(فَصْلٌ). اعْلَمْ أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَصَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
دَمٌ لِلْقِرَانِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ، فَكَأَنَّهُ سَهْوٌ وَقَعَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْكَاتِبِ، وَلَا عَيْبَ فِي السَّهْوِ عَلَى الْإِنْسَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: دَمُ الْقِرَانِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَدَمٌ آخَرُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ وَاجِبٌ أَيْضًا إجْمَاعًا، وَدَمٌ آخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِسَبَبِ تَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ قَدْ اخْتَارَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ دَمَ الْقِرَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآخَرَ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ وَذَكَرَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ. قُلْت: يَأْبَاهُ قَوْلُهُ: فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَإِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوُجُوبِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفَّارَةِ أَصْلًا، عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْجَامِعُ الصَّغِيرُ لِمُحَمَّدٍ ﵀. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ مَضْمُونَةٌ بِالدَّمَيْنِ وَهُوَ اعْتِرَاضُ الْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ فَعَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْمُفْرِدُ الْحَلْقَ عَلَى الذَّبْحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا يَتَضَاعَفُ عَلَى الْقَارِنِ.
(فَصْلٌ)
لَمَّا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالصَّيْدِ نَوْعًا آخَرَ فُصِلَ عَمَّا قَبْلَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، (الصَّيْدُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُمْتَنِعُ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ) فَقَوْلُهُ: الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ. وَقَوْلُهُ الْمُمْتَنِعُ وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّنْ قَصَدَهُ إمَّا بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحَيْهِ يُخْرِجُ الْحَيَوَانَاتِ الْأَهْلِيَّةَ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَنَحْوِهِمَا وَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ. وَقَوْلُهُ: الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَمَامُ الْمُسَرْوِلُ وَالظَّبْيُ الْمُسْتَأْنَسُ، وَتَخْرُجُ الْإِبِلُ الْمُتَوَحِّشَةُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ فِي الْأَوَّلِ وَالتَّوَحُّشَ فِي الثَّانِي عَارِضِيٌّ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ، وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ: بَرِّيٌّ وَهُوَ مَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ، وَبَحْرِيٌّ وَهُوَ مَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ، وَالِاعْتِبَارُ لِلْمَوْلِدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَالْبَطُّ وَالْإِوَزُّ بَرِّيٌّ؛ لِأَنَّ مَوْلِدَهُمَا الْبَرُّ، وَالضُّفْدَعُ بَحْرِيٌّ؛ لِأَنَّ مَوْلِدَهُ الْبَحْرُ (وَصَيْدُ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ) سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، (وَصَيْدُ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ الْآيَةَ.
[ ٣ / ٦٦ ]
وَصَيْدُ الْبَرِّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ، وَصَيْدُ الْبَحْرِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ. وَالصَّيْدُ هُوَ الْمُمْتَنِعُ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ وَهِيَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالذِّئْبُ وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، فَإِنَّهَا مُبْتَدِئَاتٌ بِالْأَذَى. وَالْمُرَادُ بِهِ الْغُرَابُ الَّذِي يَأْكُلُ
وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: بَيَّنَ عَدَمَ دُخُولِهَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تُتَصَوَّرُ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَنَا لِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ اسْتِعَارَةً لَهُ (الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ وَهِيَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالذِّئْبُ وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَهِيَ سِتَّةٌ، وَسَيَأْتِي الْعُذْرُ عَنْ ذَلِكَ، وَسُمِّيَتْ فَوَاسِقَ اسْتِعَارَةً لِخُبْثِهِنَّ، وَقِيلَ لِخُرُوجِهِنَّ مِنْ الْحُرْمَةِ لِابْتِدَائِهِنَّ بِالْأَذَى، وَلَمَّا كَانَ مَشْهُورًا جَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَا فَرْقَ فِي الصَّيْدِ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ لِتَنَاوُلِ اسْمِ الصَّيْدِ ذَلِكَ كُلَّهُ.
[ ٣ / ٦٧ ]
الْجِيَفَ. هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) أَمَّا الْقَتْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ الْآيَةُ نَصٌّ عَلَى إيجَابِ الْجَزَاءِ.
وَأَمَّا
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) أَمَّا الْقَتْلُ فَلِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَعَلَى الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّالُّ وَالْمَدْلُولُ حَلَالَيْنِ أَوْ مُحْرِمَيْنِ، أَوْ الدَّالُّ حَلَالًا وَالْمَدْلُولُ مُحْرِمًا أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَالثَّانِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ جَزَاءٌ كَامِلٌ عِنْدَنَا، وَفِي الثَّالِثِ عَلَى الْمَدْلُولِ الْجَزَاءُ دُونَ الدَّالِّ كَذَلِكَ، وَفِي الرَّابِعِ عَكْسُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ
[ ٣ / ٦٨ ]
الدَّلَالَةُ فَفِيهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀. هُوَ يَقُولُ: الْجَزَاءُ تَعَلَّقَ بِالْقَتْلِ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلٍ، فَأَشْبَهَ دَلَالَةُ الْحَلَالِ حَلَالًا. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁.
أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ بِالنَّصِّ، (وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلٍ فَأَشْبَهَ دَلَالَةَ الْحَلَالِ حَلَالًا)، وَقَوْلُهُ: حَلَالًا لَيْسَ بِقَيْدٍ فَإِنَّ الْمَدْلُولَ إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ (وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ) ﵁ «هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَيْهِ؟ هَلْ
[ ٣ / ٦٩ ]
وَقَالَ عَطَاءٌ ﵀: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءَ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَلِأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ إذْ هُوَ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ وَتَوَارِيهِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ الْتَزَمَ الِامْتِنَاعَ عَنْ التَّعَرُّضِ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِ مَا الْتَزَمَهُ كَالْمُودَعِ
أَشَرْتُمْ إلَيْهِ؟» عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاوِمُ النَّصَّ الصَّرِيحَ. قُلْت: مَا تَقَدَّمَ فِي النَّصِّ ذِكْرُ الْقَتْلِ وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ، (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ تِلْمِيذُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءَ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. وَرُدَّ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: لَيْسَ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَئِنْ كَانَ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا دَلَّ وَلَمْ يَقْتُلْهُ الْمَدْلُولُ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ فِيمَا إذَا قَتَلَهُ، فَكَانَ كَلَامُهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِمَحَلِّ الْإِجْمَاعِ؛ (وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ)، وَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ لَا مَحَالَةَ؛ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ: الدَّلَالَةَ، وَذَكَرَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إلَى الْخَبَرِ وَهُوَ (تَفْوِيتُ الْأَمْنِ مِنْ الصَّيْدِ) أَيْ: الدَّلَالَةُ تُفَوِّتُ الْأَمْنَ مِنْ الصَّيْدِ؛ (لِأَنَّهُ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ) مِنْ النَّاسِ، (وَتَوَارِيهِ) عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَبِالدَّلَالَةِ يَزُولُ ذَلِكَ (فَصَارَتْ كَالْإِتْلَافِ) وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ) دَلِيلٌ آخَرُ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ فَأَشْبَهَ دَلَالَةَ الْحَلَالِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ الْتَزَمَ الِامْتِنَاعَ عَنْ التَّعَرُّضِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ خَاصٌّ يَتَضَمَّنُ
[ ٣ / ٧٠ ]
بِخِلَافِ الْحَلَالِ لِأَنَّهُ لَا الْتِزَامَ مِنْ جِهَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدَّلَالَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَذِّبِ (وَلَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ) لِمَا قُلْنَا (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَامِدُ وَالنَّاسِي) لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبَهُ الْإِتْلَافُ
ذَلِكَ شَرْعًا، وَالدَّلَالَةُ مُبَاشِرَةٌ لِخِلَافِ مَا اُلْتُزِمَ وَذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ كَدَلَالَةِ الْمُودَعِ السَّارِقِ عَلَى الْوَدِيعَةِ، (بِخِلَافِ الْحَلَالِ) فَإِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا، (عَلَى أَنَّ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا إذَا دَلَّ الْحَلَالُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ (الْجَزَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدَّلَالَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ)؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ زَوَالُ الْأَمْنِ بِدَلَالَتِهِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْإِتْلَافِ، (وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ) لِيَكُونَ فِي مَعْنَى الْإِتْلَافِ، (أَمَّا إذَا كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَذِّبِ) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا، وَهَاهُنَا شُرُوطٌ أُخَرُ لَمْ يَذْكُرْهَا: أَحَدُهَا أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الدَّلَالَةِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا. وَالثَّانِي أَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِمًا عِنْدَ أَخْذِ الْمَدْلُولِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ إنَّمَا يَتِمُّ جِنَايَةً إذَا بَقِيَ مُحْرِمًا إلَى وَقْتِ الْقَتْلِ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْمَدْلُولُ قَبْلَ أَنْ يَنْفَلِتَ، فَلَوْ صَدَّقَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ حَتَّى انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّالِّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ جُرْحٍ انْدَمَلَ (وَلَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا) إنَّهُ لَا الْتِزَامَ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مِنْ جِهَتِهِ الْتَزَمَ بِعَقْدِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِصَيْدِ الْحَرَمِ. أُجِيبَ بِأَنَّ عَقْدَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِكَافٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدٍ خَاصٍّ كَمَا فِي عَقْدِ الْوَدِيعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الْتَزَمَ بِعَقْدِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَمْوَالِ النَّاسِ، ثُمَّ لَوْ دَلَّ سَارِقًا عَلَى مَالِ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الدَّالِّ.
(وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ سَوَاءٌ) كَانَا قَاتِلَيْنِ أَوْ دَالَّيْنِ؛ (لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبُهُ الْإِتْلَافَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ وَكُلُّ ضَمَانٍ يَعْتَمِدُ وُجُوبُهُ الْإِتْلَافَ فَالْعَامِدُ فِيهِ كَالنَّاسِي كَمَا فِي غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ. فَإِنْ قِيلَ:
[ ٣ / ٧١ ]
فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ (وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَا يَخْتَلِفُ.
لَيْسَ هَذَا كَغَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ اشْتَرَكَا فِي إتْلَافِ شَاةِ الْغَيْرِ كَانَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ صَيْدٍ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَنَاطَ الْإِلْحَاقِ مُدَارٌ بِهِ الْإِتْلَافُ لِلضَّمَانِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَالِاتِّحَادُ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ يَرْفَعُ التَّعَدُّدَ وَيُبْطِلُ الْقِيَاسَ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ الْقَاطِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ نَصٌّ عَلَى التَّعَمُّدِ وَهُوَ يُخَالِفُ النِّسْيَانَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ النِّسْيَانِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَمْدٍ وَنِسْيَانٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: مُتَعَمِّدًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا التَّنْبِيهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ صِفَةَ التَّعَمُّدِ فِي الْقَتْلِ تَمْنَعُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى هَاهُنَا بِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي الْعَمْدِ فَلَأَنْ تَجِبَ فِي الْخَطَأِ أَوْلَى، (وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ) فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ (سَوَاءٌ)؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ كَمَا وُجِدَتْ ابْتِدَاءً فَقَدْ وُجِدَتْ انْتِهَاءً فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ بَطَلَتْ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ جَعَلَ كُلَّ جَزَائِهِ بِالْفَاءِ انْتِقَامَ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ مُوجِبٌ سِوَاهُ كَمَا عُرِفَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُتَمَسَّكُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ فِي أَنَّ مُوجِبَ الْعَائِدِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَيَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْك، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ إذَا عَادَ مُسْتَحِلًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى بَابِ الرِّبَا ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الْآيَةَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عَمَلًا بِدَلَالَةِ
[ ٣ / ٧٢ ]
(وَالْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ إذَا كَانَ فِي بَرَّيَّةٍ فَيُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدَاءِ إنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ) عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ، فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ،
النَّصِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنْ يَقُومَ الصَّيْدُ) يَعْنِي يُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ لَا مِنْ حَيْثُ مَا زَادَ عَلَيْهِ صَنْعَةً، فَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ بَازِيَهُ الْمُعَلَّمَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا قَتَلَهُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهُ مُعَلَّمًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ وَهُوَ التَّوَحُّشُ وَالتَّنَفُّرُ عَنْ النَّاسِ، وَكَوْنُهُ مُعَلَّمًا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَلْ يُنْتَقَصُ بِهِ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْجَزَاءِ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِيمَةِ فِي الْإِتْلَافِ فَبِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَهِيَ بِالِانْتِفَاعِ، وَذَلِكَ يَزْدَادُ بِكَوْنِهِ مُعَلَّمًا فَيَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: صَنْعَةً لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِأَمْرٍ خِلْقِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ طَيْرٌ يُصَوِّتُ فَازْدَادَ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي شَيْءٍ، وَفِي أُخْرَى يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالْحَمَامِ إذَا كَانَ مُطَوَّقًا.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ هُوَ) يَعْنِي الْقَاتِلَ (مُخَيَّرٌ فِي الْفِدَاءِ) ظَاهِرٌ، (وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ) أَيْ: فِي الْمَنْظَرِ لَا فِي الْقِيمَةِ (فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ) ظَاهِرٌ، وَاسْتَدَلَّا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَوَجْهُهُ أَنَّ مِثْلَ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ مَا يُشْبِهُ الْمَقْتُولَ صُورَةً؛ لِأَنَّ مِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ
[ ٣ / ٧٣ ]
وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَمِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ مَا يُشْبِهُ الْمَقْتُولَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَكُونُ نَعَمًا. وَالصَّحَابَةُ ﵃ أَوْجَبُوا النَّظِيرَ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ وَالْمَنْظَرُ فِي النَّعَامَةِ وَالظَّبْيِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَالْأَرْنَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَقَالَ ﷺ «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ مِثْلَ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ وَأَشْبَاهِهِمَا. وَإِذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا. وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُوجِبُ فِي الْحَمَامَةِ شَاةً وَيُثْبِتُ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ وَيَهْدِرُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمِثْلَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فَحُمِلَ عَلَى
لِلْمِثْلِ، (وَالْقِيمَةُ لَا تَكُونُ نَعَمًا، وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃) وَهْم عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (أَوْجَبُوا النَّظِيرَ عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ: فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَهِيَ الَّتِي بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَخْ، (وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ) مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ (مِثْلُ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ كَانَ قَوْلُهُ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ الْمُمَاثَلَةَ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ فَأَوْجَبَ فِي الْحَمَامِ شَاةً لِمُشَابَهَةٍ بَيْنَهُمَا (مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ وَيَهْدُرُ) الْعَبُّ مِنْ بَابِ طَلَبَ: أَيْ: يَشْرَبُ الْمَاءَ بِمَرَّةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الْجَرْعَ، قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالْحَمَامُ يَشْرَبُ هَكَذَا بِخِلَافِ سَائِرِ الطُّيُورِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيُقَالُ: هَدَرَ الْبَعِيرُ وَالْحَمَامُ إذَا صَوَّتَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
(وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ) اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْمِثْلَ، وَ(الْمِثْلَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ) لِخُرُوجِ مَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ صُورِيٌّ مِنْ تَنَاوُلِ النَّصِّ، وَفِي ذَلِكَ إهْمَالُهُ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ فَحُمِلَ عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمِثْلِ الْمَعْنَوِيِّ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ صُورَةً فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ مُرَادًا وَإِلَّا لَزِمَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ، أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ هَذَا مَا قَالُوا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمِثْلَ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمِثْلِ صُورَةً وَبَيْنَهُ مَعْنًى، وَلَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا
[ ٣ / ٧٤ ]
الْمِثْلِ مَعْنًى لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْمِيمِ، وَفِي ضِدِّهِ التَّخْصِيصُ. وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَجَزَاءُ قِيمَةِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ. وَاسْمُ النَّعَمِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ التَّقْدِيرُ بِهِ دُونَ إيجَابِ الْمُعَيَّنِ.
مَجَازٌ فِي الْآخَرِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُهُمَا كَالرَّقَبَةِ تَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْمِثْلُ الْمُطْلَقُ الصُّورِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ دَخَلَ مَا لَهُ مِثْلٌ صُورَةً وَمَعْنًى كَمَا فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ إلَّا مَعْنًى كَالْقِيَمِيَّاتِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَا يَتَعَرَّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ فَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ تَحْتَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ الْمُحْتَمَلَةِ، فَلَوْ كَانَ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ لَوَجَبَ النَّعَامَةُ عَنْ النَّعَامَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْمُطْلَقِ وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، وَالْمَجَازُ هَاهُنَا مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ مُرَادًا، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَقُولُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: مُوجِبُ الْغَصْبِ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى بِالْإِرَادَةِ، وَرَدَّ الْعَيْنِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﵊ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ»، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: مُوجِبُ الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مُخَلِّصٌ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ الْقِيمَةُ ثَابِتَةً بِالْكِتَابِ، وَرَدُّ الْعَيْنِ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا الْحَلُّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ، وَجَهْدُ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْمِيمِ) دَلِيلٌ آخَرُ: يَعْنِي فِي اعْتِبَارِ الْمِثْلِ مَعْنَى تَعْمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا لَهُ نَظِيرٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ، (وَفِي ضِدِّهِ) أَيْ: فِي اعْتِبَارِ الْمِثْلِ صُورَةً (تَخْصِيصٌ)؛ لِتَنَاوُلِهِ مَا لَهُ نَظِيرٌ فَقَطْ، وَالْعَمَلُ بِالتَّعْمِيمِ أَوْلَى لِكَوْنِ النَّصِّ حِينَئِذٍ أَعَمَّ فَائِدَةً.
وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَكُونُ نَعَمًا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَجَزَاءٌ هُوَ قِيمَةُ مَا قُتِلَ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ بِمَعْنَى الْقِيمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَمِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا قُتِلَ، وَالْمُرَادُ مِنْ النَّعَمِ النَّعَمُ الْوَحْشِيُّ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ لَا بِقَتْلِ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّعَمَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِيِّ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: هَدْيًا وَهُوَ حَالٌ مِنْ جَزَاءٍ، فَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ الْقِيمَةَ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا قُوِّمَ فَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ فَالْقَاتِلُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، (وَقَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ قَالَ ﵊ «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» وَعَنْ أَثَرِ الصَّحَابَةِ: يَعْنِي أَنَّ إيجَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ ﵃
[ ٣ / ٧٥ ]
ثُمَّ الْخِيَارُ إلَى الْقَاتِلِ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا أَوْ صَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ. لَهُمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ الْآيَةَ، ذُكِرَ الْهَدْيُ مَنْصُوبًا
هَذِهِ النَّظَائِرَ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا إذْ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الضَّبُعِ وَالشَّاةِ خِلْقَةً، وَإِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ التَّقْدِيرِ بِالْقِيمَةِ، إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ الْمَوَاشِي فَكَانَ الْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا أَيْسَرَ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ وَالْجَارِيَةُ بِالْجَارِيَةِ وَالْمُرَادُ الْقِيمَةُ.
