(وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَفْزَعُهُ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ،
عَدَمُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ فَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي خَاصَّةً وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِرْ مُسْتَخْلِفًا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِمَا ذَكَرْنَا بَقِيَ الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي لِخُلُوِّ مَكَانِ إمَامِهِ عَنْ الْإِمَامَةِ
(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا)
هَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي الصَّلَاةِ بِاخْتِيَارِ الْمُصَلِّي فَكَانَتْ مُكْتَسَبَةً، وَأَخَّرَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهَا سَمَاوِيَّةً (وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَفْسُدُ فِي الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ إلَّا إذَا طَالَ الْكَلَامُ) وَلَمْ يُفَرِّقْ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، وَالسَّهْوُ مَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ، وَالْخَطَأُ مَا لَا يَنْتَبِهُ بِالتَّنْبِيهِ أَوْ يَتَنَبَّهُ بَعْدَ إتْعَابٍ، وَالنِّسْيَانُ هُوَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُدْرِكُ مِنْ الْخَيَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (وَمَفْزَعُهُ) أَيْ مَلْجَؤُهُ (الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ:
«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ حَقِيقَتَهُمَا غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ لِوُجُودِهِمَا بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ وَهُوَ الْإِفْسَادُ مَرْفُوعًا (وَلَنَا) حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَطَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقُلْت يَرْحَمُك اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْت: وَاثُكْلَ أُمَّاهُ مَالِي أَرَاكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ شَزْرًا؟ فَضَرَبُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَعَلِمْت أَنَّهُمْ يُسْكِتُونَنِي، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ دَعَانِي، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ مَا كَهَرَنِي وَلَا زَجَرَنِي وَلَكِنْ قَالَ إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» الْحَدِيثَ.
جَعَلَ
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَإِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ. بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَذْكَارِ فَيُعْتَبَرُ ذِكْرًا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ وَكَلَامًا فِي حَالَةِ التَّعَمُّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ
عَدَمَ الْكَلَامِ فِيهَا مِنْ حَقِّهَا كَمَا جَعَلَ وُجُودَ الطَّهَارَةِ فِيهَا مِنْ حَقِّهَا، فَكَمَا لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الطَّهَارَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْكَلَامِ وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مُفْسِدًا لَأَمَرَ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ. قُلْنَا: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالنَّفْيِ وَهُوَ بَاطِلٌ، سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ بِالنَّسْخِ شَرْطٌ وَلَمْ يَكُنْ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ كَمُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ حُكْمَ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْإِثْمُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمُ الدُّنْيَا مُرَادًا وَإِلَّا لَزِمَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الْمُقْتَضِي. وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ السَّلَامُ كَالْكَلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ. وَفِي السَّلَامِ يُفْصَلُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فَكَذَلِكَ الْكَلَامُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ كَالْكَلَامِ (لِأَنَّهُ مِنْ الْأَذْكَارِ) إذْ الْمُتَشَهِّدُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَخَذَ حُكْمَ الْكَلَامِ بِكَافِ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْخِطَابِ فِيهِ عِنْدَ الْقَصْدِ، فَإِذَا كَانَ نَاسِيًا أَلْحَقْنَاهُ بِالْأَذْكَارِ، وَإِذَا كَانَ عَامِدًا أَلْحَقْنَاهُ بِالْكَلَامِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ يُنَافِي الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكَانَ مُبْطِلًا لَهَا كَذَلِكَ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَفْعَالٍ تُنَافِي الصَّلَاةَ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْهَا غَيْرُ مُفْسِدٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ قَلِيلِهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، إذْ فِي الْحَيِّ حَرَكَاتٌ طَبِيعِيَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تُفْسِدُ حَتَّى تَدْخُلَ فِي حَيِّزِ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهُوَ الْكَثِيرُ، وَلَيْسَ فِي الْحَيِّ كَلَامٌ طَبِيعِيٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ
[ ١ / ٣٩٦ ]
(فَإِنْ أَنَّ فِيهَا أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَمْ يَقْطَعْهَا) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ (وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَطَعَهَا) لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارُ الْجَزَعِ وَالتَّأَسُّفِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ قَوْلَهُ آهٍ لَا يُفْسِدُ فِي الْحَالَيْنِ وَأُوهِ يُفْسِدُ.
وَقِيلَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ تَفْسُدُ. وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ جَمَعُوهَا فِي قَوْلِهِمْ الْيَوْمَ تَنْسَاهُ
عَنْهُ فَاسْتَوَى الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَنَّ فِيهَا أَوْ تَأَوَّهَ) الْأَنِينُ: صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ آهٍ، وَالتَّأَوُّهُ أَنْ يَقُولَ أَوْهٌ، وَارْتِفَاعُ الْبُكَاءِ هُوَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ حُرُوفٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ، أَوْ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَقْطَعْهَا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ قَطَعَهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْجَزَعِ وَالْمُصِيبَةِ، فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلًا عَلَى أَمْرٍ، وَالدَّلَالَةُ تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَرِيحٌ يُخَالِفُهَا، وَلَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسَالِكُ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَوْ صَرَّحَ بِإِظْهَارِ الْوَجَعِ فَقَالَ إنِّي مُصَابٌ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَكَذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ صَرِيحٌ يُخَالِفُهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ آهٍ لَمْ تَفْسُدْ فِي الْحَالَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ، أَوْ مِنْ وَجَعٍ وَمُصِيبَةٍ وَأَوْهٌ تُفْسِدُ.
وَقِيلَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا لَا تُفْسِدُ، وَإِنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ تُفْسِدُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ كَلَامِ الْعَرَبِ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى حَرْفٍ يُبْتَدَأُ بِهِ وَحَرْفٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ وَحَرْفٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، فَالْحَرْفُ الْوَاحِدُ أَقَلُّ الْجُمْلَةِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَلَامِ، وَالْحَرْفَانِ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الزَّوَائِدِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ إلَى
[ ١ / ٣٩٧ ]
وَهَذَا لَا يَقْوَى لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ فِي مُتَفَاهَمِ الْعُرْفِ يَتْبَعُ وُجُودَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَإِفْهَامَ الْمَعْنَى، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ
(وَإِنْ تَنَحْنَحَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ (وَحَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَهُوَ عَفْوٌ كَالْعُطَاسِ) وَالْجُشَاءِ إذَا حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ.
الْأَصْلِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ فَقَدْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَالْحُرُوفُ الزَّوَائِدُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلُّ زَائِدٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْهَا لَا عَكْسَهُ جَمَعُوهَا فِي قَوْلِهِمْ الْيَوْمَ تَنْسَاهُ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: آهٍ لَا تُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الزَّوَائِدِ، وَأَوْهٌ تُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى حَرْفَيْنِ فَإِنَّهُ فِي الزَّوَائِدِ عَلَى حَرْفَيْنِ لَا يُنْظَرُ إلَى الْأَصَالَةِ وَالزِّيَادَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ هُوَ الْمُفْسِدُ، وَكَلَامُ النَّاسِ فِي مُتَفَاهِمِ الْعُرْفِ يَتَّبِعُ وُجُودَ الْهِجَاءِ وَإِفْهَامَ الْمَعْنَى وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلِّهَا زَوَائِدَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَإِنَّك إذَا قُلْت أَنْتُمْ الْيَوْمَ سَأَلْتُمُونِيهَا فَإِنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَفِعْلٌ وَفَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ بِهِ وَمَفْعُولٌ فِيهِ وَكُلُّهَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ، وَهُوَ مُفْسِدٌ بِالِاتِّفَاقِ. قُلْت: هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْحَرْفَيْنِ لَا فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا وَتَابَعَهُ الشَّارِحُونَ، وَأَقُولُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي حُرُوفٍ كُلِّهَا زَوَائِدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ فِيهِ التَّثْنِيَةَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى كَلَامِهِ كَلَامَ النَّاسِ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ وُجُودِ الْهِجَاءِ وَإِفْهَامِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ حَرْفَانِ مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ فَيَكُونُ كَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا.
