قَالَ (سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، والم تَنْزِيل وَص، وَحُمَّ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ)
كَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَجْدَةٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْمَرِيضِ بِعَارِضٍ سَمَاوِيٍّ كَالسَّهْوِ أَلْحَقَتْهَا الْمُنَاسَبَةُ بِهَا فَتَأَخَّرَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ضَرُورَةً، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ لِأَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ كَالتِّلَاوَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلسَّمَاعِ أَيْضًا كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ فَاكْتُفِيَ بِهِ، وَشَرْطُهَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَرُكْنُهَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَصِفَتُهَا الْوُجُوبُ عِنْدَنَا، وَمَوَاضِعُهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ وَالَمْ تَنْزِيلُ، وَصِّ، وَحُمَّ السَّجْدَةُ، وَالنَّجْمُ، وَالِانْشِقَاقُ، وَالْعَلَقُ. هَكَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ يُوَافِقُنَا فِي الْعَدَدِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ وَلَيْسَ فِي ص سَجْدَةٌ. وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وَالْمُصَنِّفُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ فِي الصَّلَاةِ
[ ٢ / ١١ ]
وَاقْرَأْ. كَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ فِي قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ
عِنْدَنَا وَبِقَوْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ وَيَذْكُرُ ص عَنْ مَذْهَبِهِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فُضِّلَتْ الْحَجُّ بِسَجْدَتَيْنِ مَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا لَمْ يَقْرَأْهُمَا» وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فِي الْحَجِّ هِيَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَانُهَا بِالرُّكُوعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ» وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ السَّجْدَةَ فِي ص سَجْدَةُ شُكْرٍ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَلَا فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ ص فَتَشَزَّنَ النَّاسُ: أَيْ تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَامَ تَشَزَّنْتُمْ إنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ» وَقَدْ قَالَ ﷺ «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» قُلْنَا هَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَهَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ، إذْ مَا مِنْ عِبَادَةٍ يَأْتِي بِهَا الْعَبْدُ إلَّا وَفِيهَا مَعْنَى الشُّكْرِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ سَجَدَهَا فِي خُطْبَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ حَيْثُ قَطَعَ الْخُطْبَةَ لَهَا، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي خُطْبَتِهِ فَذَلِكَ كَانَ تَعْلِيمًا لِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أَكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمَّا انْتَهَيْت إلَى مَوْضِعِ السَّجْدَةِ سَجَدَ الدَّوَاةُ وَالْقَلَمُ، فَقَالَ ﷺ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ، فَأَمَرَ حَتَّى تُلِيَتْ فِي مَجْلِسِهِ وَسَجَدَهَا مَعَ أَصْحَابِهِ» وَقَوْلُهُ (هُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ) لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ عِنْدَ الْآيَةِ
[ ٢ / ١٢ ]
وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِقَوْلِهِ ﵊ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا»
الثَّانِيَةُ لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الْأُولَى جَازَ تَأْخِيرُهَا إلَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَكَانَ فِيمَا قُلْنَا خُرُوجٌ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. قَالَ (وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ) هَذَا بَيَانُ صِفَتِهَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ السَّجْدَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا وَلَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ لَهَا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً.
