٌ لَا وَاحِدَةٌ نَفْيًا لِلْبُتَيْرَاءِ.
قَالَ (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَمِّيَّةِ التَّنَفُّلِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِحَسَبِ الْإِبَاحَةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، فَأَمَّا الْإِبَاحَةُ
[ ١ / ٤٤٥ ]
وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةِ جَازَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ،
فِي النَّهَارِ فَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ أَرْبَعًا، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي اللَّيْلِ فَأَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ أَبَا حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ كِلَا الْحُكْمَيْنِ الْجَوَازُ فِي نَافِلَةِ اللَّيْلِ إلَى الثَّمَانِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَالْكَرَاهَةُ فِيمَا وَرَاءَهَا اتِّفَاقٌ فِي عَامَّةِ رِوَايَةِ الْكُتُبِ. وَقُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَلَوْ زَادَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وَقَالَا: لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَالْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَا لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِمَا لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ بِالِاتِّفَاقِ فِي اللَّيْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُرْ الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ السِّتَّ.
وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْأَصَحُّ
[ ١ / ٤٤٧ ]
رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى، وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا
أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَتَكُونُ ثَمَانٍ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرًا وَرَكْعَتَانِ سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُصَلِّي هَذَا كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ فَضَّلَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يُكْرَهُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْأَفْضَلِيَّةُ فَمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَثْنَى مَثْنَى، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَفِي
[ ١ / ٤٤٨ ]
أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ. لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﵊ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ
النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَثْنَى مَثْنَى فِيهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ فِيهِمَا، لِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﷺ
[ ١ / ٤٤٩ ]
﵀ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا» رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، وَكَانَ ﵊ يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى، وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً لِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَعَلَى الْقَلْبِ يَخْرُجُ وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ، وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا لَا وِتْرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
«صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِبَارِهِمَا بِالتَّرَاوِيحِ فَيُرَاعَى فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ بِالْقَطْعِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ أَدْوَمَ تَحْرِيمَةً كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّاسِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا) جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
[ ١ / ٤٥٠ ]