(وَإِنْ تَنَحْنَحَ) وَحَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ: أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَنْبَغِي أَنْ
[ ١ / ٣٩٨ ]
(وَمَنْ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا قَالُوا لِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا
(وَإِنْ اسْتَفْتَحَ فَفَتْحَ عَلَيْهِ
تُفْسِدُ عِنْدَهُمَا. قِيلَ إنَّمَا قَالَ يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ التَّنَحْنُحُ لِإِصْلَاحِ الصَّوْتِ لِلْقِرَاءَةِ، فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَا تُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ مَعْنًى، كَالْمَشْيِ لِلْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لِكَوْنِهِ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ صَارَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إلَيْهِ فِي التَّنَحْنُحِ إلَّا أَنَّهُ فَعَلَ لِإِصْلَاحِ الْحَلْقِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقِرَاءَةِ إنْ ظَهَرَ لَهُ حُرُوفٌ كَقَوْلِهِ " أُحْ أُحْ " وَتَكَلَّفَ لِذَلِكَ كَانَ الْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ يَقُولُ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا حُرُوفُ هِجَاءٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وَلَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: عِنْدَهُمَا أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَحَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَمَذْهَبُهُ حِينَئِذٍ كَمَذْهَبِهِمَا كَمَا مَرَّ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِهِمَا بِالذِّكْرِ، فَإِنْ حُمِلَ الْجَمْعُ هَاهُنَا أَيْضًا عَلَى التَّنْبِيهِ انْدَفَعَ النَّظَرُ الثَّانِي، وَيُقَالُ فِي دَفْعِ الْأَوَّلِ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا فَقَالَ يَنْبَغِي وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَفْوٌ: أَيْ مَعْفُوٌّ كَالْعُطَاسِ وَالْجُشَاءُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَإِنْ حَصَلَ بِهِ حُرُوفُ هِجَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَهُوَ) أَيْ الْقَائِلُ (فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَهُ الْعَاطِسُ بِنَفْسِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ يَرْحَمُنِي اللَّهُ وَبِهِ لَا تَفْسُدُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ) فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ (عَلَى مَا قَالُوا) وَفِي هَذَا اللَّفْظِ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الْبَعْضِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، فَإِنْ حَرَّكَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اسْتَفْتَحَ فَفَتَحَ عَلَيْهِ) الِاسْتِفْتَاحُ طَلَبُ الْفَتْحِ وَالِاسْتِنْصَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَاهُنَا مُرَادًا وَالِاسْتِفْتَاحُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِحَ وَالْفَاتِحَ إمَّا أَنْ يَكُونَا فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، أَوْ يَكُونَا فِيهَا، أَوْ يَكُونُ الْمُسْتَفْتِحُ فِيهَا دُونَ الْفَاتِحِ أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَا فِي الصَّلَاةِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُتَّحِدَةً بِأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفْتِحُ إمَامًا وَالْفَاتِحُ مَأْمُومًا أَوْ لَا يَكُونُ،
[ ١ / ٣٩٩ ]
فِي صَلَاتِهِ تَفْسُدُ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمُصَلِّي عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ، ثُمَّ شَرَطَ التَّكْرَارَ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ فَيُعْفَى الْقَلِيلُ مِنْهُ، وَلَمْ يُشْرَطْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِنَفْسِهِ قَاطِعٌ وَإِنْ قَلَّ (وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُفْسِدًا) اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنًى (وَيَنْوِي الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ دُونَ الْقِرَاءَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ، وَقِرَاءَتُهُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا (وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ التَّلْقِينِ وَالتَّلَقُّنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْفَتْحِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَرْكَعَ إذَا جَاءَ أَوَانُهُ أَوْ يَنْتَقِلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى.
فَفِي الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ: إذَا فَتَحَ غَيْرُ مَرَّةً فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ لَا تَفْسُدُ.
