الْبَحْرِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ) جَوَابٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِجَوَابِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَانَ (فِيمَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ) أَيْ دَفَعَهُ وَقَذَفَهُ (وَبِهِ) أَيْ بِوُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْعَنْبَرِ الَّذِي دَسَرَهُ الْبَحْرُ (نَقُولُ) وَمُرَادُهُ دَسَرَهُ الْبَحْرُ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَجَدَهُ الْجَيْشُ عَلَى سَاحِلِهِ فَأَخَذُوهُ فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ: وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَنْبَرِ: إنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ: إمَّا عَلَى بَحْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بَحْرِ دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِ وَلَا خُمُسَ فِيهِمَا. وَقَوْلُهُ (مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ رِكَازًا، وَالْمُرَادُ بِالْمَتَاعِ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الْبَيْتِ مِنْ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهَا، وَذَكَرَ هَذَا لِبَيَانِ أَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ لَا يَتَفَاوَتُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرِّكَازُ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ)
سُمِّيَ الْعُشْرُ زَكَاةً كَمَا سُمِّي الْمُصَدِّقُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَاشِرًا مَجَازًا، وَتَأْخِيرُ الْعُشْرِ عَنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْعُشْرَ
[ ٢ / ٢٤١ ]
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ سُقِيَ سَيْحًا أَوْ سَقَتْهُ السَّمَاءُ، إلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ. وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ عِنْدَهُمَا عُشْرٌ) فَالْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ. لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»
مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَالْعِبَادَاتُ الْخَالِصَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀) فِي كُلِّ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَيَنْبَغِي بِهِ النَّمَاءُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا يَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ لَا يُوَسَّقُ أَوْ لَا يُسْقَى سَيْحًا أَيْ بِمَاءٍ جَارٍ، أَوْ سَقَتْهُ السَّمَاءُ، أَيْ الْمَطَرُ الْعُشْرُ، (إلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ) وَالتِّبْنَ وَالسَّعَفَ، (وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ) تَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ (إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كُلُّ وَسْقٍ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) قَيَّدَ بِالثَّمَرَةِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ اسْمٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَصْلٍ وَقَيَّدَ بِالْبَاقِيَةِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهَا وَحَدُّ الْبَقَاءِ أَنْ يَبْقَى سَنَةً فِي الْغَالِبِ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَغَيْرِهَا دُونَ الْخَوْخِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَنَحْوِهَا، وَقَيَّدَ بِمَا إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ دُونَهَا، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا مَنٍّ لِأَنَّ كُلَّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: الْوَسْقُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ (وَلَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ) كَالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ (عُشْرٌ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ الْبُقُولَ لَيْسَتْ بِثَمَرَةٍ وَالْفَوَاكِهُ لَا بَقَاءَ لَهَا سَنَةً إلَّا بِمُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ (فَالْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَفِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ ثَمَرَةً لِأَنَّ الْبُقُولَ دَخَلَتْ فِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ (لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ (قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» أَيْ عُشْرٌ لِأَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّصَابُ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَالِكِ فِيهِ فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَالزَّكَاةُ غَيْرُ مَنْفِيَّةٍ فَتَعَيَّنَ
تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتَهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ) بِدَلِيلِ تَعَلُّقِهِ بِنَمَاءِ الْأَرْضِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْكَافِرِ وَصَرْفِهِ إلَى مَصْرِفِ الصَّدَقَاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ صَدَقَةٌ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّصَابُ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﷺ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) فَتَكُونُ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ نِصَابُ الزَّكَاةِ، قِيلَ الْعُشْرُ فِيهِ مَعْنَى الْعَادَةِ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَيَكُونُ لِمَالِيَّتِهِ عَفْوٌ وَنِصَابٌ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ قِيَاسُ مَا فِيهِ الْعِبَادَةُ مَعَ كَوْنِهِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَالِكِ فِيهِ) أَيْ فِي الْعُشْرِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ: يَعْنِي أَنَّ الْغِنَى صِفَةُ الْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ فِي بَابِ الْعُشْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى يَجِبَ فِي أَرَاضِي الْمُكَاتَبِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ (فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ نَفَى الصَّدَقَةَ عَنْ الْخَضْرَاوَاتِ وَلَيْسَ الزَّكَاةُ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الْعُشْرُ وَلَهُ مَا رَوَيْنَا، وَمَرْوِيُّهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى وَالسَّبَبُ هِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ
مَنْفِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَيَّنَ الْعُشْرُ (وَلَهُ مَا رَوَيْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» (وَمَرْوِيُّهُمَا) وَهُوَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ (مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ) يَعْنِي إذَا مَرَّ بِالْخَضْرَوَاتِ عَلَى الْعَاشِرِ وَأَرَادَ الْعَاشِرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَيْنِهَا لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ عِنْدَ إبَاءِ الْمَالِكِ عَنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ لَا يَأْخُذُ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْمَرْوِيِّ (أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ) فِي حَقِّ هَذَا الْمَحْمَلِ الَّذِي حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْ عَيْنِهَا لِيَصْرِفَهُ إلَى عِمَالَتِهِ جَازَ وَإِنَّمَا قُلْنَا عِنْدَ إبَاءِ الْمَالِكِ عَنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَا كَلَامَ فِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَخْذَ ثَبَتَ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ وَلَا نَظَرَ هَاهُنَا لِأَنَّ الْعَاشِرَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ نَائِيًا عَنْ الْبَلْدَةِ وَلَا يَجِدُ فَقِيرًا ثَمَّةَ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى الْبَلَدِ وَرُبَّمَا تَفْسُدُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْفُقَرَاءِ فَيُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ فَلَا يَأْخُذُ بَلْ يُؤَدِّيهِ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ هَذِهِ الْمَادَّةَ أَنَّ الْعَالِمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ مُوجِبِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا رَوَيَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَحْمَلٍ آخَرَ وَعَمِلَ بِهِ فِيهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَخَذَ هَذَا الْأَصْلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّهُ عَمِلَ بِالْعَامِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حِينَ أَرَادَ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَأَجَلَاهُمْ وَلَمْ يَتَلَفَّتْ إلَى مَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «اُتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» كَذَا نَقَلَهُ شَيْخِي عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ ﵏ وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى)
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَلِهَذَا يَجِبُ فِيهَا الْخَرَاجُ أَمَّا الْحَطَبُ وَالْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ فَلَا تُسْتَنْبَتُ فِي الْجِنَانِ عَادَةً بَلْ تُنَقَّى عَنْهَا حَتَّى لَوْ اتَّخَذَهَا مُقَصَّبَةً أَوْ مُشَجَّرَةً أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ أَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ فَفِيهِمَا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالَ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ السَّعَفِ وَالتِّبْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَبُّ وَالتَّمْرُ دُونَهُمَا
دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى مُدَّعَاهُ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ السَّبَبَ هِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَالْأَرْضُ النَّامِيَةُ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى فَلَوْ لَمْ يَجِبْ الْعُشْرُ فِيمَا لَا يَبْقَى لَكَانَ قَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالْخَارِجُ بِلَا شَيْءٍ وَذَلِكَ إخْلَاءٌ لِلسَّبَبِ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ (وَلِهَذَا يَجِبُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا لَا يَبْقَى مِنْ الْخَارِجِ كَالْخَضْرَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ النَّامِيَةِ بِالْخَارِجِ الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى تَأْوِيلِ الْمَكَانِ.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْحَطَبُ) بَيَانٌ لِمَا اسْتَثْنَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ وَقَوْلُهُ (فِي الْجِنَانِ) أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يُسْتَنْمَى بِهِ الْأَرْضُ لَا عُشْرَ فِيهَا لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُنَقَّى عَنْهَا الْبَسَاتِينُ لِأَنَّهَا إذَا غَلَبَتْ عَلَى الْأَرْضِ أَفْسَدَتْهَا فَلَا يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ حَتَّى لَوْ اتَّخَذَ الْأَرْضَ مَقْصَبَةً أَوْ مَشْجَرَةً أَوْ مَنْبِتًا لِلْحَشِيشِ وَأَرَادَ بِهِ الِاسْتِنْمَاءَ بِقَطْعِ ذَلِكَ وَبَيْعِهِ وَجَبَ فِيهَا الْعُشْرُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ) الْقَصَبُ كُلُّ نَبَاتٍ كَانَ سَاقُهُ أَنَابِيبَ وَكُعُوبًا، وَالْكَعْبُ الْعُقْدَةُ، وَالْأُنْبُوبُ مَا بَيْنَ الْكَعْبَيْنِ. وَأَنْوَاعُ الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَقْلَامُ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ مُتَقَارِبُ الْعُقَدِ وَأُنْبُوبُهُ مَمْلُوءٌ مِنْ مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ وَفِي مَضْغِهِ حَرَافَةٌ وَمَسْحُوقُهُ عَطِرٌ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْهِنْدِ وَأَجْوَدُهُ الْيَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ وَقَصَبُ السُّكَّرِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهَا الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ. وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَفِيهِمَا الْعُشْرُ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالُ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ السَّعَفِ وَهُوَ وَرَقُ الْجَرِيدِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَرَاوِحُ وَالتِّبْنُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ دُونَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْعُشْرُ فِي التِّبْنِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا وَقْتَ كَوْنِ الزَّرْعِ قَصِيلًا وَالتِّبْنُ هُوَ الْقَصِيلُ ذَاتًا إلَّا أَنَّهُ زَادَتْ فِيهِ الْيُبُوسَةُ وَبِهَا لَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي التِّبْنِ لِأَنَّ الْعُشْرَ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ فِي السَّاقِ حَتَّى لَوْ قَصَلَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْقَصِيلِ، فَإِذَا أَدْرَكَ تَحَوُّلَ الْعُشْرِ مِنْ السَّاقِ إلَى
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قَالَ: (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَكْثُرُ فِيهِ وَتَقِلُّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ أَوْ سَيْحًا وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ فَالْمُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ كَمَا مَرَّ فِي السَّائِمَةِ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: فِيمَا لَا يُوسَقُ كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْقُطْنِ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يُوسَقُ) كَالذُّرَةِ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ فَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَجِبُ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ الْخَارِجُ خَمْسَةَ أَعْدَادٍ مِنْ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ. فَاعْتُبِرَ فِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ كُلُّ حِمْلٍ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ)؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ
(وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀
الْحَبِّ كَمَا تَحَوَّلَ الْخَرَاجُ مِنْ الْمُكْنَةِ عِنْدَ التَّعْطِيلِ إلَى الْخَارِجِ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
قَالَ (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ) الْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ، وَالدَّالِيَةُ الْمَنْجَنُونُ تُدِيرُهَا الْبَقَرَةُ. وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الدَّالِيَةَ جِذْعٌ طَوِيلٌ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأُرْزِ فِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ يُسْتَقَى بِهَا، وَالسَّانِيَةُ النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عِنْدَهُ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ النِّصَابِ وَالْبَقَاءِ، وَعِنْدَهُمَا أَيْضًا نِصْفُ الْعُشْرِ لَكِنْ بِشَرْطِ النِّصَابِ وَالْبَقَاءِ كَمَا بَيَّنَّا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ ظَاهِرٌ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: عَلَّلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَبِكَثْرَتِهَا فِيمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ فَإِنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْخُمُسَ فِي الْغَنَائِمِ وَالْمُؤْنَةُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزِّرَاعَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ فَنَتَّبِعُهُ وَنَعْتَقِدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ) وَاضِحٌ. وَإِنَّمَا عَطَفَ الدَّالِيَةَ بِالْبَاءِ لِأَنَّ السَّيْحَ اسْمٌ لِلْمَاءِ دُونَ الدَّالِيَةِ، فَإِنَّ الدَّالِيَةَ آلَةُ الِاسْتِقَاءِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سُقِيَ دَالِيَةً لِأَنَّ الدَّالِيَةَ غَيْرُ مُسْقِيَةٍ بَلْ هِيَ آلَةُ السَّقْيِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ أَبُو يُوسُفَ) قِيلَ: إنَّمَا ابْتَدَأَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا يَرِدُ إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْعُشْرِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُمَا أَثْبَتَا الْحُكْمَ عَلَى قَوْدِ مَذْهَبِهِمَا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فِيمَا لَا يُوسَقُ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ) لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالصَّاعِ ثُمَّ بِالْكَيْلِ ثُمَّ بِالْوَسْقِ فَكَانَ الْوَسْقُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ مِنْ مِعْيَارِهِ، وَأَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْقُطْنِ الْحَمْلُ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ ثُمَّ بِالْحَمْلِ فَكَانَ الْحَمْلُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ. وَفِي الزَّعْفَرَانِ الْمَنُّ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالسَّنَجَاتِ ثُمَّ بِالْأَسَانِينِ ثُمَّ بِالْمَنِّ.
