الْحَظْرُ يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ جِنَايَةً. وَلَنَا أَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الْإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا، وَهَذَا لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَالْحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ حَالَاتِ الْإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ بِمَنْزِلَةِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀:
مَعَ كَوْنِهِ قَاصِدًا كَانَ النَّوْمُ أَوْلَى لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ، وَإِذَا انْعَدَمَ الْفِعْلُ لَمْ يَكُنْ جِنَايَةٌ (وَلَنَا أَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الْإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ الْآيَةَ، وَالرَّفَثُ اسْمٌ لِلْجِمَاعِ (وَهُوَ لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَالْحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ) لِوُجُودِ الْمُذَكَّرِ وَهُوَ حَالَةُ الْإِحْرَامِ (بِخِلَافِ الصَّوْمِ) فَإِنَّهُ لَا مُذَكَّرَ لَهُ.
(فَصْلٌ):
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ ذَكَرَ الْجِنَايَةَ عَلَى الطَّوَافِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ قَوْلُهُ: (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا) طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا مُعْتَدٍ بِهِ عِنْدَنَا وَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀:
[ ٣ / ٤٩ ]
لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْمَنْطِقَ فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شَرْطِهِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الطَّهَارَةِ فَلَمْ تَكُنْ فَرْضًا، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الْجَابِرُ؛ وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَيَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ، فَإِذَا شُرِعَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَهُوَ سُنَّةٌ، يَصِيرُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ وَيَدْخُلُهُ نَقْصٌ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَيُجْبَرُ بِالصَّدَقَةِ إظْهَارًا لِدُنُوِّ رُتْبَتِهِ عَنْ الْوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ طَوَافٍ هُوَ تَطَوُّعٌ.
لَا يُعْتَدُّ بِهِ) وَلَا يُجْبَرُ بِشَيْءٍ؛ (لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا مِنْ مُشَابَهَةٍ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الطَّوَافِ وَهُوَ الدَّوَرَانُ مِمَّا يَنْتَفِي بِهِ ذَاتُ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ وَمِنْ حُكْمِهَا عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ (وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ وَهُوَ الدَّوَرَانُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الطَّهَارَةِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا بِالْآيَةِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا نَسْخٌ، (ثُمَّ قِيلَ هِيَ سُنَّةٌ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُجَاعٍ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ؛ (لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الْجَابِرُ) وَهُوَ إمَّا الدَّمُ عَلَى مَا قَالَ بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ أَوْ الصَّدَقَةُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ يَجِبُ بِتَرْكِهِ جَابِرٌ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ (وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ الْعَمَلَ) دُونَ الْعِلْمِ (فَيَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ) دُونَ الْفَرْضِيَّةِ.
قَالَ: (فَإِذَا شَرَعَ فِي هَذَا الطَّوَافِ) دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا سُنَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ مُلْزِمٌ فِي الْحَجِّ بِالِاتِّفَاقِ فَيَصِيرُ الطَّوَافُ وَاجِبًا (وَيَدْخُلُهُ نَقْصٌ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَيُجْبَرُ بِالصَّدَقَةِ إظْهَارًا لِدُنُوِّ رُتْبَتِهِ عَنْ الْوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ)، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ دُخُولَ النَّقْصِ بِتَرْكِهَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا سُنَّةً مِنْ حَيِّزِ النِّزَاعِ فَلَا يُؤْخَذُ فِي الدَّلِيلِ
[ ٣ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالثَّانِي أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَهَا نَقْصٌ تَنْجَبِرُ بِسَجْدَةِ السَّهْوِ كَمَا يَنْجَبِرُ الْفَرْضُ بِهَا وَلَمْ يَظْهَرْ دُنُوُّ رُتْبَةِ النَّفْلِ عَنْ رُتْبَةِ الْفَرْضِ فِيهَا فَلْيَكُنْ هَاهُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ يُوجِبُ نَقْصًا وَيَنْجَبِرُ بِالْكَفَّارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِمَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ. قَالَ مُحَمَّدٌ: ﵀ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةَ الدَّفْعِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْجَابِرَ فِي الصَّلَاةِ نَوْعًا وَاحِدًا فَلَا مَصِيرَ إلَى غَيْرِهِ وَفِي الْحَجِّ جَعَلَهُ مُتَنَوِّعًا فَأَمْكَنَ الْمَصِيرُ إلَى مَا تَبِينُ بِهِ رُتْبَةُ النَّفْلِ عَنْ الْفَرْضِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إذَا طَافَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ مُحْدِثًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ أَصْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٥١ ]
(وَلَوْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي الرُّكْنِ فَكَانَ أَفْحَشَ مِنْ الْأَوَّلِ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ (وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ فَيَجِبُ جَبْرُ نُقْصَانِهَا بِالْبَدَنَةِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ، وَكَذَا إذَا طَافَ أَكْثَرَهُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا، لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُ كُلِّهِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا ذَبْحَ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ.