قَالَ (؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ فَيُعْفَى الْقَلِيلُ مِنْهُ وَلَمْ يَشْرِطْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) التَّكْرَارَ (لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ قَاطِعٌ وَإِنْ قَلَّ) قِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ كَلَامًا اسْتِحْسَانًا، إمَّا بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ مِنْهَا كَلِمَةً فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ ﷺ: أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ؟ فَقَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ: هَلَّا فَتَحْتَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا نُسِخَتْ، فَقَالَ ﵊: لَوْ نُسِخَتْ لَأَنْبَأْتُكُمْ» وَإِمَّا بِمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنَى. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَنْوِي الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْوِي بِالْفَتْحِ التِّلَاوَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْوِي الْفَتْحَ دُونَ التِّلَاوَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (هُوَ الصَّحِيحُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ رُخِّصَ لَهُ فِي الْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ وَمُنِعَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَدَعُ مَا رُخِّصَ لَهُ إلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْقِرَاءَةَ دُونَ التَّعْلِيمِ عَلَى مَا يُذْكَرُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ مَا إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَقْرَأْ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِلصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ إذَا فَتَحَ بَعْدَمَا قَرَأَ ذَلِكَ صَحَّ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنًى، وَيَنْوِي الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ دُونَ الْقِرَاءَةِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ وَقِرَاءَتُهُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا إنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ التَّلْقِينِ وَالتَّلَقُّنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْمَشَايِخِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا تَفْسُدُ (وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَلَّا يَعْجَلَ بِالْفَتْحِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَلَّا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ) بِأَنْ يُرَدِّدَ الْآيَةَ أَوْ يَقِفَ سَاكِتًا (بَلْ يَرْكَعُ إذَا جَاءَ أَوَانُهُ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى آيَةٍ أُخْرَى)
[ ١ / ٤٠٠ ]
(وَلَوْ أَجَابَ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهَذَا كَلَامٌ مُفْسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا يَكُونُ مُفْسِدًا) وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَرَادَ بِهِ جَوَابَهُ. لَهُ أَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ فَيُجْعَلُ جَوَابًا كَالتَّشْمِيتِ وَالِاسْتِرْجَاعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ (وَإِنْ أَرَادَ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ بِالْإِجْمَاعِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ»
وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الْأَوَانَ لِاخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الِاسْتِحْبَابَ فَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا أُرْتِجَ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى سُورَةٍ أُخْرَى أَوْ يَرْكَعَ إذَا كَانَ قَرَأَ الْمُسْتَحَبَّ صِيَانَةً لِلصَّلَاةِ عَنْ الزَّوَائِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْفَرْضَ فَقَالَ: يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَرَدَّدَ فَيُلْجِئَ الْقَوْمَ أَنْ يَفْتَتِحُوا عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَرَأَهُ مِقْدَارَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِحُ وَحْدَهُ فِي الصَّلَاةِ وَفَتَحَ عَلَيْهِ الْخَارِجُ وَأَخَذَ مِنْهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّلْقِينِ وَالتَّلَقُّنِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ، فَإِنْ نَوَى تَعْلِيمَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَوَى قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَمْ تَفْسُدْ، وَاشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ قَدْ مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَجَابَ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) إذَا قِيلَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَا يَخْلُو، إمَّا أَنَّهُ أَرَادَ جَوَابَهُ أَوْ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ ثَنَاءٌ بِصِيغَتِهِ: أَيْ بِمَا وُضِعَ لَهُ صِيغَتُهُ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا إذَا أَرَادَ بِهِ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ الثَّنَاءَ وَالْجَوَابَ فَكَانَ كَالْمُشْتَرَكِ، وَالْمُشْتَرَكُ يَجُوزُ تَعْيِينُ أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ بِالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ كَالتَّشْمِيتِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ ذِكْرٌ بِصِيغَتِهِ وَيَحْتَمِلُ الْخِطَابَ، وَقَدْ أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلَامِ النَّاسِ حِينَ قَصَدَ بِهِ خِطَابَ الْعَاطِسِ. فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي جَوَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ عَلَى الدُّخُولِ وَهُوَ ﷺ فِي الصَّلَاةِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ أَرَادَ جَوَابَهُ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. قِيلَ أَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ انْتَهَى بِالْقِرَاءَةِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَقِيَاسُهُ عَلَى إرَادَةِ الْإِعْلَامِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَإِذَا قِيلَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاتَ فُلَانٌ فَقَالَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ فَارِقٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى الْوِفَاقِ: يَعْنِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَافَقَهُمَا فِي أَنَّ الِاسْتِرْجَاعَ مُفْسِدٌ، وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ
[ ١ / ٤٠١ ]
(وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ افْتَتَحَ الْعَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ فَقَدْ نَقَضَ الظُّهْرَ) لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِهِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ (وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ بَعْدَمَا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَهِيَ هِيَ وَيَتَجَزَّأُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) لِأَنَّهُ نَوَى الشُّرُوعَ فِي عَيْنِ مَا هُوَ فِيهِ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ وَبَقِيَ الْمَنْوِيُّ عَلَى حَالِهِ
(وَإِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُصْحَفِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا هِيَ تَامَّةٌ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ انْضَافَتْ إلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى
الِاسْتِرْجَاعَ لِإِظْهَارِ الْمُصِيبَةِ وَمَا شُرِعَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ وَالتَّهْلِيلُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةُ شُرِعَتْ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَفْسُدْ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ».