قَالَ (ثُمَّ الْخِيَارُ إلَى الْقَاتِلِ) يَعْنِي إذَا ظَهَرَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ وَهِيَ تَبْلُغُ هَدْيًا، فَالْخِيَارُ (فِي أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا أَوْ صَوْمًا) إلَى الْقَاتِلِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ) فِي تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ، (فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ) يَعْنِي مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ) لِيَرْتَفِقَ بِمَا يَخْتَارُ (كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ الْآيَةَ) وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ (ذَكَرَ الْهَدْيَ مَنْصُوبًا
[ ٣ / ٧٦ ]
لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ وَمَفْعُولٌ لِحُكْمِ الْحَكَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالصِّيَامَ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِمَا. قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عُطِفَتْ عَلَى الْجَزَاءِ لَا عَلَى الْهَدْيِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ مَرْفُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةُ اخْتِيَارِ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِمَا فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفِ ثُمَّ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَنْ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمَانِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَرًّا لَا يُبَاعُ فِيهِ الصَّيْدُ يُعْتَبَرُ أَقْرَبُ
تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾، فَإِنَّ ضَمِيرَ بِهِ مُبْهَمٌ فَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: هَدْيًا فَكَانَ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ. وَقِيلَ أَيْ: التَّمْيِيزُ فَثَبَتَ أَنَّ الْمِثْلَ إنَّمَا يَصِيرُ هَدْيًا بِاخْتِيَارِهِمَا وَحُكْمِهِمَا، (أَوْ مَفْعُولٌ لِحُكْمِ الْحَكَمِ) أَيْ: عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ الضَّمِيرِ مَحْمُولًا عَلَى مَحَلِّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ وَفِي ذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْحَكَمَيْنِ، ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْهَدْيِ ثَبَتَ فِي الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ وَبِالْفَصْلِ؛ وَلِأَنَّهُ عَطَفَهُمَا عَلَيْهِ (بِكَلِمَةِ أَوْ) وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، (فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِمَا).
وَفِي تَوْجِيهِ هَذَا الْكَلَامِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ بِكَلِمَةِ أَوْ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ إلَّا إذَا كَانَ كَفَّارَةٌ مَنْصُوبًا عَلَى مَا هُوَ قِرَاءَةُ عِيسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كِتَابٌ وَلَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
وَقَوْلُهُ: (قُلْنَا) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمَا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ كَفَّارَةٌ مَعْطُوفَةً عَلَى هَدْيًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ إعْرَابِهِمَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَجَزَاءٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ مَرْفُوعٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةُ اخْتِيَارِ الْحَكَمَيْنِ) فِي الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ فِيهِمَا لِلْحَكَمَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْهَدْيِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ، (وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفِ) لَا غَيْرٍ، (ثُمَّ الِاخْتِيَارُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَنْ عَلَيْهِ) رِفْقًا لَهُ، (وَيُقَوِّمَانِ) أَيْ: الْحَكَمَانِ (فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُ) الْمُحْرِمُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَكَذَا يُعْتَبَرُ الزَّمَانُ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَرًّا) ظَاهِرٌ.
[ ٣ / ٧٧ ]
الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ وَيُشْتَرَى. قَالُوا: وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى هَهُنَا بِالنَّصِّ.
(وَالْهَدْيُ لَا يُذْبَحُ إلَّا بِمَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (وَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ فِي غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْهَدْيِ وَالْجَامِعُ التَّوْسِعَةُ عَلَى سُكَّانِ الْحَرَمِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْهَدْيُ قُرْبَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ. أَمَّا الصَّدَقَةُ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ (وَالصَّوْمُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ)؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي كُلِّ مَكَان (فَإِنْ ذَبَحَ الْهَدْيَ بِالْكُوفَةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الطَّعَامِ) مَعْنَاهُ إذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَا تَنُوبُ عَنْهُ. وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِيهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ
وَقَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى هَاهُنَا) فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ (بِالنَّصِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ قَالَ فِي الْكَشَّافِ عَنْ قَبِيصَةَ أَنَّهُ أَصَابَ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ عُمَرَ فَشَاوَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ثُمَّ أَمَرَهُ بِذَبْحِ شَاةٍ، فَقَالَ قَبِيصَةُ لِصَاحِبِهِ: وَاَللَّهُ مَا عَلِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى سَأَلَ غَيْرَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ضَرْبًا وَقَالَ: أَتَغْمِصُ الْفُتْيَا وَتَقْتُلُ الصَّيْدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ فَأَنَا عُمَرُ وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ فِي غَيْرِهَا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ طَعَامَ الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّمْلِيكِ. وَقَوْلُهُ: (وَالصَّوْمُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ: (إذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ) بِأَنْ يُصِيبَ كُلُّ مِسْكِينٍ مِنْ اللَّحْمِ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَانَ مِنْ شَرْطِ تَصَدُّقِهِ التَّفْرِيقُ، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَبَحَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ عَلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ جَازَ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُ مِنْ حَيْثُ الْهَدْيُ لَا مِنْ حَيْثُ الصَّدَقَةُ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَا تَنُوبُ عَنْهُ) أَيْ: لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ الْحَاصِلَةَ بِمَكَانٍ غَيْرِ الْحَرَمِ لَا تَنُوبُ عَنْ الْهَدْيِ؛ حَتَّى لَوْ سَرَقَ الْمَذْبُوحُ أَوْ ضَاعَ قَبْلَ التَّصَدُّقِ بِهِ بَقِيَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، بِخِلَافِ الْمَذْبُوحِ بِمَكَّةَ حَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ سَرَقَ أَوْ ضَاعَ قَبْلَ التَّصَدُّقِ بِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ) إذَا اخْتَارَ الْقَاتِلُ الْهَدْيَ، (يُهْدِي مَا يُجْزِيهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ) وَهُوَ الْجَذَعُ الْكَبِيرُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ النِّيءُ مِنْ غَيْرِهِ
[ ٣ / ٧٨ ]
لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْهَدْيِ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِي صِغَارُ النَّعَمِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَوْجَبُوا عَنَاقًا وَجَفْرَةً.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ الصِّغَارُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ: يَعْنِي إذَا تَصَدَّقَ. وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الطَّعَامِ يُقَوَّمُ الْمُتْلَفُ بِالطَّعَامِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَضْمُونُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (وَإِذَا اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ طَعَامًا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ)؛ لِأَنَّ
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمُ الْهَدْيِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ) كَمَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ فَلْيَكُنْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ وَمَا ذَكَرْت لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الثَّوْبِ قَيَّدَتْهُ بِذَلِكَ. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ صِغَارُ النَّعَمِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ (لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَوْجَبُوا عَنَاقًا وَجَفْرَةً) فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي بَابِ الْهَدْيِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ الصِّغَارُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إيجَابُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، (وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الطَّعَامِ يُقَوَّمُ الْمُتْلَفُ بِالطَّعَامِ عِنْدَنَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْمِثْلُ ثُمَّ يُقَوَّمُ الْمِثْلُ بِالطَّعَامِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْمُتْلَفُ هُوَ الْمَضْمُونُ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ طَعَامًا) إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمُتْلَفُ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ طَعَامًا.
[ ٣ / ٧٩ ]
الطَّعَامَ الْمَذْكُورَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ (وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ يُقَوَّمُ الْمَقْتُولُ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ يَوْمًا)؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الصِّيَامِ بِالْمَقْتُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إذْ لَا قِيمَةَ لِلصِّيَامِ فَقَدَّرْنَاهُ بِالطَّعَامِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعْهُودٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا)؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ يُطْعِمُ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا كَامِلًا لِمَا قُلْنَا.
(وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (وَلَوْ نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ صَيْدٍ فَخَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً)؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَيَغْرَمُ جَزَاءَهُ.
(وَمَنْ كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَلِأَنَّهُ أَصْلُ
قَوْلُهُ: (يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ) يَعْنِي نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ) بِأَنْ قَتَلَ يَرْبُوعًا أَوْ عُصْفُورًا وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ إلَّا مُدًّا مِنْ الْحِنْطَةِ (يُطْعِمُ ذَلِكَ الْقَدْرَ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا كَامِلًا لِمَا قُلْنَا): إنَّ الصَّوْمَ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا) ظَاهِرٌ
[ ٣ / ٨٠ ]
الصَّيْدِ، وَلَهُ عَرَضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا مَا لَمْ يَفْسُدْ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْضَ مُعَدٌّ؛ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ، وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَعَلَى هَذَا إذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا.
وَقَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَفْسُدْ) إشَارَةً إلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَذِرَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ صَيْدًا وَلَا مَا هُوَ بِعَرْضِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو، أَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَمَاتَ بِالْكَسْرِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْكَسْرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ (فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ) وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْفَرْخِ حَيًّا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَتَقْرِيرُهُ: الْبَيْضُ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ كَسْرُهُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِ ذَلِكَ الْفَرْخِ، وَذَلِكَ إتْلَافٌ لَهُ، وَالْإِتْلَافُ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَقَوْلُهُ: (فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ) أَيْ: بِالْمَوْتِ عَلَى الْكَسْرِ وَالْبَاءُ صِلَةٌ كَانَ أَصْلُهُ يُحَالُ الْمَوْتُ عَلَى الْكَسْرِ: أَيْ: يُضَافُ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: بَيْضُ النَّعَامَةِ كَبَطْنِ الظَّبْيَةِ، وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ الظَّبْيَةُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا عَلَى مَا يَجِيءُ، فَلِمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ هَاهُنَا قِيمَةُ الْبَيْضِ وَالْفَرْخِ جَمِيعًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ضَمَانَ الْبَيْضِ لَيْسَ لِذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَبَبُ الْفَرْخِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا كَانَتْ الْبَيْضَةُ مَذِرَةً، فَإِذَا وَجَبَ ضَمَانُ الْفَرْخِ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْبَيْضِ.
وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ (إذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا)، فَإِنْ
[ ٣ / ٨١ ]
(وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالذِّئْبِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ جَزَاءٌ)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، الْحِدَأَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَقَالَ ﷺ «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ وَالْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحَيَّةَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ» وَقَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ، أَوْ يُقَالُ إنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَاهُ،
قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ضَمَانَ الصَّيْدِ يُشْبِهُ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ، وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ جَارِيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ دُونَ الْجَنِينِ، فَكَيْفَ وَجَبَتْ هَاهُنَا قِيمَةُ الْجَنِينِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حُكْمِ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ، وَالضَّمَانُ الْوَاجِبُ لِحَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلَا يَجِبُ فِي مَوْضِعِ الشَّكِّ، فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَرَجَحَ فِيهِ شَبَهُ النَّفْسِيَّةِ فِي الْجَنِينِ وَوَجَبَ الْجَزَاءُ
، (وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ ﵊ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَذَكَرَ الذِّئْبَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَقِيلَ
[ ٣ / ٨٢ ]
وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى، أَمَّا الْعَقْعَقُ فَغَيْرُ مُسْتَثْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَغَيْرَ الْعَقُورِ وَالْمُسْتَأْنَسَ وَالْمُتَوَحِّشَ مِنْهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسُ،
فِيمَا إذَا ذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ فَمُرَادُهُ الذِّئْبُ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ السِّتَّةَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ: الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ) أَيْ: النَّجَاسَاتِ مَعَ غَيْرِهَا أَيْ: يَأْكُلُ الْحَبَّ تَارَةً وَالنَّجَاسَةَ أُخْرَى، وَقَعَ تَكْرَارًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مَعَ زِيَادَةِ مَعْنًى وَهُوَ كَوْنُهُ مَرْوِيًّا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَكَانَ مُسْتَغْنًى عَنْ ذِكْرِهِ. وَقَوْلُهُ: الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ خَبَرٌ لَا صِفَةٌ فَكَانَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْفَصْلِ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الزَّرْعَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِقَتْلِهِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى) قِيلَ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ، وَقِيلَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: فِي الْعَقْعَقِ وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ. (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَغَيْرَ الْعَقُورِ وَالْمُسْتَأْنَسَ وَالْمُتَوَحِّشَ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَغَيْرِ الْعَقُورِ (سَوَاءٌ)، أَمَّا الْعَقُورُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِعَدَمِ تَوَحُّشِهِ خِلْقَةً. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْجِنْسُ) يَعْنِي الْحَقِيقَةَ الَّتِي تُسَمَّى كَلْبًا لَا فَرْدًا دُونَ فَرْدٍ، وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْوَصْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَقُورًا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ
[ ٣ / ٨٣ ]
وَكَذَا الْفَأْرَةُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيَّةُ سَوَاءٌ. وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ لَيْسَا مِنْ الْخَمْسِ الْمُسْتَثْنَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْتَدِئَانِ بِالْأَذَى.
(وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالنَّمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْقُرَادِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ ثُمَّ هِيَ مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّمْلِ السُّودُ أَوْ الصُّفْرُ الَّذِي يُؤْذِي، وَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهَا، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى.
(وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) مِثْلَ كَفٍّ مِنْ طَعَامٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى الْبَدَنِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَطْعَمَ شَيْئًا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكَيْنَا شَيْئًا يَسِيرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْبِعًا.
(وَمَنْ قَتَلَ جَرَادَةً تَصَدَّقَ
لَيْسَ لِلْقَيْدِ بَلْ لِإِظْهَارِ نَوْعِ أَذَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَبْعٌ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ) يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَوَحِّشَةٍ عَنْ الْآدَمِيِّ بَلْ هِيَ طَالِبَةٌ لَهُ (وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ) يَعْنِي حَتَّى تَكُونَ مِنْ بَابِ قَضَاءِ التَّفَثِ كَالْقَمْلَةِ (ثُمَّ هِيَ مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا) فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهَا شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى) يَعْنِي قَوْلَهُ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ، سَمَّاهُمَا عِلَّةً وَإِنْ كَانَا فِي مَعْنَى عِلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِ السَّلْبِ، وَفِي مَوْضِعِ السَّلْبِ تَكُونُ الْعِلَلُ الْكَثِيرَةُ بِمَعْنَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَنَّ الْحُكْمَ يَنْتَفِي بِالْجَمِيعِ كَمَا أَنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ)، وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْجَزَاءُ مُنْحَصِرًا فِي الْقَتْلِ بَلْ الْإِلْقَاءُ فِي الْأَرْضِ كَالْقَتْلِ سَوَاءٌ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ. وَقِيلَ فِي الْقَمْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ كَفٌّ مِنْ حِنْطَةٍ، وَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ. وَقَوْلُهُ: (شَيْئًا يَسِيرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشَبِّعًا) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: كَكِسْرَةِ
[ ٣ / ٨٤ ]
بِمَا شَاءَ)؛ لِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَإِنَّ الصَّيْدَ مَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ وَيَقْصِدُهُ الْآخِذُ (وَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَبْحِ السُّلَحْفَاةِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ فَأَشْبَهَ الْخَنَافِسَ وَالْوَزَغَاتِ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ وَكَذَا لَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ فَلَمْ يَكُنْ صَيْدًا.
(وَمَنْ حَلَبَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ كُلَّهُ.
(وَمَنْ قَتَلَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصَّيْدِ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى الْإِيذَاءِ فَدَخَلَتْ فِي الْفَوَاسِقِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَكَذَا اسْمُ الْكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا لُغَةً.
خُبْزٍ.
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ (تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ) قِصَّتُهُ أَنَّ أَهْلَ حِمْصٍ أَصَابُوا جَرَادًا كَثِيرًا فِي إحْرَامِهِمْ فَجَعَلُوا يَتَصَدَّقُونَ مَكَانَ كُلِّ جَرَادَةٍ بِدِرْهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَرَى دَرَاهِمَكُمْ كَثِيرَةً يَا أَهْلَ حِمْصٍ، تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
قَالَ (وَمَنْ حَلَبَ صَيْدَ الْحَرَمِ): اللَّبَنُ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ.
وَقَوْلُهُ (كَالسِّبَاعِ) أَيْ: سِبَاعِ الْبَهَائِمِ (وَنَحْوِهَا) أَيْ سِبَاعِ الطَّيْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا اسْمُ الْكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا لُغَةً) يَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَى الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَلْبَ الْمَعْرُوفَ فَإِنَّهُ أَهْلِيٌّ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ، فَكَانَ الْمُرَادُ مَا يَتَكَلَّبُ: أَيْ يَشْتَدُّ فَيَتَنَاوَلُ الْأَسَدَ وَالْفَهْدَ وَالنَّمِرَ وَغَيْرَهَا، فَكَانَ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلَّا مَا كَانَ مُؤْذِيًا، وَلَوْ كَانَ النَّصُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَأْكُولَ اللَّحْمِ فَكَذَا
[ ٣ / ٨٥ ]
وَلَنَا أَنَّ السَّبْعَ صَيْدٌ لِتَوَحُّشِهِ، وَكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ إمَّا لِجِلْدِهِ أَوْ لِيُصْطَادَ بِهِ أَوْ لِدَفْعِ أَذَاهُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعَدَدِ،
هَذَا، (وَلَنَا أَنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ لِتَوَحُّشِهِ) وَتَنَفُّرِهِ مِنْ النَّاسِ، (وَكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ إمَّا لِجِلْدِهِ أَوْ لِيُصْطَادَ بِهِ أَوْ لِدَفْعِ أَذَاهُ) وَكُلُّ مَا هُوَ صَيْدٌ يَتَنَاوَلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ، (وَالْقِيَاسُ عَلَى الْفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعَدَدِ) وَكَذَلِكَ الْإِلْحَاقُ بِهَا دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَوَاسِقَ مِمَّا تَعْدُو عَلَيْنَا وَعَلَى مَوَاشِينَا بِالْقُرْبِ مِنَّا، وَالسَّبُعُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنَّا فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْفَوَاسِقِ لِيُلْحَقَ بِهَا، وَاسْمُ الْكَلْبِ وَإِنْ تَنَاوَلَهُ لُغَةً لَمْ يَتَنَاوَلْهُ عُرْفًا
[ ٣ / ٨٦ ]
وَاسْمُ الْكَلْبِ لَا يَقَعُ عَلَى السَّبْعِ عُرْفًا وَالْعُرْفُ أَمْلَكُ (وَلَا يُجَاوَزُ بِقِيمَتِهِ شَاةٌ) وَقَالَ زُفَرٌ ﵀: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ اعْتِبَارًا بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ الشَّاةُ»
وَالْعُرْفُ أَمْلَكُ) أَيْ: أَقْوَى وَأَرْجَحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي إيجَابِ الْجَزَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُجَاوَزُ بِقِيمَتِهِ شَاةٌ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَشَاةٌ مَرْفُوعٌ لِكَوْنِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يُجَاوَزُ بِقِيمَةِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصُّيُودِ قِيمَةُ شَاةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ الدَّمِ، (وَقَالَ زُفَرُ: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ اعْتِبَارًا بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ) وَالْجَامِعُ الضَّمَانُ، (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ الشَّاةُ»، فَلَمَّا وَرَدَ
[ ٣ / ٨٧ ]
وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُؤْذٍ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُزَادُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ ظَاهِرًا.