وَقُلْنَا: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ، قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَذَا لِأَنَّ فِي بَعْضِ لَفْظِ الْآثَارِ السَّجْدَةَ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا، وَفِيهِ إيهَامٌ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجْلِسْ لَهَا فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ سَجْدَةٌ فَقَيَّدَ بِذَلِكَ دَفْعًا لِذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ ﷺ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا» وَ" عَلَى " كَلِمَةُ
[ ٢ / ١٣ ]
وَهِيَ كَلِمَةُ إيجَابٍ وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ (وَإِذَا تَلَا الْإِمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَهَا الْمَأْمُومُ مَعَهُ) لِالْتِزَامِهِ مُتَابَعَتَهُ (وَإِذَا تَلَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ وَلَا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا إذَا فَرَغُوا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ، وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ وَضْعِ الْإِمَامَةِ
إيجَابٍ (وَهُوَ) أَيْ الْحَدِيثُ (غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا أُدِّيَتْ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ وَرُكُوعِهَا وَلَمَا تَدَاخَلَتْ وَلَمَا أُدِّيَتْ بِالْإِيمَاءِ مِنْ رَاكِبٍ يَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي ضِمْنِ شَيْءٍ لَا يُنَافِي وُجُوبَهَا فِي نَفْسِهَا كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ يَتَأَدَّى بِالسَّعْيِ إلَى التِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ التَّدَاخُلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَوَازُ أَدَائِهَا بِالْإِيمَاءِ حِينَ قَرَأَهَا رَاكِبًا لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ، فَإِنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ مَشْرُوعَةٌ فِيمَا تَجِبُ بِهِ السَّجْدَةُ فَكَانَ كَالشُّرُوعِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي التَّطَوُّعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ تِلْكَ السَّجْدَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا فَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْفَوْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَجَدَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ قَالَ: جُعِلَ هَذَا اللَّفْظُ: يَعْنِي قَوْلَهُ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» الْحَدِيثَ فِي سَائِرِ النُّسَخِ مِنْ الْمَبْسُوطِينَ وَالْأَسْرَارِ وَالْمُحِيطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّحَابَةِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَأَقُولُ: لَمْ يَكُنْ الْمُصَنِّفُ مِمَّنْ لَمْ يُطَالِعْ الْكُتُبَ الْمَذْكُورَةَ، فَلَوْلَا أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْده كَوْنُهُ حَدِيثًا لَمَا نَقَلَهُ حَدِيثًا، فَإِنَّهُ ﵀ أَعْظَمُ دِيَانَةً مِنْ أَنْ يُتَوَهَّمَ بِهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا تَلَا الْإِمَامُ السَّجْدَةَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ وَلَا مَانِعَ) وَكُلُّ مَا تَقَرَّرَ مُقْتَضِيهِ وَانْتَفَى مَانِعُهُ تَحَقَّقَ لَا مَحَالَةَ (بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّ الْمَانِعَ مَوْجُودٌ (لَأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى خِلَافِ مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ) إنْ سَجَدَ التَّالِي أَوَّلًا وَتَابَعَهُ الْإِمَامُ
[ ٢ / ١٤ ]
أَوْ التِّلَاوَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ لَا حُكْمَ لَهُ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا عَنْ الْقِرَاءَةِ مَنْهِيَّانِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ
لِانْقِلَابِ الْمَتْبُوعِ تَابِعًا وَالتَّابِعِ مَتْبُوعًا (أَوْ التِّلَاوَةِ) إنْ سَجَدَ الْإِمَامُ أَوَّلًا وَتَابَعَهُ التَّالِي فَإِنَّ التَّالِيَ إمَامُ السَّامِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ سُجُودُ التَّالِي. قَالَ ﷺ «لِلتَّالِي: كُنْت إمَامَنَا لَوْ سَجَدْت لَسَجَدْنَا» فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ لَيْسَتْ بِقِسْمَةٍ حَاضِرَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَسْجُدَ التَّالِي دُونَ الْإِمَامِ أَوْ بِالْعَكْسِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِلْإِمَامِ وَهِيَ مَفْسَدَةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ مَفْرُوغًا عَنْهُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ) لِأَنَّ الْمَحْجُورَ هُوَ الْمَمْنُوعُ عَنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ نَفَاذُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهِ وَالْمُقْتَدِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالْقِرَاءَةُ تَنْفُذُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ. قَالَ ﵊: «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَكُلُّ مَنْ هُوَ مَحْجُورٌ لَا حُكْمٌ لِتَصَرُّفِهِ، وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ الَّذِي هُوَ الْقِرَاءَةُ فَلَا يَثْبُتُ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمُقْتَدِي فِي كَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ الْقِرَاءَةِ لِحَائِضٍ وَالْجُنُبِ، وَالسَّجْدَةُ تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، فَكَذَا عَلَى مَنْ سَمِعَ الْمُقْتَدِيَ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَالتَّصَرُّفَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا تَنْعَقِدُ لِحُكْمِهَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، فَإِنْ اخْتَلَجَ فِي ذِهْنِك أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلٌ حِسِّيٍّ فَالنَّهْيُ عَنْهُ بِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَعَلَيْك بِتَقْرِيرِنَا تَجِدْ مَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَتْ عَلَى الْحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا وَسَمَاعِهَا لَكِنَّهَا لَا تَجِبُ، أَجَابَ بِمَا مَعْنَاهُ: إنَّمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّجْدَةَ
[ ٢ / ١٥ ]
بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا؛ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ.
(وَلَوْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ
(وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَةً مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَسَجَدُوهَا بَعْدَهَا) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا (وَلَوْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِمْ)؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ. قَالَ (وَأَعَادُوهَا) لِتَقَرُّرِ سَبَبِهَا (وَلَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السَّجْدَةِ لَا يُنَافِي إحْرَامَ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّهَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا،
رُكْنٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْحَائِضُ لَا يَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ مَعَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ فَلَا تَلْزَمُهَا السَّجْدَةُ أَيْضًا بِخِلَافِ الْجُنُبِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَلْزَمُهُ وَكَذَلِكَ السَّجْدَةُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَا يَسْجُدُهَا عِنْدَهُمَا وَيَسْجُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحَجْرِ هِيَ الِاقْتِدَاءُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَا فَلَا يَعْدُوهَا. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ يَسْتَلْزِمُ شُمُولَ الْعَدَمِ، وَالثَّانِي شُمُولَ الْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَحْجُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ عِلَّةُ الْحَجْرِ، وَغَيْرُ مَحْجُورٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يُوجَدْ وَهُوَ الْخَارِجُ.
(وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ، لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً، وَهَذَا السَّمَاعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِيهَا، لَكِنَّهُمْ يَسْجُدُونَهَا بَعْدَهَا لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا وَهُوَ السَّمَاعُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ (وَلَوْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِمْ) وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، أَمَّا عَدَمُ الْجَوَازِ فَلِأَنَّهُ: أَيْ هَذَا السُّجُودَ نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ وَهُوَ مَنْعُ الشَّرْعِ عَنْ إدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فِيهَا فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ وَهِيَ السَّجْدَةُ الْوَاجِبَةُ بِالسَّمَاعِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ، فَإِنَّ مَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا. وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً. فَإِنَّهَا وَجَبَتْ فِي وَقْتٍ كَانَ خَلْطُ غَيْرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِأَفْعَالِهَا حَرَامًا فَكَانَتْ كَالْعَصْرِ وَقْتَ الِاصْفِرَارِ وَجَبَتْ نَاقِصَةً فَتَتَأَدَّى نَاقِصَةً.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَقْتَ لَوْ كَانَ سَبَبًا لَهَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَبَبُهُ مَا ذَكَرْنَا وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْوَقْتِ (وَأَعَادُوهَا لِتَقَرُّرِ سَبَبِهَا) وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ فَلِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِهَا أَوْ بِإِتْيَانِ مَا يَنْقُضُهَا وَلَمْ يَتْرُكُوهَا وَمَا أَتَوْا بِمَا يَنْقُضُهَا (لِأَنَّ مُجَرَّدَ السَّجْدَةِ لَا يُنَافِي إحْرَامَ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَ) ذَكَرَ (فِي النَّوَادِرِ أَنَّهَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا،
[ ٢ / ١٦ ]
وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀
(فَإِنْ قَرَأَهَا الْإِمَامُ وَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَهَا سَجَدَهَا مَعَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا سَجَدَهَا مَعَهُ فَهَهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا وَحْدَهُ) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ.
وَقِيلَ) مَا ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ (هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ جَوَابُ الْقِيَاسِ، وَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا قَوْلُهُمَا وَهُوَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا يُفْسِدُهَا عِنْدَهُمَا، وَعَلَى قَوْلِهِ زِيَادَةُ السَّجْدَةِ تُفْسِدُهَا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَلِهَذَا حَكَمَ بِأَنَّ سَجْدَةَ الشُّكْرِ مَسْنُونَةٌ فَتَفْسُدُ بِشُرُوعِهِ فِي وَاجِبٍ قَبْلَ إكْمَالِ فَرْضِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا غَيْرُ مَسْنُونَةٍ وَالسَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَةِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ عِبَادَةً.
