الْكِتَابُ وَالْكِتَابَةُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الْحُرُوفِ، وَالْكِتَابُ قَدْ يُعْرَفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ، فَقَوْلُهُ طَائِفَةٌ كَالْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً: أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَبَعِيَّتِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ تَبَعِيَّةِ غَيْرِهَا لَهَا لِيَدْخُلَ فِيهِ هَذَا الْكِتَابُ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَيَدْخُلُ كِتَابُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلطَّهَارَةِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَا مُسْتَقِلَّيْنِ، أَمَّا كِتَابُ الطَّهَارَةِ فَلِكَوْنِهِ الْمِفْتَاحَ، وَأَمَّا كِتَابُ الصَّلَاةِ فَلِكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ اعْتِبَارَ الِاسْتِقْلَالِ قَدْ يَكُونُ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ ذَاتًا كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ عَنْ كِتَابِ الْآبِقِ وَكِتَابِ الْمَفْقُودِ وَانْقِطَاعِهِمَا عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى يُورِثُ ذَلِكَ كَانْقِطَاعِ الصَّرْفِ عَنْ الْبُيُوعِ وَالرَّضَاعِ عَنْ النِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ لِدَفْعِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجِنْسٍ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِكَمِ وَكُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بِالْبَابِ، وَالْبَابُ اسْمٌ لِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْخَاصٍ تُسَمَّى فُصُولًا، فَإِنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَإِنَّ مِنْ الْكُتُبِ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ بَابٌ وَلَا فَصْلٌ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا يَأْتِي، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ.
وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَحْصُلُ لِمُزِيلِ الْحَدَثِ أَوْ الْخُبْثِ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَالْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَكَلِمَةُ أَوْ لَيْسَتْ بِمَانِعَةِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ، وَقَوْلُهُ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ لِيَتَنَاوَلَ الْمَكَانَ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ شَرْطٌ عَلَى مَا يَأْتِي، وَرُكْنُهَا اسْتِعْمَال الْمُزِيلِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا الْحَدَثُ أَوْ الْخُبْثُ، وَسَبَبُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ: لَا وُجُودُهَا، لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا
[ ١ / ١٢ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
لِلْمُتَقَدِّمِ. وَحُكْمُهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ أَوْ مَا يُضَاهِيهَا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ. وَإِنَّمَا جَمَعَ الطِّهَارَاتِ نَظَرًا إلَى أَنْوَاعِهَا، وَلَا يُشْكِلُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجَمْعِ فِي مِثْلِهِ أَحَدُ الْجَائِزَيْنِ فَلَا يَرِدُ تَرْكُهُ نَقْضًا.
وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الطَّهَارَةِ بِذَلِكَ أَنَّ أَنْوَاعَهَا أَحْسَنُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا لِتَفَاوُتِهَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمُ وَالْخِفَّةُ وَالْغِلَظُ، بِخِلَافِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يُشْكِلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ الْوَاجِبُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى كُلِّ عِبَادَةٍ.
قَالَ ﵀ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ تَبَرَّكَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِتَقْدِيمِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى حُكْمِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ فِي الدَّعَاوَى تَقْدِيمَ الْمُدَّعَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، وَذَلِكَ مَجَازٌ شَائِعٌ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْتِفَاتٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ قَالُوا: مَعْنَاهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْوِيتُ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ بِالِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا كَانَ كُلُّ مَنْ جَلَسَ مُتَوَضِّئًا لَزِمَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وُضُوءٌ آخَرُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ الصَّلَاةِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ شَرْطُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ
[ ١ / ١٣ ]
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصِّ،
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْحَدَثِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ.
وَالنَّصُّ فِي الْبَدَلِ نَصٌّ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُضْمِرَ قَوْلُهُ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ آيَةَ الطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الْحَدَثِ كَمَا قَالَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ هُدًى لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ إلَى التَّقْوَى بَعْدَ الضَّلَالِ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ بِذِكْرِ الضَّلَالَةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا يَتِمُّ مَا ذَكَرْتُمْ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ الْآيَةَ بِعِبَارَتِهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ تَدُلُّ بِدَلَالَتِهَا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُحْدِثِينَ، وَالْعِبَارَةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ كَمَا عُرِفَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ لَكِنْ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا يُفْضِي إلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ لِلْوُضُوءِ دَائِمًا لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ ذَاكَ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ قَائِمًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا يُفْضِي إلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَا تَقْتَضِي عِبَارَتُهُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ فَتَسْلَمُ الدَّلَالَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَيَسْقُطُ السُّؤَالُ الثَّانِي.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالدَّلَالَةِ فَاسِدٌ هَاهُنَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ بِوُجُوبِ الْحَدَثِ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْبَدَلُ الْأَصْلَ فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهُ خَالَفَهُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَهِيَ شَرْطٌ لَا مَحَالَةَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَنَا فِي مُخَالَفَةِ الْبَدَلِ الْأَصْلُ فِي شَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ الْحَدَثِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ، وَالْبَدَلُ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي سَبَبِهِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ بِشَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَا شَرْطُ سَبَبِهِ.
