قَالَ ﵀: (صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ مَالِكًا لِمِقْدَارِ النِّصَابِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَثِيَابِهِ
(بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
صَدَقَةُ الْفِطْرِ لَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، أَمَّا بِالزَّكَاةِ فَلِأَنَّهَا مِنْ الْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ مَعَ انْحِطَاطِ دَرَجَتِهَا عَنْ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا بِالصَّوْمِ فَبِاعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ فَإِنَّ شَرْطَهَا الْفِطْرُ وَهُوَ بَعْدَ الصَّوْمِ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَإِنَّمَا رَجَّحَ هَذَا التَّرْتِيبَ لِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ هُوَ الْمُضَافُ لَا الْمُضَافُ إلَيْهِ، خُصُوصًا إذَا كَانَ مُضَافًا إلَى شَرْطِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَطِيَّةٌ يُرَادُ بِهَا الْمَثُوبَةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ بِهَا يَظْهَرُ صِدْقُ الرَّغْبَةِ فِي تِلْكَ الْمَثُوبَةِ كَالصَّدَاقِ يَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ رَغْبَةِ الرَّجُلِ فِي الْمَرْأَةِ. قَالَ (صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ) الْوُجُوبُ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيِّ، وَهُوَ مَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ (فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ دَارٌ
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَأَثَاثِهِ وَفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ وَعَبِيدِهِ) أَمَّا وُجُوبُهَا فَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي خُطْبَتِهِ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» رَوَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ الْعَدَوِيُّ أَوْ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَبِمِثْلِهِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ الْقَطْعِ
وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِيَتَحَقَّقَ التَّمْلِيكُ وَالْإِسْلَامُ لِيَقَعَ قُرْبَةً، وَالْيَسَارُ لِقَوْلِهِ
يَسْكُنُهَا وَأُخْرَى لَا يَسْكُنُهَا وَيُؤَاجِرُهَا أَوْ لَا يُؤَاجِرُهَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا فِي الْغَنِيِّ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَبِيدُهُ) يَعْنِي الَّتِي لِلْخِدْمَةِ فَإِنَّ الَّتِي تَكُونُ لِلتِّجَارَةِ فِيهَا الزَّكَاةُ. وَقَوْلُهُ (صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ) صِفَتَانِ لِعَبْدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا صِفَتَيْنِ لِحُرٍّ وَعَبْدٍ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ، وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِوُجُوبِهَا وَسَبَبِ وُجُوبِهَا وَشَرْطِهَا وَمِقْدَارِ الْوَاجِبِ وَبَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ تَجِبُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ (رَوَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ الْعَدَوِيُّ أَوْ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ) قَالَ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ ﵀: الْعُذْرِيُّ يَعْنِي بِالْعَيْنِ
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﵊ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: تَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَقَدْرُ الْيَسَارِ بِالنِّصَابِ لِتَقْدِيرِ الْغِنَى فِي الشَّرْعِ بِهِ فَاضِلًا عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ
وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَصَحُّ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي عُذْرَةَ اسْمِ قَبِيلَةٍ، وَالْعَدَوِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى عَدِيٍّ وَهُوَ جَدُّهُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ كُنْيَةُ أَبِي صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ.
وَقَوْلُهُ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ صَادِرَةً عَنْ غِنًى، فَالظَّهْرُ فِيهِ مَقْحَمٌ كَمَا فِي ظَهْرِ الْقَلْبِ الْغَيْبُ (وَهُوَ) أَيْ الْحَدِيثُ (حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِهِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) اسْتِدْلَالًا بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ إمَّا عَلَى مَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ اُنْتُسِخَ بِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَإِمَّا عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ «أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيُعْطِيهِ اللَّهُ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ».
وَقَوْلُهُ (وَقُدِّرَ الْيَسَارُ بِالنِّصَابِ)
[ ٢ / ٢٨٣ ]
لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْمَعْدُومِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النُّمُوُّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا النِّصَابِ حِرْمَانُ الصَّدَقَةِ وَوُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْفِطْرَةِ.
قَالَ (يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» الْحَدِيثَ (وَ) يُخْرِجُ عَنْ (أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ) لِأَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ يُقَالُ زَكَاةُ الرَّأْسِ، وَهِيَ أَمَارَةُ السَّبَبِيَّةِ،
ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النُّمُوُّ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ بِمَالٍ نَامٍ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ، وَالنُّمُوُّ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَكُونُ وُجُوبُهُ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ كَالزَّكَاةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَقَوْلُهُ (وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا النِّصَابِ) يُشِيرُ إلَى وُجُودِ نَصِيبٍ قِيلَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: نِصَابٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ النَّمَاءُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَنِصَابٌ يَجِبُ بِهِ أَحْكَامٌ أَرْبَعَةٌ: حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ، وَوُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النَّمَاءُ لَا بِالتِّجَارَةِ وَلَا بِالْحَوْلِ. وَنِصَابٌ يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ السُّؤَالِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ عِنْدَ بَعْضٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَمْلِكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا.
