(إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ.
قَالَ
(بَابُ صَلَاة الْمَرِيض)
ذَكَرَ صَلَاةَ الْمَرِيضِ عَقِبَ سُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ مَوْقِعًا لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِهِ أَمَسَّ فَقَدَّمَهُ (إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ) بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً» وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ وَلَوْ قَدْرَ آيَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ دُونَ تَمَامِهِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: يُؤْمَرُ بِأَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ، فَإِذَا عَجَزَ قَعَدَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَشِيت أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَصْحَابِنَا خِلَافُهُ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مُتَّكِئًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا مُتَّكِئًا، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَصًا أَوْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ لَوْ
[ ٢ / ٣ ]
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنْ قَدَرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِئْ بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» قَالَ (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَأَوْمَأَ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ
اتَّكَأَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا لِأَنَّهُ وَسِعَ مِثْلَهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَاءَ (قَائِمٌ مَقَامَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ، وَإِلَّا فَأُومِ بِرَأْسِك» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَفَضَ جَازَ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِهِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ) حَتَّى يَكُونَ شِبْهَ الْقَاعِدِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذْ حَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ يَمْنَعُ الْأَصِحَّاءَ عَنْ الْإِيمَاءِ. فَكَيْفَ بِالْمَرْضَى لِقَوْلِهِ ﷺ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ» الْحَدِيثَ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَاءِ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ التَّأْخِيرِ دُونَ الْإِسْقَاطِ، وَمَنْ قَالَ بِسُقُوطِهِ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ الْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ
[ ٢ / ٤ ]
إلَّا أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إشَارَةَ الْمُسْتَلْقِي تَقَعُ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ الْمُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ الْعَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ أُخِّرَتْ عَنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
إلَّا أَنَّ الْأُولَى) أَيْ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَوْ الْهَيْئَةَ أَوْ الْفِعْلَةَ الْأُولَى (هِيَ الْأَوْلَى عِنْدَنَا) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَالَةُ حَالَةُ عُذْرٍ جَازَ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى (لِأَنَّ) الْمَعْقُولَ مَعَنَا، فَإِنَّ (إشَارَةَ الْمُسْتَلْقِي تَقَعُ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ الْمُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ وَبِهِ) أَيْ بِوُقُوعِ الْإِشَارَةِ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ (تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ).
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ عَنْهُ وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ إشَارَةٌ) إلَى قَوْلِهِ ﷺ «إنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ، وَإِلَّا فَأُومِ بِرَأْسِك» اقْتَصَرَ عَلَى الرَّأْسِ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ، وَلَوْ جَازَ غَيْرُهُ لَبَيَّنَهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ نَصْبِ الْأَبْدَانِ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّأْسِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ
[ ٢ / ٥ ]
قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً)؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
(وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ يُتِمُّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ)؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اسْتَقْبَلَ) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ
وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ.
قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِيَامُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ إدْرَاكِ رُكْنٍ آخَرَ. وَلَنَا أَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ فَإِنَّهُ بِدُونِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِبَادَةً، بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ (وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ) فَإِنَّ عِنْدَ الْإِيمَاءِ قَاعِدًا يَصِيرُ رَأْسُهُ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الْإِيمَاءِ قَائِمًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ لِأَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْقُعُودِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ وَالْمَفْرُوضُ خِلَافُهُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَالَةَ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِيمَاءَ فِي حَالِ مَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنْبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَالَةِ الْقِيَامِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَصْلٍ جُوِّزَ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ جُوِّزَ
[ ٢ / ٦ ]
وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، فَكَذَا الْبِنَاءُ
(وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الِاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ. وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا فَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ (وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ
بِنَاءُ آخِرِ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِهَا هَاهُنَا وَمَا لَا فَلَا. ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَقْتَدِي الْقَائِمُ بِالْقَاعِدِ فَكَذَا لَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَعِنْدَهُمَا الْقَائِمُ يَقْتَدِي بِالْقَاعِدِ فَكَذَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَنُوقِضَ بِمَا إذَا افْتَتَحَ الصَّحِيحُ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا وَأَدَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ فَقَامَ وَصَلَّى الْبَاقِيَ قَائِمًا أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَنْعَقِدْ لِلْقِيَامِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَبْنِ عَلَى مَا انْعَقَدَتْ لَهُ تَحْرِيمَتُهُ، وَأَمَّا تَحْرِيمَةُ الْمُتَطَوِّعِ فَقَدْ انْعَقَدَتْ لِلْقِيَامِ أَيْضًا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَجَازَ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِمَا مُتَنَاوِلِي تَحْرِيمَتِهِ وَقَوْلُهُ (اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) يَعْنِي الْعُلَمَاءَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّ لِزُفَرَ فِيهِ خِلَافًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَصْلِهِ جَوَازُ اقْتِدَاءِ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا) أَيْ تَعِبَ (لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ) أَيْ يَتَّكِئَ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ ثُمَّ اتَّكَأَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ كَالْإِعْيَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقِيلَ (يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُخَيَّرْ الْمُتَطَوِّعُ فِي الِابْتِدَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ كَمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ جَازَ عِنْدَهُ) وَيُكْرَهُ مَعَ كَوْنِ الْقُعُودِ مُنَافِيًا لِلْقِيَامِ، فَالِاتِّكَاءُ الَّذِي لَا يُنَافِيهِ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ (وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْقُعُودَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا) فَيَكُونُ الِاتِّكَاءُ الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ جَائِزًا مَكْرُوهًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَعَدَ) بَعْدَمَا افْتَتَحَ قَائِمًا (بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ) وَفِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لَا يُوصَفُ بِالْكَرَاهَةِ وَقَدْ قَالَ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ لِيَقْرَأَ لِإِعْيَائِهِ ثُمَّ قَامَ وَأَتَمَّ
[ ٢ / ٧ ]
(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِعِلَّةٍ. وَلَهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ.
