صَدَقَةٌ مَالِيَّةٌ وَهِيَ قُرْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَلِلْإِغْنَاءِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ (فَلَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ فِيهَا) بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْأَدَاءِ كَالزَّكَاةِ (بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ) فَإِنَّ الْقُرْبَةَ فِيهَا إرَاقَةُ الدَّمِ وَهِيَ لَمْ تُعْقَلْ قُرْبَةً، وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ.
كِتَابُ الصَّوْمِ
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ كِتَابَ الصَّوْمِ عَقِيبَ كِتَابِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَأَخَّرَهُ عَنْ الزَّكَاةِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ كَالْوَسِيلَةِ لِلصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ ارْتِيَاضِ النَّفْسِ وَلَكِنْ لَا عَلَى وَجْهٍ يَتَوَقَّفُ أَمْرُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وُجُودًا أَوْ جَوَازًا كَمَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ كَذَلِكَ فَأَخَّرَ عَنْهَا حَطًّا لِرُتْبَةِ الْوَسِيلَةِ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَلَوْ قِيلَ: قَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ بِالزَّكَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِالْكِتَابِ أَوْلَى كَانَ أَسْهَلَ مَأْخَذًا، وَيَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الصَّوْمِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَمَعْرِفَةِ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
قَالَ ﵀ (الصَّوْمُ ضَرْبَانِ: وَاجِبٌ وَنَفْلٌ، وَالْوَاجِبُ ضَرْبَانِ: مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ صَوْمُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَتَّى أَصْبَحَ أَجْزَأَهُ النِّيَّةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِيهِ. اعْلَمْ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وَعَلَى فَرْضِيَّتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِهَذَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَالْمَنْذُورُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾
وَرُكْنِهِ وَحُكْمِهِ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَكْثَرِهَا وَالْفَطِنُ يَكْتَفِي بِذَلِكَ. قَالَ (الصَّوْمُ ضَرْبَانِ: وَاجِبٌ، وَنَفْلٌ) ذَكَرَ التَّقْسِيمَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ لِيَسْهُلَ أَمْرُ التَّعْرِيفِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ شَرْعًا تَنْقَسِمُ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَنَفْلٍ، وَتَعْرِيفُهَا عَلَى وَجْهٍ يَشْمَلُهَا عَسِيرٌ، فَإِذَا ذَكَرَ أَقْسَامَهَا سَهُلَ أَمْرُ تَعْرِيفِهَا، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ غَيْرَ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْوَاجِبَ فِي لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ، وَأُرِيدَ بِهِ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ، وَفِي ذَلِكَ الْمَحْذُورِ الْمَعْرُوفِ عَلَى مَذْهَبِنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْوَاجِبِ الثَّابِتَ عَيْنًا فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورُ، وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ بِلَا تَشْدِيدٍ وَمَعْنَاهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِ جَاحِدِهِ، وَمِنْهُ لَا تُكَفِّرْ أَهْلَ قِبْلَتِك أَيْ لَا تَدْعُهُمْ كُفَّارًا.
وَقَوْلُهُ (وَالْمَنْذُورُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ خُصَّ مِنْ الْآيَةِ بِالِاتِّفَاقِ الْمَنْذُورُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، أَوْ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْعِبَادَةِ كَالنَّذْرِ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالنَّذْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَلَمَّا خُصَّتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ بَقِيَ الْبَاقِي حُجَّةً مُجَوِّزَةً لَا مُوجِبَةً قَطْعًا كَالْآيَةِ الْمُؤَوَّلَةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّخْصِيصِ الْمُقَارَنَةَ، وَالْمُخَصِّصُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ مُقَارِنًا أَوْ لَا، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ خُصَّ مِنْهُ الْمَجَانِينُ الصِّبْيَانُ وَأَصْحَابُ الْأَعْذَارِ وَلَمْ يَنْتَفِ بِهِ عَنْهُ إثْبَاتُ الْفَرِيضَةِ، وَأَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ: إنَّ الْأَمْرَ لِتَفْرِيغِ
[ ٢ / ٣٠١ ]
وَسَبَبُ الْأَوَّلِ الشَّهْرُ وَلِهَذَا يُضَافُ إلَيْهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ،
الذِّمَّةِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالسَّبَبِ، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مِنْ الشَّارِعِ كَشُهُودِ الشَّهْرِ فِي رَمَضَانَ يَكُونُ الثَّابِتُ بِهِ فَرْضًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَبْدِ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا فِي الْمَنْذُورِ فَرْقًا بَيْنَ إيجَابِ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ، ثُمَّ الْأَمْرُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّارِعِ يَكُونُ لِأَدَاءِ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِيُوفُوا مُفِيدًا لِلْفَرْضِيَّةِ، كَمَا أَفَادَهَا لِيَصُمْهُ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْ الْجَوَابِ عَنْ الثَّانِي. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ فَلَا يَكُونُونَ دَاخِلِينَ فَلَا يَكُونُ ثَمَّةَ تَخْصِيصٌ، (وَسَبَبُ الْأَوَّلِ) يَعْنِي الْفَرْضَ (الشَّهْرُ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ) وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ) فَإِنَّهُ كُلَّمَا دَخَلَ رَمَضَانُ وَجَبَ صَوْمُهُ، وَذَلِكَ أَيْضًا دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ (وَكُلُّ يَوْمٍ سَبَبُ وُجُوبِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وَسَبَبُ الثَّانِي النَّذْرُ
وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ وَسَنُبَيِّنُهُ وَتَفْسِيرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَجْهُ قَوْلِهِ فِي الْخِلَافِيَّةِ قَوْلُهُ ﵊ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» وَلِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ لِفَقْدِ النِّيَّةِ فَسَدَ الثَّانِي ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ
يَوْمَيْنِ زَمَانٌ لَا يَصْلُحُ لِلصَّوْمِ لَا قَضَاءً وَلَا أَدَاءً وَهُوَ اللَّيَالِي فَصَارَ كَالصَّلَوَاتِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْأَسْرَارِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ فِي السَّبَبِيَّةِ سَوَاءٌ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ. وَقَوْلُهُ (وَسَبَبُ الثَّانِي) أَيْ الْمَنْذُورِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ (النَّذْرُ)
وَقَوْلُهُ (وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ) أَيْ مِنْ شُرُوطِ الصَّوْمِ بِأَنْوَاعِهِ. (وَسَنُبَيِّنُهُ) أَيْ سَنُبَيِّنُ شَرْطَ الصَّوْمِ (وَتَفْسِيرُهُ) أَيْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ الشَّرْطِ وَأَرَادَ بِبَيَانِ النِّيَّةِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَوْمُ صَوْمٍ فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَكْثَرِهِ، وَأَرَادَ بِبَيَانِ تَفْسِيرِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَالنِّيَّةُ لِتَعَيُّنِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ النِّيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِينِ بَعْضِ الْمُحْتَمَلَاتِ فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرًا لِلنِّيَّةِ، كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
وَقَوْلُهُ (وَجْهُ قَوْلِهِ فِي الْخِلَافِيَّةِ) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ وَهِيَ: أَنَّ النِّيَّةَ قَبْلَ الزَّوَالِ تُجْزِيهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ ﷺ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ») وَالصِّيَامُ مَصْدَرٌ كَالْقِيَامِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ)
[ ٢ / ٣٠٣ ]
بِخِلَافِ النَّفْلِ لِأَنَّهُ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ. وَلَنَا «قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَمَا شَهِدَ الْأَعْرَابِيُّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَلَا مَنْ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلَنَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ، أَوْ مَعْنَاهُ لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ صَوْمٌ مِنْ اللَّيْلِ،
ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ) ذَكَرَ فِي الْوَجِيزِ: الْغَزَالِيُّ يَجُوزُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ قَوْلَانِ وَهَذَا بِشَرْطِ خُلُوِّ أَوَّلِ الْيَوْمِ عَنْ الْأَكْلِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ (وَلَنَا «قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَمَا شَهِدَ الْأَعْرَابِيُّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَلَا مَنْ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلَنَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» وَهَذَا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ (وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ أَوْ مَعْنَاهُ لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ صَوْمٌ مِنْ اللَّيْلِ) يَعْنِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ صِيَامَهُ مِنْ اللَّيْلِ بَلْ نَوَى أَنَّ صِيَامَهُ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ قِيلَ: الصِّلَةُ إذَا تَعَقَّبَتْ فِعْلًا وَمَفْعُولًا وَأَمْكَنَ تَعَلُّقُهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ دُونَ الْمَفْعُولِ كَمَا يُقَالُ: أَتَيْت فُلَانًا مِنْ بَغْدَادَ، فَإِنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " تَعَلَّقَتْ بِالْإِتْيَانِ لَا بِالْمَفْعُولِ كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا ذَكَرْنَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ، قِيلَ: قَوْلُهُ " فَلْيَصُمْ " يَحْتَمِلُ الصَّوْمَ اللُّغَوِيَّ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْأَكْلُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، فَلَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ " وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ "
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وَلِأَنَّهُ يَوْمُ صَوْمٍ فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَكْثَرِهِ كَالنَّفْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّوْمَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مُمْتَدٌّ وَالنِّيَّةُ لِتَعْيِينِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَتَرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ جَنْبَةُ الْوُجُودِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، وَيَجُوزُ تَقْرِيرُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا رَوَاهُ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا يَكُونُ مُعَارِضًا لِمَا رَوَيْنَاهُ فَيُصَارُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الْحُجَّةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ مَعْنًى لِأَنَّهُ (يَوْمُ صَوْمٍ) لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ فَرْضٌ وَكُلُّ مَا هُوَ يَوْمُ صَوْمٍ (يَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَكْثَرِهِ كَالنَّفْلِ وَهَذَا) أَيْ تَوَقُّفُ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (لِأَنَّ الصَّوْمَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مُمْتَدٌّ) يَحْتَمِلُ الْعَادَةَ وَالْعِبَادَةَ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مَا يُعَيِّنُهُ لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ النِّيَّةُ فَإِنَّهَا شُرِطَتْ (لِتَعْيِينِهِ لِلَّهِ تَعَالَى) فَإِنْ وُجِدَتْ مِنْ أَوَّلِهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِي أَكْثَرِهِ جُعِلَتْ كَأَنَّهَا وُجِدَتْ مِنْ أَوَّلِهِ، لِأَنَّ بِالْكَثْرَةِ تَتَرَجَّحُ جَنَبَةُ الْوُجُودِ عَلَى الْعَدَمِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِحَالِ الشُّرُوعِ شَرْطًا (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ) حَيْثُ
[ ٢ / ٣٠٥ ]
لِأَنَّ لَهُمَا أَرْكَانًا فَيُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْعَقْدِ عَلَى أَدَائِهِمَا، وَبِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ النَّفَلُ وَبِخِلَافِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اقْتِرَانُهَا بِالْأَكْثَرِ فَتَرَجَّحَتْ جَنْبَةُ الْفَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ وَنِصْفِهِ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى وَقْتِ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى لَا إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ قَبْلَهَا لِتَتَحَقَّقَ فِي الْأَكْثَرِ،
يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِحَالِ الشُّرُوعِ فِيهِمَا وَلَا يُجْعَلُ الْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ (لِأَنَّ لَهُمَا أَرْكَانًا) مُخْتَلِفَةً كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ (فَيُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْعَقْدِ عَلَى أَدَائِهِمَا) لِئَلَّا يَخْلُوَ بَعْضُ الْأَرْكَانِ عَنْ النِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الْقَضَاءِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الصَّوْمُ رُكْنًا وَاحِدًا مُمْتَدًّا وَالنِّيَّةُ الْمُتَأَخِّرَةُ فِيهِ جَائِزَةً لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضَاءِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ، وَوَجْهُهُ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِمْسَاكَ (يَتَوَقَّفُ عَلَى صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ النَّفَلُ) وَالْمَعْنَى بِصَوْمِ الْيَوْمِ مَا تَعَلَّقَتْ شَرْعِيَّتُهُ بِمَجِيءِ الْيَوْمِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ نَحْوِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، فَيَكُونُ الصَّوْمُ قَدْ وَقَعَ عَنْهُ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مِنْ الْقَضَاءِ إلَّا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ.
وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إذَا كَانَ رُكْنًا وَاحِدًا مُمْتَدًّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اقْتِرَانُهَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءً، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِحَالَةِ الشُّرُوعِ، وَلَكِنْ تَرَكْنَا ذَلِكَ إذَا قَارَنَتْ الْأَكْثَرَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْكُلِّ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا بَعْدَ الزَّوَالِ (فَتَرَجَّحَتْ جَنَبَةُ الْفَوَاتِ) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ) أَيْ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ: إذَا لَمْ يَنْوِ حَتَّى أَصْبَحَ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوَالِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ) وَوَجْهُهُ
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀، لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ
مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ) يَعْنِي فِي جَوَازِ النِّيَّةِ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ (خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: إمْسَاكُ الْمُسَافِرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا لِلصَّوْمِ الْفَرْضِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ إمْسَاكِ الْمُقِيمِ، وَلَنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُوِّزَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ إقَامَةُ النِّيَّةِ فِي أَكْثَرِ وَقْتِ الْأَدَاءِ مَقَامَهَا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ لَمْ يَفْصِلْ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الصَّوْمِ يَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ وَبِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي نِيَّةِ النَّفْلِ عَابِثٌ، وَفِي مُطْلَقِهَا لَهُ قَوْلَانِ: لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُعْرِضٌ عَنْ الْفَرْضِ فَلَا يَكُونُ لَهُ الْفَرْضُ. وَلَنَا أَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَيَّنٌ فِيهِ،
