وَيُعْرَفُ الْفَصْلُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ بِالْكِتَابِ وَالْبَابِ. لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْوُضُوءِ فَرْضِهِ وَسُنَّتِهِ وَمُسْتَحَبِّهِ بَدَأَ بِمَا يُنَافِيهِ مِنْ الْعَوَارِضِ، إذْ الْعَارِضُ إنَّمَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمَعْرُوضِ: وَالنَّوَاقِضُ جَمْعُ نَاقِضَةٍ، وَالنَّقْضُ مَتَى أُضِيفَ إلَى الْأَجْسَامِ يُرَادُ بِهِ إبْطَالُ تَأْلِيفِهَا، وَمَتَى أُضِيفَ
[ ١ / ٣٦ ]
الْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ «وَقِيلَ لِرَسُولِ ﷺ مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ» وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ
إلَى الْمَعَانِي يُرَادُ بِهِ إخْرَاجُهُ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا مِنْ الْوُضُوءِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ (وَالْمَعَانِي النَّاقِضَةُ) أَيْ الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي إخْرَاجِ الْوُضُوءِ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ (كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ خُرُوجُ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ: يَعْنِي الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ وَالذَّكَرَ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْمُضَافَ تَصْحِيحًا لِلْحَمْلِ، فَإِنَّ حَمْلَ الذَّاتِ عَلَى الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ الْعِلَلِ بِالْمَعَانِي اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ» وَاحْتِرَازًا عَنْ عِبَارَةِ الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اسْتَنْكَفُوا عَنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ نَشَأَ الطَّحَاوِيُّ فَاسْتَعْمَلَهَا فَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْكُلِّيَّةُ مُنْتَقِضَةٌ بِالرِّيحِ الْخَارِجِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْقُبُلِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ بِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ: أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ لَا تَنْبَعِثُ مِنْ الذَّكَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاجٌ. وَالْقُبُلُ مَحَلُّ الْوَطْءِ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ تُنَجِّسُ الرِّيحَ بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا وَهُوَ فِي نَفْسِهِ طَاهِرٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وَالْغَائِطُ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِنْسَانُ عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ تَسَتُّرًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهُوَ لَازِمٌ لِخُرُوجِ النَّجِسِ. فَكَانَ كِنَايَةً عَنْ الْحَدَثِ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ اللَّازِمَ، وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ، وَالتَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ثَبَتَ فِي الْوُضُوءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَدَلَ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي السَّبَبِ. لَا يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَثَ شَرْطٌ لِلْوُضُوءِ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً لِنَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِنَقْضِ مَا كَانَ وَشَرْطٌ لِوُجُوبِ مَا سَيَكُونُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: (وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا وُضُوءَ لَمَا يَخْرُجُ نَادِرًا كَالْحَصَاةِ وَالدُّودَةِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، مُسْتَدِلًّا
[ ١ / ٣٧ ]
(وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ
بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَنَّى بِالْغَائِطِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهَا نَاقِضًا.