(فَإِنْ قَرَأَهَا الْإِمَامُ وَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ) فَإِمَّا أَنْ دَخَلَ (بَعْدَمَا سَجَدَهَا الْإِمَامُ) أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا) أَيْ لِلسَّجْدَةِ (بِإِدْرَاكِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى لَمْ يَصِرْ مُدْرِكًا لِلسَّجْدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْقِرَاءَةِ وَلَا لِمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ السَّجْدَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ: وَأَشَارَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَى أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ صَلَاتِيَّةً. وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ فِي رُكُوعِ صَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَاتِ وَلَمْ يَصِرْ مُدْرِكًا لَهُمَا بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ فِي الرُّكُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِدْرَاكَ الْحَقِيقِيَّ مُمْكِنٌ لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ تَكْبِيرُ الرُّكُوعِ يُؤْتَى بِهِ حَالَةَ الرُّكُوعِ فَأُلْحِقَ بِهِ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ، وَإِذَا كَانَ الْإِدْرَاكُ الْحَقِيقِيُّ مُمْكِنًا لَا يُصَارُ إلَى الْإِدْرَاكِ الْحُكْمِيِّ، بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا فَلَا يُؤْتَى بِهِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ لِتَكُونَ حَقِيقَةُ الْإِدْرَاكِ مُمْكِنَةً فَيَصِيرُ إلَى الْحُكْمِيِّ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي سَجَدَهَا مَعَهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا بِأَنْ أَخْفَاهَا الْإِمَامُ سَجَدَهَا مَعَهُ فَهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ)
[ ٢ / ١٧ ]
(وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَلَهَا مَزِيَّةُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ
وَهُوَ التِّلَاوَةُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ السَّمَاعِ مِنْ تِلَاوَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ، قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْجُدَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ السَّبَبُ فِي حَقِّ السَّامِعِ أَيْضًا وَكَانَتْ فِي الصَّلَاةِ. فَكَانَتْ السَّجْدَةُ صَلَاتِيَّةً فَلَا تُقْضَى خَارِجَهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ التِّلَاوَةِ سَبَبًا فِي حَقِّهِ أَوْ السَّمَاعِ وَجَبَتْ السَّجْدَةُ احْتِيَاطًا لِأَنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى التِّلَاوَةِ لَا يَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ، وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى السَّمَاعِ تَلْزَمُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَأُمِرْنَا بِهَا خَارِجَهَا احْتِيَاطًا.
وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ) ضَابِطٌ كُلِّيٌّ يَنْسَحِبُ عَلَى الْفُرُوعِ الدَّاخِلِ تَحْتَهُ،
[ ٢ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ، وَمَعْنَى الصَّلَاتِيَّةِ أَنْ تَكُونَ التِّلَاوَةُ الْمُوجِبَةُ لَهَا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَهَا مَزِيَّةُ
[ ٢ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّلَاةِ فَكَانَ وُجُوبُهَا كَامِلًا وَمَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا: وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ مَا قِيلَ هَذَا الْكُلِّيُّ
[ ٢ / ٢٠ ]
(وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَأَعَادَهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتُتْبِعَتْ الْأُولَى. وَفِي النَّوَادِرِ يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ
مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا سَجْدَةٌ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُونَهَا بَعْدَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي مَا قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ فَلَمْ يَسْجُدُوهَا فِيهَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ تُنْوَ. وَالثَّالِثُ مَا قِيلَ تَاءُ التَّأْنِيثِ تُحْذَفُ فِي النَّسَبِ فَالصَّوَابُ صَلَوِيَّةٌ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَكُلُّ سَجْدَةٍ صَلَاتِيَّةٍ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً مُوَضِّحَةً وَمَا ثَمَّةَ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْهَا لِأَنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ صَلَاتِيَّةٍ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَعَادَ السُّؤَالُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ التَّأْكِيدِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْمَقَامُ لَا يَقْتَضِيهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ تَقْدِيرُهُ: وَكُلُّ سَجْدَةٍ عَنْ تِلَاوَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ: أَيْ ثَبَتَتْ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ إنَّمَا تَتَأَدَّى بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ إذَا قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فَسَجَدَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى قَرَأَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ وَرَكَعَ أَوْ سَجَدَ لِلصَّلَاةِ يَنْوِي بِهَا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا فَلَا تَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ الْغَيْرِ. وَرُدَّ بِأَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ، فَمَتَى سَجَدَ كَانَ أَدَاءً لَا قَضَاءً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْفَوْرِ لَا التَّرَاخِي فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اخْتَارَ ذَلِكَ؛ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ خَطَأٌ مُسْتَعْمَلٌ وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ خَيْرٌ مِنْ صَوَابٍ نَادِرٍ.