بَيْنَ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ قَالَ (وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الصَّوْمِ إلَخْ) أَرَادَ بِهَذَا الضَّرْبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (يَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الصَّوْمَ (وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ) ظَاهِرٌ. (وَبِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ) بِأَنْ يُنْوَى عَنْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قِيلَ: وَهَذَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ مُسْتَقِيمٌ، فَأَمَّا فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَلَا لِأَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى مِنْ الْوَاجِبِ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ، ذَكَرَهُ فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَأَجَابَ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مُوجِبُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَتَأَدَّى الْمَجْمُوعُ بِالْمَجْمُوعِ، وَالْبَعْضُ بِالْبَعْضِ، وَالْبَعْضُ بِالْمَجْمُوعِ، لَا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يَتَأَدَّى الْمَجْمُوعُ فَيَظْهَرُ لِكَلَامِهِ وَجْهُ صِحَّةٍ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي نِيَّةِ النَّفْلِ عَابِثٌ) أَيْ لَا يَكُونُ صَائِمًا لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا (وَفِي مُطْلَقِهَا لَهُ قَوْلَانِ) فِي قَوْلٍ يَقَعُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَقَعُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ) دَلِيلٌ عَلَى النَّفْلِ أَيْ إنَّهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ (مُعَرَّضٌ عَنْ الْفَرْضِ) لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُغَايِرَةِ فَصَارَ كَإِعْرَاضِهِ بِتَرْكِ النِّيَّةِ (فَلَا يَكُونُ لَهُ الْفَرْضُ) وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُعَرِّضًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَيَجُوزُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ صِفَةَ الْفَرْضِيَّةِ قُرْبَةٌ كَأَصْلِ الصَّوْمِ فَكَمَا لَا يَتَأَدَّى أَصْلُ الصَّوْمِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَذَلِكَ الصِّفَةُ، وَإِذَا انْعَدَمَتْ الصِّفَةُ يَنْعَدِمُ الصَّوْمُ ضَرُورَةً.
(وَلَنَا أَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا انْسَلَخَ شَعْبَانُ فَلَا صَوْمَ إلَّا رَمَضَانَ» وَكُلُّ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي مَكَان
[ ٢ / ٣٠٨ ]
فَيُصَابُ بِأَصْلِ النِّيَّةِ كَالْمُتَوَحِّدِ فِي الدَّارِ يُصَابُ بِاسْمِ جِنْسِهِ، وَإِذَا نَوَى النَّفَلَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ فَقَدْ نَوَى أَصْلَ الصَّوْمِ وَزِيَادَةَ جِهَةٍ، وَقَدْ لَغَتْ الْجِهَةُ فَبَقِيَ الْأَصْلُ وَهُوَ كَافٍ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ وَالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَيْ لَا تَلْزَمَ الْمَعْذُورَ مَشَقَّةٌ فَإِذَا تَحَمَّلَهَا اُلْتُحِقَ
يُصَابُ بِأَصْلِ النِّيَّةِ كَالْمُتَوَحِّدِ فِي الدَّارِ يُصَابُ بِاسْمِ جِنْسِهِ) بِأَنْ يُقَالَ: يَا حَيَوَانُ، كَمَا يُنَالُ بِاسْمِ نَوْعِهِ بِأَنْ يُقَالَ: يَا إنْسَانُ. وَاسْمُ عَلَمِهِ بِأَنْ قَالَ: يَا زَيْدُ، لَا يُقَالُ الْمُتَوَحِّدُ فِي الْمَكَانِ إنَّمَا يُنَالُ بِاسْمِ جِنْسِهِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يُوجَدُ بِتَحْصِيلِهِ فَكَيْفَ يُنَالُ بِاسْمِ جِنْسِهِ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَعْدُومًا لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يُنَالَ بِاسْمِ نَوْعِهِ بِأَنْ نَوَى الصَّوْمَ الْمَشْرُوعَ فِي الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُنَالَ بِاسْمِ جِنْسِهِ دَفْعًا لِلتَّحَكُّمِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي الْإِصَابَةَ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ دُونَ نِيَّةِ النَّفْلِ أَوْ وَاجِبٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمُتَوَحِّدَ يُنَالُ بِاسْمِ جِنْسِهِ لَا بِاسْمِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ زَيْدًا لَا يُنَالُ بِاسْمِ عَمْرٍو؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا نَوَى النَّفَلَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ فَقَدْ نَوَى أَصْلَ الصَّوْمِ وَزِيَادَةَ جِهَةٍ وَقَدْ لَغَتْ الْجِهَةُ) لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَقْبَلُهَا (فَبَقِيَ الْأَصْلُ) إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَضْلًا مُنَوَّعًا بُطْلَانُ الْأَصْلِ وَأَصْلُ الصَّوْمِ جِنْسُهُ (وَذَلِكَ كَافٍ) وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ
(وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ وَالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ) إنَّمَا ثَبَتَتْ (كَيْ لَا يَلْزَمَ الْمَعْذُورَ مَشَقَّةٌ فَإِذَا تَحَمَّلَهَا اُلْتُحِقَ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