قُلْنَا: تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ عُمُومُ كَلِمَةِ مَا. قَالَ (وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ) خُرُوجُ النَّجَسِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ، يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ كَيْفَمَا كَانَ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ ﵃، وَقَيَّدَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ نَاقِضَةٍ مَا لَمْ تُوصَفْ بِالْخُرُوجِ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ لِشَخْصٍ مَا، وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنِ بَدَنُ الْحَيِّ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهَا
[ ١ / ٣٨ ]
يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ)، (وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ
إنْ خَرَجَتْ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ بَعْدَ غُسْلِهِ لَا تُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِهِ بَلْ تُوجِبُ غَسْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَشَرْطُ التَّجَاوُزِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ احْتِرَازًا عَمَّا يَبْدُو وَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى خَارِجًا، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِلْخُرُوجِ وَرَدًّا لِمَا ظَنَّ زُفَرُ أَنَّ الْبَادِيَ خَارِجٌ حَتَّى أَوْرَدَ مَا لَمْ يَسِلْ نَقْضًا عَلَى قَوْلِنَا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: (يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) أَيْ يَلْحَقُهُ حُكْمٌ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَجِبَ تَطْهِيرُهُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ سَالَ الدَّمُ مِنْ الرَّأْسِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَلَمْ يَظْهَرْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَاكَ لَمْ تَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ وَصَلَتْ إلَى ذَلِكَ إذْ الِاسْتِنْشَاقُ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ»؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ) أَيْ أَمْرٌ تُعُبِّدْنَا بِهِ: أَيْ كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُعْقَلُ؛ إذْ الْعَقْلُ إنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ مَوْضِعٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ (فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ
[ ١ / ٣٩ ]
وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»
وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ) وَالْيَاءُ فِي تَعَبُّدِيٌّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلنِّسْبَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ كَأَحْمَرَيَّ فِي أَحْمَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ كُلِّ الْأَعْضَاءِ كَمَا فِي الْمَنِيِّ، بَلْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْغَائِطَ أَنْجَسُ مِنْ الْمَنِيِّ لِاخْتِلَافٍ فِي نَجَاسَتِهِ دُونَ الْغَائِطِ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْوُجُوبُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلَا خِلَافَ فِي فَرْضِيَّتِهِ،
[ ١ / ٤٠ ]
وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»
وَقَوْلُهُ: ﵊ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَكَانَ مَعْنَاهُ تَوَضَّئُوا مِنْ كُلِّ دَمٍ سَالَ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِكَوْنِهِ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ كَأَنَّهُ أَمَرَ فَامْتُثِلَ أَمْرُهُ فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ آيَةُ كَوْنِهِ وَاجِبًا، فَإِنَّ الْآمِرَ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ فِي كَلَامِهِ يُعَبِّرُ عَنْ مَطْلُوبِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ تَأْكِيدًا لِلطَّلَبِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ تَكْذِيبًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءَ اللُّغَوِيَّ. قُلْنَا: ذَاكَ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ بِلَا دَلِيلٍ (وَقَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ») رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
يُقَالُ رَعَفَ: إذَا سَالَ رُعَافُهُ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: وَفَتْحُ الْعَيْنِ هُوَ الْفَصِيحُ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْأَمْرُ بِالِانْصِرَافِ
[ ١ / ٤١ ]
وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ لِأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا فَتَكُونُ بَادِيَةً لَا خَارِجَةً، بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ
وَهُوَ إبْطَالُ الْعَمَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْمُفْضِي إلَى التَّنَاقُضِ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالِانْصِرَافِ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ مِنْ الرُّعَافِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْبِنَاءِ يَأْبَاهُ، فَإِنَّ الْبِنَاءَ إذْ ذَاكَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَإِرَادَةُ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيُّ مَدْفُوعَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. لَا يُقَالُ: وَقَعَ فِي الشَّرْعِ ذَلِكَ «إذْ غَسَلَ فَمَه بَعْدَ الْقَيْءِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ ﵊ هَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ الْقَيْءِ»؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ قَائِمَةٍ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِقَوْلِ السَّائِلِ أَلَا تَتَوَضَّأُ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ وَأَدْنَاهُ الْإِبَاحَةُ، وَلَا إبَاحَةَ لِلْبِنَاءِ بَعْدَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ إلَّا بَعْدَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالِاتِّفَاقِ. لَا يُقَالُ: الْبِنَاءُ الْمَعْطُوفُ عَلَى الِانْصِرَافِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ، أَلَا يُرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لِلْإِبَاحَةِ وَالثَّانِي لِلْوُجُوبِ، وَإذَا جَازَ ذَلِكَ فَعَكْسُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعُ الضَّعِيفِ لِلْقَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ) إثْبَاتُ صِفَةِ النَّجَاسَةِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَالْمُصَنِّفُ ﵀ ظَهَرَ عَنْ حِذْقٍ عَظِيمٍ مَعَ وَجَازَةِ اللَّفْظِ وَبَيَانُهُ عَلَى وَجْهٍ وَاضِحٍ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَشُرُوطِ الْقِيَاسِ.
فَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ ذَلِكَ إجْمَالًا فَنَقُولُ: الْقِيَاسُ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ فَالْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ وَالثَّانِي هُوَ الْفَرْعُ.
