(الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا سُنَّةٌ) لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ
بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَفْرُوضَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ بَيَانِ أَوْقَاتِهَا وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا وَالْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَالْقَاصِرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صَلَاةٍ هِيَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ النَّفْلِ وَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ إيرَادُ النَّوَافِلِ بَعْدَهَا لِيَكُونَ الْوَاجِبُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا هُوَ حَقُّهُ (الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قِيلَ لَيْسَ فِي الْوِتْرِ رِوَايَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ رَوَى يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَرَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
[ ١ / ٤٢٣ ]
لَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ
عَنْهُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ، قَالُوا: أَظْهَرُ آثَارِ السُّنَنِ فِيهَا حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ فَيَكُونُ سُنَّةً، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ ظَهَرَ آثَارُ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ فَيَكُونُ وَاجِبًا كَصَلَاةِ الْعِيدِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْمَجْمُوعَ مِنْ آثَارِ السُّنَنِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَيْسَ لَهَا أَذَانٌ بَلْ قَوْلُهُمْ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ أَذَانٌ لَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ» رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ أَضَافَ الزِّيَادَةَ إلَى اللَّهِ، وَالسُّنَنُ إنَّمَا تُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ زَادَكُمْ وَالزِّيَادَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَحْصُورَةٌ بَعْدَ لَا فِي النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الشَّيْءِ
[ ١ / ٤٢٤ ]
الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» أَمْرٌ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ
إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: زَادَ فِي ثَمَنِهِ إذَا وَهَبَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، وَلَا يُقَالُ: زَادَ عَلَى الْهِبَةِ إذَا بَاعَ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ فَرْضٌ فَكَذَا الزَّائِدُ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ فَصَارَ وَاجِبًا.
وَالرَّابِعُ الْأَمْرُ فَإِنَّهُ لِلْوُجُوبِ
[ ١ / ٤٢٥ ]
وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
قَالَ (الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنهنَّ بِسَلَامٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ»
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْوِتْرِ وَاجِبًا (وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْإِجْمَاعِ) فَإِنَّ السُّنَنَ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ: قِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ أَصْحَابِنَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى خَارِجَ الْوَقْتِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقْضَى. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعُ السَّلَفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِطَرِيقِ الْآحَادِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا حَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجَاحِدَ إنَّمَا يَكْفُرُ إذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ) يَعْنِي غَيْرَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ، وَكَلَامُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ وُجُوبَهُ لَوْ ثَبَتَ بِغَيْرِ السُّنَّةِ كَفَرَ جَاحِدُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَرْضًا لَا وَاجِبًا. وَفِي الْجُمْلَةِ كَلَامُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَخْلُو عَنْ تَسَامُحٍ وَلِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ وُجُوبِهِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ هُوَ (الْمَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ) وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ) أَيْ أَذَانِ الْعِشَاءِ (وَإِقَامَتِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا وَرَدَ عَلَيْهِ.
قَالَ (الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) الْوِتْرُ عِنْدَنَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي قَوْلٍ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ
[ ١ / ٤٢٦ ]
وَحَكَى الْحَسَنُ ﵀ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ، هَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَفِي قَوْلٍ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ
- ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ» وَحَكَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ) وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْعَبَادِلَةِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَأَى سَعِيدًا يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبُتَيْرَاءُ لَتَشْفَعَنَّهَا أَوْ لَأُؤَدِّبَنَّك. إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ اُشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ. قِيلَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا رُوِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ. فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٤٢٧ ]
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَاهُ
(وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي آخَرِ الْوِتْرِ» وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ»
قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ؟. أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْوِتْرِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِالرَّكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِالثَّلَاثِ وَكَذَا غَيْرُهُ.
(وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) فِي قَوْلِهِ الَّذِي يُوَافِقُنَا فِيهِ عَلَى الثَّلَاثِ يَقْنُتُ فِيهَا (بَعْدَ الرُّكُوعِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ) وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ
[ ١ / ٤٢٨ ]
وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ آخِرُهُ
ابْنُ مَسْعُودٍ بَعَثَ أَمَةً لِتُرَاقِبَ وِتْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀
وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْجَوَابُ عَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ فَهُوَ آخِرُهُ.
(وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَقْنُتُ
[ ١ / ٤٣٠ ]
فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ «لِقَوْلِهِ ﵊
فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا غَيْرُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ بِالْإِمَامَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ،
[ ١ / ٤٣١ ]
لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ
وَأَمَرَ بِالْقُنُوتِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ. وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊
[ ١ / ٤٣٢ ]
اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْوِتْرِ (فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
لِلْحَسَنِ حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ (اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ) وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ طُولُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنُوتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَذَلِكَ أَثَرُ الصَّحَابِيِّ. وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِهِ. لَا يُقَالُ: إنَّمَا احْتَجَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مَعْنًى، فَإِنَّ أُبَيًّا كَانَ يَوْمًا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ خِلَافَ ابْنِ عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ حَيْثُ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْقُنُوتَ إلَّا طُولَ الْقِيَامِ، وَمَعَ خِلَافِهِ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْوِتْرِ) بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمَّا كَانَ بِالسُّنَّةِ وَجَبَ الْقِرَاءَةُ فِي الْجَمِيعِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ.
وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ إنَّمَا هُوَ عَلَى وُجُوبِ مُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا عَلَى تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ سُورَةٍ إلَيْهَا فَلَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنَّهُ لَا يُعَيِّنُ سُورَةً بِعَيْنِهَا يَقْرَؤُهَا عَلَى الدَّوَامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَلَوْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي بَعْضِ
[ ١ / ٤٣٣ ]
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ) لِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْهَا الْقُنُوتَ (وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْفَجْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «﵁ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا»
الْأَوْقَاتِ كَانَ حَسَنًا (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ) مِنْ حَقِيقَةِ الْقِرَاءَةِ إلَى شَبِيهَتِهَا، وَالتَّكْبِيرَاتُ شُرِعَتْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ اخْتِلَافِهَا أَفْعَالًا كَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لَا أَقْوَالًا، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ إلَى الْقِرَاءَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْحَالَةُ مِنْ الثَّنَاءِ إلَى الْقِرَاءَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ رَفْعُ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَرَفْعُهُمَا بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ فَكَانَ التَّكْبِيرُ ثَابِتًا بِهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ بِالْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَوَاطِنَ السَّبْعَةَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي سَبْعٍ وَإِنْ كَانَ الْمَوَاطِنُ مُذَكَّرًا عَلَى تَأْوِيلِ الْبِقَاعِ، وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ رَفْعَ الْأَيْدِي عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ أَلَّا تُرْفَعَ عَلَى وَجْهِ سُنَّةِ الْهُدَى إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ لَا نَفِيهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رَفْعَهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَعَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي عَامَّةِ الْبُلْدَانِ، وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ سِوَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا فِي الْقُنُوتِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي قُنُوتِهِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت إلَخْ، وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
قَالَ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا إنْ حَدَثَتْ حَادِثَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَحْدُثْ فَلَهُ قَوْلَانِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا» وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ» وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ
[ ١ / ٤٣٤ ]
ثُمَّ تَرَكَهُ (فَإِنْ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُتَابِعُهُ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ، ثُمَّ قِيلَ يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
«قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا» أَوْ قَالَ «أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ حِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ وَهْم سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ» وَقِيلَ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تَرَكَ ذَلِكَ (فَإِنْ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُتَابِعُهُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَابَعَةُ (وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ بِالشَّكِّ (وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ) لِمَا رَوَيْنَا أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَ (وَلَا مُتَابَعَةَ فِي الْمَنْسُوخِ) وَإِذَا لَمْ يُتَابِعْهُ مَاذَا يَفْعَلُ (قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي) أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ لَا يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ شَرِيكُ الْإِمَامِ. لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيمَا هُوَ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشَّرَائِطِ مُفْسِدَةٌ لَا فِي غَيْرِهَا. وَلَا يُقَالُ: السَّاكِتُ إذَا كَانَ شَرِيكَ الدَّاعِي يَنْبَغِي أَلَّا يَقْعُدَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مَوْجُودٌ فِي الْقُعُودِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلَ الشَّرِكَةِ. إذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُخَالَفَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهُ قَاعِدٌ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَشْرُوعٍ وَغَيْرِهِ، فَمَا كَانَ مَشْرُوعًا يَتْبَعُهُ فِيهِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لَا يَتْبَعُهُ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلِّمُ قَبْلَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ اشْتَغَلَ بِالْبِدْعَةِ
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ وَعَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْإِمَامِ فِيمَا هُوَ مَشْرُوعٌ وَهُوَ السَّلَامُ.
(وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اقْتِدَاءَ حَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ بِشَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ جَائِزٌ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتَابِعُ إمَامَهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ مَعَ أَنَّهُ اتِّبَاعٌ فِي الْخَطَإِ إجْمَاعٌ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي الدُّعَاءِ الْمَسْنُونِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ صَوَابٌ بِيَقِينٍ. وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الِاقْتِدَاءُ بِشَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْعَنَ فِي دِينِهِمْ؛ لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ النَّسَفِيُّ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الشُّعَاعُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَمَلًا كَثِيرًا، فَصَلَاتُهُمْ
[ ١ / ٤٣٦ ]
وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ
فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ فِي الِابْتِدَاءِ لِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ إذْ ذَاكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: بِالشَّفْعَوِيَّةِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الشَّافِعِيِّ شَافِعِيٌّ بِحَذْفِ يَاءِ النِّسْبَةِ مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ) يَعْنِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَحَامَى مَوَاضِعَ الْخِلَافِ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَبِأَلَّا يَنْحَرِفَ عَنْ الْقِبْلَةِ
[ ١ / ٤٣٧ ]
وَالْمُخْتَارُ فِي الْقُنُوتِ الْإِخْفَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.