قَالَ (وَإِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَهَارًا نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ فَصَارَ كَالْكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ «قَوْلُهُ ﵊ لِلَّذِي أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا تِمَّ عَلَى صَوْمِكَ فَإِنَّمَا أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاكَ»
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ وَتَفْسِيرِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عِنْدَ إبْطَالِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَارِضٌ عَلَى الصَّوْمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ مُؤَخَّرًا (وَإِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ) وَوُجُودُ مُضَادِّ الشَّيْءِ مُعْدِمٌ لَهُ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الضِّدَّيْنِ مَعًا (فَصَارَ كَالْكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ «قَوْلُهُ ﷺ لِلَّذِي أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا: تِمَّ عَلَى صَوْمِك فَإِنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِلْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ فَإِنَّ الصِّيَامَ إمْسَاكٌ وَقَدْ فَاتَ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ رُكْنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَهُ لَا مَحَالَةَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إيفَائِهِ كَمَا كَانَ فَيَجِبُ تَرْكُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْكِتَابِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فَكَانَ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ فَيُعْمَلُ بِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ عَلَى حَالَةِ انْتِفَاءِ الْإِتْمَامِ عَمْدًا لِأَنَّ الْإِتْمَامَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ فَيَكُونُ ضِدُّهُ الْمُفَوِّتُ لَهُ كَذَلِكَ، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ فَلَا يَفُوتُهُ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْوِقَاعِ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الرُّكْنِيَّةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يَغْلِبُ النِّسْيَانُ وَلَا مُذَكِّرَ فِي الصَّوْمِ فَيَغْلِبُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَضِّلْ وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُهُ بِالنَّاسِي، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَعُذْرُ النِّسْيَانِ
لَكِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَكَيْفَ تَعَدَّى إلَى الْجِمَاعِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْوِقَاعِ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الرُّكْنِيَّةِ) يَعْنِي ثَبَتَ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا نَظِيرٌ لِلْآخَرِ فِي كَوْنِ الْكَفِّ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا رُكْنًا فِي بَابِ الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَصَارَ كَالْكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ).
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا) بِأَنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلشُّرْبِ فَتَمَضْمَضَ فَسَبَقَهُ الْمَاءُ فَدَخَلَ حَلْقَهُ (أَوْ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) عِنْدَنَا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُهُ بِالنَّاسِي) فَإِنَّ النَّاسِيَ قَاصِدٌ الشُّرْبَ دُونَ الْخَاطِئِ، فَإِذَا كَانَ فِعْلُ الْقَاصِدِ مَعْفُوًّا فَفِعْلُ غَيْرِ الْقَاصِدِ أَوْلَى (وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ) أَيْ الِاعْتِبَارُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَكَذَا الْإِلْحَاقُ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
غَالِبٌ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَالْإِكْرَاهَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ فَيَفْتَرِقَانِ كَالْمُقَيَّدِ وَالْمَرِيضِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ.
قَالَ (فَإِنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ لَمْ يُفْطِرْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصِّيَامَ الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ»، وَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْجِمَاعِ وَلَا مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةٍ بِالْمُبَاشَرَةِ (وَكَذَا إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ فَأَمْنَى) لِمَا بَيَّنَّا فَصَارَ كَالْمُتَفَكِّرِ إذَا أَمْنَى
بِالدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النِّسْيَانِ، فَإِنَّ النِّسْيَانَ غَالِبُ الْوُجُودِ، وَالْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ لَيْسَا كَذَلِكَ (وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْحَقِّ) بِخِلَافِ غَيْرِهِ، (فَيَفْتَرِقَانِ كَالْمُقَيَّدِ وَالْمَرِيضِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّ الْمُقَيَّدَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا بِعُذْرِ الْقَيْدِ قَضَى بِخِلَافِ الْمَرِيضِ
(فَإِنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ لَمْ يُفْطِرْ لِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصِّيَامُ: الْقَيْءُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالِاحْتِلَامُ» وَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْجِمَاعِ وَلَا مَعْنَاهُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِعَدَمِ إيلَاجِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِعَدَمِ الْإِنْزَالِ عَنْ شَهْوَةٍ بِالْمُبَاشَرَةِ، أَعْنِي بِمَسِّ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ (وَكَذَا إذَا نَظَرَ إلَى) وَجْهِ (امْرَأَةٍ) أَوْ فَرْجِهَا (فَأَمْنَى) أَيْ أَنْزَلَ الْمَنِيَّ لَا يُفْطِرُ (لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْجِمَاعُ صُورَةً وَلَا مَعْنًى (فَصَارَ كَالْمُتَفَكِّرِ) فِي امْرَأَةٍ
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وَكَالْمُسْتَمْنِي بِالْكَفِّ عَلَى مَا قَالُوا (وَلَوْ ادَّهَنَ لَمْ يُفْطِرْ) لِعَدَمِ الْمُنَافِي (وَكَذَا إذَا احْتَجَمَ) لِهَذَا وَلِمَا رَوَيْنَا (وَلَوْ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدِّمَاغِ مَنْفَذٌ وَالدَّمْعُ يَتَرَشَّحُ كَالْعَرَقِ وَالدَّاخِلُ مِنْ الْمَسَامِّ لَا يُنَافِي
حَسْنَاءَ إذَا أَمْنَى (وَكَالْمُسْتَمْنِي بِالْكَفِّ) يَعْنِي إذَا عَالَجَ ذَكَرَهُ بِكَفِّهِ حَتَّى أَمْنَى لَمْ يُفْطِرْ (عَلَى مَا قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ لِعَدَمِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَمَعْنًى. وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: الصَّائِمُ إذَا عَالَجَ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ حَتَّى أَمْنَى يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْجِمَاعُ مَعْنًى.
قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْجِمَاعِ يَعْتَمِدُ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى مَا قُلْنَا وَلَمْ يُوجَدْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ وُجِدَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجِمَاعِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ الشَّهْوَةَ؟ لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ ﵊ «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ وَإِنْ أَرَادَ تَسْكِينَ مَا بِهِ مِنْ الشَّهْوَةِ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ وَبَالٌ» (وَلَوْ ادَّهَنَ أَوْ احْتَجَمَ لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ الْمُنَافِي) وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ ﵊ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ» الْحَدِيثَ (وَلَوْ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ) وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ (لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدِّمَاغِ مَنْفَذٌ) فَمَا وَجَدَ فِي حَلْقِهِ مِنْ طَعْمِهِ إنَّمَا هُوَ أَثَرُهُ لَا عَيْنُهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَنْفَذٌ لَمَا خَرَجَ الدَّمْعُ. أَجَابَ بِأَنَّ الدَّمْعَ يَرْتَشِحُ كَالْعَرَقِ: يَعْنِي أَنَّهُ دَاخِلٌ مِنْ
[ ٢ / ٣٣٠ ]
كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ (وَلَوْ قَبَّلَ لَا يَفْسُدُ صَوْمٌ) يُرِيدُ بِهِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ لِعَدَمِ الْمُنَافِي صُورَةً وَمَعْنًى بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ وَالْمُصَاهَرَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ أُدِيرَ عَلَى السَّبَبِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِنْ أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَوُجُودِ الْمُنَافِي صُورَةً أَوْ مَعْنًى يَكْفِي لِإِيجَابِ الْقَضَاءِ احْتِيَاطًا، أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَتَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ (وَلَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ الْجِمَاعَ أَوْ الْإِنْزَالَ (وَيُكْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ) لِأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِمُفْطِرٍ وَرُبَّمَا يَصِيرُ فِطْرًا بِعَاقِبَتِهِ فَإِنْ أَمِنَ يُعْتَبَرُ عَيْنُهُ وَأُبِيحَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ تُعْتَبَرُ عَاقِبَتُهُ وَكُرِهَ لَهُ، وَالشَّافِعِيُّ أَطْلَقَ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا
الْمَسَامِّ وَالدَّاخِلُ مِنْهَا لَا يُنَافِي (كَمَا إذَا اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ) فَوَجَدَ بُرُودَةَ الْمَاءِ فِي كَبِدِهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مَعْبَدُ بْنُ هَوْذَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ وَقْتَ النَّوْمِ وَلِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ». أُجِيبَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَدَبَ إلَى صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَالِاكْتِحَالِ فِيهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَوَّلِ (وَلَوْ قَبَّلَ وَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْمُنَافِي صُورَةً وَمَعْنًى) عَلَى مَا ذَكَرْنَا (بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ وَالْمُصَاهَرَةِ) فَإِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِالْقُبْلَةِ بِالشَّهْوَةِ وَكَذَا بِالْمَسِّ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (لِأَنَّ حُكْمَهُمَا أُدِيرَ عَلَى السَّبَبِ) يَثْبُتُ بِسَبَبِ الْجِمَاعِ، كَمَا يَثْبُتُ بِهِ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ مَبْنَاهُمَا عَلَى الِاحْتِيَاطِ، أَمَّا فَسَادُ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ إمَّا صُورَةً أَوْ مَعْنًى لَا بِسَبَبِهِ حَتَّى لَمْ يَفْسُدْ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يُوجَدْ الْجِمَاعُ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَلَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ (وَإِنْ أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ) وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ (وَوُجُودُ الْمُنَافِي صُورَةً أَوْ مَعْنًى يَكْفِي لِإِيجَابِ الْقَضَاءِ احْتِيَاطًا أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَتَفْتَقِرُ إلَى كَمَالِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ) وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ أَعْلَى عُقُوبَاتِ الْمُفْطِرِ لِإِفْطَارِهِ فَلَا يُعَاقَبُ بِهَا إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْجِنَايَةِ نِهَايَتَهَا وَلَمْ تَبْلُغْ نِهَايَتَهَا لِأَنَّ هَهُنَا جَنَابَةٌ مِنْ جِنْسِهَا أَبْلَغُ مِنْهَا، وَهِيَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى.
وَقَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ إذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَرْجِعِ هَذَا الضَّمِيرِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ الْأَمْنَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْجِمَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ الْأَمْنَ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ. وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَالشَّافِعِيُّ أَطْلَقَ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ) أَيْ فِي جَوَازِ الْقُبْلَةِ فِي حَالِ أَمْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَدَمِهِ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَالْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ مِثْلُ التَّقْبِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ الْفِتْنَةِ.
(وَلَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ ذُبَابٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ لَمْ يُفْطِرْ) وَفِي الْقِيَاسِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِوُصُولِ الْمُفْطِرِ إلَى جَوْفِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَذَّى بِهِ كَالتُّرَابِ وَالْحَصَاةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الْغُبَارَ وَالدُّخَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَفْسُدُ لِإِمْكَانِ الِامْتِنَاعِ عَنْهُ إذَا آوَاهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ (وَلَوْ أَكَلَ لَحْمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُفْطِرُ) وَقَالَ زُفَرُ: يُفْطِرُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْفَمَ
عَيْنَهُ لَيْسَ بِمُفْطِرٍ إلَخْ (وَالْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ) وَهِيَ أَنْ يُعَانِقَهَا مُتَجَرِّدَيْنِ وَيَمَسَّ ظَاهِرَ فَرْجِهِ ظَاهِرَ فَرْجِهَا (مِثْلُ التَّقْبِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ وَلَا يُكْرَهُ إذَا أَمِنَ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ) لِلصَّائِمِ (لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ الْفِتْنَةِ).
وَقَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا) يَعْنِي الْمَشَايِخَ (فِي الْمَطَرِ وَالثَّلْجِ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَطَرُ يُفْسِدُ وَالثَّلْجُ لَا يُفْسِدُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْعَكْسِ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ بِإِفْسَادِهِمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِحُصُولِ الْمُفْطِرِ مَعْنًى وَ(لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ إذَا آوَاهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ، وَلَوْ أَكَلَ لَحْمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُفْطِرُ وَقَالَ زُفَرُ: يُفْطِرُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْفَمَ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ بِالْمَضْمَضَةِ. وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ تَابِعٌ لِأَسْنَانِهِ بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيمَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ، وَالْفَاصِلُ مِقْدَارُ الْحِمَّصَةِ وَمَا دُونَهَا قَلِيلٌ (وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَكَلَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ صَوْمُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الصَّائِمَ إذَا ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَلَوْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى وَفِي مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ زُفَرَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُتَغَيِّرٌ، وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ.
(فَإِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ لَمْ يُفْطِرْ)
لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ بِالْمَضْمَضَةِ) وَلَوْ أَكَلَ الْقَلِيلَ مِنْ خَارِجٍ أَفْطَرَ عَلَى مَا يُذْكَرُ فَكَذَا إذَا أَكَلَ مِنْ فَمِهِ (وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ تَابِعٌ لِأَسْنَانِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَكَانَ (بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ) وَلَوْ ابْتَلَعَ رِيقَهُ لَمْ يَفْسُدْ (بِخِلَافِ الْكَثِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْأَسْنَانِ) فَكَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنًا (وَالْفَاصِلُ) إنْ كَانَ (مِقْدَارَ الْحِمَّصَةِ) فَهُوَ كَثِيرٌ (وَمَا دُونَهَا قَلِيلٌ) بِخِلَافِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقَلِيلِ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ قَدْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مَعْفُوٌّ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى لَمْ يُفْتَرَضْ الِاسْتِنْجَاءُ وَاكْتُفِيَ فِي إقَامَةِ سُنَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ، وَهُوَ لَا يُقْلِعُ النَّجَاسَةَ فَصَارَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مَعْفُوًّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَهُنَا فَقَدْرُ الْحِمَّصَةِ لَا يَبْقَى فِي فُرَجِ الْأَسْنَانِ غَالِبًا فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالرِّيقِ فَصَارَ كَثِيرًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَأَخَذَهُ بِيَدِهِ) ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُتَغَيِّرٌ) فَصَارَ كَاللَّحْمِ الْمُنْتِنِ (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ) أَيْ يَكْرَهُهُ فَصَارَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا
[ ٢ / ٣٣٣ ]
لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» وَيَسْتَوِي فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ فَمَا دُونَهُ فَلَوْ عَادَ وَكَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَسَدَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهُ خَارِجٌ حَتَّى انْتَقَضَ بِهِ الطَّهَارَةُ وَقَدْ دَخَلَ
يُتَغَذَّى بِهِ كَالتُّرَابِ.