وَشُرُوطُهُ أَلَّا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، وَأَلَّا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ كَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ الْأَكْلِ نَاسِيًا، وَأَنْ يَتَعَدَّى الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ وَلَا نَصَّ فِيهِ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَمَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِكُلِّ قَيْدٍ مِنْ الْقُيُودِ فَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: فَأَمَّا الْأَصْلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. أَعْنِي الْغَائِطَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ، وَهُوَ أَنَّ لِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ أَثَرًا فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْمَخْرَجِ لِاتِّصَافِهِ بِضِدِّ الطَّهَارَةِ وَهُوَ التَّلَوُّثُ بِالنَّجَاسَةِ، وَعَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالْحَدَثِ لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ، وَعَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَعْقُولٍ، وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ فِيهِ فَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا اعْتَبَرُوا فَاسْتَنْبَطُوا أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ كَانَ حَدَثًا لِكَوْنِهِ نَجَسًا خَارِجًا مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الْآيَةَ، وَهُوَ نَصٌّ مَعْلُولٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ وَهُوَ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ
[ ١ / ٤٢ ]
لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الِانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ، وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ
وَالنِّفَاسِ، وَوَجَدُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَعَدُوًّا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ إلَيْهِ، وَتَعَدِّي الْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا ضَرُورَةُ تَعَدِّي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ تَغَيَّرَ حُكْمُ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ وَذَلِكَ يُفْسِدُ الْقِيَاسَ. فَإِنْ قِيلَ التَّغَيُّرُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخُرُوجِ مُؤَثِّرٌ فِي الْأَصْلِ وَاعْتَبَرْتُمْ فِي الْفَرْعِ السَّيَلَانَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَبِمِلْءِ الْفَمِ إلَخْ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِيَاسِ أَلَّا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ، وَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ مَخْصُوصٌ بِحُكْمِهِ وَهُوَ نَقْضُ الطَّهَارَةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَلِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ. وَيُجَابُ عَمَّا لَوْ قِيلَ وَمِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَكُونَ الْفَرْعُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَقَدْ رَوَيْتُمْ فِيهِ حَدِيثَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ لَيْسَ بِمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْأَصْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ وَمَعْنًى غَيْرِ مَعْقُولٍ، وَعَدَّيْتُمْ غَيْرَ الْمَعْقُولِ تَبَعًا لِلْمَعْقُولِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّغَيُّرُ الْمُفْسِدُ لِتَعْدِيَةِ الْمَعْقُولِ، فَهَلَّا تَرَكْتُمْ تَعْدِيَةَ غَيْرِ الْمَعْقُولِ وَجَعَلْتُمْ الْمَعْقُولَ تَبَعًا لَهُ فِي ذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَعْقُولٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَشْرُوعٌ لِاعْتِبَارِهِ فِي الشَّرْعِ حَدَثًا، وَالثَّانِي مَشْرُوعٌ فَقَطْ فَجَعْلُهُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ لَا مَحَالَةَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا اعْتَبَرَ الْأَوَّلَ حَدَثًا اسْتَلْزَمَ الطَّهَارَةَ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، وَفِي غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ كُلَّمَا وُجِدَ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الظَّاهِرِ تَيْسِيرًا عَلَيْنَا، فَكَانَ الثَّانِي مِنْ ضَرُورَاتِ الْأَوَّلِ فَكَانَ تَابِعًا لَهُ، وَعَرَّفَ مِلْءَ الْفَمِ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
وَقِيلَ إنْ مَنَعَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ مِلْؤُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمِلْءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفَمَ تَجَاذَبَ فِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ ظَاهِرًا، وَالْآخَرُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ بَاطِنًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا. أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِأَنَّهُ إذَا فَتَحَ فَاهُ يَظْهَرُ، وَإِذَا ضَمَّهُ يُبْطِنُ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّ الصَّائِمَ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِفِيهِ ثُمَّ مَجَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَهُ كَمَا إذَا سَالَ الْمَاءُ عَلَى ظَاهِرِ جِلْدِهِ فَكَانَ ظَاهِرًا.
وَإِذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ أَيْضًا كَمَا إذَا انْتَقَلَ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ بَطْنِهِ إلَى أُخْرَى فَكَانَ بَاطِنًا، فَوَفَّرْنَا عَلَى الدَّلِيلَيْنِ حُكْمَهُمَا فَقُلْنَا إذَا كَثُرَ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ غَالِبًا بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى ضَبْطِهِ إلَّا بِكُلْفَةٍ فَاعْتُبِرَ خَارِجًا، وَإِذَا قَلَّ لَا يَنْقُضُ فَيَصِيرُ تَبَعًا لِلرِّيقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا. فَإِنْ قِيلَ: عَرَّفَ الْمُصَنِّفُ مِلْءَ الْفَمِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وَالتَّعْرِيفَاتُ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا لَيْسَ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إلَخْ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ. قَالَ (وَقَالَ زُفَرُ: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ) قَالَ زُفَرُ ﵀: لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثًا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ وَجَبَ.
[ ١ / ٤٣ ]
السَّيَلَانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊ «الْقَلَسُ حَدَثٌ». وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا» وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةً: أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الْفَمَ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ ﵀ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الْفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ،
أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَهُوَ قِيَاسٌ ظَاهِرٌ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «الْقَلْسُ حَدَثٌ» رَوَاهُ سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَا ذُكِرَ عَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَلْسُ مَا خَرَجَ مِنْ الْفَمِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ. وَإِنَّمَا قَدَّمَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ مُقِرٌّ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ لَا نِزَاعَ لَهُ فِيهَا فَكَانَ أَقْطَعَ فِي الْإِلْزَامِ. وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا» أَيْ لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ بِالْقُوَّةِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ، لَكِنْ إذَا سَالَ الدَّمُ فَفِيهِ الْوُضُوءُ.
وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ: لَا وُضُوءَ فِي الدَّمِ الْقَلِيلِ، لَكِنْ فِي الْكَثِيرِ وُضُوءٌ وَهُوَ السَّائِلُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ لِحُصُولِهَا بَعْدَ السَّيَلَانِ، وَالْمَجَازُ وَهُوَ الْقَلِيلُ لَا يَتَنَاوَلُ السَّائِلَ فَلَا يَكُونُ مُتَّصِلًا. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَطْرَ الدَّمِ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لَا يَضُرُّنَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا وَهُوَ ظَاهِرُهُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةً: أَوْ دَسْعَةً) أَيْ دَفْعَةً مِنْ الْقَيْءِ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَثَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ ﵊.
وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَتَهَاتَرَانِ فَيُصَارُ إلَى الْقِيَاسِ، فَإِنْ تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ تَعَارَضَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ «قَاءَ ﵊ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «الْقَلْسُ حَدَثٌ» وَالْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنٌ بِحَمْلِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ عَنْ الْكَثِيرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ مِلْءَ الْفَمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ) أَيْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ جَوَابٌ لِزُفَرَ عَنْ اعْتِبَارِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ بِالْمُعْتَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِنْدَ قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إلَخْ فَلَا نُعِيدُهُ (وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الْفَمَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ)؛ لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ وَلِهَذَا تَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ الْمُتَفَرِّقَةُ فِي النِّكَاحِ
[ ١ / ٤٤ ]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ، ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ
وَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَكَذَا التِّلَاوَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ لِآيَةِ السَّجْدَةِ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ)؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ ثُبُوتِ السَّبَبِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ وَمَاتَ مِنْهَا قَبْلَ الْبُرْءِ يَتَّحِدُ الْمُوجِبُ وَإِنْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ اخْتَلَفَ، وَتَفْسِيرُ الِاتِّحَادِ فِي الْغَثَيَانِ أَنْ يَقِيءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ عَنْ الْغَثَيَانِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَكَنَتْ ثُمَّ قَاءَ فَهُوَ حَدَثٌ جَدِيدٌ. (ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْكَرْدَرِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَهُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ احْتِيَاطًا. وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَخَذَهُ بِقُطْنَةٍ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ خُصُوصًا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْقُرُوحِ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَارِجَ النَّجِسَ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَدَثًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فَقَدْ انْتَفَى اللَّازِمُ وَانْتِفَاؤُهُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ تُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، فَكَانَ مَعْنَى كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَرَّتَيْنِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ عَلَى عَدَمِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّقْضِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَارِجٍ لَا لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَجِسٍ، فَإِنَّ عِلَّةَ النَّاقِضِ ذَاتُ وَصْفَيْنِ: وَصْفِ الْخُرُوجِ، وَوَصْفِ النَّجَاسَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاؤُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَارِجٍ دُونَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْآخَرِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ تَقْرِيرَ كَلَامِهِ هَكَذَا مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا،؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا. وَقَوْلُهُ: حُكْمًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّجَسَ هُوَ مَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ، وَالشَّرْعُ لَمْ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالنَّجَاسَةِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَدَثًا وَلَيْسَ بِحَدَثٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ لِكَوْنِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ سَخْلَةً أَوْ بَيْضَةً حَالَ مَجِّهَا دَمًا جَازَتْ صَلَاتُهُ، فَكَانَ انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ مُسْتَلْزِمًا لِانْتِفَاءِ النَّجَاسَةِ، وَنُوقِضَ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْجُرْحِ
[ ١ / ٤٥ ]
(وَهَذَا إذَا قَاءَ مُرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ نَاقِضٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضٍ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ) (يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ
السَّائِلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ نَجَسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ هُوَ حَدَثٌ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِمِلْءِ الْفَمِ (إذَا قَاءَ مَرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا) يَعْنِي صِرْفًا لَا يَشُوبُهُ طَعَامٌ، فَإِمَّا أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ يَرْتَقِيَ مِنْ الْجَوْفِ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ نَاقِضٍ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. وَكَذَا الثَّانِي عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. لَهُ أَنَّهُ نَجَسٌ بِمُجَاوَرَةِ مَا فِي الْمَعِدَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَكُونُ نَاقِضًا كَالطَّعَامِ وَالصَّفْرَاءِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْبَلْغَمَ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ. فَإِنْ قِيلَ يُنْقَضُ بِبَلْغَمٍ يَقَعُ فِي النَّجَاسَةِ ثُمَّ يُرْفَعُ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَلْغَمَ مَا دَامَ فِي الْبَاطِنِ تَزْدَادُ ثَخَانَتُهُ فَتَزْدَادُ لُزُوجَتُهُ، فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْ الْبَاطِنِ تَقِلُّ ثَخَانَتُهُ فَتَقِلُّ لُزُوجَتُهُ. وَإِذَا قَلَّتْ لُزُوجَتُهُ ازْدَادَتْ رِقَّتُهُ فَجَازَ أَنْ يَقْبَلَ النَّجَاسَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا اخْتَلَطَ الْبَلْغَمُ بِالطَّعَامِ، قَالُوا: يُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا نَقَضَ كَالدَّمِ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَاءَ دَمًا) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَجَمِّدًا وَهُوَ الْعَلَقُ أَوْ مَائِعًا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَالْخَارِجُ مِنْهَا حَدَثٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ. قِيلَ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الطَّعَامُ، وَالْمَاءُ وَالْمُرَّةُ، وَالسَّوْدَاءُ، وَالصَّفْرَاءُ. وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ نَقَضَ، وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ ظَاهِرًا فَيُعْتَبَرُ بِالْخَارِجِ مِنْ الْقُرْحَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُعْتَبَرُ هُنَاكَ السَّيَلَانُ.
فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ذُكِرَ فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُضْطَرِبٌ،
[ ١ / ٤٦ ]
لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ) وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ
(وَلَوْ) (نَزَلَ) مِنْ الرَّأْسِ (إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ) (نَقَضَ بِالِاتِّفَاقِ) لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ (وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلَا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالِاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقَظَةِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدِ عَنْ الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الِاسْتِرْخَاءُ
مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. .
