فَصْلٌ فِي الذَّهَبِ
(لَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ صَدَقَةٌ. فَإِذَا كَانَتْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ) لِمَا رَوَيْنَا
فَصْلٌ فِي الذَّهَبِ:
قَدْ مَرَّ وَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَنْ فَصْلِ الْفِضَّةِ (وَقَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْفِضَّةِ «كَتَبَ إلَى مُعَاذٍ أَنْ خُذْ، إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ نِصْفَ مِثْقَالٍ». وَالْمِثْقَالُ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَضَمِيرُ مِنْهَا رَاجِعٌ إلَى مَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. قِيلَ تَعْرِيفُ الْمِثْقَالِ بِقَوْلِهِ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ عَرَّفَ الدِّرْهَمَ فِي فَصْلِ الْفِضَّةِ بِقَوْلِهِ. وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ مِنْهَا وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ فَتَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ دَوْرٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَا عَرَّفَ الدِّرْهَمَ بِالْمِثْقَالِ فِي فَصْلِ الْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ أَصْنَافِهَا مَا يَكُونُ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ هَاهُنَا: وَالْمِثْقَالُ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا وَزْنَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ: أَيْ الْمُرَادُ بِالْمِثْقَالِ هَاهُنَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ الَّذِي عُرِّفَ بِهِ
[ ٢ / ٢١٤ ]
وَالْمِثْقَالُ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ رُبْعُ الْعُشْرِ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا إذْ كُلُّ مِثْقَالٍ عِشْرُونَ قِيرَاطًا (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ صَدَقَةٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ بِحِسَابِ ذَلِكَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكُسُورِ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلَ فِي هَذَا كَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
قَالَ (وَفِي تِبْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَحُلِيِّهِمَا وَأَوَانِيهِمَا الزَّكَاةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُ مُبْتَذَلٌ فِي مُبَاحٍ فَشَابَهُ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ.
وَزْنُ الدِّرْهَمِ وَلَا دَوْرَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ) يَعْنِي إذَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَبَلَغَ الزِّيَادَةُ إلَى أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ فَفِيهَا قِيرَاطَانِ مَعَ نِصْفِ مِثْقَالٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ رُبُعُ الْعُشْرِ وَرُبُعُ الْعُشْرِ حَاصِلٌ فِيمَا قُلْنَا إذْ كُلُّ مِثْقَالٍ عِشْرُونَ قِيرَاطًا فَيَكُونُ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ ثَمَانِينَ قِيرَاطًا وَرُبُعُ عُشْرِهِ قِيرَاطَانِ وَهَذَا بِصَنْجَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ.
وَالْقِيرَاطُ خُمُسُ شَعِيرَاتٍ، فَالْمِثْقَالُ وَهُوَ الدِّينَارُ عِنْدَهُمْ مِائَةُ شَعِيرَةٍ، وَأَصْلُ الْقِيرَاطِ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّ جَمْعَهُ الْقَرَارِيطُ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ التَّضْعِيفِ يَاءً. وَقَوْلُهُ (وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكُسُورِ) يَعْنِي الَّتِي بَيَّنَهَا فِي فَصْلِ الْفِضَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ وَالْحِجَجَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِيهِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا خَلَا أَنَّ أَرْبَعَ مَثَاقِيلَ هَاهُنَا قَامَتْ مَقَامَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ (وَفِي تِبْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) التِّبْرُ مَا كَانَ غَيْرَ مَضْرُوبٍ مِنْهُمَا، وَالْحُلِيُّ عَلَى فُعُولٍ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ فِي جَمْعِ ثَدْيٍ وَهُوَ مَا تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ) يَعْنِي الْحُلِيَّ الَّذِي يُبَاحُ
[ ٢ / ٢١٥ ]
وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ مَالٌ نَامٍ وَدَلِيلُ النَّمَاءِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الثِّيَابِ.
اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّهُ مُبْتَذَلٌ فِي مُبَاحٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهِ كَسَائِرِ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمَهْنَةِ (وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ مَالٌ نَامٍ، وَدَلِيلُ النَّمَاءِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ) فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا لَا مُعْتَبَرَ بِمَا لَيْسَ بِأَصْلٍ وَهُوَ الْإِعْدَادُ لِلِابْتِذَالِ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلُ النَّمَاءِ وَالِابْتِذَالُ فِيهَا أَصْلٌ لِأَنَّ فِيهِ صَرْفًا لَهَا إلَى الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا وَهِيَ دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
[ ٢ / ٢١٦ ]