قَالَ (فَإِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) ذَرَعَهُ الْقَيْءُ سَبَقَ إلَى فِيهِ وَغَلَبَهُ فَخَرَجَ وَهُوَ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ (لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» الْحَدِيثَ) وَقَاءَ وَاسْتَقَاءَ مَمْدُودَانِ، يُقَالُ: قَاءَ مَا أَكَلَ: إذَا أَلْقَاهُ، وَاسْتَقَاءَ وَتَقَيَّأَ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ إلَّا فِي مَوَاضِعَ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ (وَيَسْتَوِي فِيهِ) أَيْ فِي الْقَيْءِ الَّذِي ذَرَعَهُ. وَقَوْلُهُ (فَلَوْ عَادَ) يَعْنِي مَا ذَرَعَهُ.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الْفِطْرِ وَهُوَ الِابْتِلَاعُ وَكَذَا مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَذَّى بِهِ عَادَةً، إنْ أَعَادَهُ فَسَدَ بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الْإِدْخَالِ بَعْدَ الْخُرُوجِ فَتَتَحَقَّقُ صُورَةُ الْفِطْرِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ فَعَادَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِي الْإِدْخَالِ، وَإِنْ أَعَادَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِوُجُودِ الصُّنْعِ مِنْهُ فِي الْإِدْخَالِ (فَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا مِلْءَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِمَا رَوَيْنَا وَالْقِيَاسُ مَتْرُوكٌ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الصُّورَةِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَفْسُدُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ حُكْمًا ثُمَّ إنْ عَادَ لَمْ يَفْسُدْ عِنْدَهُ لِعَدَمِ سَبْقِ الْخُرُوجِ، وَإِنْ أَعَادَهُ فَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ لِمَا ذَكَرْنَا،
وَقَوْلُهُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ) قِيلَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ خُرُوجِهِ لَا يُمْكِنُ عَنْ عَوْدِهِ فَجُعِلَ عَفْوًا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ) تَعْلِيلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُهُ (وَلَا صُنْعَ لَهُ فِي الْإِدْخَالِ) تَعْلِيلُ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَقَاءَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ». وَقَوْلُهُ (فَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) يُرِيدُ بِهِ عَدَمَ الْخُرُوجِ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَفْسُدُ فَأَلْحَقَهُ بِمِلْءِ الْفَمِ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ.
قَالَ: (وَمَنْ ابْتَلَعَ الْحَصَاةَ أَوْ الْحَدِيدَ أَفْطَرَ) لِوُجُودِ صُورَةِ الْفِطْرِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْمَعْنَى.
(وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) اسْتِدْرَاكًا لِلْمَصْلَحَةِ الْفَائِتَةِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ فِي الْمَحَلَّيْنِ
وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَوْلُهُ (لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ) وَهُوَ صُنْعُ الِاسْتِقَاءِ وَصُنْعُ الْإِعَادَةِ
(وَمَنْ ابْتَلَعَ الْحَصَاةَ أَوْ الْحَدِيدَ أَفْطَرَ لِوُجُودِ صُورَةِ الْفِطْرِ) بِإِيصَالِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمَعْنَى) أَيْ مَعْنَى الْفِطْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ أَقْصَى عُقُوبَةٍ فِي الْإِفْطَارِ فَيَحْتَاجُ إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ فِي نُقْصَانِهَا شُبْهَةَ الْعَدَمِ وَهِيَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُفْطِرٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ جَامَعَ عَمْدًا)
[ ٢ / ٣٣٦ ]
اعْتِبَارًا بِالِاغْتِسَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ دُونَهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شِبَعٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا تَجِبُ
ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارًا بِالِاغْتِسَالِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ وَلَمْ يُنْزِلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَفَّارَةُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَانْتِفَاءُ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ يُورِثُ الشُّبْهَةَ، وَالِاغْتِسَالُ يَجِبُ بِالِاحْتِيَاطِ. فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا. فَالْجَوَابُ: أَنَّا نَمْنَعُ انْتِفَاءَ مَعْنَى الْجِمَاعِ لِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ دُونَ الْإِنْزَالِ، وَالْإِنْزَالُ شِبَعٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشِّبَعُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَهَذَا لِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ دُونَهُ) وَلَوْ جَامَعَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
[ ٢ / ٣٣٧ ]
الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ اعْتِبَارًا بِالْحَدِّ عِنْدَهُ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَجِبُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مُتَكَامِلَةٌ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ (وَلَوْ جَامَعَ مَيْتَةً أَوْ بَهِيمَةً فَلَا كَفَّارَةَ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَكَامُلُهَا بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى وَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ عِنْدَنَا كَمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوِقَاعِ عَلَى الرَّجُلِ تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي قَوْلٍ: لَا تَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ فِعْلُهُ وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الْفِعْلِ، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ، وَيَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ عَنْهَا اعْتِبَارًا بِمَاءِ الِاغْتِسَالِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» وَكَلِمَةُ مَنْ تَنْتَظِمُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ جِنَايَةُ الْإِفْسَادِ لَا نَفْسُ الْوِقَاعِ وَقَدْ شَارَكْته فِيهَا وَلَا يَتَحَمَّلُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا التَّحَمُّلُ.
(وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ أَوْ يَتَدَاوَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ)
فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (اعْتِبَارًا بِالْحَدِّ عِنْدَهُ) فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ جِنَايَةً كَامِلَةً فِي إيجَابِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحَدِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ (لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مُتَكَامِلَةٌ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ) إنَّمَا يَدَّعِي أَبُو حَنِيفَةَ النُّقْصَانَ فِي مَعْنَى الزِّنَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إفْسَادُ الْفِرَاشِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ مَا هُوَ عُقُوبَةٌ كَامِلَةٌ انْتِفَاءُ مَا فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، (وَلَوْ جَامَعَ مَيِّتَةً أَوْ بَهِيمَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ) فَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ فَاتَ صُورَةُ الْكَفِّ فَصَارَ كَالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ السَّبَبَ لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَهُ الْجِمَاعُ الْمُعْدِمُ لِلصُّورَةِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَعْتَمِدُ الْجِنَايَةَ الْكَامِلَةَ (وَتَكَامُلُهَا بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى وَلَمْ يُوجَدْ) أَلَا تَرَى أَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْهَا، فَإِنْ حَصَلَ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الشَّبَقِ أَوْ لِفَرْطِ السَّفَهِ فَهُوَ كَمَنْ يَتَكَلَّفُ لِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ بِيَدِهِ لَا تَتِمُّ جِنَايَتُهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَكَذَا هَذَا. وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارًا بِمَاءِ الِاغْتِسَالِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ مُؤْنَةٌ أَوْقَعَهَا الزَّوْجُ فِيهَا فَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهَا كَثَمَنِ مَاءِ الِاغْتِسَالِ. (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» وَكَلِمَةُ مَنْ تَنْتَظِمُ الْإِنَاثَ كَالذُّكُورِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ (وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ جِنَايَةُ إفْسَادِ الصَّوْمِ لَا نَفْسُ الْوِقَاعِ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ (وَقَدْ شَارَكَتْهُ فِي ذَلِكَ) فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا كَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَتَحَمَّلُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ وَلَا يَجْرِي فِيهِمَا التَّحَمُّلُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الثَّانِي
(وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ)
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي الْوِقَاعِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَعَلَّقَتْ بِجِنَايَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي الْوِقَاعِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ) بَيَانُهُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَائِبًا نَادِمًا وَالتَّوْبَةُ رَافِعَةٌ لِلذَّنْبِ بِالنَّصِّ، وَمَعَ ذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْكَفَّارَةَ، فَعُلِمَ أَنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ (وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَعَلَّقَتْ بِجِنَايَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ) وَهُوَ الْإِفْطَارُ صُورَةً بِإِيصَالِ شَيْءٍ إلَى جَوْفٍ، وَمَعْنًى بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ الْمُفْطِرَ، وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْطَرْت فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ ﵊: مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً» وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمَّا أَفْطَرَ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ بِالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْحَالِ (وَ) الْجِنَايَةُ بِالْإِفْطَارِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ (قَدْ تَحَقَّقَتْ). فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ انْحِصَارِ الْكَفَّارَةِ فِي الْوِقَاعِ وَمُدَّعَاكُمْ الْجِنَايَةَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ هُوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْجِنَايَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَثَابِتٌ بِمُسَاعَدَةِ الْخَصْمِ لَكِنَّهُ يَقُولُ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَنَحْنُ نَنْفِيهِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْوِقَاعِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا أَلْزَمَ الْكَفَّارَةَ إلَّا فِي مُقَابَلَةِ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ الْوِقَاعِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وِقَاعٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وِقَاعٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ فِي الْأَصْلِ بِجِنَايَةٍ
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ تَكْفِيرًا عُرِفَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ.