قَالَ (وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا) هَذَا لِبَيَانِ التَّدَاخُلِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَيْ وَمَنْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ (حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَأَعَادَهَا) أَيْ تِلَاوَةَ تِلْكَ الْآيَةِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ مَجْلِسُ الصَّلَاةِ عَنْ مَجْلِسِ التِّلَاوَةِ (وَسَجَدَ) فِي الصَّلَاةِ (أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ) الَّتِي سَجَدَهَا (عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً أَقْوَى فَاسْتَتْبَعَتْ الْأُولَى وَفِي النَّوَادِرِ يَسْجُدُ) سَجْدَةً (أُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ)
[ ٢ / ٢١ ]
لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا. قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ الْمَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا (وَإِنْ تَلَاهَا فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُسْتَتْبِعَةُ وَلَا وَجْهَ إلَى إلْحَاقِهَا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَبْقِ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ
(وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِي مَجْلِسِهِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَرَأَهَا سَجَدَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَجَدَ لِلْأُولَى فَعَلَيْهِ السَّجْدَتَانِ) فَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ
مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ إنْ كَانَتْ أَقْوَى فَلِلْأُولَى أَيْضًا قُوَّةُ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا فَلَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالِاسْتِتْبَاعِ وَجَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ لِلثَّانِيَةِ بَعْدَ التَّسَاوِي قُوَّةً أُخْرَى وَهُوَ الِاتِّصَالُ بِالْمَقْصُودِ: أَيْ اتِّصَالُ التِّلَاوَةِ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ: أَيْ الْحُكْمِ وَهُوَ السُّجُودُ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا وَاسْتَتْبَعَتْ. وَعُورِضَ بِأَنَّ إلْحَاقَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ خِلَافُ مَوْضُوعِ التَّدَاخُلِ لِأَنَّ السَّابِقَ قَدْ مَضَى وَاضْمَحَلَّ فَكَيْفَ يَكُونُ مُلْحَقًا بِاللَّاحِقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّابِقَ قَدْ يَكُونُ تَبَعًا إذَا كَانَ اللَّاحِقُ أَقْوَى كَالسُّنَّةِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ تَلَاهَا) يَعْنِي خَارِجَ الصَّلَاةِ (فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا) أَيْ تِلْكَ الْآيَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ (أَنْ يَسْجُدَ لَهَا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُسْتَتْبَعَةُ) لِمَا قُلْنَا إنَّهَا لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً أَقْوَى (وَ) إذَا كَانَتْ مُسْتَتْبَعَةً (لَا وَجْهَ لِإِلْحَاقِهَا) أَيْ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ (بِالْأُولَى) أَيْ التِّلَاوَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا إنْ أُلْحِقَتْ بِهَا وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلثَّانِيَةِ كَانَتْ السَّجْدَةُ مُلْحَقَةً بِالتِّلَاوَةِ الثَّانِيَةِ (وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى سَبْقِ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّبَبِ) فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّدَاخُلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ سَجْدَةٌ ثَانِيَةٌ لِلتِّلَاوَةِ الثَّانِيَةِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَرُدَّ ضَمِيرَ إلْحَاقِهَا إلَى التِّلَاوَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ فَاسِدٌ فَتَأَمَّلْ، وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ إنَّمَا تَرَجَّحَتْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِاتِّصَالِ الْمَقْصُودِ، وَهَاهُنَا مَعَ الْأُولَى السَّبْقُ وَالِاتِّصَال بِالْمَقْصُودِ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ كَوْنُهَا صَلَاتِيَّةً فَقَطْ فَأَنَّى تَسْتَتْبِعُهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الِاتِّصَالِ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْه التَّنَزُّلِ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَكَوْنُهَا صَلَاتِيَّةً أَقْوَى مِنْ السَّبْقِ فَلَا يُسَاوِيهِ السَّبْقُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَهْقَهَ فِيهَا اُنْتُقِضَ الْوُضُوءُ دُونَ غَيْرِهَا وَبِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ يَتِمُّ الدَّلِيلُ.
