(فَصْلٌ)
فِي الْقِرَاءَةِ (الْقِرَاءَةُ فِي الْفَرْضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵊ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا.
فَصْلٌ):
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالنَّوْفَلِ عَلَى التَّرْتِيبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ وُجُوبُهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَرَائِضِ الرَّبَاعِيَةِ مُخَمَّسَةٌ، فَعِنْدَنَا هِيَ فَرْضٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ: الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَذْكَارِ حِينَ شُرِعَ شُرِعَ سُنَّةً وَجَبَتْ الْمُخَافَتَةُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهَاهُنَا وَجَبَ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ بَلْ فِي كُلِّهَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَكَانَتْ مُخَافَتَةً؛ لِأَنَّ مَبْنَى التَّطَوُّعَاتِ عَلَى الْخُفْيَةِ وَالْكِتْمَانِ، عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْحَسَنِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَلَا يَلْزَمُ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا فَإِنَّ التَّكْرَارَ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵊، وَالْجَوَابُ عَنْهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، وَهُوَ أَنَّا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ
[ ١ / ٤٥١ ]
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
تَجِبُ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» لَكِنَّا أَقَمْنَا الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا.
وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْحَدِيثُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى رَكْعَةً حَنِثَ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا يُعَارِضُهُ وَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَيْهِ (وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى) إلْحَاقًا بِهَا بِالدَّلَالَةِ (؛ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ (يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ
[ ١ / ٤٥٢ ]
فَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ بِالسَّفَرِ، وَصِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْرِهَا فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَالصَّلَاةُ فِيمَا رُوِيَ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا فَتَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلَةِ وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ عُرْفًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ سَكَتَ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ لِأَنَّهُ ﵊ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
حَيْثُ الثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالْبَسْمَلَةُ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَرْكَانِ (فَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: الْأُخْرَوَانِ، وَهُوَ لَحْنٌ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ إذَا كَانَتْ ثَالِثَةً رُدَّتْ إلَى أَصْلِهَا فِي التَّثْنِيَةِ كَعَصَوَانِ وَرَحَيَانِ، وَإِذَا كَانَتْ رَابِعَةً فَصَاعِدًا لَمْ تُقْلَبْ إلَّا يَاءً نَحْوُ أَعْشَيَانِ صِفَةٌ وَحُبْلَيَانِ وَالْأَوْلَيَانِ (فَيُفَارِقَانِهِمَا) أَيْ الْأُولَيَيْنِ فِي حَقِّ السُّقُوطِ بِالسَّفَرِ.
وَقَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْقِرَاءَةِ وَقَدْرُهَا) فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ السُّورَةَ إلَى الْفَاتِحَةِ فِيهِمَا (فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا) وَقَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ) جَوَابٌ عَمَّا رَوَوْهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا صَلَاةَ مَصْدَرٌ مَذْكُورٌ صَرِيحًا، فَكَانَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، وَذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ عُرْفًا فَكَذَا هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: لَا صَلَاةَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ كُلَّ فَرْدٍ. قُلْنَا تَعُمُّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا لُغَةً أَوْ شَرِيعَةً لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا لُغَةً الدُّعَاءُ، وَلَيْسَتْ الْقِرَاءَةُ شَرْطًا فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الدُّعَاءِ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِفْرَادِ شَرْعًا لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ.
وَلَنَا أَنْ نَقُولَ أَيْضًا بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ هَلْ هِيَ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أَوْ لَا، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَنَا دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ» (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) قِيلَ عَلَى جِهَةِ الثَّنَاءِ لَا عَلَى جِهَةِ الْقِرَاءَةِ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا (وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) مِقْدَارَ تَسْبِيحَةٍ (وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ) ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ (كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ) فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يُسَبِّحَانِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَالَتْ اقْرَأْ وَلْتَكُنْ عَلَى جِهَةِ الثَّنَاءِ (إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ) يَعْنِي بِتَرْكٍ، وَإِلَّا لَكَانَ وَاجِبًا (فَلِهَذَا) أَيْ فَلِكَوْنِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ (لَا يَجِبُ) سَجْدَةُ (السَّهْوِ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُسَبِّحْ عَمْدًا كَانَ مُسِيئًا، وَإِنْ سَهَا عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَقْصُودٌ فَيُكْرَهُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَمِيعًا، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَامِ الْقِرَاءَةُ، فَإِذَا سَقَطَتْ بَقِيَ الْقِيَامُ الْمُطْلَقِ فَكَانَ كَقِيَامِ الْمُقْتَدِي.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: الْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي
[ ١ / ٤٥٣ ]
(وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏، وَلِهَذَا قَالُوا يُسْتَفْتَحُ فِي الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ.
الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ لَا بِأَعْيَانِهِمْ إنْ شَاءَ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ وَإِنْ شَاءَ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ. وَقَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى وَاجِبَاتُ الصَّلَاةِ عَشْرٌ وَذَكَرَ مِنْهَا تَعْيِينَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ جَمِيعَ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ كُلِّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ (لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ) وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَشْهُورِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ (قَالُوا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ) أَيْ يَقْرَأُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ تَرْكَ الْقَعْدَةِ الْأُولَى مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فِي التَّطَوُّعَاتِ؛ فَلَوْ كَانَ كُلُّ شَفْعٍ مِنْهَا صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ لَمَا جَازَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِتَرْكِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ وَجْهَ الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ، وَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ أَشْبَهَ صَلَاتُهُ هَذِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهَا صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَرْبَعَ مَشْرُوعَةٌ كَالرَّكْعَتَيْنِ وَقَدْ دَخَلَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَبِالنَّظَرِ إلَى الشَّبَهِ الْأَوَّلِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ وَهِيَ فَرْضٌ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ لَيْسَتْ الْأَخِيرَةَ فَلَا تَفْسُدُ بِالشَّكِّ، وَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ نَظَرًا إلَى الشَّبَهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ
[ ١ / ٤٥٤ ]
قَالَ (وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ. وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَيَلْزَمُ الْإِتْمَامُ ضَرُورَةَ صِيَانَتِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ، وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مُلْزِمًا، هَذَا إذَا أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَلَوْ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي
بَعْدَ السُّجُودِ لِتَأَكُّدِ الشَّبَهِ الثَّانِي بِهِ، وَأَوْجَبْنَا الْقِرَاءَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ مَقْصُودٌ لِعَيْنِهَا. وَأَمَّا الْقَعْدَةُ فَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِلتَّحَلُّلِ أَوْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الشَّفْعَيْنِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا رِعَايَةُ الشَّبَهَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ الْوِتْرِ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ رُكْنٌ مَقْصُودٌ لِعَيْنِهَا، وَكَوْنُهُ فَرْضًا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَفِيهِ احْتِمَالُ النَّفْلِيَّةِ فَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الْجَمِيعِ احْتِيَاطًا.
قَالَ (وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا مُلْزِمٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْعُلَمَاءُ أَوْرَدُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ إنَّمَا وَرَدَتْ فِيهِ، لَكِنْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ لَمَّا رَأَى حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِمَا وَاحِدًا أَوْرَدَهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُتَنَفِّلُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ) أَيْ فِي فِعْلِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ كَمَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ نَاوِيًا أَرْبَعًا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الشَّفْعِ الثَّانِي.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ قَبْلَ شُرُوعِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالثَّانِي عَيْنُ النِّزَاعِ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ فَلَمْ يُوجَدْ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي حَتَّى لَا يَكُونَ مُلْزَمًا وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً بِتَسْلِيمَةٍ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَكُلُّ مَا وَقَعَ قُرْبَةً لَزِمَ إتْمَامُهُ ضَرُورَةَ صِيَانَةِ بُطْلَانِ حَقِّ الْغَيْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فَإِنْ قِيلَ: الْمُؤَدَّى لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إلْزَامِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِيهِ عِبَادَةٌ وَصَلَتْ إلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا وَجْهَ لِلتَّسْلِيمِ إلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عِبَادَةٌ حَتَّى إنَّهُ لَوْ مَاتَ أُثِيبَ عَلَيْهِ؛ وَلِئَلَّا يَلْزَمَ تَرَكُّبُ الشَّيْءِ مِنْ مُنَافِيهِ وَإِلْزَامُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ عِبَادَةً صَوْمًا أَوْ صَلَاةً مَثَلًا، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا بِالْتِزَامِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا) أَيْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ نَاوِيًا أَرْبَعًا (وَقَرَأَ فِي الْأُولَيَانِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) يَعْنِي الشَّفْعَ الثَّانِيَ (؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مُلْزَمًا إذَا كَانَ الْإِفْسَادُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا) بِالْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ
[ ١ / ٤٥٥ ]
لَا يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ. وَلَهُمَا أَنَّ الشُّرُوعَ يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ وَمَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِهِ، وَصِحَّةُ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَقِيلَ يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَقْضِي أَرْبَعًا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ:
(وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْأَرْبَعِ قَارَنَتْ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَهُوَ الشُّرُوعُ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ كَمَا إذَا نَذَرَ، فَإِنَّ نِيَّةَ الْأَرْبَعِ قَارَنَتْ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّذْرُ.
