فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ. وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (أَوْ لِلشَّغْلِ) أَيْ عِنْدَهُمَا. فَإِنَّ الشَّغْلَ بِالدَّيْنِ مَانِعٌ عَنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْخَوَارِجِ) وَاضِحٌ
(بَابُ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ)
أَخَّرَ بَابَ الْمَعْدِنِ عَنْ الْعَاشِرِ لِأَنَّ الْعُشْرَ أَكْثَرُ وُجُودًا، وَالْمَالُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأَرْضِ لَهُ أَسَامٍ ثَلَاثَةٌ: الْكَنْزُ،
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قَالَ (مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ
وَالْمَعَادِنُ، وَالرِّكَازُ. وَالْكَنْزُ اسْمٌ لِمَا دَفَنَهُ بَنُو آدَمَ، وَالْمَعْدِنُ اسْمٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ الْأَرْضَ، وَالرِّكَازُ اسْمٌ لَهُمَا جَمِيعًا. وَالْكَنْزُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَنَزَ الْمَالَ كَنْزًا جَمَعَهُ، وَالْمَعْدِنُ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَالرِّكَازُ مِنْ رَكَّزَ الرُّمْحَ أَيْ غَرَزَهُ. وَعَلَى هَذَا جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ: أَيْ مُثْبَتٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ فِي لَقَبِ الْبَابِ الْكَنْزُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْمَعَادِنِ وَالْكُنُوزِ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْدِنُ لَزِمَ التَّكْرَارُ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمَعَادِنِ وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعَادِنُ وَالْكَنْزُ كَانَ تَقْدِيرُهُ بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمَعَادِنِ وَالْكَنْزِ.
قَالَ (مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعَادِنِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ، وَجَامِدٌ لَا يَذُوبُ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ، وَمَائِعٌ لَا يَتَجَمَّدُ كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنِّفْطِ.
وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا، لِأَنَّ الذَّهَبَ أَوْ الْفِضَّةَ الَّذِي يُوجَدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْدِنًا أَوْ كَنْزًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُوَا إمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي حَيِّزِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ حَيِّزِ دَارِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي مَفَازَةٍ لَا مَالِكَ لَهَا، أَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، أَوْ فِي دَارٍ، وَالْمَوْجُودُ كَنْزٌ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا:
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وُجِدَ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ فَفِيهِ الْخُمُسُ) عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ كَالصَّيْدِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ كُلُّهُ وَالْحَوْلُ
إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاشْتَبَهَ الْحَالُ. فَفِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَذُوبُ وَيَتَطَبَّعُ إذَا (وُجِدَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ الْخُمُسُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ) وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (كَالصَّيْدِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ) لِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ نَمَاءٌ كُلُّهُ، وَالْحَوْلُ لِلتَّنْمِيَةِ وَالنِّصَابُ عِنْدَهُ مُعْتَبَرٌ، فَلَوْ كَانَ دُونَ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ وَلَمْ يَقُلْ فِي جَانِبِنَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَائِلٌ بِالزَّكَاةِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِاشْتِرَاطِ الْحَوْلِ، فَنَفَاهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ، وَنَحْنُ نَقُولُ
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لِلتَّنْمِيَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَهُوَ مِنْ الرَّكْزِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَعْدِنِ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَحَوَتْهَا أَيْدِينَا غَلَبَةً فَكَانَتْ غَنِيمَةً. وَفِي الْغَنَائِمِ الْخُمُسُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ إلَّا أَنَّ لِلْغَانِمِينَ يَدًا حُكْمِيَّةً لِثُبُوتِهَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ فَلِلْوَاجِدِ فَاعْتَبَرْنَا الْحُكْمِيَّةَ فِي حَقِّ الْخُمُسِ وَالْحَقِيقَةَ فِي حَقِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ حَتَّى كَانَتْ لِلْوَاجِدِ
(وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ
بِالْخُمُسِ وَالْحَوْلُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» قَالَهُ حِينَ سُئِلَ عَمَّا يُوجَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْعَادِي، وَعَطَفَ عَلَى الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَقَالَ فِيهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» عَطَفَ عَلَى الْمَدْفُونِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّكَازِ الْمَعْدِنُ فَإِنَّهُ مِنْ الرِّكْزِ وَهُوَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْدِنِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ (وَلِأَنَّهَا) أَيْ الْأَرْضَ (كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَحَوَتْهَا أَيْدِينَا) وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ غَنِيمَةً وَهُوَ أَيْضًا وَاضِحٌ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الْخُمُسُ بِالنَّصِّ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الصَّيْدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَالصَّيْدِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً لَكَانَ الْخُمُسُ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّ لِلْغَانِمِينَ يَدًا حُكْمِيَّةً) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ إذَا حَوَتْ أَيْدِيهمْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهَاهُنَا أَيْدِيهمْ حُكْمِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ أَيْدِيهمْ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ حَقِيقَةً ثَبَتَتْ عَلَى بَاطِنِهَا حُكْمًا.
(وَأَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ فَلِلْوَاجِدِ) فَكَانَ مَا فِي بَاطِنِهَا غَنِيمَةً حُكْمًا لَا حَقِيقَةً (فَاعْتَبَرْنَا الْحُكْمِيَّةَ فِي حَقِّ الْخُمُسِ وَالْحَقِيقِيَّةَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ حَتَّى كَانَ لِلْوَاجِدِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمَالِ كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ، وَلِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَا حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ إمَّا سَهْمًا أَوْ رَضْخًا، فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ يُرْضَخُ لَهُمْ إذَا قَاتَلُوا عَلَى مَا سَيَجِيءُ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ الرِّكَازِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكُلُّ. فَإِنْ قِيلَ: رَوَى أَنَّ عَبْدًا وَجَدَ جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَأَدَّى ثَمَنَهُ وَأَعْتَقَهُ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ وَجَدَهُ فِي دَارِ رَجُلٍ صَاحِبِ خُطَّةٍ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا فَصَرَفَهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيُوصِلَهُ إلَى الْعِتْقِ. قَالَ فِي التُّحْفَةِ: يَجُوزُ لِلْوَاجِدِ أَنْ يَصْرِفَ الْخُمُسَ إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَا يُغْنِيهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ وَهُوَ حَقٌّ وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مَا يُشِيرُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
قَالَ (وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ)
[ ٢ / ٢٣٥ ]
مَعْدِنًا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا فِيهِ الْخُمُسُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلَهُ أَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مُرَكَّبٌ فِيهَا وَلَا مُؤْنَةَ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ فَكَذَا فِي هَذَا الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ لَا يُخَالِفُ الْجُمْلَةَ، بِخِلَافِ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ فِيهَا (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى إحْدَاهُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الدَّارَ مُلِكَتْ خَالِيَةً عَنْ الْمُؤَنِ دُونَ الْأَرْضِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْعُشْرُ، وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الدَّارِ فَكَذَا هَذِهِ الْمُؤْنَةُ
(وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا) أَيْ كَنْزًا (وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ) عِنْدَهُمْ لِمَا رَوَيْنَا وَاسْمُ الرِّكَازِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَنْزِ لِمَعْنَى الرَّكْزِ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ
إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ فِي دَارِهِ (مَعْدِنًا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا فِيهِ الْخُمُسُ) لَهُمَا إطْلَاقُ قَوْلِهِ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ، وَدَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهَا لَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَجُوزُ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا لَا مِنْ أَجْزَائِهَا خِلْقَةً، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا خَصَّهُ بِهَذِهِ الدَّارِ فَكَأَنَّهُ نَفَّلَ بِهَا، وَلِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ: لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا فِي الدَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِيهِ الْخُمُسُ، وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا: أَيْ كَنْزًا) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِأَنَّ الرِّكَازَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْدِنِ وَالْكَنْزِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَعْدِنِ فَيُرَادُ بِهِ الْكَنْزُ وَلِيَصِحَّ قَوْلُهُ (وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ عِنْدَهُمْ) فَإِنْ وَجَبَ الْخُمُسُ بِالِاتِّفَاقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَنْزِ لَا فِي الْمَعْدِنِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ فِي الدَّارِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ فَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ هُنَا اسْتِعْمَالٌ لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَاسْمُ الرِّكَازِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَنْزِ لِمَعْنَى الرِّكْزِ فِيهِ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَدْلُولَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ لِسِبَاقِ مَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ الْكَنْزُ فَكَانَ ذِكْرُ الْكَنْزِ مَقْصُودًا هُنَاكَ فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ، إذْ دَلَالَةُ الرِّكَازِ عَلَى مَا ادَّعَى الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَنْزِ بِسَبَبِ دَلَالَةِ الرِّكَازِ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الْكَنْزِ وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْدِنِ فَكَانَ مُحْتَمَلًا كَالنَّصِّ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الْكَنْزِ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ فَبِدَلِيلٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ فَكَانَ مُفَسَّرًا
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ وَقَدْ عُرِفَ حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ فَفِيهِ الْخُمُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا بَيَّنَّا ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْهُ إذْ لَا عِلْمَ بِهِ لِلْغَانِمِينَ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، فَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مِنْهُ،
فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْعَامِّ عَلَى مَا قَرَّرَ لَا بِالْمُشْتَرَكِ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ عِنْدَنَا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ (ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ) يُعَرِّفُهَا حَيْثُ وَجَدَهَا مُدَّةً يَتَوَهَّمُ أَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ فَفِيهِ الْخُمُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْجُودُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ رَصَاصًا أَوْ غَيْرَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاجِدُ صَغِيرًا أَوْ بَالِغًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا إلَّا إذَا كَانَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ (لَمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْقُولِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ) يَعْنِي الَّذِي هُوَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الَّذِي يَكُونُ بِضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يُلْحَقُ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا التَّفْرِيعُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْهُ إذْ لَا عِلْمَ بِهِ لِلْغَانِمَيْنِ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْغَانِمَيْنِ يَدًا حُكْمِيَّةً وَلِلْوَاجِدِ يَدًا حَقِيقِيَّةً فَيَكُونُ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ هَذَا الْكَنْزَ الْمَذْكُورَ (فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ الْخُمُسُ لِلْفُقَرَاءِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ (لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مِنْهُ) لِأَنَّ
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُخْتَطِّ لَهُ وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ الْإِمَامُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ أَوَّلَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ وَهِيَ يَدُ الْخُصُوصِ فَيَمْلِكُ بِهَا مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ مَلَكَ الدُّرَّةَ ثُمَّ بِالْبَيْعِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُخْتَطُّ لَهُ يُصْرَفُ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالُوا وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ يُجْعَلُ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي دَارِ بَعْضِهِمْ رِكَازًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ) تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الدَّارِ فِي يَدِ صَاحِبِهَا خُصُوصًا (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ فَهُوَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
الْمُخْتَطَّ لَهُ مَا حَازَ مَا فِي الْبَاطِنِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُخْتَطِّ لَهُ وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ الْإِمَامُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ أَوَّلَ الْفَتْحِ لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ) فَإِنْ قِيلَ: يَدُ الْمُخْتَطِّ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً لَكِنَّهَا يَدٌ حُكْمِيَّةٌ وَبِهَا لَا يُمْلَكُ كَمَا فِي الْغَانِمِينَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَهِيَ يَدُ الْخُصُوصِ) يَعْنِي أَنَّ الْيَدَ الْحُكْمِيَّةَ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ إذَا كَانَتْ يَدَ عُمُومٍ كَمَا فِي الْغَانِمِينَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ يَدَ خُصُوصٍ (فَيُمْلَكُ بِهَا مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ مَلَكَ الدُّرَّةَ) وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْغَازِي بَعْدَ الْقِسْمَةِ نَافِذٌ وَقَبْلَهَا لَا، وَمَا ثَمَّةَ إلَّا عُمُومُ الْيَدِ وَخُصُوصُهَا، فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُخْتَطَّ لَهُ قَدْ مَلَكَ لَكِنْ بَاعَ الْأَرْضَ فَخَرَجَ الْكَنْزُ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَعْدِنٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ: أَيْ الْكَنْزَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، كَمَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ السَّمَكَةَ لَمْ تَخْرُجْ بِبَيْعِهَا الدُّرَّةُ عَنْ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُخْتَطُّ لَهُ يُصْرَفْ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالُوا) وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ. وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَوْلُهُ (وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي دَارِ بَعْضِهِمْ رِكَازًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنًا أَوْ كَنْزًا (رَدَّهُ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ) قَالَ ﷺ «فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ» (لِأَنَّ مَا فِي الدَّارِ فِي يَدِ صَاحِبِهَا خُصُوصًا وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ) أَيْ الَّتِي فِي حَيِّزِ دَارِ الْحَرْبِ وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ (فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يُعَدُّ غَدْرًا وَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُتَلَصِّصٍ غَيْرِ مُجَاهِرٍ (وَلَيْسَ فِي الْفَيْرُوزَجِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ خُمُسٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» (وَفِي الزِّئْبَقِ الْخُمُسُ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ
فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يُعَدُّ غَدْرًا وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ لَا خُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ وَهِيَ مَا كَانَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِ) فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَأْمَنُ مِنَّا فِي دَرَاهِمِ إذَا وَجَدَ فِي أَرْضٍ لَيْسَ بِمَمْلُوكَةٍ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا لَوْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كُلُّهُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ أَحْكَامٍ فَتُعْتَبَرُ الْيَدُ الْحُكْمِيَّةُ فِيهَا عَلَى الْمَوْجُودِ وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْفَرْضُ عَدَمُهَا.
وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِي الْفَيْرُوزَجِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ) هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَكَذَلِكَ الْجِصُّ وَالْكُحْلُ وَالزِّرْنِيخُ وَالْيَاقُوتُ وَغَيْرُهَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ احْتِرَازًا عَمَّا يُوجَدُ مِنْهُ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ الزِّئْبَقِ وَاللُّؤْلُؤِ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ فَأُصِيبَ قَهْرًا فَإِنَّ فِيهِ الْخُمُسَ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ مَعْدِنِهِ فَكَانَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلِّ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ (وَفِي الزِّئْبَقِ الْخُمُسُ) قِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ بِالْهَمْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالْكَسْرِ الْبَاءُ، بَعْدَ الْهَمْزِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُصَابُ فِي مَعْدِنِهِ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا. حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا شَيْءَ فِيهِ وَكُنْت أَقُولُ فِيهِ الْخُمُسُ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَاظِرُهُ وَأَقُولُ إنَّهُ كَالرَّصَاصِ حَتَّى قَالَ فِيهِ الْخُمُسُ، ثُمَّ رَأَيْت أَنْ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيهِ الْخُمُسُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ فِيهِ، قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيرِ وَالنِّفْطِ: يَعْنِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِيَاهِ وَلَا خُمُسَ فِي الْمَاءِ. وَقَالَا
[ ٢ / ٢٣٩ ]
(وَلَا خُمُسَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفُ: فِيهِمَا وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ خُمُسٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ الْعَنْبَرِ. وَلَهُمَا أَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ فَلَا يَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ
إنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلَاجِ مِنْ عَيْنِهِ وَيَنْطَبِعُ مَعَ غَيْرِهِ فَكَانَ كَالْفِضَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْطَبِعُ مَا لَمْ يُخَالِطْهَا شَيْءٌ، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ
(وَلَا خُمُسَ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهِمَا وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ الْخُمُسُ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ الْعَنْبَرِ) رُوِيَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ: كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَسْأَلُهُ عَنْ عَنْبَرَةٍ وُجِدَتْ عَلَى السَّاحِلِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي جَوَابِهِ: إنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَفِيهِ الْخُمُسُ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَصْلُحُ حُجَّةً فِي الْعَنْبَرِ لَا فِي اللُّؤْلُؤِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ حُجَّةً فِي اللُّؤْلُؤِ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ عُمَرَ كَانَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ يُسْتَخْرَجَانِ مِنْ الْبَحْرِ قَالَ: فِيهِمَا الْخُمُسُ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى اللُّؤْلُؤِ بِالدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ بِالْعَنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ وَفِيهِ الْخُمُسُ، فَكَذَا كُلُّ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ دَفْعًا لِلْحُكْمِ (وَلَهُمَا أَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا كَانَ بِأَيْدِي الْكَفَرَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْعَنْبَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَمْنَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: لَوْ وُجِدَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي قَعْرِ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
غَنِيمَةً وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ فِيمَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ وَبِهِ نَقُولُ (مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا فَهُوَ لِلَّذِي وَجَدَهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ) مَعْنَاهُ: إذَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.