قَالَ (وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ) ذَكَرَ مَسْأَلَةً وَبَيَّنَ التَّدَاخُلَ وَقَالَ (الْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ)
[ ٢ / ٢٢ ]
دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ
يَعْنِي فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسِ أَنْ يَجِبَ لِكُلِّ تِلَاوَةِ سَجْدَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لِأَنَّ السَّجْدَةَ حُكْمُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (دَفْعًا لِلْحَرْبِ)
[ ٢ / ٢٣ ]
وَالثَّانِي بِالْعُقُوبَاتِ وَإِمْكَانُ التَّدَاخُلِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ جَامِعًا، لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِذَا اخْتَلَفَ عَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ وَهُوَ الْمُبْطِلُ هُنَالِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ، وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى التَّكْرَارِ غَالِبًا، فَإِلْزَامُ التَّكْرَارِ فِي السَّجْدَةِ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ لَا مَحَالَةَ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه كَانَ يُنْزِلُ آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً تَعْلِيمًا لِجَوَازِ التَّدَاخُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ». ثُمَّ التَّدَاخُلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي السَّبَبِ أَوْ فِي الْحُكْمِ وَالْأَلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ الْأَوَّلُ وَبِالْعُقُوبَاتِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّدَاخُلَ إذَا كَانَ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ كَانَتْ الْأَسْبَابُ بَاقِيَةً عَلَى تَعَدُّدِهَا فَيَلْزَمُ وُجُودُ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْعِبَادَةِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ فَقُلْنَا بِتَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ فِيهَا لِيَكُونَ جَمِيعُهَا بِمَنْزِلَةِ سَبَبٍ وَاحِدٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ إذَا وُجِدَ دَلِيلُ الْجَمْعِ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ.
وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا بَلْ فِي دَرْئِهَا احْتِيَاطٌ فَيُجْعَلُ التَّدَاخُلُ فِي الْحُكْمِ لِيَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ مُضَافًا إلَى عَفْوِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِسُبُوغِ الْعَفْوِ وَكَمَالِ الْكَرَمِ، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَان فَسَجَدَهَا ثُمَّ تَلَاهَا فِيهِ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ تِلْكَ السَّجْدَةُ الْمَفْعُولَةُ أَوْ لَا، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّدَاخُلُ فِي السَّبَبِ لَكَانَتْ التِّلَاوَةُ الَّتِي بَعْدَ السَّجْدَةِ سَبَبًا وَحُكْمُهُ قَدْ تَقَدَّمَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِمْكَانُ التَّدَاخُلِ) أَيْ الْإِمْكَانُ الشَّرْعِيُّ بَيَانُ الدَّلِيلِ الْجَمْعِ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْمُتَفَرِّقَاتِ، أَلَا تَرَى إلَى شَطْرَيْ الْعَقْدِ يَجْمَعُهُمَا الْمَجْلِسُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بِالْأَقْوَالِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ عَادَ الْحُكْمُ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ وُجُوبُ التَّكْرَارِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ الْجَامِعِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْآيَاتِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَرَّاتِ فِيهِ؟ قُلْنَا لِعَدَمِ الْحَرَجِ، فَإِنَّ آيَاتِ السَّجْدَةِ مَحْصُورَةٌ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ تِلَاوَةِ الْجَمْعِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ التَّكْرَارِ لِلتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْصُورٍ وَيَتَّفِقُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ إنَّمَا يَكُونُ بِالذَّهَابِ عَنْهُ بَعِيدًا. قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ مَشَى نَحْوًا مِنْ عَرْضِ الْمَسْجِدِ وَطُولِهِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَقِيلَ إنْ مَشَى خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ لِأَنَّ الْخُرُورَ الْوَارِدَ فِي الْقُرْآنِ سُقُوطٌ مِنْ الْقِيَامِ، بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ فَإِنَّ خِيَارَهَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ، فَإِنَّ مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ وَهُوَ قَائِمٌ يَقْعُدُ لِكَوْنِ الْقُعُودِ أَجْمَعَ لِلرَّأْيِ، فَإِذَا قَامَتْ دَلَّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَالْخِيَارُ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ صَرِيحًا وَدَلَالَةً
[ ٢ / ٢٤ ]
وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَفِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا فِي الدِّيَاسَةِ لِلِاحْتِيَاطِ (وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ (وَكَذَا إذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التَّالِي دُونَ السَّامِعِ) عَلَى مَا قِيلَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ لِمَا قُلْنَا.
(وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ) اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ) وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا اللَّفْظُ يَعْنِي قَوْلَهُ (وَفِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَلِكَ فِي الدِّيَاسَةِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ وَفِي الدِّيَاسَةِ لَا فِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا بِالْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ ثُمَّ شَبَّهَ جَوَابَ الثَّانِي بِذِكْرِ الْأَصَحِّ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ مُتَعَلِّقًا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا، وَقَوْلُهُ لِلِاحْتِيَاطِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَجْهَ الْأَصَحِّ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْعَمَلِ وَاتِّحَادِ اسْمِ الْمَجْلِسِ لَا يَتَبَدَّلُ الْمَجْلِسُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى اخْتِلَافِ حَقِيقَةِ الْمَكَانِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ فَقُلْنَا بِالتَّكْرَارِ لِلِاحْتِيَاطِ. وَقَوْلُهُ (إذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التَّالِي) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قِيلَ) يَعْنِي بِهِ قَوْلَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَجْلِسَ التَّالِي إذَا تَكَرَّرَ دُونَ مَجْلِسِ السَّامِعِ بِتَكَرُّرِ الْوُجُوبِ عَلَى السَّامِعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُضَافٌ إلَى سَبَبِهِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ التِّلَاوَةُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ لِمَا قُلْنَا) يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ وَكَانَ مَجْلِسِهِ مُتَّحِدًا وَهُوَ قَوْلُ الْإِسْبِيجَابِيِّ، قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ) وَفِي قَوْلِهِ اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ
[ ٢ / ٢٥ ]
(وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَدَعَ مَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّهُ مُبَادَرَةٌ إلَيْهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ وَاسْتَحْسَنُوا إخْفَاءَهَا شَفَقَةً عَلَى السَّامِعِينَ.
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا سُنَّةٌ كَمَا فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ صِفَتَهَا عِنْدَهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ نَاوِيًا ثُمَّ يُكَبِّرَ لِلسُّجُودِ وَلَا يَرْفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرَ لِلرَّفْعِ وَيُسَلِّمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَاذَا يَقُولُ فِي سُجُودِهِ، فَقِيلَ: يَقْرَأُ فِيهَا ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ فِيهَا مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا لَمْ يَضُرَّهُ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا جَازَ فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ) نَفْيٌ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِهِ وَقَالُوا إنَّ فِيهَا تَشَهُّدًا وَسَلَامًا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ (لِلتَّحَلُّلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ) فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مَعْدُومَةٌ لِأَنَّهُ قَالَ وَكَبَّرَ وَالتَّكْبِيرُ لِلتَّحْرِيمَةِ بِالنَّصِّ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تَكْبِيرٍ لِلتَّحْرِيمَةِ، أَلَا تَرَى تَكْبِيرَ السُّجُودِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمَةِ وَهَذِهِ السَّجْدَةُ لَمَّا شُبِّهَتْ بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ سُنَّ فِيهَا التَّكْبِيرُ لِلْمُشَابَهَةِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ) يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِنْكَافَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ كُفْرٌ فَيَكُونُ مَا يُشْبِهُهُ مَكْرُوهًا.
وَقَوْلُهُ (شَفَقَةً عَلَى السَّامِعِينَ) قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنْ كَانَ
[ ٢ / ٢٦ ]