وَلَهُمَا أَنَّ الشُّرُوعَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ مَا شَرَعَ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى، وَلِوُجُوبِ مَا لَا يَصِحُّ مَا شَرَعَ فِيهِ إلَّا بِهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ الْبُتَيْرَاءَ مُنْهًى عَنْهَا، وَالشَّفْعُ الثَّانِي لَيْسَ مَا شَرَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضَ وَلَا مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ مَا شَرَعَ فِيهِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ، وَمَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُقَارِنْ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَهُوَ الشُّرُوعُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ، بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّ نِيَّةَ الْأَرْبَعِ قَارَنَتْ سَبَبَ الْوُجُوبِ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ (وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ) فَإِنْ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا يَقْضِيهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقْضِي (وَقِيلَ يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ إذَا خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، أَوْ أَخْبَرَتْ بِشُفْعَةٍ لَهَا فَأَتَمَّتْ أَرْبَعًا لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا وَلَا شُفْعَتُهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ.
قَالَ (وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِمَسْأَلَةِ الثَّمَانِيَةِ، وَالْوُجُوهُ الْآتِيَةُ فِيهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَهِيَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْجَمِيعِ، تَرَكَ فِي الْجَمِيعِ، تَرَكَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ، تَرَكَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، تَرَكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، تَرَكَ فِي الثَّانِيَةِ، تَرَكَ فِي الثَّالِثَةِ، تَرَكَ فِي الرَّابِعَةِ، تَرَكَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَالرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، تَرَكَ فِي الْأَوَّلِ وَالرَّابِعَةِ، تَرَكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالشَّفْعِ الثَّانِي، تَرَكَ فِي الثَّانِيَةِ وَالشَّفْعِ الثَّانِي، تَرَكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، تَرَكَ فِي الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ، تَرَكَ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، تَرَكَ فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا. وَالْمُصَنِّفُ تَرَكَ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَقْسَامِ الْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَاَلَّتِي يَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا لَيْسَتْ مِنْهَا، وَتَدَاخَلَتْ مِنْهَا سَبْعَةُ أَوْجُهٍ فِي الْبَاقِيَةِ لِاتِّحَادِ الْحُكْمِ فَعَادَتْ ثَمَانِيَةً، فَعَلَيْك بِتَمْيِيزِ
[ ١ / ٤٥٦ ]
وَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ فَسَادَ الْأَدَاءِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ وُجُودًا بِدُونِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلْأَدَاءِ إلَّا بِهَا، وَفَسَادُ الْأَدَاءِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ
الْمُتَدَاخِلَةِ بِالتَّفْتِيشِ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ.
