بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ:
تَنَاسُبُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنَصَّفُ بِوَاسِطَةٍ الْأَوَّلُ بِوَاسِطَةِ السَّفَرِ، وَالثَّانِي بِوَاسِطَةِ الْخُطْبَةِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ شَامِلٌ فِي كُلِّ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالثَّانِي خَاصٌّ فِي الظُّهْرِ، وَالْخَاصُّ بَعْدَ الْعَامِّ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَعْدَ الْعُمُومِ، وَالْجُمُعَةُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ كَالْفُرْقَةِ مِنْ الِافْتِرَاقِ، وَالْمِيمُ سَاكِنٌ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْقُرَّاءُ تَضُمُّهَا. وَهِيَ فَرِيضَةٌ بِالْكِتَابِ
[ ٢ / ٤٩ ]
(لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ فِي مُصَلَّى الْمِصْرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْقُرَى)
وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أَمَرَ بِالسَّعْيِ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَهِيَ الْخُطْبَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ جَوَازِ الْجُمُعَةِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِذَا كَانَ السَّعْيُ وَاجِبًا إلَيْهَا فَإِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْجُمُعَةُ أَوْلَى، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاحِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِأَمْرٍ وَاجِبٍ مُقْتَضِي الْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا، فَمَنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا بِهَا وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا وَلَهُ إمَامٌ جَائِرٌ أَوْ عَادِلٌ أَلَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَلَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا فَلَا زَكَاةَ لَهُ، أَلَا فَلَا صَوْمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَصْلِ الْفَرْضِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِ الظُّهْرِ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ فَرِيضَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرِيضَةِ إلَّا لِفَرْضٍ هُوَ آكَدُ مِنْهُ. وَلَهَا شُرُوطٌ زَائِدَةٌ عَلَى شُرُوطِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْمُصَلِّي كَالْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَالْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ وَسَلَامَةِ الرِّجْلَيْنِ وَالْبَصَرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي غَيْرِهِ كَالْمِصْرِ الْجَامِعِ وَالسُّلْطَانِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْوَقْتِ وَالْإِظْهَارِ، حَتَّى إنَّ الْوَالِيَ لَوْ أَغْلَقَ بَابَ الْمِصْرِ وَجَمَعَ فِيهِ بِحَشَمِهِ وَخَدَمِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ لَمْ يُجْزِهِ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ.
قَالَ (وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ) هَذَا بَيَانُ شُرُوطٍ لَيْسَتْ فِي نَفْسِ الْمُصَلِّي وَهُوَ
[ ٢ / ٥٠ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَالْمِصْرُ الْجَامِعُ: كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ
ظَاهِرٌ، وَعَرَّفَ الْمِصْرَ الْجَامِعَ بِقَوْلِهِ (كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ
[ ٢ / ٥١ ]
وَيُقِيمُ الْحُدُودَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ أَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ، وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلِّي بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ.
وَيُقِيمُ الْحُدُودَ) وَالْمُرَادُ بِالْأَمِيرِ وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ بَعْدَ قَوْلِهِ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْأَحْكَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ إقَامَةَ الْحُدُودِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ قَاضِيَةً تُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَلَيْسَ لَهَا إقَامَةُ الْحُدُودِ وَكَذَاك الْمُحَكَّمُ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحُدُودِ عَنْ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي عَامَّةِ الْأَحْكَامِ، فَكَانَ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا) أَيْ اجْتَمَعَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لَا كُلُّ مَنْ يَسْكُنُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ لِأَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ مُجْتَمِعُونَ فِيهِ عَادَةً. قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ إذَا كَانَ أَهْلُهَا بِحَيْثُ لَوْ اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى احْتَاجُوا إلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ لِلْجُمُعَةِ وَهَذَا الِاحْتِيَاجُ غَالِبٌ عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالثَّانِي اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّلْجِيِّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أُخْرَى غَيْرُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ يَسْكُنُهُ عَشْرَةُ آلَافِ نَفَرٍ فَكَانَ عَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
وَقَوْلُهُ (وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ) يَعْنِي جَوَازَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِمَحْصُورٍ فِي الْمُصَلَّى (بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ لِأَنَّهَا) أَيْ الْأَفْنِيَةَ (بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ) وَيُعْرَفُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ تَعْرِيفُ الْفِنَاءِ، وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِحَوَائِجِ أَهْلِ الْمِصْرِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ وَفِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ كَذَلِكَ. وَقَدَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِنَاءَ الْمِصْرِ بِالْغَلْوَةِ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمِصْرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا فِنَاؤُهُ، بَلْ كُلُّ قَرْيَةٍ يَسْكُنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْمَدِينَةِ مَا جُمِعَتْ بِجُوَاثَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَامِرِ بْنِ الْقَيْسِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ إلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ بِجُوَاثَا فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ جَمِّعْ بِهَا وَحَيْثُمَا كُنْت وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» يَنْفِي إقَامَتَهَا فِي الْقُرَى، وَالصَّحَابَةُ
[ ٢ / ٥٢ ]
(وَتَجُوزُ بِمِنًى إذَا كَانَ الْأَمِيرُ أَمِيرَ الْحِجَازِ، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا عِنْدَهُمَا. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنًى)؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَى
حِينَ فَتَحُوا الْأَمْصَارَ وَالْقُرَى مَا اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ الْمَنَابِرِ وَبِنَاءِ الْجَوَامِعِ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ، وَذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمِصْرَ مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لَهُ لِأَنَّ الْمَكَانَ مُضْمَرٌ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَا تَجُوزَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْبَوَادِي بِالْإِجْمَاعِ، فَنَحْنُ نُضْمِرُ الْمِصْرَ وَهُوَ يُضْمِرُ الْقَرْيَةَ، وَجُوَاثَا مِصْرٌ بِالْبَحْرَيْنِ، وَتَسْمِيَةُ الرَّاوِي قَرْيَةً لَا يَنْفِي مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ اسْمَ الْقَرْيَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْبَلْدَةِ
وَقَوْلُهُ (وَتَجُوزُ) يَعْنِي إقَامَةَ الْجُمُعَةِ (بِمِنًى إنْ كَانَ الْإِمَامُ أَمِيرَ الْحِجَازِ أَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ مُسَافِرًا) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مُقِيمًا كَانَ بِالْجَوَازِ أَوْلَى. وَإِمَّا لِنَفْيِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ كَانَ مُسَافِرًا لَا يُقِيمُ الْجُمُعَةَ، كَمَا إذَا كَانَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ مُسَافِرًا. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَوْ السُّلْطَانَ إذَا طَافَ فِي وِلَايَتِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فِي كُلِّ مِصْرٍ يَكُونُ فِيهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ إمَامَةَ غَيْرِهِ إنَّمَا تَجُوزُ بِأَمْرِهِ، فَإِمَامَتُهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا) يَعْنِي مِنًى عَلَى تَأْوِيلِ الْقَرْيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لِأَنَّهَا قَرْيَةٌ (مِنْ الْقُرَى) يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمِصْرٍ وَلَا مِنْ فِنَائِهِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْغَلْوَةِ
[ ٢ / ٥٣ ]
حَتَّى لَا يُعِيدَ بِهَا. وَلَهُمَا أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَعَدَمُ التَّعْيِيدِ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا قَضَاءٌ وَبِمِنًى أَبْنِيَةٌ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا، أَمَّا أَمِيرُ الْمَوْسِمِ فَيَلِي أُمُورَ الْحَجِّ لَا غَيْرُ.
(وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ)
وَلِهَذَا لَا يُعِيدُ بِهَا) فَلَا تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ (وَلَهُمَا أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ) لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْمِصْرِ مِنْ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَالْأَبْنِيَةِ وَالْأَسْوَاقِ (وَعَدَمِ التَّعْيِيدِ) أَيْ عَدَمُ إقَامَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِلتَّخْفِيفِ لِاشْتِغَالِ الْحَاجِّ بِأَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا لِعَدَمِ الْمِصْرِيَّةِ (وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَالْفَرْقُ أَنَّ عَرَفَاتٍ فَضَاءٌ وَمِنًى فِيهِ أَبْنِيَةٌ. وَقَوْلُهُ (أَمَّا أَمِيرُ الْمَوْسِمِ فَيَلِي أُمُورَ الْحَاجِّ لَا غَيْرُ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إنْ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ يُقِيمُ الْجُمُعَةَ بِمِنًى لِأَنَّ لَهُ الْوِلَايَةَ حِينَئِذٍ. وَقِيلَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقِيمُهَا وَإِنْ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَوْسِمِ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا لَا يُقِيمُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا لِلسُّلْطَانِ) أَيْ لِلْوَالِي الَّذِي لَا وَالِيَ فَوْقَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ (أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ) وَهُوَ الْأَمِيرُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْخُطَبَاءُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁
[ ٢ / ٥٤ ]
لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ، وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ.
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْوَقْتُ فَتَصِحُّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا تَصِحُّ بَعْدَهُ)
حِينَ كَانَ مَحْصُورًا بِالْمَدِينَةِ صَلَّى عَلِيٌّ ﵁ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَمْرِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ الْأَمَدُ بِيَدِهِ (وَلَنَا أَنَّ الْجُمُعَةَ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ) لِكَوْنِهَا جَامِعَ الْجَمَاعَاتِ (وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ) بِأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ أَنَا أَتَقَدَّمُ وَغَيْرُهُ يَقُولُ أَنَا أَتَقَدَّمُ (وَ) فِي (التَّقْدِيمِ) بِأَنْ يُقَدِّمَ طَائِفَةٌ شَخْصًا وَأُخْرَى آخَرَ (وَقَدْ يَقَعُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ أَمْرِ التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمُ مِنْ أَدَاءِ مَنْ يَسْبِقُ إلَى الْجَامِعِ وَالْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ (فَلَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ مِنْ أَمْرِهِ (تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ) وَأَثَرُ عَلِيٍّ لَيْسَ بِحُجَّةِ الْجَوَازِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ إنَّمَا فَعَلَ لِأَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِأَنَّ النَّاسَ احْتَاجُوا إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ فَاعْتُبِرَ اجْتِمَاعُهُمْ.
قَالَ (وَمِنْ شَرَائِطِهَا) أَيْ مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ (الْوَقْتُ) وَهُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ (فَتَصِحُّ فِيهِ وَلَا تَصِحُّ بَعْدَهُ) لِمَا رُوِيَ
[ ٢ / ٥٥ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ» (وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِيه عَلَيْهَا) لِاخْتِلَافِهِمَا.
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ قَالَ لَهُ: إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ» (وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا) أَيْ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِيهِ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِهِمَا) أَيْ لِاخْتِلَافِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ بِدَلِيلِ تَخْيِيرِ الْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْجُمُعَةِ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَوْ الْجُمُعَةَ مَعَ تَعَيُّنِ الرِّفْقِ فِي الْجُمُعَةِ بِالْقِلَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ لَمَا خُيِّرَ كَمَا فِي جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ بِحَيْثُ يَجِبُ الْأَقَلُّ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ الْأَرْشِ أَوْ الْقِيمَةِ بِلَا خِيَارٍ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْمَالِيَّةِ، وَبِنَاءُ فَرْضٍ عَلَى تَحْرِيمَةِ فَرْضٌ آخَرُ لَا يَصِحُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ.
