(فَصْلٌ فِي الْبَقَرِ)
(لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ سَائِمَةً وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ (وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ أَوْ مُسِنَّةٌ) وَهِيَ الَّتِي طَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ،
بُخْتِيٍّ وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ مَنْسُوبٌ إلَى بُخْتِ نَصْرٍ وَالْعِرَابُ جَمْعُ عَرَبِيٍّ وَإِنَّمَا كَانَا سَوَاءً لِأَنَّ اسْمَ الْإِبِلِ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّنْفِ لَا يُخْرِجُهُمَا مِنْ النَّوْعِ.
(فَصْلٌ فِي الْبَقَرِ)
قَدَّمَ فَصْلَ الْبَقَرِ عَلَى الْغَنَمِ لِمُنَاسَبَتِهَا ضَخَامَةً وَقِيمَةً، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ بَقَرَ إذَا شَقَّ، وَسُمِّيَ بِهِ الْبَقَرُ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الْأَرْضَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ نِصَابُ زَكَاةِ الْبَقَرِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا يُذْكَرُ. وَالتَّبِيعُ مِنْ وَلَدِ الْبَقَرِ مَا يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَالْمُسِنُّ مِنْهُ وَمِنْ الشَّاةِ مَا تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ،
[ ٢ / ١٧٨ ]
بِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا ﵁ (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى أَرْبَعِينَ وَجَبَ فِي الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ إلَى سِتِّينَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ فَفِي الْوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، وَفِي الِاثْنَتَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، وَفِي الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ عُشْرِ مُسِنَّةٍ.
وَإِنَّمَا خَيَّرَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّ الْأُنُوثَةَ فِي الْبَقَرِ لَا تُعَدُّ فَضْلًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ (بِهَذَا) أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ فِي ثَلَاثِينَ وَالْمُسِنِّ وَالْمُسِنَّةِ فِي أَرْبَعِينَ (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ) فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. فَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ (يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ إلَى سِتِّينَ) فَفِي الْوَاحِدَةِ الزَّائِدَةِ رُبُعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ (وَفِي الثِّنْتَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ) وَذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ مُسِنَّةٍ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ لِلْأَرْبَعِينَ وَرُبُعَ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدٌ فَيَكُونُ رُبُعُ الْعُشْرِ جُزْءًا مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ جُزْأَيْنِ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا لِأَنَّ عُشْرَ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفَ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، ثُمَّ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبُعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ، وَفِي رِوَايَةِ أُسْدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَفْوَ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ وَبَيْنَ السِّتِّينَ وَمَا فَوْقَهَا ثَبَتَ نَصًّا، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَاءِ الْمَالِ عَنْ الْوَاجِبِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا فَأَوْجَبْنَا فِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ وَتَحَمَّلْنَا التَّشْقِيصَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَوْضُوعِ الزَّكَاةِ ضَرُورَةَ تَعَذُّرِ إخْلَائِهِ عَنْ الْوَاجِبِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ مَبْنَى هَذَا النِّصَابُ: أَيْ نِصَابُ الْبَقَرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ عَقْدَيْنِ وَقْصٌ وَفِي كُلِّ عَقْدٍ وَاجِبٍ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ السِّتِّينَ فَيَكُونُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ إعْطَاءِ رُبُعِ مُسِنَّةٍ وَثُلُثِ تَبِيعٍ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ عَشْرَةٌ وَهِيَ ثُلُثُ ثَلَاثِينَ وَرُبُعُ أَرْبَعِينَ فَيُخَيَّرُ
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْعَفْوَ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا نَصَّ هُنَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ، ثُمَّ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبْعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ، لِأَنَّ مَبْنَى هَذَا النِّصَابِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ عَقْدَيْنِ وَقْصٌ، وَفِي كُلِّ عَقْدٍ وَاجِبٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊ لِمُعَاذٍ «لَا تَأْخُذْ مِنْ أَوْقَاصِ الْبَقَرِ شَيْئًا» وَفَسَّرُوهُ بِمَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ. قُلْنَا: قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الصِّغَارُ
بَيْنَهُمَا.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أُسْدٍ وَهُوَ قَوْلُهُمَا «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: لَا تَأْخُذْ مِنْ أَوْقَاصِ الْبَقَرِ شَيْئًا» وَفَسَّرُوهُ بِمَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَالْأَوْقَاصُ جَمْعُ وَقْصٍ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ. قُلْنَا: قَدْ قِيلَ
[ ٢ / ١٨٠ ]