فَصْلٌ
(فَإِنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى (وَإِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَقُولُ: إذَا مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ. وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُفْسِدُ إحْرَامَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ وَاعْتَبَرَهُ بِالصَّوْمِ.
فَصْلٌ)
قَدَّمَ جِنَايَةَ الطِّيبِ وَنَحْوِهَا عَلَى جِنَايَةِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ،؛ لِأَنَّ الطِّيبَ وَاللُّبْسَ كَالْوَسِيلَةِ لِلْجِمَاعِ وَالْوَسَائِلُ تُقَدَّمُ، وَلِهَذَا قَدَّمَ فِي هَذَا الْفَصْلِ ذِكْرَ دَوَاعِي الْجِمَاعِ عَلَيْهِ، (فَإِنْ نَظَرَ) الْمُحْرِمُ (إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ) أَيْ: إلَى دَاخِلِ فَرْجِهَا وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَكَارَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِهَا مُنْكَبَّةً (بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى) أَيْ: أَنْزَلَ الْمَنِيَّ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ الْكَفَّارَةِ (؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ) وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ صُورَةً وَهُوَ الْإِيلَاجُ وَمَعْنًى وَهُوَ الْإِنْزَالُ، (وَلَمْ يُوجَدْ) ذَلِكَ (فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى)، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا، (فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ)، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ، (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) شَرْطُ الْإِنْزَالِ حَيْثُ قَالَ: (إذَا مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى)، وَلِهَذَا ذَكَرَ رُوَاةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) مِنْ الْإِدْخَالِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَالسُّرَّةِ فَإِنَّ الْفَرْجَ يُرَادُ بِهِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ فَمَا دُونَهُ يَكُونُ مَا ذَكَرْنَاهُ. (وَ) رُوِيَ (عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ إذَا أَنْزَلَ فَسَدَ إحْرَامُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) يَعْنِي التَّقْبِيلَ بِشَهْوَةٍ وَالْمَسَّ بِشَهْوَةٍ وَالْجِمَاعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ (وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالصَّوْمِ)
[ ٣ / ٤٢ ]
وَلَنَا أَنَّ فَسَادَ الْحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجِمَاعٍ مَقْصُودٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَرْأَةِ وَذَلِكَ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءٌ بِالشَّهْوَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
فَإِنَّهُ إنَّمَا يَفْسُدُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا أَنْزَلَ، لِأَنَّهُ مُوَاقَعَةٌ مَعْنًى، (وَلَنَا) عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَفْسُدُ وَأَنَّ الْإِنْزَالَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ (أَنَّ فَسَادَ الْحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ) بِالْإِجْمَاعِ، (وَهَذَا لَيْسَ بِجِمَاعٍ) فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسَادُ الْحَجِّ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَرْأَةِ وَذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ دَوَاعِيَ الْجِمَاعِ مُلْحَقَةٌ بِهِ (فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ) وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّوْمِ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِبَارِهِ بِالصَّوْمِ (؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ) حَيْثُ كَانَ رُكْنُهُ الْكَفَّ عَنْهَا، وَقَضَاؤُهَا بِدُونِ الْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا يَتَحَقَّقُ
[ ٣ / ٤٣ ]
(وَإِنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ كَمَا يَمْضِي مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ قَالَ: يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»
وَإِنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ) بِأَدَاءِ أَفْعَالِهِ (كَمَا يَمْضِي: مَنْ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ قَالَ يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»)، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ هِيَ
[ ٣ / ٤٤ ]
وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا وَجَبَ وَلَا يَجِبُ إلَّا لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ خَفَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَيَكْتَفِي بِالشَّاةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ. ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ مِنْهُمَا لَا يُفْسِدُ لِتَقَاصُرِ مَعْنَى الْوَطْءِ فَكَانَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ فِي قَضَاءِ مَا أَفْسَدَاهُ)
نَائِمَةً أَوْ مُكْرَهَةً، (وَهَكَذَا) يَعْنِي مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ بَدَنَةٌ كَمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ) وَالْجَامِعُ تَغَلُّظُ الْجِنَايَةِ، (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا) وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ " يُرِيقَانِ دَمًا " ذَكَرَهُ مُطْلَقًا، فَيَتَنَاوَلُ الشَّاةَ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَالْجَزُورُ كَامِلٌ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَمْنَعُهُ، وَهُوَ هَاهُنَا مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ قِيلَ: الْوُقُوفُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِلْقَضَاءِ خَفَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ الْفَائِتَةِ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْبَدَنَةَ لَزِمَ إيجَابُ الْجَزَاءِ الْغَلِيظِ فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَخِفَّ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، فَإِيجَابُ الْبَدَنَةِ فِي مُقَابَلَتِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا وَجَبَ إلَخْ.
(وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْجِمَاعَ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَقِيلَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (لَا يُفْسِدُهُ لِتَقَاصُرِ مَعْنَى الْوَطْءِ)، وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي رِوَايَةٍ: يُفْسِدُهُ لِأَنَّهُ كَامِلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ارْتِفَاقٌ. وَعِنْدَهُمَا يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ) الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَالُوا: إذَا رَجَعَا لِلْقَضَاءِ يَفْتَرِقَانِ،
[ ٣ / ٤٥ ]
عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ ﵀ إذَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا. وَلِزَفَرٍ ﵀ إذَا أَحْرَمَا. وَلَلشَّافِعِيِّ ﵀ إذَا انْتَهَيَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ. لَهُمْ أَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ ذَلِكَ فَيَقَعَانِ فِي الْمُوَاقَعَةِ فَيَفْتَرِقَانِ. وَلَنَا أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِإِبَاحَةِ الْوَقَاعِ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ مَا لَحِقَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ بِسَبَبِ لَذَّةِ يَسِيرَةِ فَيَزْدَادَانِ نَدَمًا وَتَحَرُّزًا فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ.
(وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا جَامَعَ قَبْلَ الرَّمْيِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»
مَعْنَاهُ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ صَاحِبِهِ، فَمَالِكٌ ﵀ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ: كَمَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَفْتَرِقَا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ نُسُكٌ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ ﵃: وَوَقْتُ أَدَاءِ النُّسُكِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، فَمَا لَمْ يَكُنْ نُسُكًا فِي الْأَدَاءِ لَا يَكُونُ نُسُكًا فِي الْقَضَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إذَا قَرُبَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ يَفْتَرِقَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَأْمَنَانِ إذَا وَصَلَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ تَهِيجَ بِهِمَا الشَّهْوَةُ فَيُوَاقِعَهَا. وَالْمُصَنِّفُ ﵀ ذَكَرَ دَلِيلَنَا عَلَى وَجْهٍ هُوَ دَافِعٌ لِأَقْوَالِهِمْ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَنَقُولُ: مُرَادُ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ إنْ خَافَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْفِتْنَةَ. كَمَا يُنْدَبُ لِلشَّابِّ الِامْتِنَاعُ عَنْ التَّقْبِيلِ فِي حَالَةِ الصَّوْمِ إذَا كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مَا سِوَاهُ
(وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا إذَا جَامَعَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) فَإِنَّ حَجَّهُ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ مُطْلَقٌ، أَيْ: كَامِلٌ حَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْجِمَاعُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ كَمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَوَانُ التَّحَلُّلِ وَحَلَّ لَهُ الْحَلْقُ الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُحْرِمِ. وَقَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﵊) دَلِيلُنَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّمَامَ مِنْ حَيْثُ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ بِالِاتِّفَاقِ لِبَقَاءِ
[ ٣ / ٤٦ ]
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ فَيَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ.
(وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دُونَ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَخَفَّتْ الْجِنَايَةُ فَاكْتَفَى بِالشَّاةِ.
(وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ فَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ. أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ)
بَعْضِ الْأَرْكَانِ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّمَامَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَأْمَنُ مِنْ الْفَسَادِ بَعْدَهُ لِتَأَكُّدِ حَجِّهِ بِالْوُقُوفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَأْمَنُ الْفَوَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَكَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّأَكُّدِ فِي الْأَمْنِ عَنْ الْفَوَاتِ كَذَلِكَ يَثْبُتُ فِي الْأَمْنِ عَنْ الْفَسَادِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَتْ الْبَدَنَةُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا يَقْبَلُ الْجِنَايَةَ فَلَا يَقْتَضِي جَزَاءً. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ نُسُكُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَحَجَّتُهُ تَامَّةٌ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ فِي الْحَجِّ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَقِيلَ: مِثْلُهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَكَانَ مَسْمُوعًا. وَقَوْلُهُ: (أَوْ لِأَنَّهُ) قِيلَ إنَّمَا ذُكِرَ بِكَلِمَةٍ أَوْ لِكَوْنِ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَأَتَى بِهَا لِيَكُونَ مُتَمَسِّكًا بِأَحَدِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إثْبَاتُ الْوُجُوبِ وَهُوَ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاشْتِهَارِ، وَلَعَلَّهُ أَتَى بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَمِّيَّتِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْجِمَاعَ أَعْلَى الِارْتِفَاقَاتِ لِوُفُورِ لَذَّتِهِ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ لِوُجُوبِ التَّطَابُقِ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَالْمُوجَبِ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ) بَيَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، لَكِنْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ تَفْضِيلُ طَوَافِ الْعُمْرَةِ عَلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَإِنَّهُ إذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ
[ ٣ / ٤٧ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِالْحَجِّ إذْ هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالْحَجِّ. وَلَنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ فَكَانَتْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْهُ فَتَجِبُ الشَّاةُ فِيهَا وَالْبَدَنَةُ فِي الْحَجِّ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ.
(وَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا كَانَ كَمَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي جِمَاعِ النَّائِمَةِ وَالْمُكْرَهَةُ. هُوَ يَقُولُ:
أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ التَّفْضِيلُ بَلْ مِنْ حَيْثُ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ فِي التَّرْتِيبِ إنَّمَا يُؤْتَى بِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ حُكْمَهُ تَأَخَّرَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ لِمَعْنًى وَهُوَ وُقُوعُ الرُّكْنِ فِي الْإِحْرَامِ فَقَامَ أَكْثَرُ أَشْوَاطِهِ مَقَامَ كُلِّهِ، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّ طَوَافَهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ، فَكَانَ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ فِي مَحْضِ الْإِحْرَامِ فَيَجِبُ الدَّمُ وَلِهَذَا قُلْنَا: " إنْ لَمْ يَحْلِقْ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَجَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ: فِيمَا إذَا جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ) لَوْ قَالَ لِلْإِحْرَامِ كَانَ أَشْمَلَ لِيَتَنَاوَلَ الْعُمْرَةَ، جَعَلَ النِّسْيَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي فَسَادِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ، وَجَعَلَ الْإِكْرَاهَ وَالنَّوْمَ كَالنِّسْيَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا أَبَاحَ الْإِقْدَامَ وَأَعْدَمَ أَصْلَ الْفِعْلِ
[ ٣ / ٤٨ ]