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَزَلَ إلَى مَا لَانَ) أَيْ الَّذِي لَانَ مِنْ الْأَنْفِ: يَعْنِي الْمَارِنَ. فَإِنْ قِيلَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَكَانَ ذِكْرُهُ تَكَرُّرًا. أُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ هَاهُنَا لَيْسَ لِبَيَانِ حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنْ ذَلِكَ إذَا وَصَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا بَيَانًا لِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ لَا يَنْقُضُ بِوُصُولِهِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَوْلُهُ: لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ: يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ زُفَرَ (قَوْلُهُ: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ حَقِيقَةً ذَكَرَ نَقْضَهُ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ حُكْمًا (قَوْلُهُ: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ النَّائِمُ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلَا يَخْلُو عَنْ خُرُوجِ رِيحٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمُسْتَرَاحَ ثُمَّ شَكَّ فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَقْضِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ بِالتَّبَرُّزِ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ بِدُونِ الدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ مُتَّكِئًا عَلَى أَحَدِ وَرِكَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ افْتِعَالٌ مِنْ وَكَأَ مُعْتَلِّ الْفَاءِ مَهْمُوزِ اللَّامِ مُقَدَّرٍ لَا مُسْتَعْمَلٍ، فَأَبْدَلَ التَّاءَ فِي اتِّكَاءٍ مِنْ الْوَاوِ إذْ الْأَصْلُ أَوْ اتَّكَأَ، فَإِنَّ التَّاءَ تُبْدَلُ مِنْ الْوَاوِ فِي افْتَعَلَ وَغَيْرِهِ (وَلِأَنَّ الِاتِّكَاءَ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقِظَةِ) أَيْ التَّمَاسُكَ
[ ١ / ٤٧ ]
غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِرْخَاءُ،
الَّذِي يَكُونُ لِلْيَقْظَانِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنَادُ إلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَوْ حَائِطٍ بِحَيْثُ إذَا أُزِيلَ سَقَطَ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْخَاءَ يَبْلُغُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ مِنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ مِنْ تَجَافِي الْبَطْنِ عَنْ الْفَخِذَيْنِ وَعَدَمِ افْتِرَاشِ الذِّرَاعَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِهِ فَيُنْقَضُ.
وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَدَثٌ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (؛ لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِرْخَاءُ) وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ لَمْ يَكُنْ النَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ سَبَبًا لِخُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً فَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُقَامُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ إذَا كَانَ غَالِبَ الْوُجُودِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَغْلِبْ فَلَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ الشَّكُّ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ
[ ١ / ٤٨ ]
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»
وَالْوُضُوءُ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يُزَالُ بِالشَّكِّ. (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّوْمِ غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: ﷺ «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُسْنَدًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْد النَّقَلَةِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: حَدِّثْ عَمَّنْ شِئْت إلَّا عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ أَخَذَ: أَيْ لَا يُبَالِي أَنْ يَرْوِيَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ.
[ ١ / ٤٩ ]
(وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ) لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الِاسْتِرْخَاءِ، وَالْإِغْمَاءِ حَدَثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ
أُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ ثِقَةٌ نَقَلَ عَنْهُ الثِّقَاتُ كَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيِّ ﵏، وَكَوْنُهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ أَخَذَ يُؤَثِّرُ فِي مَرَاسِيلِهِ دُونَ مَسَانِيدِهِ، وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ نَفْيُ الْوُضُوءِ عَمَّنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. وَالثَّانِي: إثْبَاتُهُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا مُؤَكَّدًا بِإِنَّمَا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَلَا حَصْرَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَنْحَصِرْ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَنِدِ وَالْمُتَّكِئِ كَمَا مَرَّ وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِلْحَصْرِ بَلْ هُوَ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَصِيغَتُهُ أَفَادَتْ الْحَصْرَ فِي الْمُضْطَجِعِ وَالْمُتَّكِئِ، وَالْمُسْتَنِدُ يَلْحَقُ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ.
وَالثَّالِثُ التَّعْلِيلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا لِعَدَمِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَعَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُضْطَجِعِ وَمَنْ هُوَ بِمَعْنَاهُ لِوُجُودِهِ فِيهِ. قِيلَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ «اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»: بَلَغَ الِاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِرْخَاءِ يُوجَدُ فِيمَنْ نَامَ قَائِمًا، فَحِينَئِذٍ يَتَنَاقَضُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ. وَرُبَّمَا يُشِيرُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ: مَنْ قِيلَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِرْخَاءُ. .
