(وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ فَلَا تَبْقَى
فَصْلُ الِاسْتِحَاضَةِ)
لَمَّا كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ وُقُوعًا قَدَّمَهُ ثُمَّ أَعْقَبَهُ الِاسْتِحَاضَةَ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ النِّفَاسِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَسْبَابِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً بِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ حَالَةَ الْحَبَلِ، أَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ، أَوْ زَادَ عَلَى مَعْرُوفِهَا وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ أَوْ رَأَتْ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، بِخِلَافِ النِّفَاسِ فَإِنَّ سَبَبَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدَّمَ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا عَلَى تَعْرِيفِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْحُكْمِ.
(وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ (وَالرُّعَافُ) الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ (وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ) أَيْ الَّذِي لَا يَسْكُنُ دَمُهُ مِنْ رَقَأَ الدَّمُ سَكَنَ.
وَقَوْلُهُ: (يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) هُوَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ (فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَالْوَاجِبَاتِ وَالنُّذُورِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَبِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَ أَدَائِهَا فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ صَلَاةٍ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مَكْتُوبَةً أَوْ غَيْرَهَا فَالتَّقْيِيدُ بِالْمَكْتُوبَةِ تَحَكُّمٌ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ لَا ضَرُورَةَ فِي النَّوَافِلِ إذْ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهَا فَاعْتِبَارُ عَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَكْتُوبَةِ دُونَهَا أَيْضًا تَحَكُّمٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُطْلَقٌ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَالْكَامِلُ هُوَ الْمَكْتُوبَةُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَبِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا فِي حَقِّ النَّوَافِلِ لَمْ تَرْتَفِعْ؛ لِأَنَّهَا خَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي إلْزَامِ الطَّهَارَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ.
وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ هَاهُنَا مُطْلَقٌ بَلْ عَامٌّ بِدَلِيلِ دُخُولِ كَلِمَةِ كُلٍّ فَلَا يَتَمَشَّى
[ ١ / ١٧٩ ]
بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وَضْؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
مَا ذَكَرْتُمْ؛ وَبِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً تَسَاوَتْ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ جَوَازِهِ بِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ) أَيْ الْوَقْتُ (الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) أَيْ وَقْتِهَا، فَكَانَ مَا رَوَاهُ نَصًّا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَمَا رَوَيْنَاهُ مُفْسِدٌ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى أَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، وَالشَّارِحُونَ قَالُوا مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي تَقْدِيرِ طَهَارَتِهَا بِالصَّلَاةِ بَعْضُ الْجَهَالَةِ وَالْحَرَجِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مُطَوِّلٌ لَهَا وَمِنْهُمْ غَيْرُ مُطَوِّلٍ، فَلَمْ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَقَدَّرْنَا طَهَارَتَهَا بِالْوَقْتِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ وَالْحَرَجُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَرَجِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ وَفَرَضْنَا الْفَرَاغَ عَنْهُ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ وُضُوءًا آخَرَ لِكُلِّ مَا يُصَلَّى مِنْ قَضَاءٍ أَوْ وَاجِبٍ أَوْ نَذْرٍ فِي وَقْتِهِ أَوْ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ تَحَقَّقَ الْحَرَجُ فِي مَوْضِعِ التَّخْفِيفِ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا لَيْسَ إلَّا رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا وَذَلِكَ خَلَفٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الْأَدَاءِ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا قَامَ مَقَامَ شَيْءٍ آخَرَ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ) قِيلَ قَوْلُهُ: وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوُضُوءِ يَسْتَلْزِمُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ كَالْمُتَيَمِّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ جِنَازَةٍ أُخْرَى حَضَرَتْ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَفِيهِ تَحَمُّلٌ كَمَا تَرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ لِبَيَانِ الْمَذْهَبِ
[ ١ / ١٨٠ ]
وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
وَالثَّانِي لِنَفْيِ قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ (اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ رُبَّمَا يَقُولُ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بَاطِلًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ وُجُوبُ اسْتِئْنَافِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا الْبُطْلَانُ الْمَعْهُودُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) بَيَانُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا ذُكِرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ زُفَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَالَ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَإِنَّمَا قَالَ: أَيْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا فَكَانَ الِانْتِقَاضُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ لَكِنَّ الْوَقْتَ مَانِعٌ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ أَثَرُ الْحَدَثِ فَكَانَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْخُرُوجِ مَجَازًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِانْتِقَاضَ لَوْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِلَا طَهَارَةٍ.
وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ دَائِرًا عَلَيْهِ كَانَ الِانْتِقَاضُ مُقْتَصِرًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَكَانَ طَهُورًا مِنْ وَجْهٍ وَاقْتِصَارًا مِنْ وَجْهٍ فَعَمِلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلْنَاهُ اقْتِصَارًا فِي الْقَضَاءِ وَظُهُورًا
[ ١ / ١٨١ ]
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ.