(وَالْأَصْلُ فِيهَا) مَا ذَكَرَهُ (أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ) لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً إلَيْهَا، وَالْأَفْعَالُ قَدْ فَسَدَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ بِالْإِجْمَاعِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ)؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ فَسَادَ الْأَدَاءِ لَا بُطْلَانَهُ، وَفَسَادُ الْأَدَاءِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْأَرْكَانِ حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ، وَتَرْكُ الْأَدَاءِ لَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ فَكَذَلِكَ فَسَادُهُ (وَإِنَّمَا) قُلْنَا: إنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ (يُوجِبُ فَسَادَ الْأَدَاءِ) لَا بُطْلَانَهُ (؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلصَّلَاةِ وُجُودًا بِدُونِهَا) مِنْ الْمُقْتَدِي وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ، وَالرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ رُكْنًا زَائِدًا لَا يُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَصِيرَ بَاطِلَةً، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ صِفَتِهَا وَهِيَ صِحَّةُ الْأَدَاءِ عَمَلًا بِقَدْرِ الدَّلِيلِ فَصَارَ فَاسِدًا. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْفَسَادَ، وَأَنَّ الْفَسَادَ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ، وَأَنَّ التَّرْكَ لَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ وَلَكِنْ مَا ذَكَرْتُمْ تَأْخِيرٌ لَا تَرْكٌ فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا. أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا تَرْكٌ قَبْلَ اشْتِغَالِهِ بِالْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ تَأْخِيرًا إذَا اشْتَغَلَ بِالْأَدَاءِ فَقَبْلَ اشْتِغَالِهِ بِهِ يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ التَّرْكِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ حِينَئِذٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَسَادَ لَا يَزِيدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّرْكِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَبَيْنَهُ حَيْثُ يُبْطِلَانِ التَّحْرِيمَةَ دُونَهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُمَا مِنْ مَحْظُورَاتِ التَّحْرِيمَةِ، وَارْتِكَابُهَا يَقْطَعُ التَّحْرِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَهَا فِي الِابْتِدَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَهَا بَعْدَ الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَإِنْ قُلْت: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنَّ اتِّصَافَ الرُّكْنِ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الشَّيْءُ بِالزِّيَادَةِ لَيْسَ بِكَلَامٍ مُحَصَّلٌ. فَالْجَوَابُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ تَقْرِيرًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَعَلَيْك بِتَحْصِيلِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ خُصُومِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْضًا أَنْكَرُوا عَلَيَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ
[ ١ / ٤٥٧ ]
فَلَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَفِي إحْدَاهُمَا لَا يُوجِبُ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَقَضَيْنَا بِالْفَسَادِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا، إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُمَا فَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَبَقِيَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ إذَا فَسَدَ الْكُلُّ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَهُ.
(وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ (وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَمْ يَصِحُّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إنْ صَحَّ فَقَدْ أَدَّاهَا (وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَاقِيَةٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ
(وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَفِي إحْدَاهُمَا لَا يُوجِبُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِيهِ إخْلَاءٌ لِلصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَبَطَلَ تَحْرِيمَتُهَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ تَرَكَهَا فِي إحْدَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، لَكِنْ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مُتَمَسِّكًا بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَقَضَيْنَا بِالْفَسَادِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْفَجْرِ، وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَسَادُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُجْتَهَدٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمَّ لَا يَقُولُ بِفَسَادِهَا. أُجِيبَ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافٌ لَا اخْتِلَافٌ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (قَوْلُهُ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) يَعْنِي الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ ظَاهِرٌ سِوَى أَشْيَاءَ نُشِيرُ إلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ: يَعْنِي إذَا قَعَدَ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَرْبَعًا لِمَا أَنَّ الْفَسَادَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي يَسْرِي إلَى الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَقْعُدْ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ صَلَاةً فِي قَوْلِهِمَا حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ، وَلَوْ قَهْقَهَ لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا) وَإِنَّمَا قَالَ (وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ
[ ١ / ٤٥٨ ]
ارْتَفَعَتْ عِنْدَهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ وَقَالَ: رَوِيت لَك عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ قَضَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ) قَالَ (وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلُهَا» يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا)
بِاتِّفَاقٍ بَيْنَهُمَا بَلْ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ فَصْلٌ أَصَابَ مَحَزَّهُ كَمَا تَرَى. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَأَبُو يُوسُفَ أَيْضًا مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَاقِيَةٌ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ جَرَتْ مُحَاوَرَةٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي مَذْهَبِهِ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، رَوَيْت لَك عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَلْ رَوَيْت لِي عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَالْأَصْلُ الْمَذْكُورُ يُسَاعِدُ مُحَمَّدًا، وَاعْتَذَرَ لِأَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ مَا حَفِظَهُ هُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ ضَعُفَتْ بِالْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِالشُّرُوعِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (قَالَ) يَعْنِي مُحَمَّدًا (وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﵊ «لَا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلَهَا» أَوْرَدَ بَعْدَ ذِكْرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّمَانِيَةِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَوَّلَهُ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ (يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ) وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي
[ ١ / ٤٥٩ ]
(وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقْعُدَ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ.
رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ الْفَرْضَ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ الْفَرْضَ بَعْدَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ تَكْرَارِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا بِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ، وَلَئِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَهُوَ مُؤَوَّلٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَئِنْ قِيلَ إنَّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ فَصَارَ كَخَبَرِ الْمَسْحِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَصَّ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، إذْ لَوْ كَانَ مُجْمَلًا كَانَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَالَ بَيَانُ الْفَرْضِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَرْضِيَّةُ ثَابِتَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْحَدِيثُ لِبَيَانِ أَنَّهَا فَرْضٌ فِي التَّطَوُّعِ رَكْعَةً فَرَكْعَةً.
قَالَ (وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا) يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا (لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» سَمَّاهُ صَلَاةً، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصَلَاةُ الْقَائِمِ سِيَّانِ فِي الثَّوَابِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْفَرْضَ أَوْ التَّطَوُّعَ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي (وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ) أَيْ مَشْرُوعٌ لَك الْخَيْرُ لَا يَكُونُ خَيْرًا، وَمَرْفُوعٌ عَنْك لِكَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا قَدْ يُفْضِي إلَى تَرْكِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْخَيْرِ لَا يَكُونُ خَيْرًا، وَالْقِيَامُ قَدْ يُفْضِي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَشُقُّ عَلَى الْمُصَلِّي فَلَا يُشْتَرَطُ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِ، أَيْ بِسَبَبِهِ عَنْ الْخَيْرِ.
(وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ) رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ
[ ١ / ٤٦٠ ]
(وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ قِيَاسٌ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ. لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ﵏
يَقْعُدُ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ تَرْكُ أَصْلِ الْقِيَامِ فَتَرْكُ صِفَةِ الْقُعُودِ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَبِي؛ لِأَنَّ عَامَّةَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ كَانَ مُحْتَبِيًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ؛ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ. وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ.
(وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ قِيَاسٌ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ عِنْدَنَا مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ) فِي الْإِلْزَامِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، فَكَذَا إذَا شَرَعَ قَائِمًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّرُوعَ يُلْزِمُ مَا شَرَعَ فِيهِ، وَمَا لَا صِحَّةَ لِمَا شَرَعَ فِيهِ إلَّا بِهِ كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَاهُنَا لِمَا شَرَعَ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى قَائِمًا صَحَّتْ بِدُونِ الْقِيَامِ فِي الثَّانِيَةِ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْعُذْرِ، فَلَا يَكُونُ الشُّرُوعُ فِي الْأُولَى قَائِمًا مُوجِبًا لِلْقِيَامِ فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقِيَامَ نَصًّا بِتَسْمِيَتِهِ فَيَلْزَمُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِيَامِ فِي نَذْرِهِ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا رِوَايَةَ فِيمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَلَمْ يَقُلْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَاذَا يَجِبُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّفْلِ وَصْفٌ زَائِدٌ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْنَمَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهَا قَائِمًا. وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ إلَخْ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَخْذًا بِقَوْلِ بَعْضِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ بِأَزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ يُفِيدُ أَنَّهُ
[ ١ / ٤٦١ ]
(وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إيمَاءً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إيمَاءً»
لَوْ قَعَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ افْتِتَاحِهَا قَائِمًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ يُلْزِمُ مَا بَاشَرَهُ وَمَا بَاشَرَهُ إلَّا قَائِمًا، وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ حَيْثُ قَالَ: الْمُتَطَوِّعُ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَتْ لَهُ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ قَائِمًا وَبَيْنَ الِافْتِتَاحِ قَاعِدًا، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ أَخَفُّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْشَاءُ الْجُمُعَةِ بِلَا جَمْعٍ وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْبَقَاءِ أَسْهَلَ مِنْ الِابْتِدَاءِ مِنْ الْمُسَلَّمَاتِ لَا نِزَاعَ فِيهِ، لَكِنْ عَارَضَهُ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِيمَا بَاشَرَهُ يَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، تَوَجَّهَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَتَوَجَّهْ لِإِطْلَاقِ الْمَرْوِيِّ، وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ أَوْ فِي رِكَابِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ إذَا سَقَطَا مَعَ كَوْنِهِمَا رُكْنَيْنِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ طَهَارَةُ الْمَكَانِ وَهُوَ شَرْطٌ أَوْلَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَهُ بِلَا وُضُوءٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الشَّيْءِ إلَى خَلَفٍ سُقُوطُ مَا لَا خَلَفَ لَهُ، فَكَانَ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَأَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ،
[ ١ / ٤٦٢ ]
وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ، أَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَالْجَوَازِ فِي الْمِصْرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ
وَإِنْ كَانَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (أَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يُصَلِّي الْمُسَافِرُ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَخَوْفِ اللِّصِّ وَالسَّبُعِ وَطِينِ الْمَكَانِ وَكَوْنِ الدَّابَّةِ جَمُوحًا وَكَوْنِ الْمُسَافِرِ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَجِدُ مَنْ يُرْكِبُهُ.
