(وَيَجُوزُ لِابْنِ الْعَمِّ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ نَفْسِهِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ (وَإِنْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ فَعَقَدَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ.
لَمَّا كَانَتْ الْوَكَالَةُ نَوْعًا مِنْ الْوِلَايَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَتَصَرُّفِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي بَابِ الْأَوْلِيَاءِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ. وَقَوْلُهُ (وَغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْوَكَالَةِ كَنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لِابْنِ الْعَمِّ) صُورَتُهُ وَتَحْرِيرُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَلِيلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنًى
[ ٣ / ٣٠٥ ]
لَهُمَا أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُمَلِّكًا وَمُتَمَلِّكًا كَمَا فِي الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي الْوَلِيِّ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّاهُ سِوَاهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ.
وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مُمَلِّكًا وَمُتَمَلِّكًا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ الْوَلِيَّ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِيهِ
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَالتَّمَانُعُ فِي الْحُقُوقِ دُونَ التَّعْبِيرِ وَلَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ حَتَّى رَجَعَتْ الْحُقُوقُ إلَيْهِ، وَإِذَا تَوَلَّى طَرَفَيْهِ فَقَوْلُهُ زَوَّجْت يَتَضَمَّنُ الشَّطْرَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ. .
قَالَ (وَتَزْوِيجُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا مَوْقُوفٌ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَوْلَى جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ رِضَاهَا أَوْ رَجُلًا بِغَيْرِ رِضَاهُ) وَهَذَا عِنْدَنَا فَإِنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَدَرَ مِنْ الْفُضُولِيِّ وَلَهُ مُجِيزٌ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصَرُّفَاتُ الْفُضُولِيِّ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ
كَمَذْهَبِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَبَنَاهُ عَلَى الضَّرُورَةِ (وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ) وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُمَلِّكًا وَمُتَمَلِّكًا لِأَنَّهُ لَا تَمَانُعَ فِي التَّعْبِيرِ بِأَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْت بِنْتَ عَمِّي فُلَانَةَ عَلَى صَدَاقِ كَذَا، وَإِنَّمَا التَّمَانُعُ فِي الْحُقُوقِ كَالتَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَالْإِيفَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَهِيَ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ سَفِيرٌ لَا مُبَاشِرٌ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ حَتَّى رَجَعَتْ الْحُقُوقُ إلَيْهِ، وَإِذَا تَوَلَّى طَرَفَيْهِ فَقَوْلُهُ زَوَّجْت يَتَضَمَّنُ الشَّطْرَيْنِ) أَيْ شَطْرَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَمَّا قَامَ مَقَامَ اثْنَيْنِ قَامَتْ عِبَارَتُهُ الْوَاحِدَةُ أَيْضًا مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ (فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ).
وَقَوْلُهُ (وَتَزْوِيجُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَهُ مُجِيزٌ) أَيْ قَابِلٌ يَقْبَلُ الْإِيجَابَ سَوَاءٌ كَانَ فُضُولِيًّا آخَرَ أَوْ وَكِيلًا أَوْ أَصِيلًا.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
لِأَنَّ الْعَقْدَ وُضِعَ لِحُكْمِهِ، وَالْفُضُولِيُّ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ فَيَلْغُو. وَلَنَا أَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي انْعِقَادِهِ
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْعَقْدَ وُضِعَ لِحُكْمِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْأَسْبَابُ وَالْعِلَلُ وَسَائِلُ إلَيْهِ (وَالْفُضُولِيُّ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ) وَإِلَّا لَجَازَ لِلنَّاسِ تَمْلِيكُ أَمْوَالِ النَّاسِ لِلنَّاسِ وَفِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا كَانَ كَلَامُهُ لَغْوًا (وَلَنَا أَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ قَوْلُهُ زَوَّجْت وَتَزَوَّجْت (صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ) وَهُوَ الْحُرُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ (مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ) وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ﵇ وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (وَلَا ضَرَرَ فِي انْعِقَادِهِ) لِكَوْنِهِ
[ ٣ / ٣٠٨ ]
فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا. حَتَّى إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ يُنَفِّذُهُ، وَقَدْ يَتَرَاخَى حُكْمُ الْعَقْدِ عَنْ الْعَقْدِ (وَمَنْ قَالَ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَبَلَغَهَا فَأَجَازَتْ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ آخَرُ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْهُ فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَأَجَازَتْ جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ)
غَيْرَ لَازِمٍ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ (فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً نَفَّذَهُ) وَإِلَّا أَبْطَلَهُ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ يَتَرَاخَى حُكْمُ الْعَقْدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وُضِعَ لِحِكْمَةٍ وَتَقْرِيرُهُ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنَّ الْحُكْمَ هَاهُنَا لَمْ يَنْعَدِمْ بَلْ تَأَخَّرَ إلَى الْإِجَازَةِ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَرَاخَى عَنْ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَإِنَّ لُزُومَهُ مُتَرَاخٍ إلَى سُقُوطِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ) ظَاهِرٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى لَا مُجِيزَ
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا غَائِبًا فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ جَازَ.