شَيْءٌ فَكَذَا إذَا أَتَى بِهِ مُحْدِثًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ
(وَلَوْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي الرُّكْنِ)، وَإِدْخَالُ النَّقْصِ فِي الرُّكْنِ أَفْحَشُ مِنْ إدْخَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ، (وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ) يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِالْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ فِيهَا لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْهُ، وَنَزِيدُ هَاهُنَا بَيَانًا وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةِ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ لَهُ فُرُوضٌ ثَلَاثَةٌ: شَرْطٌ وَرُكْنَانِ، وَعِنْدَمَا وَقَفَ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهَا اثْنَانِ وَهُوَ الشَّرْطُ: أَعْنِي الْإِحْرَامَ وَأَحَدَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَيْسَ فِي الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُهُ فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الْجُبْرَانِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ فَكَانَ أَفْضَلَ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ) يُرِيدُ بِهِ نُسَخَ الْمَبْسُوطِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ) يَعْنِي طَوَافَ الزِّيَارَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ) إنَّ هَذِهِ لِلْوَصْلِ. وَقَوْلُهُ: (لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الطَّوَافُ
[ ٣ / ٥٢ ]
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْحَدَثِ اسْتِحْبَابًا وَفِي الْجَنَابَةِ إيجَابًا لِفُحْشِ النُّقْصَانِ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ وَقُصُورِهِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ. ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْإِعَادَةِ لَا يَبْقَى إلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ، وَإِنْ أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ كَثِيرٌ فَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ اسْتِدْرَاكًا لَهُ
الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالتَّأْخِيرِ. فَإِذَا كَانَ مُعْتَدًّا بِهِ بِنُقْصَانٍ وَقَدْ أَعَادَهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ وَهِيَ نُقْصَانُ الطَّوَافِ بِالْحَدَثِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَ جُنُبًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ) أَيْ: الشَّاةُ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ سَقَطَتْ بِالْإِعَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا هَذَا دَمٌ يَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ نُسُكًا عَنْ وَقْتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ ﵀ فِي أَنَّ الْمُعْتَدَّ بِهِ مِنْ الطَّوَافَيْنِ إذَا طَافَ الْأَوَّلَ جُنُبًا إنَّمَا هُوَ الثَّانِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ يَنْفَسِخُ بِالثَّانِي، إذْ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمَا لَزِمَهُ دَمُ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُؤَدًّى فِي وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ الْأَوَّلَ مُحْدِثًا فَإِنَّ الْمُعْتَدَّ بِهِ هُوَ الْأَوَّلُ لِقِلَّةِ النُّقْصَانِ فَكَانَ الثَّانِي جَابِرًا لِلنُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِي مُعْتَمِرٍ طَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي رَمَضَانَ جُنُبًا ثُمَّ أَعَادَ طَوَافَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، قَالَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَدُّ بِهِ هُوَ الثَّانِي لَكَانَ مُتَمَتِّعًا. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَمَّا طَافَ فِي رَمَضَانَ وَقَعَ الْأَمْنُ عَنْ فَسَادِ الْعُمْرَةِ، وَإِذَا أَمِنَ فَسَادَهَا قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. فَإِنْ قِيلَ: التَّحَلُّلُ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَدُّ بِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُرَاعِي الْحُكْمِ لِتَفَاحُشِ النُّقْصَانِ فِيهِ، فَإِنْ أَعَادَهُ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ وَاعْتَدَّ بِالثَّانِي وَإِلَّا كَانَ هُوَ الْمُعْتَدَّ بِهِ فِي التَّحَلُّلِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) ظَاهِرٌ
[ ٣ / ٥٣ ]
وَيَعُودُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. وَإِنْ لَمْ يَعُدْ وَبَعَثَ بَدَنَةً أَجْزَأَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ جَابِرٌ لَهُ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْعَوْدُ.
وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا إنْ عَادَ وَطَافَ جَازَ، وَإِنْ بَعَثَ بِالشَّاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ خَفَّ مَعْنَى النُّقْصَانِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَصْلًا حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ لِانْعِدَامِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَنْ النِّسَاءِ أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَ.
(وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الصَّدْرِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَجِبُ شَاةٌ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ (وَلَوْ طَافَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ هُوَ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَيُكْتَفَى بِالشَّاةِ.
(وَمَنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ)
وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْعَوْدُ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَوْنِ الْجَابِرِ مِنْ جِنْسِ الْمَجْبُورِ وَهُوَ الطَّوَافُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) ظَاهِرٌ
[ ٣ / ٥٤ ]
لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْحَدَثِ فَتَلْزَمُهُ شَاةٌ. فَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ أَنْ لَا يَعُودَ
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ يَسِيرٌ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَانِبَ الْوُجُودِ رَاجِحٌ.
[ ٣ / ٥٥ ]
وَيَبْعَثُ بِشَاةٍ لِمَا بَيَّنَّا (وَمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ بَقِيَ مُحْرِمًا أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَهَا) لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ أَكْثَرُ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَصْلًا.
(وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدْرِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ أَوْ الْأَكْثَرَ مِنْهُ، وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْوَاجِبِ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ) لِأَنَّ الطَّوَافَ وَرَاءَ الْحَطِيمِ وَاجِبٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالطَّوَافُ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَيَدْخُلَ الْفُرْجَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَطِيمِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي طَوَافِهِ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ كُلَّهُ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ (وَإِنْ أَعَادَ عَلَى الْحِجْرِ) خَاصَّةً (أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ تَلَافَى مَا هُوَ الْمَتْرُوكُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ خَارِجَ الْحَجَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ يَدْخُلَ الْحِجْرَ مِنْ الْفُرْجَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ هَكَذَا يَفْعَلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي طَوَافِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الرُّبُعِ وَلَا تَجْزِيهِ الصَّدَقَةُ.
(وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَطَوَافَ الصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ طَاهِرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ)، فَإِنْ كَانَ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَا عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ يُنْقَلْ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِعَادَةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يُنْقَلُ إلَيْهِ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يُنْقَلُ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الْإِعَادَةَ فَيَصِيرُ تَارِكًا لِطَوَافِ الصَّدْرِ مُؤَخِّرًا لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَيَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِ الصَّدْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِتَأْخِيرِ الْآخَرِ عَلَى الْخِلَافِ، إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ طَوَافِ الصَّدْرِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا يُؤْمَرُ بَعْدَ الرُّجُوعِ
وَقَوْلُهُ: (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ خَفَّ مَعْنَى النُّقْصَانِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ.
، وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) يَعْنِي لِإِظْهَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ تَرْكِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ وَالْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ هَاهُنَا هُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَوْطٍ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَ طَوَافِ الصَّدْرِ بِمَنْزِلَةِ أَقَلِّ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فِي وُجُوبِ الشَّاةِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَكْثَرِهِ شَاةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَقَلِّهِ صَدَقَةٌ.
قَالَ (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ
[ ٣ / ٥٦ ]
عَلَى مَا بَيَّنَّا.
(وَمَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَحَلَّ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُعِيدُهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَمَّا إعَادَةُ الطَّوَافِ فَلِتَمَكُّنِ النَّقْصِ فِيهِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ. وَأَمَّا السَّعْيُ فَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، وَإِذَا أَعَادَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ (وَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ لِوُقُوعِ التَّحَلُّلِ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ إذْ النُّقْصَانُ يَسِيرٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى أَثَرِ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَكَذَا إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ فِي الصَّحِيحِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ. وَفَائِدَةُ نَقْلِ طَوَافِ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ سُقُوطُ الْبَدَنَةِ عَنْهُ، وَهَاهُنَا أَصْلٌ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافٌ وَأَتَى بِهِ فِي وَقْتِهِ وَقَعَ عَنْهُ سَوَاءٌ نَوَاهُ بِعَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ أَوْ نَوَى بِهِ طَوَافًا آخَرَ، فَالْمُحْرِمُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَطَافَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى التَّطَوُّعَ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا وَقَعَ عَنْ الْعُمْرَةِ وَإِنْ كَانَ حَاجًّا وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا كَانَ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ مَا بَعْدَهُ لِلْحَجِّ سَوَاءٌ نَوَى التَّطَوُّعَ أَوْ طَوَافًا آخَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَدْ انْعَقَدَ لِأَدَائِهِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِنِيَّتِهِ، كَمَا إذَا سَجَدَ يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِنِيَّتِهِ وَوَقَعَتْ السَّجْدَةُ عَمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدْرِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، إلَى قَوْلِهِ: وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا السَّعْيُ) يَعْنِي إنَّمَا يُعِيدُ السَّعْيَ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الطَّهَارَةِ لِعَدَمِ وُرُودِ مَا وَرَدَ فِي الطَّوَافِ مِنْ النَّصِّ فِيهِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ قُرْبَةً بِدُونِ الطَّوَافِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ شَيْءٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ) يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ: (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعَادَ الطَّوَافَ فَقَدْ نَقَضَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ، فَإِذَا انْتَقَضَ ذَلِكَ حَصَلَ السَّعْيُ قَبْلَ الطَّوَافِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فَيَكُونُ تَارِكًا لِلسَّعْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَوَجْهُ الصَّحِيحِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ وَالْمُصَنِّفِ ﵏ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي السَّعْيِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ
[ ٣ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى إثْرِ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَطَوَافُ الْمُحْدِثِ كَذَلِكَ وَلِهَذَا يَتَحَلَّلُ بِهِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ مَعَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَإِنْ أَعَادَ تَبَعًا لِلطَّوَافِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[ ٣ / ٥٨ ]
(وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ) لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا فَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ دُونَ الْفَسَادِ.
(وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَصْلُ الْوُقُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْإِطَالَةِ شَيْءٌ. وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ لَيْلًا لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوُقُوفِ عَلَى
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ حَقِّ الرِّوَايَةِ أَنْ يُقَالَ: وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا أَنَّ الْمَحْظُورَ عَلَيْهِ الْإِفَاضَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَأَقُولُ: قَوْلُهُ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إذَا كَانَتْ وَاجِبَةً إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَالْإِفَاضَةُ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا تَكُونُ إلَّا قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتْرُكُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ لَيْلًا) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ
[ ٣ / ٥٩ ]
مَنْ وَقَفَ نَهَارًا لَا لَيْلًا، فَإِنْ عَادَ إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ لَا يَصِيرُ مُسْتَدْرَكًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
(وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَحَقُّقِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ كَمَا فِي الْحَلْقِ، وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِيهَا، وَمَا دَامَتْ الْأَيَّامُ بَاقِيَةً فَالْإِعَادَةُ مُمْكِنَةٌ فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّأْلِيفِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِهَا يَجِبُ الدَّمُ
الِامْتِدَادُ شَرْطًا لَا فِي اللَّيْلِ وَلَا فِي النَّهَارِ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ شَرْطًا فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ؟ قُلْت: تَرَكَ ظَاهِرَهُ فِي حَقِّ النَّهَارِ بِقَوْلِهِ ﷺ «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» فَبَقِيَ اللَّيْلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، (وَإِنْ عَادَ إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) وَرَوَى ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِفَاضَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَدْ أَتَى بِهِ، فَكَانَ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا ثُمَّ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ. وَجْهُ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ لَا يَصِيرُ مُسْتَدْرَكًا؛ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَتْرُوكَ سُنَّةُ الدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ بِعَوْدِهِ وَحْدَهُ لَا مَحَالَةَ. وَإِذَا عَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ حَتَّى أَفَاضَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوُقُوفِ قَدْ انْقَطَعَتْ وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا فَبَقِيَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ سُنَّةَ الدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ.
قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيَ الْجِمَارِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، فَإِذَا تَرَكَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ،
لَكِنْ إذَا تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: نَحْرٌ خَاصٌّ وَتَشْرِيقٌ خَاصٌّ وَيَوْمَانِ بَيْنَهُمَا نَحْرٌ وَتَشْرِيقٌ يَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ دَمٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَاتِ وَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا لَكِنْ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ فَكَانَ كَمَنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَوَجْهُ مَا فِي الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ) وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ (كَمَا فِي الْحَلْقِ) فَإِنَّهُ إنْ حَلَقَ شَعْرَ الْبَدَنِ كُلَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ أَوْ رُبْعِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ) جَوَابُ مَا قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أَيَّامَ الرَّمْيِ كُلَّهَا زَمَانٌ وَاحِدٌ لِلرَّمْيِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَاكَ اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ؛ (لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِيهَا) عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّرْكُ مَا دَامَ فِيهَا كَالتَّضْحِيَةِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ (فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّأْلِيفِ) أَيْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي شُرِعَ مَا دَامَتْ الْأَيَّامُ بَاقِيَةً، بِخِلَافِ قَصِّ الْأَظَافِيرِ فَإِنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ بِمُوَقَّتٍ بِزَمَانٍ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ، (ثُمَّ بِتَأْخِيرِهَا) عَنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ (يَجِبُ الدَّمُ) وَهُوَ شَاةٌ
[ ٣ / ٦٠ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
(وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌّ (وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) لِأَنَّ الْكُلَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ نُسُكٌ وَاحِدٌ فَكَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِوُجُودِ تَرْكِ الْأَكْثَرِ (وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ كُلُّ وَظِيفَةِ هَذَا الْيَوْمِ رَمْيًا وَكَذَا إذَا تَرَكَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا (وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيُنْقِصَ مَا شَاءَ) لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ الْأَقَلُّ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ.
(وَمَنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُ وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ) وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ وَفِي تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌّ)، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالنَّفْرِ، وَذَلِكَ آيَةُ التَّطَوُّعِ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَأَمَّا إذَا طَلَعَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ وَالرَّمْيُ، فَلَوْ تَرَكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ فَكَانَ كَالتَّطَوُّعِ يُخَيَّرُ فِيهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَيَجِبُ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ) مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ نُسُكَ يَوْمٍ فَتَرْكُهُ يُوجِبُ الدَّمَ، وَمَا كَانَ بَعْضُهُ الْأَقَلَّ فَتَرْكُهُ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ، فَعَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَهَا فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْضِهِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَأَمَّا إذَا قَضَاهُ فِيهَا فَقَدْ سَقَطَ الدَّمُ عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَسْقُطْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَوْلُهُ (فَكَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ) يَعْنِي إذَا تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ حِينَئِذٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَالْمَأْتِيَّ بِهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَصَاةً. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ: أَيْ: لَكِنْ إذَا تَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ رَمْيِ إحْدَى الْجِمَارِ وَبَلَغَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفٍ مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ إحْدَى عَشْرَةَ حَصَاةً وَيَرْمِيَ عَشْرَ حَصَيَاتٍ (فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِوُجُودِ تَرْكِ الْأَكْثَرِ)، وَالْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ كُلَّ وَظِيفَةِ هَذَا الْيَوْمِ رَمْيًا) نَصَبَ رَمْيًا عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ فِيهِ وَظَائِفَ غَيْرَهُ كَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ، فَلَوْ اقْتَصَرَهُ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَنْبَغِي. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا إذَا تَرَكَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ: يَعْنِي إذَا بَلَغَ قِيمَةُ مَا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ قِيمَةَ الدَّمِ فَحِينَئِذٍ (يَنْقُصُ مِنْ الدَّمِ مَا شَاءَ) حَتَّى لَا يَلْزَمَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ الْأَقَلُّ) دَلِيلُ قَوْلِهِ: تَصَدَّقَ.
قَالَ: (وَمَنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ) هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُوجِبُ الدَّمَ بِالتَّأْخِيرِ خِلَافًا لَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ) أَيْ: فِي تَأْخِيرِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَتَأْخِيرِ رَمْيِ الْجِمَارِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى الثَّالِثِ أَوْ مِنْ الثَّالِثِ إلَى الرَّابِعِ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ) أَيْ: وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ
[ ٣ / ٦١ ]
كَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَنَحْرِ الْقَارِنِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ، لَهُمَا أَنَّ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكٌ بِالْقَضَاءِ وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَضَاءِ شَيْءٌ آخَرُ.
وَلَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ " وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ الْمَكَانِ يُوجِبُ الدَّمَ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالْمَكَانِ كَالْإِحْرَامِ فَكَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ الزَّمَانِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالزَّمَانِ.
كَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ) سَوَاءٌ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ غَيْرَهُ (وَنَحْرِ الْقَارِنِ) وَالْمُتَمَتِّعِ (قَبْلَ الرَّمْيِ وَحَلْقِ الْقَارِنِ) وَالْمُتَمَتِّعِ (قَبْلَ الذَّبْحِ) وَإِنَّمَا خُصَّ الْقَارِنُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُفْرِدَ إذَا ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ النُّسُكِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ هَاهُنَا لِكَوْنِ الذَّبْحِ غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: تَقْدِيمُ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ نُسُكٍ عَنْ نُسُكٍ فَكَانَ فِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّأْخِيرِ مَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْأَيَّامِ وَبِالتَّقْدِيمِ مَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْآنَاتِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكْرَارَ. (لَهُمَا أَنَّ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكٌ بِالْقَضَاءِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُسْتَدْرَكٌ بِالْقَضَاءِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ» فَإِنْ قِيلَ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّهُ ﷺ وَقَفَ لِلنَّاسِ بِمِنًى يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: نَحَرْت قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ ﵊: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ ﵊ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» وَذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُفْرِدًا وَتَقْدِيمُ الذَّبْحِ عَلَى الرَّمْيِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَيْسَ بِمُؤَقَّتٍ فَلَا يُوجِبُ التَّأْخِيرَ فِيهِ شَيْئًا. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ يَكُونُ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّ رَاوِيَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَيُصَارُ إلَى مَا بَعْدَهُمَا، وَالْقِيَاسُ مَعَنَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: (وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ الْمَكَانِ يُوجِبُ الدَّمَ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالْمَكَانِ كَالْإِحْرَامِ)، فَإِنَّ الْحَاجَّ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ (فَكَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ الزَّمَانِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالزَّمَانِ) بِجَامِعِ تَمَكُّنِ نُقْصَانِ التَّأْخِيرِ
[ ٣ / ٦٢ ]
(وَإِنْ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ اعْتَمَرَ فَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَصَّرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) ﵀: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ ﵁: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُعْتَمِرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحَاجِّ. قِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ جَرَتْ فِي الْحَجِّ بِالْحَلْقِ بِمِنًى وَهُوَ مِنْ الْحَرَمِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ، هُوَ يَقُولُ: الْحَلْقُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحَرَمِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ». وَلَهُمَا أَنَّ الْحَلْقَ لَمَّا جُعِلَ مُحَلِّلًا صَارَ كَالسَّلَامِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُحَلِّلًا، فَإِذَا صَارَ نُسُكًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ كَالذَّبْحِ وَبَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَلَعَلَّهُمْ حَلَقُوا فِيهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَعِنْد زُفَرٍ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ.
فِيهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: مَعَهُمَا أَيْضًا قِيَاسٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ مَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ الْعِبَادَاتِ بِالْقَضَاءِ فَكَانَ قِيَاسُكُمْ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قِيَاسَنَا مُرَجَّحٌ بِالِاحْتِيَاطِ، فَإِنَّ فِيهِ الْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ) ظَاهِرٌ (قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُعْتَمِرِ) أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحَاجِّ) إذَا حَلَقَ خَارِجَ الْحَرَمِ، (فَقِيلَ) إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ (بِالِاتِّفَاقِ) فِي وُجُوبِ الدَّمِ؛ (لِأَنَّ السُّنَّةَ جَرَتْ فِي الْحَجِّ بِأَنْ يَكُونَ الْحَلْقُ بِمِنًى وَهُوَ مِنْ الْحَرَمِ) فَبِتَرْكِهِ يَلْزَمُ الْجَابِرَ، (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ) عِنْدَهُمَا يَجِبُ الدَّمُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَوَجْهُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ: (فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلْقَ) يَعْنِي فِي الْحَجِّ (يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ) أَيْ: بِيَوْمِ النَّحْرِ وَالْحَرَمِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، " وَعِنْدَ زُفَرَ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ)، وَإِنَّمَا
[ ٣ / ٦٣ ]
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْقِيتِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ بِالدَّمِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ فَلَا يَتَوَقَّتُ بِالِاتِّفَاقِ. وَالتَّقْصِيرُ وَالْحَلْقُ فِي الْعُمْرَةِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِالزَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ
قُلْنَا: يَعْنِي فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ مُؤَقَّتًا بِهِمَا كَانَ كَالْوُقُوفِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ إذَا حَلَقَ خَارِجَ الْحَرَمِ كَمَا لَوْ وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ أَوْ طَافَ بِغَيْرِ الْبَيْتِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّ الْفِعْلِ هُوَ الرَّأْسُ دُونَ الْحَرَمِ، وَلَكِنَّهُ جَازَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَكَانِهِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ كَمَا يَلْزَمُهُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الْفِعْلِ هُوَ الْجَبَلُ وَحَوْلَ الْبَيْتِ وَبِالْخُرُوجِ عَنْهُمَا يَتَبَدَّلُ الْمَحَلُّ فَلَا يَجُوزُ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَكَانِ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَهُمَا أَنَّ الْحَلْقَ لَمَّا جُعِلَ مُحَلِّلًا إلَخْ. وَأَمَّا عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالزَّمَانِ فَلِأَنَّ الْحَلْقَ لِلتَّحَلُّلِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يُوَقَّتُ بِالزَّمَانِ كَالطَّوَافِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَكَانِ فَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ بِقَوْلِ الْحَلْقِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحَرَمِ إلَخْ. وَأَمَّا عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالزَّمَانِ فَهُوَ أَنَّ الْحَلْقَ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ فِي أَوَانِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَلْقِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ قَبْلَ أَوَانِهِ، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَلَوْ أَرَدْت أَنْ تَجْعَلَهُ دَلِيلًا لِلشِّقَّيْنِ. قُلْت: فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ فَكَذَلِكَ هَذَا، إذْ لَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِمَا لَمَا وَقَعَ مُعْتَدًّا بِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَقَدْ عَرَفْت جَوَابَ ذَلِكَ آنِفًا وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَكَانِ فَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَهُمَا أَنَّ الْحَلْقَ إلَخْ، وَأَمَّا عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالزَّمَانِ فَهُوَ دَلِيلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالزَّمَانِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ التَّحَلُّلَ عَنْ الْإِحْرَامِ مُعْتَبَرٌ بِابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، وَابْتِدَاؤُهُ مُوَقَّتٌ بِالزَّمَانِ حَتَّى كَرِهَ تَقْدِيمَ إحْرَامِ الْحَجِّ عَلَى أَشْهُرِهِ دُونَ الْمَكَانِ حَتَّى جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، فَكَذَلِكَ التَّحَلُّلُ عَنْهُ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ، فَلَوْ أُخِّرَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ حَلَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا الْخِلَافُ) أَيْ: مَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا فِي التَّوْقِيتِ (إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ بِالدَّمِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ فَلَا يَتَوَقَّتُ بِالِاتِّفَاقِ)، وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ) أَيْ:
[ ٣ / ٦٤ ]
بِخِلَافِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِهِ. قَالَ (فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى رَجَعَ وَقَصَّرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) مَعْنَاهُ: إذَا خَرَجَ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ عَادَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَكَان فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ.
(فَإِنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ. وَعِنْدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ شَيْءٌ عَلَى مَا قُلْنَا
بِالزَّمَانِ، فَإِنَّ رُكْنَهَا الطَّوَافُ وَهُوَ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِزَمَانٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ مَكْرُوهَةٌ فَكَانَتْ مُوَقَّتَةً. وَالْجَوَابُ أَنَّ كَرَاهَتَهَا فِيهَا لَيْسَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُوَقَّتَةٌ بِغَيْرِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَشْغُولٌ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ فِيهَا، فَلَوْ اعْتَمَرَ فِيهَا لَرُبَّمَا أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ فَكُرِهَتْ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِهِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِالزَّمَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَصَحِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ أَيْ: بِالزَّمَانِ، بِخِلَافِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ: أَصْلَ الْعُمْرَةِ يَتَوَقَّتُ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ، (فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ الْمُعْتَمِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْحَرَمِ وَقَصَّرَ فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَكَانِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ)، وَلَوْ فَعَلَ الْحَاجُّ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ دَمُ التَّأْخِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ) يَعْنِي إذَا قَدَّمَ الْقَارِنُ الْحَلْقَ عَلَى الذَّبْحِ (فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: دَمٌ لِلْقِرَانِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ. وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ)، وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ، (وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ شَيْءٌ عَلَى مَا قُلْنَا) إنَّ التَّأْخِيرَ عِنْدَهُ يُوجِبُ الدَّمَ خِلَافًا لَهُمَا. هَذَا تَقْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِيهِ: قَارِنٌ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، قَالَ: عَلَيْهِ دَمَانِ: دَمُ الْقِرَانِ، وَدَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ. يَعْنِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لَهُ لِأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى يُشِيرُ إلَى أَنَّهُمَا دَمَا جِنَايَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ دَمَ الْقِرَانِ، وَقَالَ: وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ: يَعْنِي الَّذِي يَجِبُ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَوَّلًا سِوَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا دَمَ الْقِرَانِ، وَمَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهِ فَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَلْقُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْحَقُّ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ:
[ ٣ / ٦٥ ]