ثُمَّ قَالَ (وَالْكَفَّارَةُ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِحَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ. فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتَ. قَالَ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ ﷺ: أَعْتِقْ رَقَبَةً. فَقَالَ: لَا أَمْلِكُ إلَّا رَقَبَتِي هَذِهِ، فَقَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَقَالَ: وَهَلْ جَاءَنِي مَا جَاءَنِي إلَّا مِنْ الصَّوْمِ فَقَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. فَقَالَ: لَا أَجِدُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتَى بِفَرْقٍ مِنْ تَمْرٍ. وَيُرْوَى بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ: فَرِّقْهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَحْوَجُ مِنِّي وَمِنْ عِيَالِي، فَقَالَ: كُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ، يَجْزِيكَ وَلَا يَجْزِي أَحَدًا بَعْدَكَ»، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُخَيَّرُ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ وَعَلَى مَالِكٍ فِي نَفْيِ التَّتَابُعِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ.
فَلَا يَسْتَلْزِمُهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ بِالْإِفْطَارِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ، وَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ أُلْحِقَ بِهِ دَلَالَةً لَا قِيَاسًا، وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ فِي التَّقْرِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَبِإِيجَابِ الْإِعْتَاقِ تَكْفِيرًا) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ تَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ الْإِعْتَاقَ كَفَّارَةً لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ عُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لَهَا كَجِنَايَةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا، حَيْثُ لَا يَرْتَفِعَانِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ بَلْ بِالْحَدِّ.
وَقَوْلُهُ (وَالْكَفَّارَةُ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ) وَهُوَ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (بِفَرْقٍ) قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ حَدِيثٌ (حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: يُخَيَّرُ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَعَلَى مَالِكٍ فِي نَفْيِ التَّتَابُعِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ) بِقَوْلِهِ ﵊ «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مَا مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ التَّخْيِيرِ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَنَفْيَ التَّتَابُعِ إلَى مَالِكٍ سَهْوٌ، بَلْ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالتَّرْتِيبِ كَمَا نَقُولُ: دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كُتُبُهُمْ وَكُتُبُ أَصْحَابِنَا، وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ التَّتَابُعِ هُوَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَائِلُ بِالتَّخْيِيرِ. احْتَجَّ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَفْطَرْت فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْ صُمْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» وَقُلْنَا: حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ مَشْهُورٌ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
(وَمَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِوُجُودِ الْجِمَاعِ مَعْنًى (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِانْعِدَامِهِ صُورَةً
(وَلَيْسَ فِي إفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ أَبْلَغُ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
(وَمَنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ أَفْطَرَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ»
لَا يُعَارِضُهُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَانُ مَا بِهِ تَتَأَدَّى الْكَفَّارَةُ فِي الْجُمْلَةِ لَا التَّخْيِيرُ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُ بِنَفْيِ التَّتَابُعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقَضَاءِ. وَمَا رَوَيْنَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَاسِدٌ
. قَالَ (وَمَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إلَخْ) أَرَادَ بِالْفَرْجِ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ فَكَانَ مَا دُونَهُ هُوَ التَّفْخِيذُ وَالتَّبْطِينُ وَالْجِمَاعُ فِيهِ جِمَاعٌ مَعْنًى فَأَوْجَبَ الْقَضَاءَ وَلَيْسَ بِهِ صُورَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
(وَلَيْسَ فِي إفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي إفْطَارِ صَوْمِهِ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا قِيَاسَ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ (لِأَنَّ الْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ أَبْلَغُ فِي الْجِنَايَةِ) لِكَوْنِهَا جِنَايَةً عَلَى الصَّوْمِ وَالشَّهْرِ جَمِيعًا وَغَيْرُهُ جِنَايَةٌ عَلَى الصَّوْمِ وَحْدَهُ لِأَنَّ الْوَقْتَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِذَلِكَ (فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ) خِلَافُ الْكَفَّارَةِ فِي الْحَجِّ حَيْثُ يَسْتَوِي فِيهَا الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ وَهُمَا فِيهَا سَوَاءٌ
(وَمَنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ) أَيْ اسْتَعْمَلَ الدَّوَاءَ بِالْحُقْنَةِ أَوْ السُّعُوطِ وَهُوَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ وَهُمَا عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (أَوْ أُقْطِرَ فِي أُذُنِهِ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: كَذَا وَجَدْت بِخَطِّ شَيْخِي (أَفْطَرَ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ») وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَلِوُجُودِ مَعْنَى الْفِطْرِ، وَهُوَ وُصُولُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَدَنِ إلَى الْجَوْفِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِانْعِدَامِهِ صُورَةً. (وَلَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ الْمَاءَ أَوْ دَخَّلَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ) لِانْعِدَامِ الْمَعْنَى وَالصُّورَةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَهُ الدُّهْنُ (وَلَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً بِدَوَاءٍ