فِي حَقِّ الْمَسْحِ حَتَّى إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا إذَا انْتَقَضَتْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَلَمْ يَعْكِسْ الِاقْتِصَارَ وَالظُّهُورَ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ دُونَ عَكْسِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) إنَّمَا انْحَصَرَتْ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ فِي الْأُولَى دُخُولًا بِلَا خُرُوجٍ فَلَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَتَنْتَقِضُ عِنْدَهُمَا، وَفِي الثَّانِيَةِ خُرُوجًا بِلَا دُخُولٍ فَيَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَنْتَقِضُ عِنْدَ زُفَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ طَهَارَتُهَا لَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِدُخُولٍ بِلَا خُرُوجٍ وَتَنْتَقِضُ بِخُرُوجٍ بِلَا دُخُولٍ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَدَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ: إنَّمَا تَحْتَاجُ لِلطَّهَارَةِ لِأَجْلِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ، لَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا انْتَقَضَتْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ، بَلْ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا ضَرُورِيَّةٌ وَلَا ضَرُورَةَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوَقْتِ. وَقَالَ فِي طَرَفِ زُفَرَ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: يَعْنِي الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْوَقْتِ جُعِلَ عُذْرًا، وَقَدْ بَقِيَتْ شُبْهَتُهُ حَتَّى لَوْ قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ قَضَاهَا مَعَ سُنَّتِهَا، فَكَانَ كَمَالُ الْخُرُوجِ بِدُخُولِ وَقْتٍ آخَرَ وَلَمْ يُوجَدْ، فَبَقِيَتْ شُبْهَتُهُ فَصَلَحَتْ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْعُذْرِ تَحْقِيقًا: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْأَرْبَعَةَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ إنَّمَا يَعْمَلُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا غَيْرُ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَقْدِيمَ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِهَا الْحَاجَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ثَانِيًا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ أَيْضًا.
وَأَقُولُ: لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ فِي الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ صَحَّ، وَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ صَحَّ فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي التَّخْرِيجِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ النَّقْلِ (لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلطَّهَارَةِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ) فَإِنْ قِيلَ فَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ كَيْفَ يُوصَفُ بِالِانْتِقَاضِ
[ ١ / ١٨٢ ]
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ فَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهِ لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ
عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِيَّةِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ فَكَانَ نَقْضُهَا بِاعْتِبَارِهَا (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَلَيْسَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ بَلْ لِلْمُفَاجَأَةِ: أَيْ لِيُفَاجِئَ تَمَكُّنَ الْأَدَاءِ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا مَرَّ، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْأَدَاءِ وَاجِبٌ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا عَلَى خَلَفِهِ جَائِزًا حَطًّا لِرُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قُلْت: فَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ لَا مَحَالَةَ وَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَاجِبًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُضَافَ مَحْذُوفٌ: أَيْ لَا بُدَّ مِنْ جَوَازِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الدُّخُولُ صَالِحًا لِظُهُورِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مُحَقِّقًا لِلْحَاجَةِ، وَأَمَّا خُرُوجُ الْوَقْتِ فَدَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الَّذِي اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ. وَقَوْلُهُ: (عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) يَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ (بِمَنْزِلَةِ الضُّحَى) مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى أُدِّيَتْ بِجَمَاعَةٍ. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ الشُّبْهَةَ تَأْتِي عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالدُّخُولِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ لِمَا أَنَّ هَذَا دُخُولٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى خُرُوجٍ، فَهِيَ إنْ لَمْ تَنْتَقِضْ بِالدُّخُولِ تَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ. قِيلَ وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الظُّهْرِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ، وَمَا رَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ إذَا صَارَ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
[ ١ / ١٨٣ ]
وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ،
قَالَ: (وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَرَّفَهَا بِقَوْلِهِ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ (إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ) قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ والمرغيناني وَالْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الثُّبُوتِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالسُّقُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَنْقَطِعَ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لَهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَبِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَتَوَضَّأَتْ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِمُسْتَحَاضَةٍ بِدَلِيلِ عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهَا بِذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ كَانَ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَازَ لَهَا أَنْ تَبْنِيَ وَإِنْ كَانَ تَعْرِيفًا فِي الِانْتِهَاءِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فَكَذَلِكَ، وَيَلْزَمُ اخْتِلَافُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالَتَيْنِ وَالْحَقَائِقُ لَا تَخْتَلِفُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِهَا: الْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهَا وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لَيْسَ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ثُمَّ لَا تَخْلُو عَنْهُ مُنْذُ تَوَضَّأَتْ فِيهِ إنْ دَامَ، فَقَوْلُهُ: مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ هُوَ بِمَعْنَاهَا مِمَّنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَانْطِلَاقُ بَطْنٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ: مِنْ فَرْجِهَا احْتِرَازٌ كَمَا إذَا ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ
[ ١ / ١٨٤ ]
وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ مَعْنَاهَا
وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ
الدَّمِ مِنْ أَنْفِهَا أَوْ جُرْحٍ بِهَا فَإِنَّهَا بِمَعْنَاهَا، وَقَوْلُهُ: وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لِبَيَانِ ثُبُوتِ عُذْرِهَا ابْتِدَاءً، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ: أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ احْتِرَازٌ عَمَّا وَرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّقْضِ بِصُورَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَالْحَائِضِ فِي الْوُرُودِ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَا تَخْلُو: أَيْ الْمُسْتَحَاضَةُ عَنْهُ: أَيْ عَنْ الدَّمِ مُنْذُ تَوَضَّأَتْ فِيهِ: أَيْ فِي الْوَقْتِ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبَقَاءِ وَلِإِخْرَاجِ مَا وَرَدَ مِنْ النَّقْضِ بِقَوْلِهِ وَبِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ وَإِنَّ الدَّمَ كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْوُضُوءِ، وَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ، وَقَوْلُهُ: إنْ دَامَ: يَعْنِي الْحَدَثَ لِبَيَانِ أَنَّ ثُبُوتَ كَوْنِهَا مُسْتَحَاضَةً لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ لَا تَخْلُو عَنْهُ إلَخْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْبَقَاءِ وَبِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ فِي وَقْتٍ كَامِلٍ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَإِنْ انْقَطَعَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا) أَيْ فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ: أَيْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وَقَوْلَهُ (وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتِطْلَاقُ الْبَطْنِ مَشْيُهُ
[ ١ / ١٨٥ ]
لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ وَهِيَ تَعُمُّ الْكُلَّ