وَقَوْلُهُ (يُخْرِجُ ذَلِكَ) أَيْ الْمِقْدَارَ الْمَذْكُورَ (عَنْ نَفْسِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ يُقَالُ زَكَاةُ الرَّأْسِ وَهِيَ) أَيْ الْإِضَافَةُ (أَمَارَةُ السَّبَبِيَّةِ) لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ. وَأَقْوَى وُجُوهِهِ إضَافَةُ الْمُسَبَّبِ إلَى سَبَبِهِ لِحُدُوثِهِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْإِضَافَةُ أَمَارَةَ السَّبَبِيَّةِ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَالْإِضَافَةُ إلَى الْفِطْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَقْتُهُ، وَلِهَذَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْيَوْمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْوُجُوبِ رَأْسُهُ وَهُوَ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ فَيَلْحَقُ بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِأَنَّهُ يُمَوِّنُهُمْ وَيَلِي عَلَيْهِمْ (وَمَمَالِيكِهِ) لِقِيَامِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ، وَهَذَا إذَا كَانُوا لِلْخِدْمَةِ وَلَا مَالَ لِلصِّغَارِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْمُؤْنَةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
(وَلَا يُؤَدِّي عَنْ زَوْجَتِهِ)
لَكَانَ الْفِطْرُ سَبَبًا لِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ يُقَالُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْإِضَافَةُ إلَى الْفِطْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَقْتُهُ) فَكَانَتْ إضَافَةً مَجَازِيَّةً (وَلِهَذَا تَتَعَدَّدُ) الصَّدَقَةُ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْيَوْمِ فَعُلِمَ أَنَّ الرَّأْسَ هُوَ السَّبَبُ دُونَ الْوَقْتِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا مَعَ اتِّحَادِ الرَّأْسِ وَلَوْ كَانَ الرَّأْسُ هُوَ السَّبَبَ لَمَا كَانَ الْوُجُوبُ مُتَكَرِّرًا مَعَ اتِّحَادِهِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الرَّأْسَ إنَّمَا جُعِلَ سَبَبًا بِوَصْفِ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ تَتَكَرَّرُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَصَارَ الرَّأْسُ بِاعْتِبَارِ تَكَرُّرِ وَصْفِهِ كَالْمُتَكَرِّرِ بِنَفْسِهِ حُكْمًا فَكَانَ السَّبَبُ هُوَ التَّكَرُّرَ حُكْمًا. وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي الْوُجُوبِ رَأْسُهُ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَمَالِيكِهِ) بِالْجَرِّ يَتَنَاوَلُ الْعَبِيدَ وَالْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ دُونَ الْمُكَاتَبِينَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ يُؤَدَّى مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: وَهُوَ الْقِيَاسُ لَا يُؤَدَّى إلَّا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَدَّى مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ ضَمِنَ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَزَكَاةِ الْمَالِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالصَّغِيرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِوُجُوبِهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشَّرْعَ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْمُؤْنَةِ حَيْثُ أَوْجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ، وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَكَمَا يُؤَدَّى عَنْ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ فَكَذَلِكَ عَنْ مَمَالِيكِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرِ.
قَالَ (وَلَا يُؤَدِّي عَنْ زَوْجَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ زَوْجَتِهِ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَلَا فِي غَيْرِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَا يُمَوِّنُهَا فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ كَالْمُدَاوَاةِ. (وَلَا عَنْ أَوْلَادِ الْكِبَارِ وَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ) لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ وَلَوْ أَدَّى عَنْهُمْ أَوْ عَنْ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا لِثُبُوتِ الْإِذْنِ عَادَةً.
(وَلَا) يُخْرِجُ (عَنْ مُكَاتَبِهِ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَلَا الْمُكَاتَبِ عَنْ نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ. وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وِلَايَةُ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ فَيُخْرِجُ عَنْهُمَا.