بِغَيْرِ الْمَعْذُورِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إذَا صَامَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْوَقْتَ بِالْأَهَمِّ لِتَحَتُّمِهِ لِلْحَالِ وَتَخَيُّرِهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إلَى إدْرَاكِ الْعِدَّةِ. وَعَنْهُ فِي نِيَّةِ التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ، وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَا صَرَفَ الْوَقْتَ إلَى الْأَهَمِّ. قَالَ (وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ
بِغَيْرِ الْمَعْذُورِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا صَامَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ شَغَلَ الْوَقْتَ بِالْأَهَمِّ لِتَحَتُّمِهِ لِلْحَالِ) إذْ الْقَضَاءُ لَازِمٌ لِلْحَالِ فَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ (وَتَخَيُّرُهُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. حَتَّى إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْعَلَمَانِ فِي التَّحْقِيقِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: إذَا نَوَى الْمَرِيضُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ، فَأَمَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي حَقِّهِ تَتَعَلَّقُ بِعَجْزٍ مُقَدَّرٍ قَامَ السَّفَرُ مَقَامَهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ: وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَوْلُهُ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي نِيَّةِ التَّطَوُّعِ) مِنْ الْمُسَافِرِ (رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ: يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، (وَأَنَّهُ مَا صَرَفَ الْوَقْتَ إلَى الْأَهَمِّ) وَهُوَ إسْقَاطُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ وَهُوَ فِي الْفَرْضِ أَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ: يَقَعُ عَمَّا نَوَى مِنْ النَّفْلِ، لِأَنَّ رَمَضَانَ فِي حَقِّهِ كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ، وَنِيَّتُهُ فِي شَعْبَانَ تَقَعُ عَمَّا نَوَى نَفْلًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا، فَكَذَلِكَ هَذَا. وَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا نَوَى عَنْ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ صَوْمَهُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ النَّاطِفِيُّ: قِيَاسُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى رِوَايَةِ نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَرِيضِ جَائِزًا عَنْ التَّطَوُّعِ. قَالَ (وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ) وَالْمُرَادُ مِنْ الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ كَوْنُهُ مُسْتَحَقًّا فِيهَا مِنْ غَيْرِ اتِّصَالٍ لَهُ بِالْوَقْتِ قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى صَرْفِ مَالِهِ إلَى مَا عَلَيْهِ (كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) وَصَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْحَلْقِ وَالْمُتْعَةِ
[ ٢ / ٣١٠ ]
فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ مِنْ الِابْتِدَاءِ (وَالنَّفَلُ كُلُّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ)
وَكَفَّارَةِ رَمَضَانَ، وَكَذَلِكَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ مِنْ الِابْتِدَاءِ).
وَقَوْلُهُ (وَالنَّفَلُ كُلُّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) أَيْ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا
[ ٢ / ٣١١ ]
خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَلَنَا «قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَمَا كَانَ يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمٍ إنِّي إذًا لَصَائِمٌ» وَلِأَنَّ الْمَشْرُوعَ خَارِجَ رَمَضَانَ هُوَ النَّفَلُ فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ عَلَى صَيْرُورَتِهِ صَوْمًا بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ وَيَصِيرُ صَائِمًا مِنْ حِينِ نَوَى إذْ هُوَ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى النَّشَاطِ، وَلَعَلَّهُ يَنْشَطُ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْإِمْسَاكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَعِنْدَنَا يَصِيرُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ قَهْرِ النَّفْسِ، وَهِيَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِإِمْسَاكٍ مُقَدَّرٍ فَيُعْتَبَرُ قِرَانُ النِّيَّةِ بِأَكْثَرِهِ.
أَوْ مُقِيمًا (خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا) مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» (وَلَنَا «قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ مَا كَانَ يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمٍ إنِّي إذًا لَصَائِمٌ» عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ وَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُنَّ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَإِنْ قُلْنَ لَا. قَالَ: إنِّي إذًا لَصَائِمٌ». وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْمَشْرُوعَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ يَوْمُ صَوْمٍ فَيَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكُ فِي أَوَّلِهِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَكْثَرِهِ كَالنَّفْلِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ) ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
[ ٢ / ٣١٢ ]