وَقَوْلُهُ: (يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ) قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِبَيَانِ الْأَوْلَى. يَعْنِي أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْزِلَ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَقَوْلُهُ: (يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ) إشَارَةٌ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ جَوَازَ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ لِلْمُسَافِرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ بِالْإِيمَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْحَضَرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُسَافِرَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمِصْرِ. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْبُعْدِ عَنْ الْمِصْرِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مِقْدَارُ الْفَرْسَخَيْنِ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمِيلِ، وَمَنَعَ مِنْ الْجَوَازِ فِي أَقَلَّ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْجَوَازَ) بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ اشْتِرَاطَ. فَإِنْ قِيلَ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ قُلْنَا: ذَلِكَ فِي النُّصُوصِ دُونَ الرِّوَايَاتِ، وَذَكَرَ فِي الْهَارُونِيَّاتِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْمِصْرُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ عَلَى الدَّابَّةِ فِيهِ لَا يَكُونُ مَدِيدَ إعَادَةٍ فَرَجَعْنَا فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِ»، وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ قِيلَ إنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ رُجُوعًا مِنْهُ إلَى الْحَدِيثِ، وَقِيلَ بَلْ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ
[ ١ / ٤٦٣ ]
أَيْضًا. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَالْحَاجَةُ إلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ.
(فَإِنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ، فَإِنْ أَتَى بِهِمَا صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ انْعَقَدَ لِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا لَزِمَهُ مِنْ
حُجَّةً، وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَهُ بِالْحَدِيثِ لَكِنَّهُ كَرِهَ؛ لِأَنَّ اللَّغَطَ يَكْثُرُ فِي الْمِصْرِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ الْغَلَطِ فِي الْقِرَاءَةِ.
(وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ صَلَّى رَكْعَةً بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَتَقْرِيرُ دَلِيلِهِ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ فِي أَنَّ بِنَاءَ بَعْضِ الصَّلَاةَ عَلَى بَعْضٍ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَا مُتَنَاوِلَ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا فَإِحْرَامُ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ بِلَا مُبْطِلٍ، فَكَانَ مَا صَلَّى بِإِيمَاءٍ وَهُوَ رَاكِبٌ وَمَا يُصَلِّي بَعْدَ النُّزُولِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُوجِبَيْ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَازَ بِنَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا: أَيْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ لَمْ يَنْعَقِدْ لَا مُوجِبًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ بِلَا مُبْطِلٍ لِكَوْنِهِ عَمَلًا كَثِيرًا فَلَا يَكُونُ
[ ١ / ٤٦٤ ]
غَيْرِ عُذْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ أَيْضًا،
مَا صَلَّى نَازِلًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَمَا صَلَّى بَعْدَ الرُّكُوبِ بِإِيمَاءٍ مُوجِبَيْ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الرُّكُوبِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ مِنْ غَيْرِ مُبْطِلٍ يُمْكِنُ بِأَنْ يَرْفَعَهُ شَخْصٌ وَيَضَعُهُ فِي السَّرْجِ وَضْعًا؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَارَ عَلَى الشَّيْءِ فِي التَّكْلِيفِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِقُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ لَا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ أَيْضًا)؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَالْمَرِيضِ إذَا قَدَرَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ
[ ١ / ٤٦٥ ]
وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
فَصْلٌ