[ ٢ / ٥٦ ]
(وَمِنْهَا الْخُطْبَةُ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا بِدُونِ الْخُطْبَةِ فِي عُمُرِهِ (وَهِيَ
وَقَوْلُهُ (وَمِنْهَا) مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ (الْخُطْبَةُ) وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُخْطَبُ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ شَرْطًا «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا فِي عُمُرِهِ بِدُونِ الْخُطْبَةِ» وَفِيهِ بَحْثٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَأَنْ يُقَالَ: الْخُطْبَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رُكْنًا وَلَا تَكُونُ شَرْطًا لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ وَذَلِكَ رُكْنٌ، فَكَذَلِكَ مَا قَامَ مَقَامَهُ فَلَا يَتَأَدَّى بِلَا طَهَارَةٍ وَلِأَنَّهَا لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُهَا حَالَةَ الْأَدَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَكَانَ يُرَاعَى قِيَامُهَا حَالَةَ الْأَدَاءِ كَمَا اُشْتُرِطَ قِيَامُ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ شَرْطًا كَانَتْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ لَازِمٌ لَهُ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ وُجُودِهِ، وَالدَّوَامُ لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّرُورَةَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً بِدُونِ سُنَنِهَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَحْرِيمَةٍ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ لَا تَقُومُ بِالْخُطْبَةِ وَإِنَّمَا تَقُومُ بِأَرْكَانِهَا فَكَانَتْ شَرْطًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ فَتَكُونُ وَاجِبَةً وَلَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا لِأَنَّ النِّدَاءَ لَمْ يَقَعْ لَهَا بَلْ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَيْثُ قَالَ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وَلَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لَكَانَ النِّدَاءُ لَهَا أَوْ لَهُمَا إنْ كَانَتَا مَقْصُودَتَيْنِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا وَهِيَ فَرْضٌ كَانَتْ شَرْطًا لِغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَكَانَ يُرَاعَى قِرَاءَةُ الْخُطْبَةِ حَالَ الْأَدَاءِ. قُلْنَا: الشَّرْطُ وُجُودُهَا لَا وُجُودُهَا حَالَ الْأَدَاءِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الدَّوَامَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الضَّرُورَةَ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ هَاهُنَا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّا نَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّ شَطْرَ الظُّهْرِ تَرْكٌ لِلْخُطْبَةِ وَالْفَرْضُ لَا يُتْرَكُ لِغَيْرِ الْفَرْضِ فَكَانَتْ فَرْضًا، فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا لِذَاتِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَكَانَ لَازِمًا مِنْ لَوَازِمِهِ فَكَانَ شَرْطًا (وَهِيَ)
[ ٢ / ٥٧ ]
قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ) بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ (وَيُخْطَبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ (وَيَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى طَهَارَةٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِمَا مُتَوَارَثٌ، ثُمَّ هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ كَالْأَذَانِ
أَيْ الْخُطْبَةُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ) وَشَرْطِيَّتُهَا أَيْضًا تَقْتَضِي ذَلِكَ (وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ) مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: مِقْدَارُ مَا يَمَسُّ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ (بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ) وَلَفْظُ التَّوَارُثِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ ذِي شَرَفٍ، وَقِيلَ هُوَ حِكَايَةُ الْعَدْلِ عَنْ الْعَدْلِ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا إنَّمَا هِيَ لِلِاسْتِرَاحَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهَا شَرْطٌ حَتَّى لَا يُكْتَفَى عِنْدَهُ بِالْخُطْبَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ طَالَتْ لِلتَّوَارُثِ وَلَنَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا خُطْبَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا أَسَنَّ جَعَلَهَا خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جَلْسَةً» وَفِيهِ كَمَا تَرَى دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِخُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَرْوَحَ عَلَيْهِ لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ (وَيَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى طَهَارَةٍ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهَا مُتَوَارَثٌ) رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذَا، قَالَ: أَلَسْت تَتْلُو قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا حِينَ انْفَضَّ عَنْهُ النَّاسُ بِدُخُولِ الْعِيرِ الْمَدِينَةَ. وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. وَقَوْلُهُ (فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ) يَعْنِي عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ جَمِيعًا كَالْأَذَانِ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ ذُكِرَ لَهَا شَبَهٌ بِالصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ شَطْرِ الصَّلَاةِ وَتُقَامُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ أَيْضًا ذُكِرَ لَهُ شَبَهٌ بِالصَّلَاةِ مِنْ
[ ٢ / ٥٨ ]
(وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَارُثَ وَلِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً)؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ، وَالتَّسْبِيحَةُ أَوْ التَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ حَتَّى يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ.
وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:
حَيْثُ إنَّهُ دُعَاءٌ لَهَا وَتُقَامُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. قِيلَ فِي عِبَارَتِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَالْأَذَانِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ لَا بِقَوْلِهِ وَهِيَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ (وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ. وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَالشَّافِعِيُّ وَحْدَهُ إذَا خَطَبَ قَاعِدًا. لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ أَنَّ الْخُطْبَةَ بِمَنْزِلَةِ شَطْرِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الْأَثَرِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا: إنَّمَا قُصِرَتْ الْجُمُعَةُ لِمَكَانِ الْخُطْبَةِ، فَكَمَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ فِي الصَّلَاةِ تُشْتَرَطُ فِيهَا. وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الثَّانِي أَنَّ الْخُطْبَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا ذِكْرٌ وَالْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ لَا يُمْنَعَانِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مَا خَلَا الْقُرْآنَ فِي حَقِّ الْجُنُبِ، وَتَأْوِيلُ الْأَثَرِ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الثَّوَابِ كَشَرْطِ الصَّلَاةِ لَا فِي شَرَائِطِهَا. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ جَازَ. وَقَوْلُهُ (لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَارُثَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خَطَبَ قَاعِدًا. وَقَوْلُهُ (لِلْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُعِيدُهَا إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تُعَادَ اسْتِحْبَابًا كَإِعَادَةِ أَذَانِهِ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﷿ جَازَ) يَعْنِي إذَا ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ لِعُطَاسٍ أَوْ تَعَجُّبٍ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ (وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً) وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ آيَاتٍ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَقِيلَ مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى قَوْلِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ (لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ (وَالتَّسْبِيحَةُ أَوْ التَّحْمِيدَةُ أَوْ التَّهْلِيلَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ) تَشْتَمِلُ الْأُولَى عَلَى التَّحْمِيدَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْوَصِيَّةِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَقِرَاءَةِ آيَةٍ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ إلَّا أَنَّ فِيهَا بَدَلَ الْآيَةِ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (اعْتِبَارًا لِلتَّوَارُثِ) فَإِنَّهُ جَرَى هَكَذَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُطْبَةُ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ أُطْلِقَ
[ ٢ / ٥٩ ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ فَنَزَلَ وَصَلَّى.
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْجَمَاعَةُ)؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا (وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ، وَقَالَا: اثْنَانِ سِوَاهُ) قَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ. لَهُ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ هِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ تَسْمِيَةٍ وَمَعْنًى، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ عَلَى
عَلَيْهَا الذِّكْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا نَسْخٌ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ أَوَّلَ جُمُعَةٍ وَلِيَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ: أَيْ أُغْلِقَ فَنَزَلَ وَصَلَّى وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ كَافٍ.