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْلُحُ فُضُولِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ فُضُولِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَأَصِيلًا مِنْ جَانِبٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ.
لَهَا فَلَا تَتَوَقَّفُ، وَالثَّانِيَةَ لَهَا مُجِيزٌ فَتَتَوَقَّفُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ التَّوَقُّفِ وُجُودُ الْمُجِيزِ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ (قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَبَلَغَهُ) يَعْنِي بِغَيْرِ مُجِيزٍ (كَأَجَازَهُ جَازَ) قَوْلُهُ (وَحَاصِلُ ذَلِكَ) قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ: هَاهُنَا سِتُّ مَسَائِلَ، ثَلَاثٌ مِنْهَا تَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ بِلَا خِلَافٍ: إحْدَاهَا أَنَّ الْفُضُولِيَّ إذَا قَالَ: زَوَّجْتُ فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ وَقَبِلَ عَنْهُ فُضُولِيٌّ آخَرُ، أَوْ قَالَ الرَّجُلُ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ وَهِيَ غَائِبَةٌ فَأَجَابَهُ فُضُولِيٌّ وَقَالَ: زَوَّجْتهَا مِنْك وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَقِيلَ عَنْ فُلَانٍ: فُضُولِيٌّ تَوَقَّفَ الْعَقْدُ عَلَى الْإِجَازَةِ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَرَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيَكُونُ تَامًّا مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ. وَفِي ثَلَاثٍ مِنْهَا اخْتِلَافٌ: إحْدَاهَا مَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ: زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٌ غَائِبٌ وَلَمْ يَقْبَلْ عَنْهُ آخَرُ.
وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ الْفُضُولِيُّ زَوَّجْت
[ ٣ / ٣١٠ ]
وَلَوْ جَرَى الْعَقْدُ بَيْنَ الْفُضُولِيَّيْنِ أَوْ بَيْنَ الْفُضُولِيِّ وَالْأَصِيلِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ. هُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَنْفُذُ، فَإِذَا كَانَ فُضُولِيًّا يَتَوَقَّفُ وَصَارَ كَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْجُودَ شَطْرُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ شَطْرٌ حَالَةَ الْحَضْرَةِ فَكَذَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ، وَمَا جَرَى بَيْنَ الْفُضُولِيَّيْنِ عَقْدٌ تَامٌّ، وَكَذَا الْخُلْعُ وَأُخْتَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِهِ حَتَّى يَلْزَمَ فَيَتِمَّ بِهِ
فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ وَلَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ فَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ عَلَى إجَازَةِ الْغَائِبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَعَلَى قَوْلِهِ آخِرًا يَتَوَقَّفُ (هُوَ يَقُولُ) فِي الْفُضُولِيِّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (لَوْ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ نَفَذَ، فَإِذَا كَانَ فُضُولِيًّا تَوَقَّفَ) لِأَنَّ كَلَامَ الْوَاحِدِ عَقْدٌ تَامٌّ فِي النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ ابْتِدَاءً فَكَذَا بِاعْتِبَارِ الْإِجَازَةِ انْتِهَاءً، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إذَا قَالَ: خَالَعْتُ امْرَأَتِي عَلَى كَذَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَقَبِلَتْ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا جَازَ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ، احْتِيَاجُ الْكُلِّ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْجُودَ شَرْطُ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ شَطْرُ حَالَةِ الْحَضْرَةِ) حَتَّى مَلَكَ الرُّجُوعَ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ وَبَطَلَ بِالْقِيَامِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ عَقْدًا تَامًّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَالْجَامِعُ (فَكَذَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ) لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الصِّيغَةُ وَهِيَ لَمْ تَخْتَلِفْ (وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ كَلَامَهُ إلَى الْعَاقِدَيْنِ) فَيَصِيرُ كَكَلَامَيْنِ (وَمَا جَرَى بَيْنَ الْفُضُولِيَّيْنِ عَقْدٌ تَامٌّ) لِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَيَتَوَقَّفُ (وَكَذَا الْخُلْعُ وَأُخْتَاهُ) أَيْ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَالْإِعْتَاقُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِهِ) وَلِهَذَا كَانَ لَازِمًا لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ، وَالْيَمِينُ يَتِمُّ بِالْحَالِفِ فَكَانَ عَقْدًا تَامًّا،
[ ٣ / ٣١١ ]
(وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ اثْنَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ لَمْ تَلْزَمْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى تَنْفِيذِهِمَا لِلْمُخَالَفَةِ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ فِي إحْدَاهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ لِلْجَهَالَةِ وَلَا إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ
وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ جَانِبِهِ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ اثْنَتَيْنِ) لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالثَّانِي مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا وَالْبَيَانُ إلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ فِي إحْدَاهُمَا؛ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا مَنْكُوحَةً؛ كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَالْبَيَانُ إلَى الزَّوْجِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالطَّلَاقِ لِاحْتِمَالِهِ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ دُونَ النِّكَاحِ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِالْبَيَانِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَفِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنْ أَمَرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فُلَانَةَ
[ ٣ / ٣١٢ ]
فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ
(وَمَنْ أَمَرَهُ أَمِيرٌ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ أَمَةً لِغَيْرِهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) رُجُوعًا إلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَعَدَمِ التُّهْمَةِ (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُزَوِّجَهُ كُفْئًا)؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَصَرَّفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ
فَزَوَّجَهَا وَأُخْرَى مَعَهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ جَازَ نِكَاحُ فُلَانَةَ لِلْأَمْرِ بِهِ وَتَوَقَّفَ نِكَاحُ الْأُخْرَى عَلَى الْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَمَرَهُ أَمِيرٌ) قَيَّدَهُ بِالْأَمِيرِ وَحُكْمُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِيرًا فَزَوَّجَهُ الْوَكِيلُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً عَمْيَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ مَفْلُوجَةً أَوْ مَجْنُونَةً، إمَّا اتِّفَاقًا، وَإِمَّا لِمَا قِيلَ قَيَّدَهُ
[ ٣ / ٣١٣ ]
وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِالْأَكْفَاءِ. قُلْنَا الْعُرْفُ مُشْتَرَكٌ أَوْ هُوَ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا. وَذَكَرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْكَفَاءَةِ فِي هَذَا اسْتِحْسَانٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَعْجِزُ عَنْ التَّزَوُّجِ بِمُطْلَقِ الزَّوْجِ فَكَانَتْ الِاسْتِعَانَةُ فِي التَّزَوُّجِ بِالْكُفْءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِذَلِكَ لِتَظْهَرَ الْكَفَاءَةُ فَإِنَّهَا مِنْ جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمَا، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَمَةً لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهُ أَمَةَ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِ: وَعَدَمُ التُّهْمَةِ.
وَأَمَّا إطْلَاقُ اللَّفْظِ فَإِنَّ لَفْظَ امْرَأَةٍ مُطْلَقٌ يَقَعُ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً يَقَعُ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِالْأَكْفَاءِ) قَالَ الْكَشَانِيُّ: دَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ فِي النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ أَيْضًا عِنْدَهُمَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ (قُلْنَا الْعُرْفُ مُشْتَرَكٌ) يَعْنِي كَمَا هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا قُلْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا قُلْنَا، فَإِنَّ الْأَشْرَافَ كَمَا يَتَزَوَّجُونَ الْحَرَائِرَ يَتَزَوَّجُونَ الْإِمَاءَ لِلتَّسْهِيلِ (أَوْ هُوَ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ) أَيْ عُرْفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ وَالِاسْتِعْمَالُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعُرْفَ عَلَى نَوْعَيْنِ: لَفْظِيٍّ نَحْوُ الدَّابَّةِ تُقَيَّدُ لَفْظًا بِالْفَرَسِ وَنَحْوُ الْمَالِ بَيْنَ الْعَرَبِ بِالْإِبِلِ. وَعَمَلِيٍّ أَيْ عُرْفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ: أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَمَلَ النَّاسِ كَذَا كَلُبْسِهِمْ الْجَدِيدَ يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمْثَالِهِ (فَلَا يَصْلُحُ مُقَيِّدًا) لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ لِأَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ وَالتَّقْيِيدُ يُقَابِلُهُ، وَمِنْ شَرْطِ التَّقَابُلِ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ الَّذِي يَرِدَانِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (وَذَكَرَ) يَعْنِي مُحَمَّدًا (فِي وَكَالَةِ الْأَصْلِ) إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ اسْتِحْسَانِ الْكَفَاءَةِ عِنْدَهُمَا فِي الْوَكَالَةِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
[ ٣ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣١٥ ]