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً) الْجَائِفَةُ اسْمٌ لِجِرَاحَةٍ وَصَلَتْ إلَى الْجَوْفِ، وَالْآمَّةُ اسْمٌ لِجِرَاحَةٍ وَصَلَتْ إلَى الدِّمَاغِ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَاَلَّذِي يَصِلُ هُوَ الرَّطْبُ، وَقَالَا: لَا يُفْطِرُ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالْوُصُولِ لِانْضِمَامِ الْمَنْفَذِ مَرَّةً وَاتِّسَاعِهِ أُخْرَى، كَمَا فِي الْيَابِسِ مِنْ الدَّوَاءِ. وَلَهُ أَنَّ رُطُوبَةَ الدَّوَاءِ تَلَاقِي رُطُوبَةَ الْجِرَاحَةِ فَيَزْدَادُ مَيْلًا إلَى الْأَسْفَلِ فَيَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ لِأَنَّهُ يُنَشِّفُ رُطُوبَةَ الْجِرَاحَةِ فَيَنْسَدُّ فَمُهَا
وَاَلَّذِي يَصِلُ هُوَ الرَّطْبُ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالرَّطْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَرْقًا بَيْنَ الدَّوَاءِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوُصُولِ، حَتَّى إذَا عَلِمَ أَنَّ الدَّوَاءَ الْيَابِسَ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّطْبَ لَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ، فَالْيَابِسُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِرَاحَةِ لِاسْتِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْبَاطِنِ، وَالرَّطْبُ يَصِلُ إلَى الْبَاطِنِ عَادَةً فَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا
[ ٢ / ٣٤٣ ]
(وَلَوْ أَقْطَرَ فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يُفْطِرْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُفْطِرُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: مُضْطَرِبٌ فِيهِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَوْفِ مَنْفَذًا، وَلِهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمَثَانَةَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَالْبَوْلُ يَتَرَشَّحُ مِنْهُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْفِقْهِ
(وَمَنْ ذَاقَ شَيْئًا بِفَمِهِ لَمْ يُفْطِرْ) لِعَدَمِ الْفِطْرِ صُورَةً وَمَعْنًى (وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ عَلَى الْفَسَادِ.
(وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْضُغَ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ
وَلَوْ أُقْطِرَ فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يُفْطِرْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُفْطِرُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ) ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْأَصْلِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ: ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَوَقَفَ، وَمَا ذَكَرَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ظَاهِرٌ. وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ مُحَمَّدٌ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي وُجُودِ الْمَنْفَذِ مِنْ الْإِحْلِيلِ إلَى الْجَوْفِ. وَتَكَلَّمُوا فِي الْإِفْطَارِ فِي أَقْبَالِ النِّسَاءِ. فَقِيلَ: هُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. وَقِيلَ: يُشْبِهُ الْحُقْنَةَ فَيُفْسِدُ الصَّوْمَ بِلَا خِلَافٍ. قِيلَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ ذَاقَ شَيْئًا بِفَمِهِ) الذَّوْقُ بِالْفَمِ قُوَّةٌ مُثَبَّتَةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى جِرْمِ اللِّسَانِ وَإِدْرَاكُ الذَّوْقِ بِمُخَالَطَةِ الرُّطُوبَةِ اللُّعَابِيَّةِ الْمُنْبَعِثَةِ مِنْ الْآلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُلَعِّبَةِ بِالْمَذُوقِ وَوُصُولِهِ إلَى الْعَصَبِ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا يُوجِبُ الْفِطْرَ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى (وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ عَلَى الْفَسَادِ) بِسَبِيلِ التَّسَبُّبِ
[ ٢ / ٣٤٤ ]
إذَا كَانَ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ تَجِدْ مِنْهُ بُدًّا) صِيَانَةً لِلْوَلَدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُفْطِرَ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا (وَمَضْغُ الْعَلْكِ لَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ) لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ. وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَئِمًا يَفْسُدُ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِ بَعْضُ أَجْزَائِهِ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ أَسْوَدَ يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا لِأَنَّهُ يَفُتْ (إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً لِقِيَامِهِ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ، وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ عَلَى مَا قِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ غَلَّةٍ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ: بِالنِّسَاءِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ وَدَهْنِ الشَّارِبِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ
لِأَنَّ الْجَاذِبَةَ قَوِيَّةٌ إذَا كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ تَجْذِبَ شَيْئًا مِنْهُ إلَى الْبَاطِنِ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى التَّعْرِيضِ. وَقَوْلُهُ (وَمَضْغُ الْعِلْكِ لَا يُفَطِّرُ) أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ وَاحِدٌ وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ " وَمَضْغُ الْعِلْكِ لَا يُفَطِّرُ " وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالْإِفْطَارِ) يَعْنِي. أَنَّ مَنْ رَآهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَيَتَّهِمُهُ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إيَّاكَ وَمَا يَسْبِقُ إلَى الْقُلُوبِ إنْكَارُهُ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَك اعْتِذَارُهُ. وَقَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ) ظَاهِرٌ وَالْكَرَاهَةُ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يَنْعَكِسُ لِأَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا تُوصَفُ بِهِمَا.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالْكَحْلِ وَدَهْنِ الشَّارِبِ إلَخْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاءُ مِنْهُمَا مَفْتُوحًا فَيَكُونَانِ مَصْدَرَيْنِ مِنْ كَحَلَ عَيْنَهُ كَحْلًا، وَدَهَنَ رَأْسَهُ دَهْنًا: إذَا طَلَاهُ بِالدُّهْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا وَيَكُونَ مَعْنَاهُ وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْكُحْلِ وَالدُّهْنِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَكْرِيرِ مَسْأَلَةِ الْكُحْلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ. ثُمَّ قَالَ: بِالْكُحْلِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِحَالِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَضْعُ الْقُدُورِيِّ، وَالثَّانِيَ: وَضْعُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَالثَّالِثَ: وَضْعُ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ارْتِفَاقٍ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ، وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَإِلَى
الْفَتَاوَى وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَائِدَةٌ، فَأَمَّا فَائِدَةُ الْأَوَّلِ فَمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ عَدَمِ تَفْطِيرِ الِاكْتِحَالِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَكْرُوهًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا وَلَا يُفْطِرُ كَمَا إذَا ذَاقَ بِلِسَانِهِ شَيْئًا فَبِالثَّانِي نَفْيُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدْ يَخْتَلِفُ
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الصَّوْمِ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِحَالِ لِلرِّجَالِ إذَا قَصَدَ بِهِ التَّدَاوِي دُونَ الزِّينَةِ، وَيُسْتَحْسَنُ دَهْنُ الشَّارِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الزِّينَةُ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْخِضَابِ، وَلَا يُفْعَلُ لِتَطْوِيلِ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْقُبْضَةُ.
حُكْمُهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَمَا فِي الْعِلْكِ، فَأَعْلَمَ بِالثَّالِثِ أَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُ الرَّجُلِ الزِّينَةَ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْخِضَابِ) يَعْنِي وَبِالْخِضَابِ جَاءَتْ السُّنَّةُ لَكِنْ لِحَاجَةٍ غَيْرِ الزِّينَةِ، وَالْقُبْضَةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا» أَوْرَدَهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ: مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ. وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي آثَارِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْبِضُ
[ ٢ / ٣٤٧ ]
(وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ لِلصَّائِمِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» مِنْ خَيْرِ فَصْلٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ بِالْعَشِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْأَثَرِ الْمَحْمُودِ، وَهُوَ الْخُلُوفُ فَشَابَهُ دَمَ الشَّهِيدِ.
عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَقْطَعُ مَا وَرَاءَ الْقَبْضَةِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ﵏.
وَقَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلصَّائِمِ يَسْتَاكُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ رُطُوبَتَهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالرُّطُوبَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْأَشْجَارِ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ بَلَّهُ بِرِيقِهِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ بِالْمَاءِ لِلصَّائِمِ فِي الْفَرِيضَةِ فَكَانَ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَيَدُلُّ عَلَى الرَّطْبِ بِالرُّطُوبَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْإِلْحَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ الْأَخْضَرِ وَبَيْنَ الْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الرَّطْبَيْنِ وَبَيْنَ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. وَيَنْتَفِي بِهِ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَنَّ الرَّطْبَ بِالْمَاءِ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَبْقَى مِنْ الرُّطُوبَةِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ أَكْثَرُ مَا يَبْقَى بَعْدَ السِّوَاكِ. ثُمَّ لَمْ يُكْرَهْ لِلصَّائِمِ الْمَضْمَضَةُ فَكَذَا السِّوَاكُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُكْرَهُ بِالْعَشِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْأَثَرِ الْمَحْمُودِ وَهُوَ الْخُلُوفُ) «قَالَ ﷺ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قُلْنَا: هُوَ أَثَرُ الْعِبَادَةِ اللَّائِقُ بِهِ الْإِخْفَاءُ. بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الظُّلْمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ الْأَخْضَرِ وَبَيْنَ الْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ لِمَا رَوَيْنَا.
أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَمَا يَكُونُ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ فَسَبِيلُهُ الْإِبْقَاءُ كَمَا فِي دَمِ الشَّهِيدِ، وَالْخُلُوفُ مَصْدَرُ خُلِفَ فُوهُ إذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ لِعَدَمِ الْأَكْلِ بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ (قُلْنَا هُوَ أَثَرُ الْعِبَادَةِ فَاللَّائِقُ بِهِ الْإِخْفَاءُ) فِرَارًا عَنْ الرِّيَاءِ (بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ أَثَرُ الظُّلْمِ) فَيَحْتَاجُ إلَى الِانْتِصَافِ مِنْ خَصْمِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْقَاءِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) يُعْنَى مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ».
[ ٢ / ٣٤٩ ]