(وَلَا) يُخْرِجُ (عَنْ مَمَالِيكِهِ لِلتِّجَارَةِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ وُجُوبَهَا عَلَى الْعَبْدِ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا تَنَافِي، وَعِنْدَنَا وُجُوبُهَا عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبِهِ كَالزَّكَاةِ
لِقَوْلِهِ ﷺ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ». وَهُوَ يُمَوِّنُ زَوْجَتَهُ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ الْمُؤْنَةَ مُطْلَقَةً، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهَا كَامِلَةً لِأَنَّهُ يُمَوِّنُهَا فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ كَالْمُدَاوَاةِ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ. (وَلَا) يُؤَدِّي (عَنْ أَوْلَادِهِ الْكِبَارِ وَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ) بِأَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ زَمْنَى لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمْ وِلَايَةً فَصَارُوا كَالْأَجَانِبِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَدَّى عَنْهُمْ) ظَاهِرٌ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ كَمَا إذَا أَدَّى الزَّكَاةَ بِغَيْرِ إذْنِهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَسْقُطَ بِأَدَاءِ الْغَيْرِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ صَرِيحًا، وَفِي الْعَادَةِ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي عَنْهَا فَكَانَ الْإِذْنُ ثَابِتًا عَادَةً، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الْإِذْنِ صَرِيحًا
(وَلَا يُخْرِجُ عَنْ مُكَاتَبَةِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ) وَلِأَنَّهُ لَا يُمَوِّنُهُ (وَلَا الْمُكَاتَبُ عَنْ نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ) لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَالًا. وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ. وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ نُسْبَقْ إلَيْهِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ. (وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وِلَايَةُ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تُعْدَمُ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَإِنَّمَا تَخْتَلُّ الْمَالِيَّةُ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا هَاهُنَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِمْ
(وَلَا يُخْرِجُ عَنْ مَمَالِيكِهِ لِلتِّجَارَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ وُجُوبَهَا عَلَى الْعَبْدِ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَوْلَى) فَهُمَا حَقَّانِ ثَابِتَانِ فِي مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (فَلَا تَنَافِي) بَيْنَهُمَا فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا (وَعِنْدَنَا وُجُوبُهَا عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبِ الْعَبْدِ كَالزَّكَاةِ) فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَيْهِ أَدَّى إلَى الثَّنْيِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا ثُنْيَا فِي الصَّدَقَةِ» وَالثَّنْيُ مَكْسُورٌ مَقْصُورٌ: أَيْ لَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: سَبَبُ الزَّكَاةِ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
فَيُؤَدِّي إلَى الثَّنْيِ
(وَالْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَا فِطْرَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَكَذَا الْعَبِيدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَقَالَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الرُّءُوسِ دُونَ الْأَشْقَاصِ
فِيهِمْ الْمَالِيَّةُ وَسَبَبُ الصَّدَقَةِ مُؤْنَةُ رُءُوسِهِمْ وَمَحَلُّ الزَّكَاةِ بَعْضُ النِّصَابِ، وَمَحَلُّ الصَّدَقَةِ الذِّمَّةُ، فَإِذَا هُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ سَبَبًا وَمَحَلًّا فَلَا يُؤَدِّي إلَى الثَّنْيِ لِأَنَّ الثَّنْيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَثْنِيَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَهُمَا شَيْئَانِ فَكَانَا كَنَفَقَةِ عَبِيدِ التِّجَارَةِ مَعَ الزَّكَاةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْعَ بَنَى هَذِهِ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُؤْنَةِ فَقَالَ: «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَهَذِهِ الْعَبِيدُ مُعَدَّةٌ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْمُؤْنَةِ، وَالنَّفَقَةُ الَّتِي يَغْرَمُهَا فِيهِمْ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ مِنْهُمْ فَتَكُونُ سَاقِطَةَ الْعِبْرَةِ بِحُكْمِ الْقَصْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَارِبَ يَمْلِكُ هَذَا الْإِنْفَاقَ وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ إلَّا بِالتِّجَارَةِ، وَإِذَا سَقَطَتْ الْمُؤْنَةُ حُكْمًا فِي مَالِ التِّجَارَةِ أَشْبَهَ السُّقُوطَ حَقِيقَةً، وَلَوْ سَقَطَتْ حَقِيقَةً بِالْإِبَاقِ أَوْ الْغَصْبِ أَوْ الْكِتَابَةِ سَقَطَتْ الصَّدَقَةُ لِعَدَمِ الْمُؤْنَةِ فَكَذَا هَذَا، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ سُقُوطَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ هَاهُنَا لِزَوَالِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُؤْنَةُ لَا لِتَنَافٍ بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَا فِطْرَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوِلَايَةَ وَالْمُؤْنَةَ الْكَامِلَتَيْنِ سَبَبٌ وَلَمْ يُوجَدَا.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْعَبِيدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) يَعْنِي لَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الرُّءُوسِ دُونَ الْأَشْقَاصِ) أَيْ الْكُسُورِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ وَهُمَا يَرَيَانِهِمَا، وَقِيلَ: هُوَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ النَّصِيبُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَمْ تَتِمَّ الرَّقَبَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَيُؤَدِّي الْمُسْلِمُ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ» الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ وَالْمَوْلَى مِنْ أَهْلِهِ،
الْعَبْدَيْنِ وَلَا تَجِبُ عَنْ الْخَامِسِ. أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ جَبْرًا فَلَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُسَمَّى عَبْدًا، وَمُحَمَّدٌ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ جَبْرًا، وَبِاعْتِبَارِ الْقِسْمَةِ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْبَعْضِ مُتَكَامِلٌ، وَإِلْحَاقُ أَبِي يُوسُفَ بِمُحَمَّدٍ هَاهُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَمَالِيكُ لِلْخِدْمَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْهُمْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّدَقَةُ فِي حِصَّتِهِ إذَا كَانَتْ كَامِلَةً فِي نَفْسِهَا، وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ مُضْطَرِبٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعُذْرُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ تَنْبَنِي عَلَى الْمِلْكِ.