وَقَوْلُهُ (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) قَيَّدَ بِأَرْضِ
[ ٢ / ٢٤٦ ]
لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَأَشْبَهَ الْإِبْرَيْسَمَ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ» وَلِأَنَّ النَّخْلَ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَنْوَارِ وَالثِّمَارِ وَفِيهِمَا الْعُشْرُ فَكَذَا فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ دُودِ الْقَزِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَوْرَاقِ وَلَا عُشْرَ فِيهَا. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ النِّصَابَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
الْعُشْرِ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لَا عُشْرَ وَلَا خَرَاجَ كَمَا نُبَيِّنُ.
وَقَوْلُهُ (فَأَشْبَهَ الْإِبْرَيْسَمَ) يَعْنِي الَّذِي يَكُونُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊) يَعْنِي بِهِ مَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ إنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ» (وَلِأَنَّ النَّحْلَ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَنْوَارِ وَالثِّمَارِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (وَفِيهِمَا الْعُشْرُ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ظَاهِرٌ.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ عَشْرَ قِرَبٍ لِحَدِيثِ «بَنِي شَبَّابَةَ أَنَّهُمْ
وَقَوْلُهُ (لِحَدِيثِ بَنِي شَبَّابَةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَنِي سَيَّارَةَ، وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ بَنِي شَبَّابَةَ قَوْمٌ مِنْ جُرْهُمٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: مِنْ خَثْعَمَ كَانَتْ لَهُمْ نَحْلٌ عَسَّالَةٌ يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً وَكَانَ يَحْمِي لَهُمْ وَادِيَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ ﵁، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁: إنَّ النَّحْلَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَشَاءُ، فَإِنْ أَدَّوْا إلَيْك مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
كَانُوا يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ» وَعَنْهُ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرَقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ. وَكَذَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ مِنْ الْعَسَلِ وَالثِّمَارِ فَفِيهِ الْعُشْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ، وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَهُوَ الْخَارِجُ.
- ﷺ فَاحْمِ لَهُمْ وَادِيَهُمْ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّاسِ، فَدَفَعُوا إلَيْهِ الْعُشْرَ. وَالْقِرْبَةُ خَمْسُونَ رِطْلًا.
وَقَوْلُهُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا) الْفَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ إنَاءٌ يَأْخُذُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ، نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ ثَعْلَبٍ وَخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْمُحَدِّثُونَ عَلَى السُّكُونِ وَكَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى التَّحْرِيكِ وَفِي الصِّحَاحِ: الْفَرْقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا. قَالَ وَقَدْ يُحَرَّكُ. ثُمَّ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قُلْت وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْفَرَقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِيمَا عِنْدِي مِنْ أُصُولِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ) أَيْ الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ كَمَا هُوَ فِي الْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ فَيُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِقِيمَةِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خَمْسَةِ أَمْنَاءٍ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (أَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَهُوَ الْخَارِجُ) يَعْنِي وَلَا مُعْتَبَرَ بِكَوْنِ الْأَرْضِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لَهُ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إذَا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ الْعُشْرُ لَا يُحْتَسَبُ فِيهِ أَجْرُ الْعُمَّالِ وَنَفَقَةُ الْبَقَرِ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ فَلَا مَعْنَى لِرَفْعِهَا.