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ) يَعْنِي إذَا صَلَّى رَجُلٌ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ ثُمَّ افْتَتَحَ افْتِتَاحًا ثَانِيًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ نَقَضَ الْأُولَى وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْأُولَى فَتَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَتَا فَرْضَيْنِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي صَاحِبَ تَرْتِيبٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَتْ فَرْضًا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ ثَانِيًا فَقَدْ لَغَتْ نِيَّتُهُ وَبَقِيَ الْمَنْوِيُّ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَيَكُونُ مَا صَلَّى مِنْ الْأُولَى مَحْسُوبًا حَتَّى لَوْ صَلَّى بَعْدَهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْأُولَى انْتَقَضَتْ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّالِثَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ. وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ هَذَا إذَا نَوَى بِقَلْبِهِ، أَمَّا إذَا نَوَى بِلِسَانِهِ وَقَالَ نَوَيْت أَنْ أُصَلِّيَ الظُّهْرَ انْتَقَضَ مَا صَلَّى وَلَا يُجْتَزَأُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُصْحَفِ) قَيْدُ الْإِمَامِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُنْفَرِدِ كَذَلِكَ. قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ آيَةٍ تَامَّةٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ قِرَاءَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ الْفَاتِحَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ عِنْدَهُ فِي الْإِفْسَادِ سَوَاءٌ، وَعِنْدَهُمَا فِي عَدَمِهِ سَوَاءٌ فَلِهَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْكِتَابِ (لَهُمَا أَنَّهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ (عِبَادَةٌ) وَهُوَ وَاضِحٌ (انْضَافَتْ) أَيْ انْضَمَّتْ (إلَى عِبَادَةٍ) وَهُوَ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَعْطُوا
[ ١ / ٤٠٢ ]
(إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَقْلِيبَ الْأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَلِأَنَّهُ تَلَقُّنٌ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ وَفَهِمَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ حَيْثُ يَحْنَثُ بِالْفَهْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَالِكَ الْفَهْمُ، أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ.
أَعْيُنَكُمْ مِنْ الْعِبَادَةِ حَظَّهَا قِيلَ وَمَا حَظُّهَا مِنْ الْعِبَادَةِ؟ قَالَ: النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ»، وَالْعِبَادَةُ الْوَاحِدَةُ غَيْرُ مُفْسِدَةٍ فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّتْ إلَى أُخْرَى (إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ) وَنَحْنُ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهَا فِيمَا لَنَا مِنْهُ بُدٌّ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَمْيِيزَ حَرْفٍ عَنْ حَرْفٍ وَتَقْلِيبَ الْأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَهُوَ مُفْسِدٌ لَا مَحَالَةَ؛ وَلِأَنَّهُ تَلَقُّنٌ مِنْ الْمُصْحَفِ وَهُوَ كَالتَّلَقُّنِ مِنْ غَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ عِنْدَهُ، وَالتَّلَقُّنُ مِنْ الْغَيْرِ مُفْسِدٌ لَا مَحَالَةَ فَكَذَا مِنْ الْمُصْحَفِ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي (لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ فِي مَكَان وَالْمَحْمُولِ)؛ لِأَنَّهُمَا فِي التَّلَقُّنِ سَوَاءٌ (وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ)؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهِ الْحَمْلُ، فَإِذَا فَاتَ بِالْوَضْعِ فَاتَ بَعْضُ الدَّلِيلِ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ جَعَلَ التَّعْلِيلَ بِالتَّلَقُّنِ أَصَحَّ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ) يَعْنِي إذَا نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ سِوَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قُرْآنًا لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي جَوَازِهِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْقُرْآنِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا تَفْسُدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَتَفْسُدُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ فَنَظَرَ فِيهِ حَتَّى فَهِمَهُ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِلِسَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِاللِّسَانِ الْفَهْمُ فَكَانَ الْفَهْمُ كَالْقِرَاءَةِ (وَلِأَبِي يُوسُفَ إنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِاللِّسَانِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ) وَلَيْسَ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ الْفَهْمُ (أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ)