(وَإِذَا صَالَ السَّبُعُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَقَالَ زُفَرٌ: يَجِبُ الْجَزَاءُ اعْتِبَارًا بِالْجَمَلِ الصَّائِلِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَتَلَ سَبُعًا وَأَهْدَى كَبْشًا وَقَالَ: إنَّا ابْتَدَأْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لَا عَنْ دَفْعِ الْأَذَى، وَلِهَذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ الْأَذَى كَمَا فِي الْفَوَاسِقِ فَلَأَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ الْمُتَحَقَّقِ مِنْهُ أَوْلَى،
الشَّرْعُ بِتَقْدِيرٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تُعْرَفُ سَمَاعًا؛ (وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ)، إذْ اللَّحْمُ غَيْرُ مَأْكُولٍ (لَا لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ) كَمَا فِي بَعْضِ السِّبَاعِ، وَالْفِيلُ يَعْلَمُهُ أَهْلُ الْهِنْدِ الْمُحَارِبَةُ بِحَيْثُ يَكْسِرُ الْعَسْكَرَ، وَهُوَ مَعْنًى مَطْلُوبٌ لِلْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ لَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الصَّيْدِيَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلَا لِأَجْلِ مَعْنَى الْإِيذَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ مَعْنًى لَا تَقَوُّمَ لَهُ شَرْعًا فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْجِلْدِ (وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُزَادُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ ظَاهِرًا)
وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا صَالَ السَّبُعُ عَلَى الْمُحْرِمِ) أَيْ: وَثَبَ (فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ الْجَزَاءُ) عَلَيْهِ (اعْتِبَارًا بِالْجَمَلِ) إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، (وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَتَلَ سَبُعًا وَأَهْدَى كَبْشًا، وَقَالَ: إنَّا ابْتَدَأْنَاهُ) عَلَّلَ الْإِهْدَاءَ بِالِابْتِدَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّفْعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلتَّعْلِيلِ فَائِدَةٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي خِطَابَاتِ الشَّرْعِ، أَمَّا فِي الرِّوَايَاتِ فَيَدُلُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بِمَنْزِلَةِ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فَلَا يُفِيدُهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِهِ، وَقَوْلُهُ: رِوَايَةً فَيُفِيدُهُ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّعَرُّضِ) اسْتِدْلَالٌ بِدَلَالَةِ حَدِيثِ الْفَوَاسِقِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ قَتْلَهَا أُبِيحَ دَفْعًا لِلْأَذَى الْمَوْهُومِ، فَلَأَنْ يُبَاحَ
[ ٣ / ٨٨ ]
وَمَعَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ حَقًّا لَهُ، بِخِلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَبْدُ.
(فَإِنْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ)؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ عَلَى مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ وَالْبَعِيرَ وَالدَّجَاجَةَ وَالْبَطَّ الْأَهْلِيَّ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِصُيُودٍ؛ لِعَدَمِ التَّوَحُّشِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَطِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ (وَلَوْ ذَبَحَ حَمَامًا مُسَرْوَلًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) خِلَافًا لِمَالِكٍ ﵀. لَهُ أَنَّهُ أَلُوفٌ مُسْتَأْنَسٌ وَلَا يَمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ لِبُطْءِ نُهُوضِهِ،
قَتْلُ السَّبُعِ دَفْعًا لِلْأَذَى الْمُحَقَّقِ أَوْلَى فَكَانَ مَأْذُونًا بِقَتْلِهِ مِنْ الشَّرْعِ، (وَمَعَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ حَقًّا لَهُ) لِسُقُوطِهِ بِإِذْنِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِذْنُ مِنْ الشَّرْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الْجَزَاءِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ تَطَيَّبَ لِعُذْرٍ فَهُوَ مَأْذُونٌ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَسْقُطْ الْجَزَاءُ. فَالْجَوَابُ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ عَلَى مَا تَلَوْنَاهُ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الْآيَةَ، فَكَانَ فَائِدَةُ الْإِذْنِ دَفْعَ الْحُرْمَةِ لَا غَيْرَ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ بَقَاءَ الْجَزَاءِ مَعَ إذْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. لَا يُقَالُ: فَلْيُلْحَقْ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الصَّوْلِ لَيْسَتْ كَالضَّرُورَةِ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى نَادِرَةٌ وَالثَّانِيَةَ كَثِيرَةٌ (بِخِلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَبْدُ) وَنُوقِضَ بِالْعَبْدِ صَالَ بِالسَّيْفِ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ وَالْإِذْنُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ مَالِكِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ فِي الْأَصْلِ بِأَنَّهُ آدَمِيٌّ حَقًّا لِلْعَبْدِ لَا حَقًّا لِلْمَوْلَى لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا كَمَوْلَاهُ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْمُبِيحُ مِنْ قِبَلِهِ وَهُوَ الْمُحَارَبَةُ أَسْقَطَ حَقَّهُ كَمَا إذَا ارْتَدَّ، وَسُقُوطُ مَالِيَّتِهِ الَّتِي هِيَ مِلْكُ الْمَوْلَى إنَّمَا كَانَ فِي ضِمْنِ سُقُوطِ الْأَصْلِ وَهُوَ نَفْسُهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ كَمَا إذَا ارْتَدَّ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ) ظَهَرَ مَعْنَاهُ لَمَّا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا،
وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْبَطِّ) يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْقُدُورِيِّ الْبَطُّ (الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ) وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ طَيَرَانُهُ كَالدَّجَاجِ فِي الْبُطْءِ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ لِلْمُحْرِمِ. وَالْمُسَرْوَلِ بِالْفَتْحِ حَمَامٌ فِي رِجْلَيْهِ
[ ٣ / ٨٩ ]
وَنَحْنُ نَقُولُ: الْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مُمْتَنِعٌ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ (وَكَذَا إذَا قَتَلَ ظَبْيًا مُسْتَأْنَسًا)؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُبْطِلُهُ الِاسْتِئْنَاسُ كَالْبَعِيرِ إذَا نَدَّ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الصَّيْدِ فِي الْحُرْمَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ.
(وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً كَذَبِيحَةِ
رِيشٌ كَأَنَّهُ سَرَاوِيلُ، مِنْ سَرْوَلَتِهِ إذَا أَلْبَسْته السَّرَاوِيلَ.
وَقَوْلُهُ: (وَنَحْنُ نَقُولُ الْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ) تَقْرِيرُهُ الْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ (بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مُمْتَنِعٌ بِطَيَرَانِهِ)، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ صَيْدٌ، (وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ) جَوَابٌ لِمَالِكٍ وَمَعْنَاهُ الِاعْتِبَارُ لِلْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْعَوَارِضِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْحَمَامَ لَا يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ، حَتَّى لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى بُرْجِ الْحَمَامِ فَأَصَابَ حَمَامًا مُسَرْوَلًا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ لَمْ يَحِلَّ، وَلَوْ كَانَ صَيْدُ الْحِلِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَدَارَ صِحَّةِ ذَكَاةِ الِاضْطِرَارِ هُوَ الْعَجْزُ دُونَ الصَّيْدِيَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَعِيرَ إذَا نَدَّ حَلَّ بِذَبْحِ الِاضْطِرَارِ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ لِوُجُودِ الْعَجْزِ عَنْ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ، وَالْعَجْزُ فِي الْحَمَامِ غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْوِي فِي اللَّيْلِ إلَى بُرْجِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا إذَا قَتَلَ ظَبْيًا) ظَاهِرٌ.
قَالَ: (وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀) فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: (إذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ حَلَّ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ) حَيْثُ ذَبَحَهُ لَهُ وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ لِشَخْصٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَمَا فِي عَامَّةِ النِّيَابَاتِ فَصَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ذَبَحَهُ، وَلَوْ ذَبَحَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ لِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ، فَكَذَا إذَا ذَبَحَهُ لَهُ الْمُحْرِمُ. فَإِنْ قُلْت: عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَتَعْلِيلُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْبُوحَ يَحِلُّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ مُتَعَلِّقًا بِذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَامِلًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بَقِيَ يَحِلُّ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَذَبِيحَةُ الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ حَرَامٌ عَلَيْهِ عِنْدَهُ أَيْضًا قَوْلًا وَاحِدًا. قُلْت: أَرَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ يَخْدُمُ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وَتَقْدِيرُهُ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ. وَتَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ فِي الرِّوَايَاتِ مُقَيَّدٌ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنْ قُلْت: تَعْلِيلُهُ هَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ تَتِمَّ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ أَنْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلَوْ ذَبَحَ حَلَالٌ صَيْدًا حَلَّ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ إنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ أَوْ يُشِرْ إلَيْهِ. قُلْت: التَّعْلِيلُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ إذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً فَالْمُبَاشَرَةُ لَا تَتَقَاعَدُ عَنْ الدَّلَالَةِ، وَإِنْ انْتَقَلَ الْفِعْلُ إلَى غَيْرِهِ حُكْمًا (وَلَنَا أَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ) بِالِاتِّفَاقِ، وَذَبْحُ الْمُحْرِمِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ بِالنَّصِّ قَوْله تَعَالَى
[ ٣ / ٩٠ ]
الْمَجُوسِيِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْمَيْزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهِ
﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ سَمَّاهُ قَتْلًا دُونَ الذَّبْحِ أَوْ الذَّكَاةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحِلَّ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِعَيْنِهِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى النَّفْيِ. وَنُوقِضَ بِذَبْحِ شَاةٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ ذَكَاةً وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ: (وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ) أَيْ: مِنْ الذَّبْحِ (هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْمَيْزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا) وَبَيَانُهُ أَنَّ الدَّمَ مُنَجِّسٌ لِلْحَيَوَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِ عَنْ اللَّحْمِ لِيَصْلُحَ لِلْأَكْلِ وَذَلِكَ أَمْرٌ مُتَعَسِّرٌ خَفِيٌّ، وَلَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ قَطْعُ عُرُوقِ الذَّبْحِ فَأُقِيمَ الذَّبْحُ مَقَامَ الْمَيْزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا، وَالذَّبْحُ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ مَعْدُومٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لِذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ، وَلَمْ يَقُمْ هَاهُنَا حَيْثُ أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ بِالنَّسْخِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ كَمَا قَالَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فَأَخْرَجَهُنَّ عَنْ مَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُخْرِجْهَا
[ ٣ / ٩١ ]
(فَإِنْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا أَكَلَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ مَيْتَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بِأَكْلِهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَصَارَ كَمَا إذَا أَكَلَهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حُرْمَتَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَيْتَةً كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْظُورُ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ وَالذَّابِحَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ مُضَافَةً إلَى إحْرَامِهِ بِخِلَافِ مُحْرِمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ صَيْدٍ اصْطَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ الْمُحْرِمُ عَلَيْهِ، وَلَا أَمَرَهُ بِصَيْدِهِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ ﵀ فِيمَا إذَا اصْطَادَهُ؛ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ.
عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فَكَانَ مَنْهِيًّا، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: (إذَا أَكَلَ بَعْدَمَا أَدَّى الْجَزَاءَ، وَأَمَّا إذَا أَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي الْجَزَاءِ) وَقَوْلُهُ: (وَقَالَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ) يُرِيدُ أَنَّ حُرْمَةَ التَّنَاوُلِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَيْتَةً، وَكَوْنُهُ مَيْتَةً بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ الصَّيْدِ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ، وَخُرُوجُ الذَّابِحِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْإِحْرَامِ فَكَانَتْ الْحُرْمَةُ (مُضَافَةً إلَى الْإِحْرَامِ) بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ فَكَانَ مُتَنَاوِلًا مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ عَمَّا إذَا ذَبَحَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ جَزَاءُ الْمَحَلِّ وَهُوَ لَا يَتَكَرَّرُ، فَإِنْ اسْتَشْكَلَ بِالْمُحْرِمِ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ تَنَاوَلَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ وَلَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ آخَرُ. أُجِيبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ فِي الْبَيْضِ لَيْسَ لِذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَبَعْدَ الْكَسْرِ لَمْ يَبْقَ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ: (فِيمَا إذَا اصْطَادَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ)
[ ٣ / ٩٢ ]
لَهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ صَيْدٍ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ» وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَذَاكَرُوا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ ﷺ لَا بَأْسَ بِهِ» وَاللَّامُ فِيمَا رُوِيَ لَامُ تَمْلِيكٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ إلَيْهِ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِهِ. ثُمَّ شُرِطَ عَدَمُ الدَّلَالَةِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ مُحَرَّمَةٌ،
يَعْنِي أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَكُونَ الِاصْطِيَادُ لَهُ سَوَاءً أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ. وَقَوْلُهُ: (تَذَاكَرُوا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ) يُرِيدُ بِهِ مَا رُوِيَ «عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ تَذَاكَرْنَا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَائِمٌ فِي حُجْرَتِهِ، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﵊: لَا بَأْسَ بِهِ». وَقَوْلُهُ: (وَاللَّامُ فِيمَا رُوِيَ) يَعْنِي مَالِكًا مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ يُصَادُ لَهُ (لَامُ تَمْلِيكٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُهْدَى إلَيْهِ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ)، وَهَذَا لِأَنَّ تَمْلِيكَ الصَّيْدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا أُهْدِيَ الصَّيْدُ إلَى الْمُحْرِمِ لَا فِيمَا إذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ اللَّحْمُ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يُسَمَّى صَيْدًا حَقِيقَةً فَيَكُونُ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ حُرْمَةَ تَنَاوُلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَبِهِ نَقُولُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (أَوْ يَكُونُ مَعْنَى أَوْ يُصَادُ لَهُ يُصَادُ بِأَمْرِهِ) وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ بِالرَّفْعِ أَوْ يُصَادُ، وَحِينَئِذٍ لَا تَمَسُّكَ لَهُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحِلَّ إذَا صَادَ غَيْرَهُ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمُغَيَّا لَا عَلَى الْغَايَةِ، وَرِوَايَةُ كُتُبِ الْحَدِيثِ مِثْلُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِالْأَلِفِ هَكَذَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى مَا رُوِيَ أَوْ يُصَدْ لَهُ لِيَصِيرَ مَعْطُوفًا عَلَى
[ ٣ / ٩٣ ]
قَالُوا: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
(وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ)؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ.
الْغَايَةِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَوْلُهُ: (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (فِيهِ) أَيْ: فِي شَرْطِ عَدَمِ الدَّلَالَةِ لِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ (رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ يَحْرُمُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحْرُمُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ.
قَالَ: (وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ) إذَا قَتَلَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ) لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ
[ ٣ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَهُوَ وَاضِحٌ. فَإِنْ قِيلَ: الصَّيْدُ كَمَا اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ فَكَذَلِكَ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدَ الْحَرَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْت: وُجُوبُ الْكَفَّارَتَيْنِ وَجْهُ الْقِيَاسِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْإِيضَاحِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ جَمِيعًا فَاسْتَتْبَعَ الْأَقْوَى الْأَضْعَفَ.
[ ٣ / ٩٥ ]
قَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (وَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ)؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ وَلَيْسَتْ بِكَفَّارَةٍ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَفْوِيتِ وَصْفٍ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ الْأَمْنُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِيهِ وَهُوَ إحْرَامُهُ، وَالصَّوْمُ يُصْلِحُ جَزَاءَ الْأَفْعَالِ لَا ضَمَانَ الْمَحَالِّ. وَقَالَ زُفَرٌ: يُجْزِيهِ الصَّوْمُ اعْتِبَارًا بِمَا وَجَبَ
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ) فَرَّقَ بَيْنَ قَتْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ وَقَتْلِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ، فِي جَوَازِ الصَّوْمِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاءُ فِعْلِهِ، وَلِهَذَا تَعَدَّدَ إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمَانِ الصَّيْدَ وَاحِدًا، وَعَلَى الْحَلَالِ بَدَلُ مَا فَاتَ عَنْ الْمَحَلِّ مِنْ وَصْفِ الْأَمْنِ، وَالصَّوْمُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ جَزَاءَ الْفِعْلِ لَا بَدَلَ الْمَحَلِّ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْت آنِفًا أَنَّهُ يُؤَدَّى فِي ضِمْنِ أَدَاءِ جَزَاءِ الْإِحْرَامِ إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْمَحَلِّ لَا يُؤَدَّى فِي ضِمْنِ أَدَاءِ جَزَاءِ الْإِحْرَامِ كَمَا إذَا قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا قُلْنَا مِنْ الِاسْتِتْبَاعِ إنَّمَا كَانَ فِيمَا تَكُونُ الْحُرْمَتَانِ لِوَاحِدٍ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ بِإِزَاءِ الْفِعْلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا وَجَبَ بِإِزَاءِ الْمَحَلِّ وَجَبَ لِلْعَبْدِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا لِلَّهِ مَا لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ افْتِقَارَ الْعَبْدِ مَانِعٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَدَلَ الْمَحَلِّ لَوَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْكَافِرِ إذَا اسْتَهْلَكُوا صَيْدَ الْحَرَمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ضَمَانَ الْمَحَلِّ لَكِنْ فِيهِ مَعْنَى الْجَزَاءِ حَتَّى إنَّ حَلَالًا إنْ أَصَابَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فِي يَدِهِ حَلَالٌ آخَرُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ لِمَا أَنَّ
[ ٣ / ٩٦ ]
عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَهَلْ يَجْزِيهِ الْهَدْيُ؟ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتْلِفٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا بِالْأَخْذِ الْمُفَوِّتِ لِلْأَمْنِ وَالثَّانِي بِالْإِتْلَافِ حَقِيقَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى مَنْ ذَكَرْتُمْ نَظَرًا إلَى الْجَزَاءِ، (وَهَلْ يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ) إحْدَاهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى بِإِرَاقَةِ الدَّمِ بَلْ بِالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ؛ وَإِنْ سَرَقَ الْمَذْبُوحَ عَادَ الْوَاجِبُ كَمَا كَانَ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ، فَإِنْ سَرَقَ الْمَذْبُوحَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ مَالٌ يُجْعَلُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ طَرِيقٌ صَالِحٌ لِذَلِكَ شَرْعًا كَالتَّصَدُّقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ يَجْعَلُ الْأُضْحِيَّةَ لِلَّهِ خَالِصَةً بِإِرَاقَةِ
[ ٣ / ٩٧ ]
(وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ فِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِنَّهُ يَقُولُ: حَقُّ الشَّرْعِ لَا يَظْهَرُ فِي مَمْلُوكِ الْعَبْدِ لِحَاجَةِ الْعَبْدِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ إذْ صَارَ هُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَاسْتَحَقَّ الْأَمْنَ لِمَا رَوَيْنَا (فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ الْبَيْعَ فِيهِ إنْ كَانَ قَائِمًا)؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَذَلِكَ حَرَامٌ (وَإِنْ كَانَ فَائِتًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ)؛ لِأَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ (وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ) لِمَا قُلْنَا.