الثَّانِيَةَ قَائِمًا فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ مَعَ صِفَةِ الْكَرَاهَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قُعُودَهُ إذَا كَانَ لِإِعْيَائِهِ فَذَلِكَ قُعُودٌ بِعُذْرٍ، وَالْكَلَامُ لَيْصَ فِيهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَكَذَا إنْ تَرَكَ ذِكْرَ الْإِعْيَاءِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّقْلِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ، لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ قُبَيْلَ هَذَا لَوْ قَعَدَ يَجُوزُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ كَرَاهَةٍ، وَكَذَا يُخَالِفُ إطْلَاقَ مَا ذُكِرَ فِي بَابِ النَّوَافِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ فِي مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَجَامِعِ أَبِي الْمُعِينِ أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ فِي النَّفْلِ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، فَالْبَقَاءُ أَوْلَى لِأَنَّ حُكْمَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ. فَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّةَ غَيْرَ صَحِيحٍ، فَالْإِطْلَاقُ هَاهُنَا وَفِي بَابِ النَّوَافِلِ يَكُونُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ وَيُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ قَوْلَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ.
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا) الْمُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ السَّفِينَةُ رَأْسِيَّةً أَوْ سَائِرَةً، فَإِنْ كَانَتْ رَأْسِيَّةً لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ قَاعِدًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ (لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ) وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يُتْرَكُ (وَلَهُ) وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ رَاكِبِ السَّفِينَةِ (دَوَرَانُ الرَّأْسِ) عِنْدَ الْقِيَامِ وَالْغَالِبِ كَالْمُتَحَقِّقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ جُعِلَ حَدَثًا لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ (إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ لِبُعْدِهِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ كَيْفَمَا دَارَتْ السَّفِينَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أَوْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ فَرْضٌ عِنْدَ الْقُدْرَةِ. وَهَذَا قَادِرٌ وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَأْسِيَّةً لَمْ يُجْزِهِ الْقُعُودُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ) وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ،
[ ٢ / ٨ ]
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀، بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالْقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ. مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ
وَالْمَوْثُوقَةُ بِاللَّنْجَرِ: أَيْ الْمِرْسَاةُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ وَهِيَ تَضْطَرِبُ، قِيلَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرِّيحَ إنْ كَانَتْ تُحَرِّكُهَا تَحْرِيكًا شَدِيدًا فَهِيَ كَالسَّائِرَةِ وَإِلَّا فَهِيَ كَالرَّاسِيَةِ.
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا، وَالْفِقْهُ فِيهِ (أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قُلْت فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ) وَقَوْلُهُ (وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْجُنُونِ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْجُنُونَ إذَا اسْتَغْرَقَ وَقْتًا كَامِلًا أَسْقَطَ الْقَضَاءَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُنُونَ كَالْإِغْمَاءِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَقَطَ الْقَضَاءُ وَإِلَّا فَلَا (كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ) وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ النَّوْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ: يَعْنِي أَنَّ النَّوْمَ وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ (لِأَنَّ امْتِدَادَهُ) إلَى هَذَا الْحَدِّ (نَادِرٌ) لَا عِبْرَةَ بِهِ (فَالْحَقُّ) الْمُمْتَدُّ مِنْهُ (بِالْقَاصِرِ) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الزِّيَادَةُ
[ ٢ / ٩ ]
عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الصَّلَوَاتُ مَا لَمْ تَصِرْ الْفَوَائِتُ سِتًّا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّحْوَةِ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ الْغَدِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِسَاعَةٍ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ (لِمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ) أَيْ بِفَوَاتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ وَهُوَ الْمُفْضِي إلَى الْحَرَجِ الْمُسْقِطِ لِلْقَضَاءِ فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ) أَيْ الِاعْتِبَارُ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ.
[ ٢ / ١٠ ]