قَالَ (وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْجَمَاعَةُ) الْجَمَاعَةُ شَرْطُ الْجُمُعَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْعَدَدِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَقَلُّهُمْ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا اثْنَانِ سِوَاهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ. لَهُ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ) لِأَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ وَاحِدٍ بِآخَرَ وَالْجُمُعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْجُمُعَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَفِي الْجَمَاعَةِ اجْتِمَاعٌ لَا مَحَالَةَ (وَلَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ) يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْجُمُعَةَ تُنْبِئُ عَنْ الِاجْتِمَاعِ، لَكِنَّ
[ ٢ / ٦٠ ]
حِدَةٍ، وَكَذَا الْإِمَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْهُمْ.
(وَإِنْ نَفَرَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ وَيَسْجُدَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إذَا نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ صَلَّى الْجُمُعَةَ، فَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً بَنَى عَلَى الْجُمُعَةِ) خِلَافًا لِزُفَرَ. وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهَا شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا كَالْوَقْتِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْخُطْبَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِانْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِتَمَامِ
الْخِطَابَ وَرَدَ لِلْجَمْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَالْجَمْعُ الصَّحِيحُ هُوَ الثَّلَاثُ (قَوْلُهُ جَمْعًا تَسْمِيَةً وَمَعْنًى) فَإِنْ قِيلَ: فَفِيمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ الْإِمَامِ ثَلَاثَةً؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ عَلَى حِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِمَامُ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ يَقْتَضِي ثَلَاثَةً، وَقَوْلُهُ ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يَقْتَضِي ذَاكِرًا فَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِمَّنْ يَصْلُحُ إمَامًا، حَتَّى إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تَتِمُّ بِهِمْ لِصَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْإِمَامَةِ، وَكَمَا نَفَى الْآيَةُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ نَفَى اشْتِرَاطَ الْأَرْبَعِينَ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ نَفَرَ النَّاسُ) اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ إذَا نَفَرُوا قَبْلَ شُرُوعِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِلَا خِلَافٍ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ، وَإِنْ نَفَرُوا بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَقْيِيدِ الرَّكْعَةِ بِالسَّجْدَةِ اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَنَى عَلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بَنَى عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهَا شَرْطُ الْأَدَاءِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنْهُمْ مُقَارِنًا لِتَحْرِيمِ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لِلِانْعِقَادِ لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَكَانَتْ كَالْوَقْتِ، وَدَوَامُهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ، فَكَذَا دَوَامُهَا، وَلَمْ يُوجَدْ إذَا نَفَرُوا بَعْدَ السُّجُودِ. وَلَهُمَا أَنَّهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهَا كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ وَاللَّاحِقِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْخُطْبَةِ، فَإِنَّ دَوَامَهَا إلَى تَقْيِيدِ الرَّكْعَةِ بِالسَّجْدَةِ غَيْرُ شَرْطٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ نَعَمْ هُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ كَمَا ذَكَرْتُمْ، وَالِانْعِقَادُ إنَّمَا هُوَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِتَمَامِ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ لِكَوْنِهِ فِي مَحَلِّ الرَّفْضِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا إلَيْهَا: أَيْ مِنْ دَوَامِ الْجَمَاعَةِ إلَى الرَّكْعَةِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ إلَى تَمَّامِ الرَّكْعَةِ.
[ ٢ / ٦١ ]
الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا إلَيْهَا بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا تُنَافِي الصَّلَاةَ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ، وَكَذَا الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَلَا تَتِمُّ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ.
(وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مَرِيضٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا أَعْمَى)؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَخْرُجُ فِي الْحُضُورِ، وَكَذَا الْمَرِيضُ وَالْأَعْمَى، وَالْعَبْدُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، وَالْمَرْأَةُ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ فَعُذِرُوا
دَفْعًا
لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ (فَإِنْ حَضَرُوا وَصَلَّوْا مَعَ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ فَصَارُوا كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ.
(وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ،
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا الْجَمَاعَةَ بِهَا. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ تُنَافِي الصَّلَاةَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَخْطُبُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْطُبَ فِي صَلَاةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا. وَقَوْلُهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ) يَعْنِي الْحَرَجَ، مَعْنَاهُ أَنَّ السُّقُوطَ فَرْضُ السَّعْيِ عَنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي الصَّلَاةِ بَلْ لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ، فَإِذَا تَحَمَّلُوا اُلْتُحِقُوا فِي الْأَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ وَصَارُوا كَمُسَافِرٍ صَامَ
وَقَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ) يَعْنِي فِي أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَمَّ الصَّبِيُّ فِيهَا لَمْ يُجْزِهِ، فَكَذَا مَنْ أَشْبَهَهُ (وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ) أَيْ سُقُوطَ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ، وَأَنَّثَ الْإِشَارَةَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ (رُخْصَةٌ) لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُهُمْ، إلَّا أَنَّهُمْ عُذِرُوا دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمْ (فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ
[ ٢ / ٦٢ ]
أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَيَصْلُحُونَ لِلِاقْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْجُمُعَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ أَصَالَةً. وَالظُّهْرُ كَالْبَدَلِ عَنْهَا، وَلَا مَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ
لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ، وَإِذَا تَحَمَّلُوهُ يَقَعُ فَرْضًا عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا عَنْهُمْ لَكَانَ مَا فَرَضْنَاهُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ حَرَجًا وَذَلِكَ خَلَفٌ بَاطِلٌ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ فَلَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ.
وَقَوْلُهُ (وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ) أَيْ بِالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ (الْجُمُعَةُ) إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ هَؤُلَاءِ تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ، فَلَأَنْ يَصْلُحُوا لِلِاقْتِدَاءِ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ عِنْدَهُ الْجُمُعَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ أَصَالَةً) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا مَنْهِيٌّ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِالظُّهْرِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوْتُ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا صُورَةُ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ، وَلَا مَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ لِأَنَّ فَوَاتَهَا إنَّمَا يَكُونُ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ عَنْ الصَّلَاةِ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَلَنَا أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضُ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً) لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ.
وَالْمُكَلَّفُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مُتَمَكِّنٌ بِنَفْسِهِ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ فَكَانَ التَّكْلِيفُ بِالْجُمُعَةِ تَكْلِيفًا بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَ بِإِسْقَاطِ الظُّهْرِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا فَكَانَ الْعُدُولُ عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ مَكْرُوهًا. وَقَوْلُهُ (هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) تَلْوِيحٌ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الْجُمُعَةُ وَلَهُ إسْقَاطُهَا بِالظُّهْرِ
[ ٢ / ٦٣ ]
بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى التَّمَكُّنِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ.
(فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ إلَيْهَا وَالْإِمَامُ فِيهَا بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالسَّعْيِ، وَقَالَ: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ فَلَا يَنْقُصُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالْجُمُعَةُ فَوْقَهَا فَيُنْقِصُهَا وَصَارَ كَمَا إذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَلَهُ أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِ الْجُمُعَةِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا فِي حَقِّ ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ بَدَا لَهُ) أَيْ بَدَا لِمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَعْذُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ وَالْإِمَامُ فِيهَا) فَإِمَّا أَنْ يُدْرِكَ الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ لَا، فَإِنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ اُنْتُقِضَ ظُهْرُهُ وَانْقَلَبَ نَفْلًا، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ (بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالسَّعْيِ، وَقَالَ: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْقَوْمِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ إشَارَةِ هَذَا الْقِسْمِ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْإِتْمَامَ مَعَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِنَقْضِ الظُّهْرِ عِنْدَهُمَا بَلْ الدُّخُولُ كَافٍ، وَإِذَا كَانَ بِالدُّخُولِ يُنْتَقَضُ فَبِالْإِتْمَامِ أَوْلَى (لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ) إذْ هُوَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ فَرْضٌ مَقْصُودٌ وَمَا هُوَ دُونَ الشَّيْءِ (لَا يَنْقُضُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالْجُمُعَةُ فَوْقَهُ) لِأَنَّا أُمِرْنَا بِإِسْقَاطِهِ بِهَا فَجَازَ أَنْ تَنْقُضَهُ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ الظُّهْرَ فِي الْكِتَابِ بِتَأْوِيلِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّوَجُّهُ نَاقِصًا لِضَعْفِهِ كَانَ كَمَا إذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السَّعْيَ) وَهُوَ الْمَشْيُ لَا مُسْرِعًا (إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِهَا) لِكَوْنِهَا صَلَاةً مَخْصُوصَةً بِمَكَانٍ لَا تُمْكِنُ الْإِقَامَةُ إلَّا بِالسَّعْيِ إلَيْهَا فَكَانَ السَّعْيُ مَخْصُوصًا بِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ أَدَاءَهَا صَحِيحٌ فِي كُلِّ مَكَان، وَإِذَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِهَا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا بِجَامِعِ الِاخْتِصَاصِ فَيُؤَثِّرُ فِي ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا، إذْ الْأَقْوَى يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ مَا لَا يُحْتَاطُ
[ ٢ / ٦٤ ]
احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيٍ إلَيْهَا.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَعْذُورُونَ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ، وَكَذَا أَهْلُ السِّجْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالْجُمُعَةِ إذْ هِيَ جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالْمَعْذُورُ قَدْ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ صَلَّى قَوْمٌ أَجْزَأَهُمْ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ) وَبَنَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ
لِإِثْبَاتِ الْأَضْعَفِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ السَّعْيَ الْمُوصِلَ إلَى الْجُمُعَةِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهَذَا السَّعْيُ لَيْسَ بِمُوصِلٍ. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ فَلَا يَرْفُضُ الْقَوِيَّ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الظُّهْرَ إنَّمَا يَبْطُلُ فِي ضِمْنِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ نَقْضَ الْعِبَادَةِ قَصْدُ إحْرَامٍ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يُنْتَقَضْ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَسْأَلَةِ الْقَارِنِ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِعُمْرَتِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَافِضًا لَهَا، وَلَوْ سَعَى إلَى عَرَفَاتٍ لَا يَصِيرُ بِهِ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ دَارَ مَعَ الْإِمْكَانِ لِكَوْنِ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْإِدْرَاكُ مُمْكِنٌ بِإِقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَمَّا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهَا صَارَ قَوِيًّا وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ صَارَ الْإِبْطَالُ فِي ضِمْنِهِ كَالْإِبْطَالِ فِي ضِمْنِهَا، وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّهُ لَا نَقْضَ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُمَا: أَيْ الْعُمْرَةَ وَالْجُمُعَةَ سَوَاءٌ فِي الِارْتِفَاضِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَإِنَّهُ إنَّمَا لَا تُرْتَفَضُ الْعُمْرَةُ لِكَوْنِ السَّعْيِ فِيهَا مَنْهِيًّا عَنْهُ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَضَعُفَ فِي نَفْسِهِ، وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ مَأْمُورٌ بِهِ فَكَانَ فِي نَفْسِهِ قَوِيًّا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ الْقَوِيِّ إبْطَالُ الضَّعِيفِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَعْذُورُ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ إلَخْ) ظَاهِرٌ
قَالَ (وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَاكِعًا
[ ٢ / ٦٥ ]
فَاقْضُوا» (وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ)؛ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ مِنْ وَجْهٍ ظُهْرٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ فِي حَقِّهِ، فَيُصَلِّي أَرْبَعًا اعْتِبَارًا لِلظُّهْرِ وَيَقْعُدُ لَا مَحَالَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْجُمُعَةِ،
فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُ مَا فَاتَكُمْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» فَإِنَّ مَعْنَاهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِي فَاتَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ هُوَ الْجُمُعَةُ فَيُصَلِّي الْمَأْمُومُ الْجُمُعَةَ (وَكَذَا إنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ مِنْ وَجْهٍ) وَلِهَذَا لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ (ظُهْرٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ) وَهُوَ الْجَمَاعَةُ فَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ ظُهْرًا يُصَلِّي أَرْبَعًا وَيَقْعُدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ جُمُعَةً يُقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النُّفَايَةِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ إعْمَالُ الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إعْمَالِ أَحَدِهِمَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ، حَتَّى لَوْ نَوَى غَيْرَهَا لَمْ يُصْبِحْ اقْتِدَاؤُهُ، وَمُدْرِكُ الْجُمُعَةِ لَا يَبْنِي إلَّا عَلَى الْجُمُعَةِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ إعْمَالِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ
[ ٢ / ٦٦ ]
وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النَّفْلِيَّةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى يَشْتَرِطَ نِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ.
(وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَمْتَدُّ طَبْعًا فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ.
مُخْتَلِفَانِ فَكَيْفَ يُصْبِحُ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْأُخْرَى. وَعُورِضَ بِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْتُمْ تَجْوِيزَ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ شَرْطِهَا، وَذَلِكَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُودَهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ جُعِلَ وُجُودًا فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ، فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَا لَا يُوجَدُ بِحَالٍ، وَالْقَوْلُ بِمَا يُوجَدُ بِحَالٍ أَوْلَى مِنْهُ بِمَا لَا يُوجَدُ بِحَالٍ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اسْتَدَلَّ لَهُمَا فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ أَقْوَى فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَهُمَا إلَخْ؟ قُلْت: لَا تَنَافِي فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى مَطْلُوبٍ وَاحِدٍ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، أَوْ كَانَ الْأَوَّلُ اسْتِدْلَالًا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُدْرِكُ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال لَهُمَا فَقَطْ بَلْ لَهُمْ جَمِيعًا، وَكَوْنُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ الثَّانِي لَهُمَا أَيْضًا لَا يُنَافِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَلِيُضِفْ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَإِنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا صَلَّى أَرْبَعًا» وَهَذَا كَمَا تَرَى نَصَّ عَلَى مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَمَا وَجْهُ تَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِمُحَمَّدٍ؟ قُلْت: ضَعَّفَهُ فَإِنَّهُ مَا رَوَاهُ إلَّا ضُعَفَاءُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا الثِّقَاتُ مِنْهُمْ كَعُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ فَقَدْ رَوَوْا عَنْهُ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَأَمَّا إذَا أَدْرَكَ مَا دُونَهَا فَحُكْمُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «وَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاهُمَا فَأَخَذَا بِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَتَأْوِيلُهُ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا قَدْ سَلَّمُوا.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يَعْنِي لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ (تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) يُرِيدُ بِهِ مَا سِوَى التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلَّ كَلَامٍ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ) قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ الْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ لِكَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ مُبَاحًا وَلَا اسْتِمَاعَ فَلَا إخْلَالَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ فَتُفْضِي
[ ٢ / ٦٧ ]
(وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَرَكَ النَّاسُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَتَوَجَّهُوا إلَى الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
إلَى الْإِخْلَالِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا رَوَيَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ حَوَائِجِهِمْ وَعَنْ أَسْعَارِ السُّوقِ ثُمَّ صَلَّى» أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ الْكَلَامُ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ يُبَاحُ فِي الْخُطْبَةِ أَيْضًا ثُمَّ نُهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْكَلَامِ فِيهِمَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ) ذَكَرَ الْمُؤَذِّنِينَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ إخْرَاجًا لِلْكَلَامِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ فَإِنَّ الْمُتَوَارَثَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ اجْتِمَاعُ الْمُؤَذِّنِينَ لِتَبْلُغَ أَصْوَاتُهُمْ إلَى أَطْرَافِ الْمِصْرِ الْجَامِعِ، وَالْأَذَانُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي
[ ٢ / ٦٨ ]
اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
(وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدِي الْمِنْبَرِ) بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا هَذَا الْأَذَانُ، وَلِهَذَا قِيلَ: هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ إذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدَثَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ: الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارَةِ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ الْأَذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا مِنْ الْجَامِعِ، وَكَانَ الطَّحَاوِيُّ يَقُولُ: الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَذَانُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي كَانَ لِلْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَكَرَاهَةِ الْبَيْعِ هُوَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ إذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ بِهِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ آنِفًا وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ
[ ٢ / ٦٩ ]
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قَالَ (وَتَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ:
أَيْ بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ حُذِفَ الْمُضَافُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَسُمِّيَ يَوْمُ الْعِيدِ بِالْعِيدِ لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَوَائِدَ الْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِهِ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَلَاةٌ نَهَارِيَّةٌ تُؤَدَّى بِجَمْعٍ عَظِيمٍ يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَيُشْتَرَطُ لِإِحْدَاهُمَا مَا يُشْتَرَطُ لِلْأُخْرَى سِوَى الْخُطْبَةِ، وَيَشْتَرِكَانِ أَيْضًا فِي حَقِّ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَقَدَّمَ الْجُمُعَةَ لِقُوَّتِهَا لِكَوْنِهَا فَرِيضَةً أَوْ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا. قَالَ (وَتَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) لَا تَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ كَالْجُمُعَةِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: حَالُ الْعَبْدِ هُنَا لَيْسَتْ كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ إذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى لِأَنَّ لِلْجُمُعَةِ خَلَفًا وَهُوَ الظُّهْرُ فَلَمْ تَجِبْ الْجُمُعَةُ، وَهَاهُنَا لَا خَلَفَ فَكَانَ الْوَاجِبُ الْوُجُوبَ إذَا أَسْقَطَ الْمَوْلَى حَقَّهُ بِالْإِذْنِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْإِذْنِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ عَلَى الْمَوْلَى، فَبَقِيَ الْحَالُ بَعْدَ الْأَذَانِ كَهِيَ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ حَجَّ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، وَأَعَادَ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِمُخَالَفَةِ رِوَايَتِهِ لِرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْقُدُورِيِّ بِلَفْظِ الْوَاجِبِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ السُّنَّةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْعِيدَيْنِ كَوْنُ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
[ ٢ / ٧٠ ]
وَاحِدٍ، فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ، وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ عَقِيبَ سُؤَالِهِ قَالَ: «هَلْ عَلَى غَيْرِهِنَّ؟ فَقَالَ: لَا إلَّا إنْ تَطَوَّعَ» وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةً لِوُجُوبِهِ بِالسُّنَّةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمُصَلَّى وَيَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمُصَلَّى، وَكَانَ يَغْتَسِلُ فِي الْعِيدَيْنِ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَيُسَنُّ فِيهِ الْغُسْلُ وَالطِّيبُ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ (وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ
وَغَلَبَ لَفْظُ الْعِيدِ لِخِفَّتِهِ كَمَا فِي الْعُمَرَيْنِ أَوْ لِذُكُورَتِهِ كَمَا فِي الْقَمَرَيْنِ (وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَلِأَنَّ تَرْكَهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ. قَوْلُهُ (وَجْهُ الْأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَعَ بِلَفْظِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى عِنَايَةٍ، وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا ذَكَرَ فِي آخِرِ بَابِ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ، لَا سُنَّةَ دُونَ الْمُوَاظَبَةِ إنَّمَا تَكُونُ دَلِيلَ الْوُجُوبِ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ. وَقَوْلُهُ (وَجْهُ الثَّانِي) ظَاهِرٌ.
[ ٢ / ٧١ ]
﵊ كَانَتْ لَهُ جُبَّةُ فَنْكٍ أَوْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا فِي الْأَعْيَادِ (وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ) إغْنَاءً لِلْفَقِيرِ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ لِلصَّلَاةِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى، وَعِنْدَهُمَا يُكَبِّرُ) اعْتِبَارًا بِالْأَضْحَى. وَلَهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الْإِخْفَاءُ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ تَكْبِيرٍ، وَلَا كَذَلِكَ يَوْمَ الْفِطْرِ
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى) يَعْنِي جَهْرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى عِيدِ الْفِطْرِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْهُ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أُسْتَاذِهِ ابْنِ عُمَرَ الْبَغْدَادِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى فِي عِيدِ الْفِطْرِ جَهْرًا وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ اعْتِبَارًا بِالْأَضْحَى. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الْإِخْفَاءُ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى لِأَنَّهُ يَوْمُ تَكْبِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ (وَلَا كَذَلِكَ يَوْمُ الْفِطْرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا لِأَنَّ عِيدَ الْأَضْحَى اُخْتُصَّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَالتَّكْبِيرُ شُرِعَ عَلَمًا عَلَى وَقْتِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَلَيْسَ فِي شَوَّالٍ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾
[ ٢ / ٧٢ ]
(وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ الْعِيدِ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ قِيلَ الْكَرَاهَةُ فِي الْمُصَلَّى خَاصَّةً، وَقِيلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَامَّةً؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَفْعَلْهُ.
(وَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ دَخَلَ وَقْتُهَا إلَى الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُهَا) «؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قِيدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَلَمَّا شَهِدُوا بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ».
أَخْبَرَ بِالتَّكْبِيرِ بَعْدَ إكْمَالِ عِدَّةِ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْآيَةِ التَّكْبِيرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْمَعْنَى صَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ وَكَبِّرُوا اللَّهَ فِيهَا، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَالْوَلِيدُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. قَالَ (وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ الْعِيدِ) التَّنَفُّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْمُصَلًّى وَغَيْرِهِ لِلْإِمَامِ، وَغَيْرُهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ وَالْإِنْكَارُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ كَثِيرًا. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ " أَنَّهُمَا قَامَا فَنَهَيَا النَّاسَ عَنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ. وَرُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْهَاهُمْ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى " وَقَوْلُهُ (خَاصَّةً وَعَامَّةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي الْمُسْتَقَرِّ فِي الظَّرْفِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ) عَبَّرَ بِالْحُلُولِ عَنْ جَوَازِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قَيْدِ رُمْحٍ» أَيْ قَدْرِ رُمْحٍ (أَوْ رُمْحَيْنِ) دَلِيلُ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَقَوْلُهُ (وَلَمَّا شَهِدُوا بِالْهِلَالِ) دَلِيلُ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَذَلِكَ «لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ» لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا بِلَا عُذْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا أَوْلَى، وَفِعْلَهُ ﵊
[ ٢ / ٧٣ ]
(وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَثَلَاثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ يَبْتَدِئُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا بَعْدَهَا، وَيُكَبِّرُ رَابِعَةً يَرْكَعُ بِهَا) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَخَمْسًا بَعْدَهَا وَفِي الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ يَقْرَأُ. وَفِي رِوَايَةٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، وَظَهَرَ عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَمْرِ بَنِيهِ الْخُلَفَاءِ. فَأَمَّا الْمَذْهَبُ فَالْقَوْلُ
لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْأَوْلَى مَهْمَا أَمْكَنَ.
وَقَوْلُهُ (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) ظَاهِرٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الزَّوَائِدَ عِنْدَنَا ثَلَاثٌ، وَالْمُوَالَاةُ فِي الْقِرَاءَةِ خِلَافًا لَهُ. وَقَوْلُهُ (وَظَهَرَ عَمَلُ الْعَامَّةِ) أَيْ عَمَلُ النَّاسِ كَافَّةً (بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَمْرِ بَنِيهِ الْخُلَفَاءِ) فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَمَّا انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ أَمَرُوا النَّاسَ بِالْعَمَلِ فِي التَّكْبِيرَاتِ بِقَوْلِ جَدِّهِمْ وَكَتَبُوا فِي مَنَاشِيرِهِمْ ذَلِكَ. وَعَنْ هَذَا صَلَّى أَبُو يُوسُفَ بِالنَّاسِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ صَلَاةَ الْعِيدِ وَكَبَّرَ تَكْبِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا مَذْهَبًا وَاعْتِقَادًا، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ
[ ٢ / ٧٤ ]
الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَرَفْعَ الْأَيْدِي خِلَافُ الْمَعْهُودِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ أَوْلَى ثُمَّ بِالتَّكْبِيرَاتِ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ حَتَّى يَجْهَرَ بِهِ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْجَمْعُ وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَجِبُ إلْحَاقُهَا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ لِقَوْلِهَا مِنْ حَيْثُ الْفَرِيضَةِ وَالسَّبْقِ، وَفِي
مَذْهَبُ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ مُسْنِدًا إلَى «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ حِينَ انْصَرَفَ فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَسْهُو كَتَكْبِيرِ الْجَنَائِزِ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ وَقَبَضَ إبْهَامَهُ» فَفِيهِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَإِشَارَةٌ إلَى أَصْلٍ وَتَأْكِيدٌ فَلَا جَرَمَ كَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ أَرْبَعًا: أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَرَفْعَ الْأَيْدِي مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ خِلَافُ الْمَعْهُودِ فِي الصَّلَوَاتِ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْقَلِيلِ أَوْلَى، ثُمَّ التَّكْبِيرُ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ حَتَّى يُجْهَرَ بِهِ كَتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْجَمْعُ لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ؛ فَفِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَجِبُ
[ ٢ / ٧٥ ]
الثَّانِيَةِ لَمْ يُوجَدْ إلَّا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ الضَّمُّ إلَيْهَا، وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ الْمَرْوِيَّ كُلَّهُ عَلَى الزَّوَائِدِ فَصَارَتْ التَّكْبِيرَاتُ عِنْدَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ.
