(وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى) فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. هُمَا يَقُولَانِ: إنَّهُ نَذْرٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَلَنَا أَنَّهُ نَذَرَ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ.
فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)
:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلِهَذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا بِإِيجَابِ اللَّهِ (وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، أَفْطَرَ وَقَضَى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ (لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ) قَالَ ﷺ «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ» الْحَدِيثَ، وَالنَّذْرُ بِالْمَعْصِيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» (وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ) لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ كَفًّا لِلنَّفْسِ الَّتِي هِيَ عَدُوُّ اللَّهِ عَنْ شَهَوَاتِهَا لَا يُفْصَلُ بَيْنَ يَوْمٍ وَيَوْمٍ، فَكَانَ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ حَسَنًا مَشْرُوعًا، وَالنَّذْرُ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ جَائِزٌ، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ النَّهْيِ فَإِنَّمَا هُوَ لِغَيْرِهِ الْمُجَاوِرِ (وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ النَّاسَ أَضْيَافُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَإِذَا كَانَ لِغَيْرِهِ لَا يُمْنَعُ صِحَّتُهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْإِمْسَاكُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ أَلْبَتَّةَ، وَتَرْكُ الْإِجَابَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَبِيحٌ فَمَا يَسْتَلْزِمُهُ كَذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ حَمِيَّةً أَوْ لِضَعْفٍ أَوْ لِعَدَمِ مَا يَأْكُلُهُ لَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْإِجَابَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِمْسَاكُ عِبَادَةٌ تَسْتَلْزِمُهُ. قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالْوَجْهِ وَالِاعْتِبَارِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ فَلَنَا أَنْ نَقُولَ هَذَا الصَّوْمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ قَبِيحٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ حَسَنٌ، (فَيَصِحُّ النَّذْرُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ) فَإِنَّ مَا وَجَبَ نَاقِصًا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَدَّى نَاقِصًا. فَإِنْ قُلْت:
[ ٢ / ٣٨١ ]
(وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) يَعْنِي. إذَا أَفْطَرَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ سِتَّةٍ: إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرَ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا لِأَنَّهُ نَذَرَ بِصِيغَتِهِ. كَيْفَ وَقَدْ قَرَّرَهُ بِعَزِيمَتِهِ؟ وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ وَقَدْ عَيَّنَهُ وَنَفَى غَيْرَهُ، وَإِنْ نَوَاهُمَا يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَكُونُ نَذْرًا، وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَكُونُ يَمِينًا. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْيَمِينَ مَجَازٌ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الْأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ، وَيَتَوَقَّفَ الثَّانِي فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا، ثُمَّ الْمَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ، وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ.
سَمَّى الْمُصَنِّفُ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْقُبْحِ مُجَاوِرًا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَاطِبَةً، فَإِنَّهُمْ سَمَّوْهُ بِالْمُتَّصِلِ وَصْفًا، وَأَمَّا الْمُجَاوِرُ جَمْعًا فَمِثْلُ الْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ.
قُلْت: سُؤَالٌ حَسَنٌ. وَالتَّقَصِّي عَنْ عُهْدَةِ جَوَابِهِ مُشْكِلٌ، وَتَقْرِيرُنَا كَافِلٌ كَافٍ لِتَقْرِيرِهِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ فَإِنَّهُ مِنْ مَبَاحِثِ الْأُصُولِ. قَالَ (وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ، وَالْجَمِيعُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ، فَفِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَهِيَ: مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرُ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا، يَكُونَ نَذْرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْوَاحِدِ يَكُونُ يَمِينًا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَا إذَا نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا، وَفِي الِاثْنَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَهُمَا أَوْ نَوَى الْيَمِينَ لَا غَيْرُ يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَوَّلِ نَذْرٌ وَفِي الْيَمِينِ يَمِينٌ، ثُمَّ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ظَاهِرَةٌ، وَكَفَى بِعَدَمِ الْمُنَازِعِ دَلِيلًا، وَأَمَّا وَجْهُ الْبَاقِينَ فَلِأَبِي يُوسُفَ (أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْكَلَامِ (حَقِيقَةٌ) لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ (وَالْيَمِينَ مَجَازٌ) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهَا، وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَنْتَظِمُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ.
فَإِذَا نَوَاهُمَا
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْن الْجِهَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَالْيَمِينَ لِغَيْرِهِ،
وَالْحَقِيقَةُ مُرَادَةٌ فَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ مُرَادًا، وَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ تَعَيَّنَ الْمَجَازُ بِنِيَّتِهِ فَلَا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً (وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ) يَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ مَوْضُوعٌ لِلْوُجُوبِ وَمُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ، وَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ فِي غَيْرِ الْوُجُوبِ أَيْضًا حَتَّى يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ مِنْ جِهَتَيْنِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، نَشَأَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ النَّذْرِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا تَرَكَهُ، وَالْأُخْرَى مِنْ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَهُوَ صِيَانَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْهَتْكِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ الْكَفَّارَةُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُنْشَأَيْنِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إذْ أَمْكَنَ، وَالْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنٌ لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.
(وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ
فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَيْ التَّبَرُّعِ وَالْمُعَاوَضَةِ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ) هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلِلنَّاسِ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمَا أَنْوَاعٌ مِنْ التَّوْجِيهَاتِ، فَمَنْ تَشَوَّفَ إلَيْهَا طَالَعَ التَّقْرِيرَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ عَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: هَذِهِ السَّنَةَ، أَوْ أَطْلَقَهَا بِأَنْ
[ ٢ / ٣٨٤ ]
أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَكِنَّهُ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَعْرَى عَنْهَا لَكِنْ يَقْضِيهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مَوْصُولَةً تَحْقِيقًا لِلتَّتَابُعِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ،
قَالَ: سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَهُ صَوْمُ السَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الْخَمْسَةَ وَقَضَاهَا (لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ) وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَجِبْ بِهَذَا النَّذْرِ، وَلَوْ صَامَ الْأَيَّامَ الْخَمْسَةَ جَازَ لِمَا تَقَدَّمَ،
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وَيَتَأَتَّى فِي هَذَا خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ وَالْعُذْرَ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّتَابُعَ أَوْ لَا، فَإِنْ شَرَطَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيَقْضِي خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا خَمْسَةً لِلْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لِرَمَضَانَ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ، وَمَبْنَى جَوَازِ صَوْمِ هَذِهِ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُ هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَلْتَزِمُهُ الْكَمَالُ، وَالْمُؤَدَّى نَاقِصٌ لِمَكَانٍ النَّهْيِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَهَا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِوَصْفِ النُّقْصَانِ فَيَكُونُ الْأَدَاءُ بِالْوَصْفِ الْمُلْتَزَمِ. قَالَ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا) وَقَدْ سَبَقَتْ وُجُوهُهُ.
(وَمَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ) لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ، وَصَارَ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ يُسَمَّى صَائِمًا حَتَّى يَحْنَثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى
الْأَيَّامِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ أَنَّ مَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا، وَمَا وَجَبَ نَاقِصًا جَازَ أَنْ يَتَأَدَّى نَاقِصًا.
وَقَوْلُهُ (وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ) يَعْنِي عَنْهُمَا بَيْنَ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَبَيْنَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ فِي النَّذْرِ يَلْزَمُ الْقَضَاءُ وَفِي الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ، وَفِي الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
الصَّوْمِ فَيَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ، فَيَجِبُ إبْطَالُهُ فَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَلَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ النَّذْرِ وَهُوَ الْمُوجِبُ، وَلَا بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً، وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الصَّلَاةِ فَتَجِبُ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
إذَا أَفْسَدَهَا. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ أَنَّ الشُّرُوعَ إحْدَاثُ الْفِعْلِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ فَيَجِبُ إبْطَالُهُ فَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الصِّيَانَةِ، وَأَمَّا النَّذْرُ فَإِنَّمَا هُوَ إيجَابٌ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ وَجَازَ لِلْعَقْلِ أَنْ يُجَرِّدَ الْأَصْلَ عَنْ الْوَصْفِ فَلَمْ يَكُنْ مُرْتَكِبًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّمَا صَارَ مُوجِبًا لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّ مَا شُرِعَ فِيهِ لَا يَكُونُ صَلَاةً حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً، وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَكُنْ الشُّرُوعُ فِي الِابْتِدَاءِ إحْدَاثًا لِفِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْخَارِجِ فَكَانَ كَالنَّذْرِ فِي الِانْفِصَالِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَتَجِبُ الصِّيَانَةُ وَالْقَضَاءُ بِتَرْكِهَا، هَذَا مَا سَنَحَ لِي فِي تَوْجِيهِ كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٣٨٨ ]