قَالَ (تَغْلِبِيٌّ لَهُ أَرْضٌ عُشْرٍ عَلَيْهِ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا)
زَرَعَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ لِمَا أَنَّ الْخَارِجَ سُلِّمَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَذَا هَذَا
(قَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ) كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ الْوَاجِبُ الْعُشْرِيُّ عُشْرًا كَانَ أَوْ نِصْفَهُ لَا يَرْفَعُ الْمُؤْنَةَ مِنْ الْعُشْرِ مِثْلُ أَجْرِ الْعُمَّالِ وَالْبَقَرِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَعْنِي لَا يُقَالُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي قَدْرِ الْخَارِجِ الَّذِي بِمُقَابَلَةِ الْمُؤْنَةِ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ بَلْ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ الْخَارِجِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجِبُ النَّظَرُ إلَى قَدْرِ قِيَمِ الْمُؤَنِ مِنْ الْخَارِجِ فَيُسَلَّمُ ذَلِكَ الْقَدْرُ بِلَا عُشْرٍ ثُمَّ يُعَشَّرُ الْبَاقِي لِأَنَّ قَدْرَ الْمُؤَنِ بِمَنْزِلَةِ السَّالِمِ لَهُ بِعِوَضٍ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ سُلِّمَ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ بِقَدْرِ مَا عَزَمَ مِنْ نُقْصَانِ الْأَرْضِ فَطَابَ لَهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ، وَوَجْهُ قَوْلِنَا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ بِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ»، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا مَعْنًى لِأَنَّ رَفْعَهَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّفَاوُتِ
[ ٢ / ٢٥٠ ]
عُرِفَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّ فِيمَا اشْتَرَاهُ التَّغْلِبِيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ عُشْرًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ
الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَارِجَ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ إذَا كَانَ عِشْرِينَ قَفِيزًا فَفِيهِ الْعُشْرُ قَفِيزَانِ، وَإِذَا كَانَ الْخَارِجُ فِيمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَرْبَعِينَ قَفِيزًا، وَالْمُؤْنَةُ تُسَاوِي عِشْرِينَ قَفِيزًا، فَإِذَا رُفِعَتْ كَانَ الْوَاجِبُ قَفِيزَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ تَفَاوُتٌ بَيْنَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَبَيْنَ مَا سُقِيَ بِغَرْبٍ وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا سُقِيَ بِغَرْبٍ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمُؤْنَةِ، وَهَذَا الْحَلُّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ فَلْيُتَأَمَّلْ. قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ مِمَّا فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْعُشْرِيُّ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ فَكَأَنَّ الْعُشْرَ صَارَ عَلَمًا لِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ عُشْرًا لُغَوِيًّا أَوْ نِصْفَهُ.
وَقَوْلُهُ (تَغْلِبِيٌّ) بِكَسْرِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي تَغْلِبَ وَقَوْلُهُ (عُرِفَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ ﵁ مَعَهُمْ، وَلَا فَصْلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مِلْكَهُ فِي الْأَصْلِ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ. (وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ فِيمَا اشْتَرَاهُ التَّغْلِبِيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ عُشْرًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ) فَتَضْعِيفُ الْعُشْرِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرَاضِي الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا.
[ ٢ / ٢٥١ ]
(فَإِنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ ذِمِّيٌّ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا عِنْدَهُمْ) لِجَوَازِ التَّضْعِيفِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ (وَكَذَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمَ التَّغْلِبِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) سَوَاءٌ كَانَ التَّضْعِيفُ أَصْلِيًّا أَوْ حَادِثًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةً لَهَا. فَتَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْلِمِ بِمَا فِيهَا كَالْخَرَاجِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَعُودُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ) لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيفِ قَالَ فِي الْكِتَابِ
وَلَهُمَا أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ نُضَعِّفَ عَلَيْهِمْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ فَيُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَرَاهَا) يَعْنِي الْأَرْضَ الَّتِي عَلَيْهَا عُشْرٌ مُضَاعَفٌ مِنْ الْأَصْلِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ (ذِمِّيٌّ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا) مِنْ الْعُشْرِ الْمُضَاعَفِ (عِنْدَهُمْ لِجَوَازِ التَّضْعِيفِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ) فَإِنَّ الذِّمِّيَّ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالِ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ) يَعْنِي يَبْقَى عُشْرُهَا مُضَاعَفًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ التَّضْعِيفِ الْأَصْلِيِّ وَالْحَادِثِ (لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةً لَهَا فَتَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْلِمِ بِمَا فِيهَا كَالْخَرَاجِ) فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ، وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ صَاحِبُهَا، وَهَذَا لِأَنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ يُسْتَغْنَى عَنْ بَقَاءِ الْعِلَّةِ كَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ بَقِيَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِ التَّجَلُّدِ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَيُطْلَبُ ثَمَّةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَعُودُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيفِ) وَهُوَ الْكُفْرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّغْلِبِيَّ إذَا كَانَتْ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ يَجِبُ فِيهَا شَاتَانِ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ أَسْلَمَ يُؤْخَذُ مِنْهُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَالَ الزَّكَاةِ أَقْبَلَ لِلتَّحَوُّلِ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ تَبْطُلُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ وَالسَّوَائِمَ تَبْطُلُ عَنْهَا بِجَعْلِهَا عَلُوفَةً وَالْأَرَاضِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: قَالَ ﵀: اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ الْحَادِثَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْوَظِيفَةِ
(وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْلِمٍ بَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ) يُرِيدُ بِهِ ذِمِّيًّا غَيْرَ تَغْلِبِيٍّ (وَقَبَضَهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀)؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْكَافِرِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَيْهِ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا) وَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ اعْتِبَارًا بِالتَّغْلِبِيِّ وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀. هِيَ عُشْرِيَّةٌ عَلَى حَالِهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤْنَةً لَهَا فَلَا يَتَبَدَّلُ كَالْخَرَاجِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ (فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ كَمَا كَانَتْ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَى الشَّفِيعِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِ،
فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ (وَهُوَ) أَيْ الْعَوْدُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ (قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ) أَيْ نُسَخُ الْمَبْسُوطِ (فِي بَيَانِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ) عَلَى الْمُسْلِمِ وَمَا بَعْدَهُ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْلِمٍ بَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ) أَيْ ذِمِّيٍّ غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ النَّصْرَانِيِّ وَلَفْظَ الذِّمِّيِّ يَتَنَاوَلَانِ التَّغْلِبِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ النَّصَارَى، وَذَكَرَ قُبَيْلَ هَذَا بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ فَكَانَ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَقَبَضَهَا لِيُعْلَمَ بِهِ تَأَكُّدُ مِلْكِ الذِّمِّيِّ فِيهَا وَتَقَرُّرُ الْأَرْضِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا أَخَذَهَا مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ تَبْقَى عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَجِيءُ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْكَافِرِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ وَاحِدٌ وَعُشْرٌ مُضَاعَفٌ، وَالْعُشْرُ الْمُضَاعَفُ يَعْتَمِدُ الصُّلْحَ وَالتَّرَاضِيَ كَمَا فِي التَّغَالِبَةِ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَالْعُشْرُ الْوَاحِدُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَعَيَّنَ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِهِ لِكَوْنِهِ مُؤْنَةً فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالْكَافِرُ أَهْلٌ لَهَا. وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارٌ بِالتَّغْلِبِيِّ) يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا وَجَبَ أَخْذُهُ مِنْ الْكَافِرِ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ كَصَدَقَةِ بَنِي تَغْلِبَ، وَمَا يَمُرُّ بِهِ الذِّمِّيُّ عَلَى الْعَاشِرِ وَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ فِي الْوَصْفِ وَالْخَرَاجُ وَاجِبٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ) وَجْهُ الْأُولَى أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ تَعَلَّقَ بِهِ فَهُوَ كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ بِالْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّ مَا يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ هُوَ مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْعِبَادَةِ، وَمَالُ الْكَافِرِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: إنْ أَخَذَ الْأَرْضَ الَّتِي بَاعَهَا الْمُسْلِمُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسْلِمٌ (بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ كَمَا كَانَتْ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ (فَلِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَى الشَّفِيعِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِ)
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ بِحُكْمِ الْفَسَادِ جَعَلَ الْبَيْعَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا الشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقَّ الرَّدِّ (وَإِذَا كَانَتْ لِمُسْلِمٍ دَارُ خُطَّةٍ فَجَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ)
وَلَمْ يَتَوَسَّطْ النَّصْرَانِيُّ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا رَجَعَ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَهَا مِنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْقَبْضِ مِنْهُ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ لَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لِحُصُولِ الْقَبْضِ مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ قَبَضَهَا مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبًا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِي (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ (فَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ بِحُكْمِ الْفَسَادِ جُعِلَ الْبَيْعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ) أَيْ الْبَائِعِ (لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا الشِّرَاءِ) وَهُوَ الْفَاسِدُ (لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقَّ الرَّدِّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ لِمُسْلِمٍ دَارُ خُطَّةٍ) دَارُ خُطَّةٍ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ بِالْإِضَافَةِ سَمَاعًا وَيَجُوزُ خُطَّةً بِالنَّصْبِ تَمْيِيزًا كَمَا فِي عِنْدِي رَاقُودٌ خَلًّا وَالْخُطَّةُ مَا خَطَّهُ الْإِمَامُ بِالتَّمْلِيكِ عِنْدَ فَتْحِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَوَضْعُ
[ ٢ / ٢٥٤ ]
مَعْنَاهُ إذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تُسْقَى بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَفِيهَا الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ
(وَلَيْسَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فِي دَارِهِ شَيْءٌ)
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِبَيَانِ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلشَّيْءِ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ فَإِنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ دَارًا كَمَا كَانَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكُهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَإِذَا جَعَلَهَا بُسْتَانًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ إنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْأَرَاضِي بِاعْتِبَارِ إنْزَالِهَا وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْمَاءِ وَاسْتُشْكِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَنَّ فِيهَا تَوْظِيفَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي أَبْوَابِ السِّيَرِ مِنْ الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ.
وَأَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صُنْعٌ يُسْتَدْعَى ذَلِكَ وَهَاهُنَا وُجِدَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ إذْ الْخَرَاجُ يَجِبُ حَقًّا لِلْمُقَاتِلَةِ فَيَخْتَصُّ وُجُوبُهُ بِمَا حَوَتْهُ الْمُقَاتِلَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ يَتَقَرَّرْ أَمْرُهُ عَلَى عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أَرْضٌ تُسْقَى بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَقَدْ اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ فَإِنَّ مَاءَهَا عُشْرِيٌّ وَفِيهِ الْخَرَاجُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فِي دَارِهِ شَيْءٌ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: إنَّمَا
[ ٢ / ٢٥٥ ]
لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ الْمَسَاكِنَ عَفْوًا (وَإِنْ جَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ) وَإِنْ سَقَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْعُشْرِ إذْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْخَرَاجُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْمَاءِ الْعُشْرِيِّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عُشْرًا وَاحِدًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عُشْرَانِ وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِيهِ، ثُمَّ الْمَاءُ الْعُشْرِيُّ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبِحَارِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ أَحَدٍ، وَالْمَاءُ الْخَرَاجِيُّ مَاءُ الْأَنْهَارِ الَّتِي
خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ ﵁ إنَّ الْمَجُوسَ كَثِيرٌ بِالسَّوَادِ فَقَالَ: أَعْيَانِي أَمْرُ الْمَجُوسِ، وَفِي الْقَوْمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» الْحَدِيثَ فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ ﵁ بِذَلِكَ عَمِلَ بِهِ وَأَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَمْسَحُوا أَرَاضِيَهُمْ وَعَامِرَهُمْ فَيُوَظِّفُوا الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ وَرِيعِهِمْ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَالرِّيعِ وَعَفَا عَنْ رِقَابِ دُورِهِمْ وَعَنْ رِقَابِ الْأَشْجَارِ فِيهَا، فَلَمَّا ثَبَتَ الْعَفْوُ فِي حَقِّهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَبْعَدَ عَنْ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ جَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ إذْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْخَرَاجُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهِ) وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ لِلْمَاءِ أَوْ لِحَالِ مَنْ تُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَظِيفَةُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي نَاقَضَ هَذَا قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعُشْرُ إذَا سَقَى أَرْضَهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَاءِ وَلَكِنَّ قَبُولَ الْمَحَلِّ شَرْطُ وُجُوبِ الْحُكْمِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِإِيجَابِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ كَانَ الْمُسْلِمُ مَحَلًّا لِإِيجَابِ الْخَرَاجِ، وَفِيهِ الصَّغَارُ وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا صَغَارَ فِي خَرَاجِ الْأَرَاضِي إنَّمَا هُوَ خَرَاجُ الْجَمَاجِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ صُنْعٌ يَقْتَضِيهِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا) يَعْنِي مَا مَرَّ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ أَرْضًا عُشْرِيَّةً وَجَبَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُشْرٌ مُضَاعَفٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرٌ وَاحِدٌ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا هَذَا وَجَبَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ إذَا سَقَى أَرْضًا بِمَاءِ الْعُشْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرٌ وَاحِدٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُشْرَانِ، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدْ مَرَّ، وَكَذَا الرِّوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمَصْرِفِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْمَاءُ الْعُشْرِيُّ) بَيَانٌ لِلْمَاءِ الْعُشْرِيِّ وَالْخَرَاجِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ
[ ٢ / ٢٥٦ ]
شَقَّهَا الْأَعَاجِمُ، وَمَاءُ جَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ عُشْرِيٌّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِيهَا أَحَدٌ كَالْبِحَارِ، وَخَرَاجِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يَتَّخِذُ عَلَيْهَا الْقَنَاطِرَ مِنْ السُّفُنِ وَهَذَا يَدٌ عَلَيْهَا (وَفِي أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ التَّغْلِبِيَّيْنِ مَا فِي أَرْضِ الرَّجُلِ التَّغْلِبِيِّ) يَعْنِي الْعُشْرَ الْمُضَاعَفَ فِي الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجَ الْوَاحِدَ فِي الْخَرَاجِيَّةِ،
وَالْأَنْهَارُ الَّتِي شَقَّهَا الْأَعَاجِمُ مِثْلُ نَهْرِ الْمَلِكِ وَيَزْدَجْرِدَ وَمَرْوَرُوذَ، لِأَنَّ أَصْلَ تِلْكَ الْأَنْهَارِ بِمَالِ الْخَرَاجِ فَصَارَ مَاؤُهَا خَرَاجِيًّا، وَصَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً تَبَعًا، وَجَيْحُونُ نَهْرُ تِرْمِذَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَسَيْحُونُ نَهْرُ التُّرْكِ وَهُوَ نَهْرُ خُجَنْدَ، وَدِجْلَةُ نَهْرُ بَغْدَادَ، وَالْفُرَاتُ نَهْرُ الْكُوفَةِ.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْآبَارُ وَالْعُيُونُ الَّتِي حُفِرَتْ وَظَهَرَتْ فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ مَاؤُهَا عُشْرِيٌّ أَمَّا الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ فَالْمَاءُ أَيْضًا خَرَاجِيٌّ لِأَنَّ الْمَاءَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ خَارِجًا مِنْهَا، وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْأَرْضَ الْعُشْرِيَّةَ مَا تُسْقَى مِنْ مَاءِ الْعُشْرِ، فَلَوْ كَانَ مَاءُ الْعُشْرِ مِنْ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا لِتَوَقُّفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَرَاضِيَ الْعُشْرِيَّةَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: فَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ وَسَيَأْتِي تَحْدِيدُهَا. وَالثَّانِي: كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا. وَالثَّالِثُ: الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَالرَّابِعُ: بُسْتَانُ مُسْلِمٍ كَانَ دَارِهِ فَاتَّخَذَهُ بُسْتَانًا. وَالْخَامِسُ: الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ الَّتِي أَحْيَاهَا مُسْلِمٌ وَكَانَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ: فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ لَهُ دَارٌ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا أَوْ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَجَعَلَهَا بُسْتَانًا وَسَقَى بِمَاءِ آبَارِهَا أَوْ الْعُيُونِ الَّتِي فِيهَا وَجَبَ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ الدَّارُ لِمَجُوسِيٍّ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ الْخَرَاجِ أَوْ الْعُشْرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْمُضَاعَفِ وَعَلَى هَذَا إذَا أَحْيَا
[ ٢ / ٢٥٧ ]
لِأَنَّ الصُّلْحَ قَدْ جَرَى عَلَى تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ دُونَ الْمُؤْنَةِ الْمَحْضَةِ، ثُمَّ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرُ فَيُضَعَّفُ ذَلِكَ إذَا كَانَا مِنْهُمْ قَالَ: (وَلَيْسَ فِي عَيْنِ الْقِيرِ وَالنَّفْطِ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْزَالِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا هُوَ عَيْنٌ فَوَّارَةٌ كَعَيْنِ الْمَاءِ (وَعَلَيْهِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ خَرَاجٌ) وَهَذَا (إذَا كَانَ حَرِيمُهُ صَالِحًا لِلزِّرَاعَةِ)؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ.