كِتَابُ الْحَجِّ
لَمَّا رَتَّبَ الْعِبَادَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ لِمَعَانٍ ذُكِرَتْ عِنْدَ كُلِّ كِتَابٍ تَأَخَّرَ الْحَجُّ إلَى هَاهُنَا ضَرُورَةً، لِأَنَّ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْعِبَادَاتُ مُتَقَدِّمَةٌ. وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: زِيَارَةُ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْبَيْتِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ.
ثُمَّ إنَّهُ فُرِضَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ صَحِيحٍ إذَا قَدَرَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْإِفْرَادِ إلَى الْجَمْعِ
[ ٢ / ٤٠٩ ]
(الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ الْأَصِحَّاءِ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤١٠ ]
(وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ﵊ قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ.
ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ
لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْأَدَاءِ
(وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً «لِأَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ يَعْنِي لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ حُجُّوا الْبَيْتَ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ»، وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ) لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ، يُقَالُ حَجُّ الْبَيْتِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ (وَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ) الْبَيْتُ (فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ)
، (ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) حَتَّى إنْ أَخَّرَ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ أَثِمَ، رَوَاهُ عَنْهُ بِشْرٌ وَالْمُعَلَّى (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ مَالٌ أَيَحُجُّ بِهِ أَمْ يَتَزَوَّجُ؟ فَقَالَ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي التَّزْوِيجِ تَحْصِينَ النَّفْسِ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالِاشْتِغَالُ بِالْحَجِّ يُفَوِّتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ
[ ٢ / ٤١١ ]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَكَانَ الْعُمْرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُخَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ.
وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَمَرَ بِمَا يُفَوِّتُ الْوَاجِبَ مَعَ إمْكَانِ حُصُولِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِمَا أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ فَكَانَ الْعُمُرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ) فَكَمَا أَنَّهَا جَازَتْ فِي آخِرِ وَقْتِهَا يَجُوزُ الْحَجُّ فِي آخِرِ الْعُمُرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ مُكَيَّفٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفُوتَهُ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ فَوَّتَهُ أَثِمَ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِنْ مَاتَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ (وَجْهُ الْأَوَّلِ) يَعْنِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الْحَجَّ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ مِنْ كُلِّ عَامٍ وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَكُلُّ مَا اُخْتُصَّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَقَدْ فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا لَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ، وَذَلِكَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَيَاةُ وَالْمَمَاتُ (لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ) مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَضَادَّةِ الْمِزَاجِ (غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا) لَا تَحْقِيقًا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَضَيِّقًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ التَّضَيُّقَ إذَا كَانَ احْتِيَاطًا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا تَوْضِيحُهُ بِقَوْلِهِ (وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ خَاصَّةً، وَأَمَّا أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَدَاءٌ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، وَأَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ جَائِزٌ فَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَتَمَامُ هَذَا الْبَحْثِ
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ
مَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ
وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ» وَلَوْ «عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ: أَنَّ الْحَجَّ يَحْتَاجُ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا، وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الْحَجِّ يَفُوتُ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَقُدِّمَ
[ ٢ / ٤١٤ ]
وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ. وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْعَجْزَ دُونَهَا لَازِمٌ.
وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْمُقْعَدُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْعَقْلُ) لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الْعَقْلِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الصِّحَّةِ (لِأَنَّ الْعَجْزَ بِدُونِهَا لَازِمٌ)
وَقَوْلُهُ (وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ) يَعْنِي أَنَّ الْأَعْمَى إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِمْ، وَهَلْ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ بِالْمَالِ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ) لَا يَجِبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ، وَعَنْ صَاحِبَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَرْقًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ، وَقَالَا: وُجُودُ الْقَائِدِ إلَى الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِنَادِرٍ بَلْ هُوَ غَالِبٌ فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَائِدُ إلَى الْحَجِّ.
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُقْعَدُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي الزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالْمُقْعَدِ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ مَلَكُوا الزَّادَ
[ ٢ / ٤١٥ ]
أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالَّ عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ، وَقَدْرَ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا،
وَالرَّاحِلَةَ، حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ بِمَا لَهُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمَّا لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجِبْ الْبَدَلُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَقَوْلُهُ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَيَعْنِي بِهِ الْقُدْرَةَ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِئْجَارِ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَى (مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّانِي أَيْ جَانِبَهُ، لِأَنَّ لِلْمَحْمَلِ جَانِبَيْنِ، وَيَكْفِي لِلرَّاكِبِ أَحَدُ جَانِبَيْهِ.
وَالزَّامِلَةُ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ زَمَلَ الشَّيْءَ حَمَلَهُ، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: سرباري. وَقَوْلُهُ (وَقَدْرُ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا) يَعْنِي بَعْدَ الرَّاحِلَةِ نَفَقَةُ وَسَطٍ بِغَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، وَهَذَا «لِأَنَّهُ
[ ٢ / ٤١٦ ]
«لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَتَعَاقَبَانِ لَمْ تُوجَدْ الرَّاحِلَةُ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَعَمَّا
- ﵊ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عُقْبَةً) أَيْ مَا يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهِ فِي الرُّكُوبِ فَرْسَخًا بِفَرْسَخٍ أَوْ مَنْزِلًا مَنْزِلًا (فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الرَّاحِلَةِ إذْ ذَاكَ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ. وَقَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ (فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ فَاضِلًا، وَهُوَ هُنَاكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَقَيَّدَ بِالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شُجَاعٍ إذَا كَانَتْ لَهُ دَارٌ
[ ٢ / ٤١٧ ]
لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْخَادِمِ وَأَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ، لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الْأَدَاءِ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ
لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَأَثَاثُ الْبَيْتِ) يَعْنِي كَالْفُرُشِ وَالْبُسُطِ وَآلَاتِ الطَّبْخِ (وَثِيَابُهُ) أَيْ ثِيَابُ بَدَنِهِ وَفَرَسُهُ وَسِلَاحُهُ (لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ) وَالْمَشْغُولُ بِهَا كَالْمَعْدُومِ.
وَقَوْلُهُ (وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) ظَاهِرٌ (وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَتَوَسُّطُ الْبَحْرِ عُذْرٌ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهِ الِاسْتِطَاعَةُ وَلَا اسْتِطَاعَةَ بِدُونِ الْأَمْنِ
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرَ.
قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ أَوْ زَوْجٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ شَرْطُ نَفْسِ الْوُجُوبِ، أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهِ (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ) وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي (لِأَنَّهُ ﵊ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرُ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ عَلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ آمِنًا؛ فَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ لَا تَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ، وَعِنْدَ الْآخَرَيْنِ تَلْزَمُهُ.
قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ) الِاخْتِلَافُ الْمَارُّ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ فِي كَوْنِهِ شَرْطَ الْوُجُوبِ، أَوْ شَرْطَ الْأَدَاءِ ثَابِتٌ فِي مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَحْرَمُ
[ ٢ / ٤١٩ ]
أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ إذَا خَرَجَتْ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا،
مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ زَوْجٌ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ زَوْجٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّزَوُّجُ لِلْحَجِّ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ اكْتِسَابُ الْمَالِ لِأَجْلِ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا أَنْ تَحُجَّ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَةِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا تَحُجَّن امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا) فَضْلًا عَنْ حُصُولِ الْأَمْنِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْمُهَاجِرَةَ تَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِدُونِهِمَا، وَالْهِجْرَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ فَلَأَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ مِنْهَا أَوْلَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا وَصَلَتْ إلَى جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى صَارَتْ آمِنَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ الْمَحْرَمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَحْرَمَ. أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ حُجَّةُ مَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْأَدَاءِ، وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْوُجُوبِ قَالَ: لَمْ يَذْكُرْهُ، لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ رَجُلًا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا، فَإِنَّ الْمَبْتُوتَةَ إذَا اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ بِحَيْلُولَةِ ثِقَةٍ جَازَ. وَلَمْ يَكُنْ انْضِمَامُهَا إلَيْهَا فِتْنَةً. أُجِيبَ: بِأَنَّ انْضِمَامَ الْمَرْأَةِ إلَيْهَا
[ ٢ / ٤٢٠ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا
يُعِينُهَا عَلَى مَا تُرَاوِدُ بِمُشَاوَرَتِهَا، وَتَعْلِيمُ مَا عَسَى تَعْجِزُ عَنْهُ بِفِكْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُعْتَدَّةِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مَوْضِعُ أَمْنٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِثْلَهَا لَا يُعَدُّ ثِقَةً وَالْكَلَامُ فِيهَا، وَلِأَنَّ جَوَابَ السَّنَدِ يُنَاقِضُ جَوَابَ الْمَنْعِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُنَّ نَاقِصَاتُ دِينٍ وَعَقْلٍ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَنْخَدِعَ فَتَكُونُ عَلَيْهَا فِي الْإِفْسَادِ وَتَتَوَسَّطُ فِي التَّوْطِينِ وَالتَّمْكِينِ فَتَعْجِزُ هِيَ عَنْ دَفْعِهَا فِي السَّفَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْحَضَرِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِغَاثَةِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَتْ
[ ٢ / ٤٢١ ]
لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ. وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ مُنَاكَحَتِهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُمَا الصِّيَانَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَافَرَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ
مَحْرَمًا (وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالصَّلَاةِ (وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا) وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ سَاعَتِهِ. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا) ظَاهِرٌ
[ ٢ / ٤٢٢ ]
(وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَضَيَا لَمْ يُجِزْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ إحْرَامَهَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ، وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، أَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ لَازِمٌ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ) يَعْنِي بَعْدَمَا أَحْرَمَ (فَمَضَيَا لَمْ يُجْزِهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ) لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَشَرْطِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمَا (فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ كَالطَّهَارَةِ، وَالشَّرْطُ يُرَاعَى وُجُودُهُ لَا وُجُودُهُ قَصْدًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ بَلَغَ بِالسِّنِّ فَصَلَّى بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، فَمَا بَالُ الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَنَا إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَبِهَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَصَارَ كَصَبِيٍّ تَوَضَّأَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ بِالسِّنِّ فَنَوَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَرْضًا لَا تَنْقَلِبُ إلَيْهَا (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ) وَلِهَذَا لَوْ تَنَاوَلَ مَحْظُورًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ الْفَسْخُ وَالشُّرُوعُ فِي غَيْرِهِ (وَأَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ فَلَازِمٌ) لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ صَيْدًا كَانَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ لِأَنَّهُ صَارَ جَانِيًا عَلَى إحْرَامِهِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ (فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ) وَإِنَّمَا طَرِيقُ خُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ، فَسَوَاءٌ جَدَّدَ التَّلْبِيَةَ أَوْ لَمْ يُجَدِّدْهَا، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
(فَصْلٌ) (وَالْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ: لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ. وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ.
فَصْلٌ):
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَذَكَرَ شُرُوطَ الْوُجُوبِ. وَمَا يَتْبَعُهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَوَّلِ أَمْكِنَةٍ يُبْتَدَأُ فِيهَا بِأَفْعَالِ الْحَجِّ. وَهِيَ (الْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا) وَالْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَهُوَ الْوَقْتُ الْمَحْدُودُ فَاسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ كَمَا اُسْتُعِيرَ الْمَكَانُ لِلْوَقْتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ﴾ وَالْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ) قِيلَ عَلَيْهِ كَيْفَ كَانَ التَّوْقِيتُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ﵊ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ عَنْ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ
إيمَانَهُمْ فَوَقَّتَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ) قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْتَ لَمَّا كَانَ مُعَظَّمًا مُشَرَّفًا جُعِلَ لَهُ حِصْنٌ وَهُوَ مَكَّةُ، وَحِمًى وَهُوَ الْحَرَمُ، وَلِلْحَرَمِ حَرَمٌ، وَهُوَ الْمَوَاقِيتُ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِمَنْ دُونَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إلَّا بِالْإِحْرَامِ تَعْظِيمًا
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»
لِلْبَيْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِحْرَامٍ، وَمَنْ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ حَلَّ لَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. بَيَانُهُ. أَنَّ. مَنْ أَتَى مِيقَاتًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ دُخُولِ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَا يَجُوزُ. دُخُولُهُ. إلَّا بِالْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتَيْنِ مِيقَاتِ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَمِيقَاتِ أَهْلِ الْحِلِّ. وَالْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْآفَاقِيِّ دُخُولَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَنْ يَقْصِدَ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحِلِّ فَلَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ (عِنْدَنَا) إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَجِبُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا لِقِتَالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ قَوْلًا وَاحِدًا، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ»، وَلَهُ فِي الدَّاخِلِ لِلتِّجَارَةِ قَوْلَانِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ مَكَّةَ، وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَصَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ أَدَاءَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ جَازَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵄. وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ) لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْحَجِّ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ يُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَتَعْظِيمُهَا لَمْ يَخْتَلِفْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاجِّ وَغَيْرِهِ (فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا) وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فَمِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊، كَمَا قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ) ظَاهِرٌ، وَالْأَصْلُ «أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ دُخُولَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ»، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ) ظَاهِرٌ. قِيلَ: إنَّمَا صَغَّرَ الدُّوَيْرَةَ تَعْظِيمًا لِلْكَعْبَةِ (كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ) يَعْنِي أَنَّ إتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَقِيلَ إتْمَامُهُمَا أَنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفَرًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ " (وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْإِتْمَامَ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ)
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْنَاهُ الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ ﵄ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ فِي عَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَتَحَقَّقَ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَدَاءُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ لِهَذَا، إلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَدَاءِ. وَقَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ) أَيْ مَوْضِعُ إحْرَامِهِ (الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ) لَا الْحِلُّ الَّذِي هُوَ خَارِجُ الْمِيقَاتِ (لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) لِمَا تَلَوْنَا، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحِلِّ مَا هُوَ خَارِجَ الْمِيقَاتِ لَمَا جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَحَيْثُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ: وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ.
[ ٢ / ٤٢٨ ]