إلْحَاقُهَا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ لِقُوَّتِهَا مِنْ حَيْثُ الْفَرِيضَةُ وَالسَّبْقُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يُوجَدْ إلَّا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ الضَّمُّ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ الْمَرْوِيَّ عَلَى الزَّوَائِدِ فَصَارَتْ التَّكْبِيرَاتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ) فِيهِ اشْتِبَاهٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ حَمَلَ الْمَرْوِيَّ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَرْوِيَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ أَوْ لَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَخَمْسًا بَعْدَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ يَقْرَأُ. وَفِي رِوَايَةٍ: يُكَبِّرُ أَرْبَعًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ فِي الْكَلَامِ تَعْقِيدٌ يَعْلُو قَدْرُ الْمُصَنِّفِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ تَرْتَقِ التَّكْبِيرَاتُ إلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ لِأَنَّ الزَّوَائِدَ فِيهِ تِسْعٌ أَوْ عَشْرٌ، وَبِالْأَصْلِيَّاتِ تَكُونُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
وَأَيْضًا قَالَ: وَظَهَرَ عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ عَلَى
[ ٢ / ٧٦ ]
قَالَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) يُرِيدُ بِهِ مَا سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْنَا مَا رَوَيْنَا.
خَمْسَةَ عَشَرَ تَكْبِيرَةً أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِزَالَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، فَفَسَّرَ عُلَمَاؤُنَا رِوَايَتَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِإِضَافَةِ الْأَصْلِيَّاتِ لِأَنَّ الْأَصْلِيَّاتِ ثَلَاثٌ: تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ، وَتَكْبِيرَتَا الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسَةٍ كَانَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى خَمْسَةٍ وَأَرْبَعَةٍ صَارَتْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلَى هَذَا عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ (وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْمَرْوِيَّ عَلَى الزَّوَائِدِ) فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَيْهَا الْأَصْلِيَّاتُ صَارَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ، فَكَانَ مُرَادُهُ بِالْمَرْوِيِّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا تَعْقِيدَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَظَهَرَ عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ عُلَمَائِنَا لَا عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَلْبَتَّةَ أَنْ مَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَصْحَابِنَا إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: ثُمَّ عَمِلُوا بِرِوَايَةِ الزِّيَادَةِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَبِرِوَايَةِ النُّقْصَانِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ، وَخَصُّوا الْأَضْحَى بِالنُّقْصَانِ لِاسْتِعْجَالِ النَّاسِ بِالْقَرَابِينِ.
وَقَوْلُهُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) ظَاهِرٌ وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ، فَلَوْ وَالَى بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ لَاشْتَبَهَ عَلَى مَنْ كَانَ نَائِيًا عَنْ الْإِمَامِ، وَالِاشْتِبَاهُ يَزُولُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمُكْثِ. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَيْسَ هَذَا الْقَدْرُ بِلَازِمٍ، بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الزِّحَامِ وَقِلَّتِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَةُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ الْقَوْمِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْقَوْمِ وَقِلَّتِهِمْ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ) يَدَيْهِ لِأَنَّ الرَّفْعَ سُنَّةُ الِافْتِتَاحِ، وَلَا افْتِتَاحَ فِي الزَّوَائِدِ فَلَا رَفْعَ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا) لِأَنَّ مَا قَالَهُ قِيَاسٌ تُرِكَ بِالْأَثَرِ، وَيَأْتِي بِالثَّنَاءِ عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الزَّوَائِدِ، وَكَذَلِكَ التَّعَوُّذُ
[ ٢ / ٧٧ ]
قَالَ (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ) بِذَلِكَ وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ (يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَأَحْكَامَهَا)؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَقْضِهَا)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا بِشَرَائِطَ لَا تَتِمُّ
عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْتَعِيذُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ
قَالَ (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ) الْخُطْبَةُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ تُخَالِفُ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجُوزُ بِلَا خُطْبَةٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ. الثَّانِي أَنَّهَا فِي الْجُمُعَةِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَلَوْ قَدَّمَهَا فِي الْعِيدِ أَيْضًا جَازَ وَلَا تُعَادُ الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ) أَيْ أَدَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا هُوَ (لَمْ يَقْضِهَا) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُصَلِّي وَحْدَهُ كَمَا يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَالسُّلْطَانُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ.
وَعِنْدَنَا هِيَ صَلَاةٌ لَا تَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَالسُّلْطَانِ، فَإِذَا فَاتَتْ عَجَزَ عَنْ
[ ٢ / ٧٨ ]
بِالْمُنْفَرِدِ.
(فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ وَشَهِدُوا عِنْدَ الْإِمَامِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّى الْعِيدَ مِنْ الْغَدِ)؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْخِيرٌ بِعُذْرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ (فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدَهُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ الْعُذْرِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَيُؤَخِّرَ الْأَكْلَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ لَا يَطْعَمُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَوَجَّهَ إلَى الْمُصَلَّى» (وَهُوَ يُكَبِّرُ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَالْفِطْرِ) كَذَلِكَ نُقِلَ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَذَلِكَ فَعَلَ (وَيُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ)؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ، وَالْخُطْبَةُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِتَعْلِيمِهِ.
(فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى صَلَّاهَا مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِهَا لَكِنَّهُ مُسِيءٌ فِي التَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمُخَالَفَةِ الْمَنْقُولِ.
(وَالتَّعْرِيفُ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَشْبِيهًا بِالْوَاقِفِينَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عُرْفُ عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةَ دُونَهُ كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ.
قَضَائِهَا. فَإِنْ قِيلَ: هِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ صَلَاةِ الضُّحَى وَلِهَذَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الضُّحَى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا يَصِيرُ إلَى الْأَصْلِ كَالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَا يَضُرُّنَا لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَادَ الْأَمْرُ إلَى أَصْلٍ هُوَ صَلَاةُ الضُّحَى وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَتَخَيَّرُ، وَفِي الْجُمُعَةِ إذَا عَجَزَ عَادَ إلَى أَصْلٍ هُوَ فَرْضٌ فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ) أَيْ الْمَعْهُودُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: «وَلَمَّا شَهِدُوا بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ» وَمَا بَعْدَهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالتَّعْرِيفُ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ) إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ يَصْنَعُهُ النَّاسُ لِأَنَّهُ يَجِيءُ لِمَعَانٍ: لِلْإِعْلَامِ وَالتَّطَيُّبِ مِنْ الْعُرْفِ وَهُوَ الرِّيحُ وَإِنْشَادِ الضَّالَّة وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَقَوْلُهُ (لَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُعْتَبَرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلدُّعَاءِ لَا تَشْبِيهًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ.
[ ٢ / ٧٩ ]