فَأَمَّا وُجُوبُ الصَّدَقَةِ فَيَنْبَنِي عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ لَا عَلَى الْمِلْكِ حَتَّى تَجِبُ الصَّدَقَةُ فِيمَا لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ كَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى شَيْءٍ عَمَّنْ هَذِهِ الرُّءُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ وَوَجْهُ قَوْلِهِ: إذَا كَانَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ (وَهُمَا يَرَيَانِهَا وَقِيلَ هُوَ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ فِي الْعَبِيدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِإِجْمَاعِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا تَتِمُّ الرَّقَبَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (وَيُؤَدِّي الْمُسْلِمُ الْفِطْرَةَ) أَيْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ (عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا) مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» (وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ» الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ) وَهُوَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ بِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ (وَالْمَوْلَى مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، لَا يُقَالُ إضْمَارٌ قَبْلَ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَلَا وُجُوبَ بِالِاتِّفَاقِ.
(وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ فَفِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ) مَعْنَاهُ إذَا مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِهِ كَالنَّفَقَةِ، وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ
الذِّكْرِ لِأَنَّ الشُّهْرَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الذِّكْرِ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ يَسْتَدِلُّ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «فَرَضَ صَدَقَةً عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» فَإِنَّ كَلِمَةَ " عَلَى " لِلْإِيجَابِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» فَإِنَّ الْوُجُوبَ عَلَى مَنْ خُوطِبَ بِالْأَدَاءِ وَهُمْ الْمَوَالِي، وَكَلِمَةُ " عَلَى " فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِمَعْنَى عَنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أَيْ عَنْ النَّاسِ (لَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَلَا وُجُوبَ بِالِاتِّفَاقِ) أَمَّا عِنْدَنَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَلَا لِلْأَدَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّ تَحَمُّلَ الْمَوْلَى عَنْ مَمْلُوكِهِ يَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ تَحَمُّلِ الْمَوْلَى الْأَدَاءَ عَنْهُ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَمْلُوكِ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا
(وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَدُهُمَا بِالْخِيَارِ فَفِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ) حَقٌّ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ اُنْتُقِضَ فَعَلَى الْبَائِعِ. وَقَوْلُهُ (مَعْنَاهُ إذَا مَرَّ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْخِيَارُ بَاقٍ) قَالَ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ ﵀ فِي شَرْحِهِ: هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ لِأَنَّ مُضِيَّ كُلِّ يَوْمِ الْفِطْرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ (وَقَالَ زُفَرُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ) لِأَنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الْوِلَايَةُ الْكَامِلَةُ وَالْوِلَايَةُ الْكَامِلَةُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ، لِأَنَّهُ إنْ أَجَازَهُ تَمَّ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ انْفَسَخَ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي كَخِيَارِ الْعَيْبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ بِمَعْنَى التَّصَدُّقِ (مِنْ وَظَائِفِهِ) أَيْ الْمِلْكِ وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى الْمَالِكِ (كَالنَّفَقَةِ) فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى الْمَالِكِ (وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ) يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّهَا وَظِيفَةُ الْمِلْكِ
[ ٢ / ٢٨٩ ]
لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَوْ أُجِيزَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ لِأَنَّهَا لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ فَلَا تَقْبَلُ التَّوَقُّفَ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.