دَمِهَا فَكَذَلِكَ بِالْهَدْيِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ فِي الْمُحْرِمِ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْإِرْسَالِ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الصَّيْدُ الَّذِي فِي يَدِهِ مَمْلُوكُهُ، وَحَقُّ الشَّرْعِ لَا يَظْهَرُ فِي مَمْلُوكِ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ، (وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ)، وَبَيَّنَ الْمُلَازَمَةَ بِقَوْلِهِ: (إذْ صَارَ) يَعْنِي الصَّيْدَ (مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ) بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَصَيْدُ الْحَرَمِ مُسْتَحِقُّ الْأَمْنِ (لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»، وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ بَاعَهُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ.
[ ٣ / ٩٨ ]
(وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ صَيْدٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ بِإِمْسَاكِهِ فِي مِلْكِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ. وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يُحْرِمُونَ وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إرْسَالُهَا، وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَّةُ وَهِيَ مِنْ إحْدَى الْحُجَجِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْبَيْتِ وَالْقَفَصِ لَا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ.
قَالَ (فَإِنْ أَصَابَ حَلَالٌ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ﵀ (وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ)؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَرِ وَ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وَلَهُ أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا فَلَا يَبْطُلُ احْتِرَامُهُ بِإِحْرَامِهِ وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ صَيْدٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلِهَذَا قَاسَ الشَّافِعِيُّ صُورَةَ النِّزَاعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ)، وَقَوْلُهُ: (وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ) فَإِنَّ النَّاسَ يُحْرِمُونَ وَلَهُمْ بُيُوتُ الْحَمَامِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إرْسَالُهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ) دَلِيلٌ آخَرُ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَهُوَ حَاصِلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ؛ (لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْبَيْتِ وَالْقَفَصِ لَا بِهِ) وَالتَّعَرُّضُ بِالْإِمْسَاكِ فِي الْمِلْكِ لَيْسَ بِمُنَافٍ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ فِي الْمَفَازَةِ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَزَاءُ أَرْسَلَ أَوْ لَمْ يُرْسِلْ، (وَقِيلَ إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لَهُ بِمَسْكِهِ، (لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ) بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَابَ حَلَالٌ صَيْدًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا) احْتِرَازٌ عَمَّا أَخَذَهُ الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ، وَالْمِلْكُ الْمُحْتَرَمُ لَا يَبْطُلُ بِالْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ مَلَكَهُ مِلْكًا مُحْتَرَمًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَلَالَ إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ ثُمَّ حَلَّ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ أَرْسَلَهُ ثُمَّ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مِلْكًا مُحْتَرَمًا وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَلَكَهُ مِلْكًا مُحْتَرَمًا
[ ٣ / ٩٩ ]
وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَنَظِيرُهُ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ.
(وَإِنْ أَصَابَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْخَمْرَ (فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فِي يَدِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاؤُهُ)؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ، وَالْقَاتِلُ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ، وَالتَّقْرِيرُ كَالِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا (وَيَرْجِعُ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ) وَقَالَ زُفَرٌ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُؤَاخَذٌ بِصُنْعِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْآخِذَ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ اتِّصَالِ الْهَلَاكِ بِهِ، فَهُوَ بِالْقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةً فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمِلْكِ تَرْكًا لِلتَّعَرُّضِ الْوَاجِبِ التَّرْكِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ) لَا الْإِخْرَاجُ عَنْ مِلْكِهِ، (وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا قَطَعَ عَنْهُ يَدَهُ) بِالْإِرْسَالِ (كَانَ مُتَعَدِّيًا) فَيَضْمَنُ، (وَنَظِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ)، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ الضَّمَانُ لِغَيْرِ لَهْوٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ أَصَابَ مُحْرِمٌ صَيْدًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فِي يَدِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ)، وَالتَّعَرُّضُ لَهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ الْمُوجِبَةِ لِلْجَزَاءِ، (وَالْقَاتِلُ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْأَخْذِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْإِرْسَالِ وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِهِ وَتَقَرَّرَ التَّعَرُّضُ، (وَالتَّقْرِيرُ كَالِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا)، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ بِمَا أَقَرُّوا بِشَهَادَتِهِمْ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِتَمْكِينِ ابْنِ الزَّوْجِ عَلَى مَا عُرِفَ، (ثُمَّ يَرْجِعُ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ) بِمَا ضَمِنَ مِنْ الْجَزَاءِ، (وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَرْجِعُ) لِأَنَّ الْآخِذَ إنَّمَا أَخَذَ بِصُنْعِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِصُنْعِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ لِئَلَّا يَسْتَلْزِمَ تَنْزِيلَ الرَّاجِعِ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ بِوَاسِطَةِ الضَّمَانِ فِيمَا هُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْمِلْكِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، كَمُسْلِمٍ غَصَبَ خِنْزِيرَ ذِمِّيٍّ، فَأَتْلَفَهُ فِي يَدِهِ آخَرُ فَضَمَّنَ الذِّمِّيُّ الْغَاصِبَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُتْلِفِ بِشَيْءٍ، (وَلَنَا أَنَّ الْأَخْذَ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ اتِّصَالِ الْهَلَاكِ بِهِ، فَهُوَ) أَيْ: الْقَاتِلُ (بِالْقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةً، فَيَكُونُ) قَتْلُهُ (فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيُضَافُ الضَّمَانُ إلَيْهِ) كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ
[ ٣ / ١٠٠ ]
(فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ أَوْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا فِيمَا جَفَّ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُمَا ثَبَتَتْ بِسَبَبِ الْحَرَمِ، قَالَ ﵊
إذَا أُتْلِفَ الْمَغْصُوبُ وَضَمِنَهُ الْغَاصِبُ، فَإِنَّ حَاصِلَ الضَّمَانِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ يَسْتَلْزِمُ تَضْمِينَ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَإِلْزَامُ أَكْثَرَ مِمَّا لَزِمَهُ. فَإِنَّ مَا لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ يُفْتَى بِهَا وَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ فِيهِ. وَبِالرُّجُوعِ يُطَالِبُهُ بِضَمَانٍ مَحْكُومٍ بِهِ وَيُحْبَسُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا لَزِمَهُ فَلَا يَجُوزُ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الضَّمَانَ لَمْ يَسْتَلْزِمْ الْمِلْكَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ إزَالَةِ يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ كَانَ مُتَمَكِّنًا بِيَدِهِ مِنْ الْإِرْسَالِ وَإِسْقَاطِ الْجَزَاءِ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ فَوَّتَهَا الْقَاتِلُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ كَغَاصِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِهِ فَأَدَّى الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّفَاوُتِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كَالْأَبِ إذَا غَصَبَ مُدَبَّرَ ابْنِهِ فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ، ثُمَّ الِابْنُ ضَمِنَ الْأَبُ رَجَعَ الْأَبُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيَحْبِسُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَحْبِسُ فِيمَا لَزِمَهُ لِابْنِهِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَشْهَدَ بِهِ زُفَرُ أَنَّ غَاصِبَ الْخِنْزِيرِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ مَحَلِّيَّةِ التَّمَلُّكِ لِإِهَانَتِهِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ لِزِيَادَةِ احْتِرَامٍ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ بِإِحْرَامِهِ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ فَتَثْبُتُ لَهُ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِلْكٌ.
قَالَ: (فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ)
[ ٣ / ١٠١ ]
«لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» وَلَا يَكُونُ لِلصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ مَدْخَلٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ لَا بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمَحَالِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِذَا أَدَّاهَا مَلَكَهُ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ شَرْعًا، فَلَوْ أُطْلِقَ لَهُ فِي بَيْعِهِ لَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ، وَالْفَرْقُ مَا نَذْكُرُهُ. وَاَلَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً عَرَفْنَاهُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ لِلْأَمْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ الْمَنْسُوبَ إلَى الْحَرَمِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ عَلَى الْكَمَالِ عِنْدَ عَدَمِ النِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ بِالْإِنْبَاتِ.
اعْلَمْ أَنَّ حَشِيشَ الْحَرَمِ وَشَجَرَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ: شَجَرٌ أَنْبَتَهُ الْإِنْسَانُ. وَشَجَرٌ يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ أَوْ لَا يَكُونُ. وَالْأَوَّلُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ، وَالْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِي مِنْهُ وَهُوَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ بِأَنْ يَنْبُتَ فِي مِلْكِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، حَتَّى قَالُوا فِي رَجُلٍ نَبَتَتْ فِي مِلْكِهِ أُمُّ غَيْلَانَ فَقَطَعَهَا إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِمَالِكِهَا وَعَلَيْهِ قِيمَةٌ أُخْرَى لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَقَوْلُهُ فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ إلَى أَنْ قَالَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إشَارَةً إلَى هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى الْحَرَمِ وَقَالَ وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ. وَقَوْلُهُ (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) أَيْ لَا يُحْصَدُ رُطَبُ مَرْعَاهَا وَلَا يُقْطَعُ شَوْكُهَا.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ لَا بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ)؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مِنْ الِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ خَارِجَ الْحَرَمِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ وَلَيْسَتْ بِكَفَّارَةٍ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الصَّيْدِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ صَيْدٍ اصْطَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ بَيْعُ صَيْدِ الْحَرَمِ أَصْلًا (وَالْفَرْقُ مَا نَذْكُرُهُ) يُرِيدُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ. وَقَوْلُهُ (وَاَلَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ
[ ٣ / ١٠٢ ]
وَمَا لَا يَنْبُتُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ الْتَحَقَ بِمَا يَنْبُتُ عَادَةً.
وَلَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَعَلَى قَاطِعِهِ قِيمَتَانِ: قِيمَةٌ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ حَقًّا لِلشَّرْعِ، وَقِيمَةٌ أُخْرَى ضَمَانًا لِمَالِكِهِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَرَمِ، وَمَا جَفَّ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَامٍ.
(وَلَا يُرْعَى حَشِيشُ الْحَرَمِ وَلَا يُقْطَعُ إلَّا الْإِذْخِرَ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، فَإِنَّ مَنْعَ الدَّوَابِّ عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَالْقَطْعُ بِالْمَشَافِرِ كَالْقَطْعِ بِالْمَنَاجِلِ، وَحَمْلُ الْحَشِيشِ مِنْ الْحِلِّ مُمْكِنٌ فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ الْإِذْخِرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَجُوزُ
النَّاسُ. وَقَوْلُهُ (وَمَا لَا يَنْبُتُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَاَلَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً: يَعْنِي مَا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ الْتَحَقَ بِمَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَكَانَ غَيْرَ مُسْتَحَقِّ الْأَمْنِ إلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْإِجْمَاعِ بِجَامِعِ انْقِطَاعِ كَمَالِ النِّسْبَةِ إلَى الْحَرَمِ عِنْدَ النِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ بِالْإِنْبَاتِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ) يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْبُتُ عَادَةً لَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ (فِي مِلْكِ رَجُلٍ) قَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبَاتَ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ فَكَيْفَ تَجِبُ الْقِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْحَرَمَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ قَوْلُهُ وَقِيمَةٌ أُخْرَى ضَمَانًا لِمَالِكِهِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ» مَحْمُولٌ عَلَى خَارِجِ الْحَرَمِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْحَرَمِ فَبِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ بِالنَّصِّ كَصَيْدِهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَمَلُّكَ أَرْضِ الْحَرَمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَوْلُهُ (وَمَا جَفَّ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ) بَيَانُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي مَطْلَعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) يَعْنِي أَنَّ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَكُونُونَ عَلَى الدَّوَابِّ وَمَنْعُهَا عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ (وَلَنَا مَا رَوَيْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ ﵊ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الضَّرُورَةُ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ قِيلَ: النَّصُّ فِي الْقَطْعِ لَا فِي الرَّعْيِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْقَطْعُ بِالْمَشَافِرِ كَالْقَطْعِ بِالْمَنَاجِلِ) شَفْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ حَرْفُهُ، وَمِشْفَرُ الْبَعِيرِ شَفَتُهُ، وَالْمَنَاجِلُ جَمْعُ مِنْجَلٍ وَهُوَ مَا يُحْصَدُ بِهِ الزَّرْعُ، وَقَوْلُهُ (وَحَمْلُ الْحَشِيشِ) يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ النَّصَّ فِي الْقَطْعِ لَا فِي الرَّعْيِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الضَّرُورَةَ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْحَشِيشِ (مِنْ الْحِلِّ مُمْكِنٌ فَلَا ضَرُورَةَ) فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ الْإِذْخِرِ لَمْ يَحْرُمْ رَعْيُهُ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ الْإِذْخِرِ)؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَثْنَاهُ فَيَجُوزُ رَعْيُهُ. وَرُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁
[ ٣ / ١٠٣ ]
قَطْعُهُ وَرَعْيُهُ، وَبِخِلَافِ الْكَمْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ النَّبَاتِ.
(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْقَارِنُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ عَلَى الْمُفْرِدِ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِحَجَّتِهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَمٌ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا بِإِحْرَامَيْنِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ. قَالَ (إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ)
لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِقُبُورِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ ﵊: إلَّا الْإِذْخِرَ» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا أَنَّ الْعَبَّاسَ سَبَقَهُ بِذَلِكَ. أَوْ كَانَ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ يُرَخِّصَ فِيمَا يَسْتَثْنِيهِ الْعَبَّاسُ. فَإِنْ قِيلَ: عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ كَانَ قَوْلُهُ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا عَامًّا مَخْصُوصًا بِمُقَارِنٍ فَلْيُخَصَّ الرَّعْيُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ. قُلْت: الِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ كَانَ الْإِذْخِرُ مَخْصُوصًا بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنْ لَا ضَرُورَةَ فِي الرَّعْيِ. وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الْكَمْأَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْإِذْخِرِ: يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي الْمُحَرَّمَاتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلْ هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا.
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْقَارِنُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ عَلَى الْمُفْرِدِ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ) كُلُّ مَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْجِنَايَاتِ فَعَلَى الْقَارِنِ فِيهِ دَمَانِ (دَمٌ لِحَجَّتِهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَمٌ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ وَعِنْدَنَا بِإِحْرَامَيْنِ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ) فَإِنْ قِيلَ: إحْرَامُ الْحَجِّ أَقْوَى لِكَوْنِهِ فَرْضًا دُونَ الْعُمْرَةِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ فِي إيجَابِ حُكْمٍ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَيْهِ وَيُجْعَلُ الْأَضْعَفُ كَالْمَعْدُومِ، كَمَا ذَكَرْتُمْ فِي الْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ أَقْوَى. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَيْسَ إحْرَامُ الْحَجِّ أَقْوَى مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِهَا جَمِيعُ مَا يَحْرُمُ إحْرَامَ الْحَجِّ فَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَلَا يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ وُجُوبُ الدَّمَيْنِ عَلَى الْقَارِنِ بِمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِهَا فَفِي الْجِمَاعِ يَجِبُ دَمَانِ، وَفِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ دَمٌ وَاحِدٌ لِمَا أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إنَّمَا بَقِيَ فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ لَا غَيْرُ. قُلْت بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْت.
وَوَجْهُ الْبُعْدِ أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِهَا لَمْ يَبْقَ إلَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ خَاصَّةً فَكَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ).
[ ٣ / ١٠٤ ]
خِلَافًا لِزُفَرٍ ﵀ لَمَّا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ وَبِتَأْخِيرِ وَاجِبٍ وَاحِدٍ لَا يَجِبُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
(وَإِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِزُفَرَ) يَعْنِي أَنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ دَمَانِ لِكُلِّ إحْرَامٍ دَمٌ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ. وَلَنَا (أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ كَانَ جَائِزًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَارِنٌ أَيْضًا (وَبِتَأْخِيرِ وَاجِبٍ وَاحِدٍ لَا يَجِبُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ).
(وَإِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ) وَاحِدٍ (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَحَلِّ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الدَّالُّ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُهُ بِالْمَحَلِّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْمَحَلُّ هَاهُنَا وَاحِدٌ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَقَاسَ بِصَيْدِ الْحَرَمِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّرِكَةِ يَصِيرُ جَانِيًا جِنَايَةً تَفُوقُ الدَّلَالَةَ
[ ٣ / ١٠٥ ]
بِالشَّرِكَةِ يَصِيرُ جَانِيًا جِنَايَةً تَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَيَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ. (وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ)؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بَدَلٌ عَنْ الْمَحَلِّ لَا جَزَاءٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ، كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا خَطَأً تَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ.
(وَإِذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ أَوْ ابْتَاعَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ وَبَيْعُهُ بَعْدَمَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ.
أَمَّا أَنَّهُ يَصِيرُ جَانِيًا؛ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ إذَا صَدَرَ مِنْ فَاعِلَيْنِ يُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا كَمَا فِي الْقِصَاصِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَأَمَّا أَنَّهُ جِنَايَةٌ تَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَلِاتِّصَالِهِ بِالْمَحَلِّ دُونَهَا، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانِيًا تِلْكَ الْجِنَايَةَ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُتَعَدِّدَةً وَتَعَدُّدُهَا يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْجَزَاءِ لَا مَحَالَةَ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ) وَهُوَ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ
(وَإِذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ أَوْ ابْتَاعَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ) وَالتَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ بِالْبَيْعِ بَاطِلٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ بِتَحْرِيمِ الشَّرْعِ كَخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الذَّبْحِ لِذَلِكَ وَالْبَيْعُ الْمُضَافُ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ بَاطِلٌ (وَبَيْعُهُ بَعْدَمَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ)
[ ٣ / ١٠٦ ]
(وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُنَّ)؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَمْنِ شَرْعًا وَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ (فَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْوَلَدِ)؛ لِأَنَّ بَعْدَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ لَمْ تَبْقَ آمِنَةً؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْخَلَفِ كَوُصُولِ الْأَصْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَيْعُ الْمَيْتَةِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ) حَلَالًا كَانَ أَوْ مُحْرِمًا (فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُنَّ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحَقًّا لِلْأَمْنِ شَرْعًا) يَعْنِي أَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهِيَ بَقَاءُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْأَمْنِ شَرْعًا، وَكُلُّ مَا اتَّصَفَ بِصِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ صِفَتُهُ تِلْكَ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ. أَمَّا اتِّصَافُهُ بِبَقَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْأَمْنِ شَرْعًا؛ فَلِأَنَّ الرَّدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَاجِبٌ. وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ صِفَتُهُ تِلْكَ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ فَكَمَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالْكِتَابَةِ وَغَيْرِهَا، وَنُوقِضَ بِوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهَا
[ ٣ / ١٠٧ ]