قَالَ (وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونُ) وَالْجُنُونُ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وَالْغَلَبَةُ، وَالْجَرُّ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ فِي الْإِغْمَاءِ مَغْلُوبٌ وَفِي الْجُنُونِ مَسْلُوبٌ، وَلِهَذَا جَازَ الْإِغْمَاءُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ دُونَ الْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءُ ضَرْبُ مَرَضٍ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا، وَسَبَبُهُ امْتِلَاءُ بُطُونِ الدِّمَاغِ مِنْ بَلْغَمٍ غَلِيظٍ بَارِدٍ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ (فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الِاسْتِرْخَاءِ)؛ لِأَنَّ النَّائِمَ يَتَنَبَّهُ بِالتَّنَبُّهِ دُونَهُمَا (وَالْإِغْمَاءُ حَدَثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) يَعْنِي حَالَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِوُجُودِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَهُوَ
[ ١ / ٥٠ ]
(وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
الْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدَةِ عَنْ الْأَرْضِ وَوُجُودِ أَصْلِ الِاسْتِرْخَاءِ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِي النَّوْمِ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا» الْحَدِيثَ، وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ كَمَا مَرَّ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَلَّا يَكُونَ أَدْنَى الْغَفْلَةِ نَاقِضًا أَلَّا يَكُونَ أَعْلَاهَا نَاقِضًا. وَالسُّكْرُ إذَا حَصَلَ بِهِ تَمَايُلٌ فِي الْمِشْيَةِ كَالْإِغْمَاءِ قِيلَ لَمْ يُعَلِّلْ الْمُصَنِّفُ لِلْجُنُونِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ عَلَّلَهُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَاقِضٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ وَتَمْيِيزِ الْحَدَثِ عَنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً») الْحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ خَلْفَهُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَفِي بَصَرِهِ سُوءٌ: أَيْ ضَعْفٌ، فَوَقَعَ فِي رَكِيَّةٍ فَضَحِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ» الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ أَبُو الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (وَبِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَكَانَ رَاوِيهِ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الِاجْتِهَادِ كَأَبِي مُوسَى ﵁ (يُتْرَكُ الْقِيَاسُ) قِيلَ التَّعَلُّقُ
[ ١ / ٥١ ]
وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ دُونَ الْوُضُوءِ.
(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ
بِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ رَكِيَّةٌ فَكَانَ مَوْضُوعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي خَبَرِ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَكِيَّةٌ. وَرَاوِي الْمَسْجِدِ كَأَبِي مُوسَى وَأُسَامَةَ ثِقَةٌ وَهُوَ مُثْبِتٌ فَهُوَ أَوْلَى.
وَقِيلَ لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ قَهْقَهَةً، وَاَلَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُ أَصْحَابُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْأَعْرَابِ الْجُهَّالِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ ﵃ وَإِلَّا فَلَيْسَ الضَّحِكُ كَبِيرَةً، وَهْم لَيْسُوا مِنْ الصَّغَائِرِ بِمَعْصُومِينَ وَلَا مِنْ الْكَبَائِرِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً. (قَوْلُهُ: وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ) أَيْ كَامِلَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَلَاةِ الْبَانِي بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَلَاةِ النَّائِمِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَفْسُدُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ وَالضَّحِكِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّبَسُّمَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ وَلَا لِلْوُضُوءِ فَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا مَدْخَلٌ. «قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا تَبَسَّمَ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ».
: قَالَ: (وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ تَنْقُضُ الْوُضُوءِ) الدَّابَّةُ: أَيْ الدُّودَةُ الَّتِي تَنْشَأُ فِي الْبَطْنِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ نَقَضَتْ الْوُضُوءَ، وَاَلَّتِي تَنْشَأُ فِي الْجُرْحِ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ أَوْ لَحْمٌ سَقَطَ مِنْهُ لَمْ يَنْقُضْ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الدُّودَةِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ غُسِلَتْ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْ النَّجَسِ إلَّا مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْخَارِجُ مِنْ الْجُرْحِ الْجُشَاءَ فِي عَدَمِ النَّقْضِ، وَالْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ الْفُسَاءَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. قِيلَ إنَّمَا فَسَّرَ الدَّابَّةَ بِالدُّودَةِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ مَا يَدِبُّ عَلَى
[ ١ / ٥٢ ]
الْجُرْحِ أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ) وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْجُشَاءَ وَالْفُسَاءَ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ
الْأَرْضِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَدْخُلُ الْجُرْحَ كَالذُّبَابِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ فَفَسَّرَهُ بَيَانًا لِذَلِكَ.
وَقِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ هَاهُنَا:؛ لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، أَوْ أَطْلَقَ النَّجَسَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ: يَعْنِي لَوْ كَانَ ثَمَّةَ نَجَسٌ فَهُوَ مَا عَلَيْهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْطِيَّةِ إنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ ثَمَّةَ نَجَسٌ فَيَكُونُ مَا عَلَيْهَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الْجُرْحِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي الْجُرْحِ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ نَجَسٌ مَا عَلَيْهَا فَلَا يَكُونُ نَجَسًا لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ وَحَدَثٌ وَالْأَوَّلُ صَوَابٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ النَّجَسَ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجُرْحِ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدُّبُرِ نَجَسًا ذُكِرَ فِي الْجُرْحِ بِلَفْظِ النَّجَسِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ) مُتَّصِلٌ بِالْفُسَاءِ: يَعْنِي أَنَّهُ نَاقِضٌ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ (وَذَكَرِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً) وَهِيَ الَّتِي صَارَ سَبِيلَاهَا وَاحِدًا (يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فُسَاءً.
وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ عَيْنَ الرِّيحِ نَجَسٌ أَوْ مُتَنَجِّسٌ بِمُرُورِهَا عَلَى النَّجَاسَةِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ الرِّيحُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ مُبْتَلَّةٌ، فَمَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهَا قَالَ بِتَنَجُّسِ السَّرَاوِيلِ، وَمَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ عَيْنِهَا لَمْ يَقُلْ بِهِ، كَمَا لَوْ مَرَّتْ الرِّيحُ بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ مَرَّتْ بِثَوْبِ مُبْتَلٍّ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِهَا. قِيلَ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الدُّبُرِ مُحْتَمَلًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُتَوَضِّئَةً ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالْمُحْتَمَلِ كَالشَّاكِّ فِي الْحَدَثِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ
[ ١ / ٥٣ ]
(فَإِنْ قُشِرَتْ نَفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ إنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ نَجِسَةٌ لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ إذَا كَانَتْ مُنْتِنَةً يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَوْلُهُ: (قُشِّرَتْ نَفِطَةٌ) فِي نُونِهَا الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ وَهُوَ بَثْرٌ يَخْرُجُ بِالْيَدِ مَلْآنُ مَاءً، مِنْ قَوْلِهِمْ انْتَفَطَ فُلَانٌ: أَيْ امْتَلَأَ غَضَبًا، إذَا قُشِّرَتْ فَإِمَّا أَنْ يَسِيلَ الْمَاءُ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ أَوْ لَا، وَسَمَّاهُ جُرْحًا؛ لِأَنَّ قِشْرَهَا جُرْحٌ لَهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ نُقِضَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يُنْقَضْ، وَإِنَّمَا أَعَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ تُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِيُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَارِجِ وَالْمَخْرَجِ، أَوْ لِيُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ حُكْمُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ قَبْلُ، فَرُبَّمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ: أَعْنِي قَوْلَهُ مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقَوْلُهُ: هَذَا: أَيْ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ إذَا سَالَ نُقِضَ إنَّمَا هُوَ إذَا قَشَّرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ
[ ١ / ٥٤ ]
(فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)
وَلَوْ لَمْ يَعْصِرْهَا لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُنْقَضْ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يُنْقَضُ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَازِمُ الْإِخْرَاجِ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَلْزُومِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ، فَكَانَ ثُبُوتُهُ غَيْرَ قَصْدِيٍّ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ.
[ ١ / ٥٥ ]