[ ١ / ٤٠٣ ]
(وَإِنْ مَرَّتْ امْرَأَةٌ بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ إلَّا أَنَّ الْمَارَّ
قَالَ: (وَإِنْ مَرَّتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي) إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْمُصَلِّي شَيْءٌ يُوجِبُ فَسَادَ صَلَاتِهِ رَدًّا لِقَوْلِ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ أَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يُفْسِدُ صَلَاتَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «تَقْطَعُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ» قُلْنَا: أَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ حِينَ بَلَغَهَا فَقَالَتْ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ قَرَنْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ، فَإِذَا سَجَدَ خَنَسْت رِجْلِي، وَإِذَا قَامَ مَدَدْتهَا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا فِي الِاعْتِرَاضِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِدَوَامِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا
[ ١ / ٤٠٤ ]
آثِمٌ» لِقَوْلِهِ ﵊ «لَوْ عَلِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ» وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا قِيلَ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ
فَالْمُرُورُ أَوْلَى، ثُمَّ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ: أَوَّلُهَا هَذَا، وَهُوَ أَنَّ مُرُورَ شَيْءٍ لَا يَقْطَعُهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ».
وَالثَّانِي أَنَّ الْمَارَّ آثِمٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَوْ عَلِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ». قَالَ الرَّاوِي: لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا، وَقِيلَ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَالثَّالِثُ أَنَّ مِقْدَارَ مَوْضِعٍ يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ هُوَ مَوْضِعُ السُّجُودِ عَلَى مَا قِيلَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إذَا صَلَّى رَامِيًا بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لَا يُكْرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِمِقْدَارِ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِأَرْبَعِينَ، هَذَا إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ يَمُرُّ مَا وَرَاءَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالْمَارِّ (حَائِلٌ) كَأُسْطُوَانَةٍ أَوْ جِدَارٍ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَا يَأْثَمُ وَتُحَاذِي أَعْضَاءُ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَتُحَاذِي أَعْضَاءُ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ
(وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامَهُ سُتْرَةً) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً» (وَمِقْدَارُهَا ذِرَاعٌ فَصَاعِدًا)
لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ حَتَّى لَوْ كَانَ الدُّكَّانُ بِقَدْرِ قَامَةِ الرَّجُلِ كَانَ سُتْرَةً فَلَمْ يَأْثَمْ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ: أَعْنِي قَيْدَ عَدَمِ الْحَائِلِ وَقَيْدَ الْمُحَاذَاةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ مُنَافَاةً؛ لِأَنَّ الْجِدَارَ وَالْأُسْطُوَانَةَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ الْمُرُورُ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَلَعَلَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَيُؤَوِّلُ إلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى رَامِيًا بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَلَمْ يَقَعْ بِبَصَرِهِ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ، وَهَذَا لَا مُنَافَاةَ فِيهِ، فَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ حَسَنٌ
[ ١ / ٤٠٦ ]
لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَيَقْرُبُ مِنْ السُّتْرَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا» (وَيَجْعَلُ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ عَلَى الْأَيْسَرِ) بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إذَا أَمِنَ الْمُرُورَ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ
(وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ) لِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى بِبَطْحَاءَ مَكَّةَ إلَى عَنَزَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ
لِكَوْنِهِ مُطَّرِدًا فَإِنَّهُ مَا اخْتَارَ شَيْئًا إلَّا وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي حَازَ قَصَبَاتِ السَّبْقِ فِي مَيْدَانِ التَّحْقِيقِ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَأْخُذَ سُتْرَةً إذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً» وَالْخَامِسُ فِي مِقْدَارِهَا وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذِرَاعًا فَصَاعِدًا (لِقَوْلِهِ ﷺ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ لُغَةً فِي أَخَّرْته وَهِيَ الْخَشَبَةُ الْعَرِيضَةُ الَّتِي تُحَاذِي رَأْسَ الرَّاكِبِ، وَتَشْدِيدُ الْخَاءِ خَطَأٌ، وَهِيَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ وَسَنَذْكُرُ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إلَى عَنَزَةٍ وَهِيَ مِقْدَارُ ذِرَاعٍ. وَقَوْلُهُ: (يَنْبَغِي) بَيَانُ غِلَظِهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ السَّهْمُ. وَالسَّادِسُ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا» وَالسَّابِعُ أَنْ يَجْعَلَ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ، رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَا صَلَّى إلَى شَجَرَةٍ وَلَا إلَى عُودٍ وَلَا إلَى عَمُودٍ إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ وَلَمْ يَصْمُدْهُ صَمْدًا» أَيْ لَمْ يَقْصِدْهُ قَصْدًا إلَى الْمُوَاجَهَةِ.
وَالثَّامِنُ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ «؛ لِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِبَطْحَاءَ مَكَّةَ إلَى عَنَزَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ» أَيْ عَصًا ذَاتُ زَجٍّ. وَالزَّجُّ الْحَدِيدَةُ فِي أَسْفَلِ الرُّمْحِ، وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ نَكِرَةٌ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: إنْ أُرِيدَ بِهَا عَنَزَةُ النَّبِيِّ ﵊ كَانَ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ فَيَكُونُ مَنْصُوبًا.
وَالتَّاسِعُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ
[ ١ / ٤٠٧ ]
سُتْرَةٌ (وَيُعْتَبَرُ الْغَرْزُ دُونَ الْإِلْقَاءِ وَالْخَطِّ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَيَدْرَأُ الْمَارَّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَدْرَأُ بِالْإِشَارَةِ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَوْ يَدْفَعُ بِالتَّسْبِيحِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ (وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةً.
هُوَ الْغَرْزُ دُونَ الْإِلْقَاءِ وَالْخَطِّ. قِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ صُلْبَةً لَا يُمْكِنُهُ الْغَرْزُ فَإِنَّهُ يَضَعُهَا طُولًا لِتَكُونَ عَلَى هَيْئَةِ الْغَرْزِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ خَشَبَةٌ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: يَخُطُّ خَطًّا طَوِيلًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَارِّ لَا يَحْصُلُ بِهِ فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَطْرَحُ سَوْطَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُصَلِّي. فَإِنْ قِيلَ: الْخَطُّ وَالْوَضْعُ قَدْ رُوِيَا كَالْغَرْزِ فَمَا وَجْهُ الْمَنْعِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ تَرْكَ السُّتْرَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا أُمِنَ الْمُرُورُ لِمَا أَنَّ اتِّخَاذَ السُّتْرَةِ لِلْحِجَابِ عَنْ الْمَارِّ وَلَا حَاجَةَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَارِّ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَرَكَهُ فِي طَرِيقِ الْحِجَازِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَالْعَاشِرُ الدَّرْءُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَدْرَأُ) أَيْ يَدْفَعُ (بِالْإِشَارَةِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﵊ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ) «حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهَا فَقَامَ وَلَدُهَا عُمَرُ لِيَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ قِفْ، فَوَقَفَ، ثُمَّ قَامَتْ بِنْتُهَا زَيْنَبُ لِتَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَشَارَ إلَيْهَا أَنْ قِفِي فَأَبَتْ فَمَرَّتْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ نَاقِصَاتُ الدِّينِ صَوَاحِبُ يُوسُفَ صَوَاحِبُ كُرْسُفٍ يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامُ» (أَوْ يَدْفَعُ بِالتَّسْبِيحِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «إذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ» وَهَذِهِ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ (وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالتَّسْبِيحِ (؛ لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةً) وَهَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ،
[ ١ / ٤٠٨ ]