قَالَ (فَفَرَضَ الطَّهَارَةَ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ دَخَلَتْ عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الْوُضُوءُ، وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْغُسْلَ وَالْمَسْحَ مَعَ ظُهُورِ مَعْنَاهُمَا إشَارَةً إلَى دَفْعِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَإِلَى أَنَّ الْبَلَلَ بِالْمَاءِ فِي الْمَغْسُولَاتِ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ فِي الرَّأْسِ. وَفِي الْقَافِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا.
وَقَوْلُهُ
[ ١ / ١٤ ]
وَالْغَسْلُ هُوَ الْإِسَالَةُ وَالْمَسْحُ هُوَ الْإِصَابَةُ. وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀،
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الثُّلَاثِيَّ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ الْمُنْشَعِبَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الِاشْتِقَاقِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا فِي الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ تَنَاسُبٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلَانِ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلَ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِزُفَرَ يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ لَهُ فِي نُسَخِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ لَهُ فِيهَا تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْغَايَاتِ مَا يَدْخُلُ كَقَوْلِهِ قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدْخُلُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَهَذِهِ الْغَايَةُ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ تُشْبِهُ كُلًّا مِنْهُمَا فَلَا تَدْخُلُ بِالشَّكِّ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ لَا تَدْخُلُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ كَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا: يَعْنِي أَنَّ الْغَايَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَنَوْعٌ يَكُونُ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا.
وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا حَالُ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا وَرَاءَهَا كَانَتْ لِلثَّانِي وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الثَّانِي لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَدِ يَتَنَاوَلُ الْآبَاطَ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ وَهْم أَهْلُ اللِّسَانِ
[ ١ / ١٥ ]
هُوَ يَقُولُ: الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا إذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ الْكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدَّ الْحُكْمِ إلَيْهَا إذْ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِمْسَاكِ سَاعَةً،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٦ ]
وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ هُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْهُ الْكَاعِبُ. قَالَ (وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ» وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعْرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ
فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ آيَةِ التَّيَمُّمِ فَتَبْقَى الْمَرْفِقُ دَاخِلَةً، بِخِلَافِ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْإِمْسَاكَ سَاعَةً فَكَانَتْ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَيَبْقَى اللَّيْلُ خَارِجًا (وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ) النَّتْءُ وَالنُّتُوءُ الِارْتِفَاعُ.
وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ هُوَ الْمَفْصِلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، قَالَ: لِأَنَّ الْكَعْبَ اسْمٌ لِلْمَفْصِلِ وَمِنْهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ، وَاَلَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ مَفْصِلٌ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، فَأَمَّا فِي الطَّهَارَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاتِئُ الْمُتَّصِلُ بِعَظْمِ السَّاقِ، وَمِنْهُ الْكَاعِبُ وَهِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي يَبْدُو ثَدْيُهَا لِلنُّهُودِ (قَوْلُهُ وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ) أَيْ الْمُقَدَّرِ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ (مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) وَهُوَ كَمَا تَرَى يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ» وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى إيرَادِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، لِأَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِمَا يَتْلُوهُ مِنْ الْحِكَايَةِ يُوجِبُ صِحَّتَهُ وَوَكَادَتَهُ. قِيلَ هُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ حَدِيثَانِ جَمَعَ الْقُدُورِيُّ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ السُّبَاطَةِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمَسْحُ عَلَى النَّاصِيَةِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ السُّبَاطَةُ، وَالسُّبَاطَةُ الْكُنَاسَةُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْحَالِّ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ.
وَقَوْلُهُ (وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ بَلْ الْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ الْخَبَرُ بَيَانًا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكِتَابَ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا
[ ١ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِبَيَانٍ مِنْ الْمُجْمِلِ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا النَّصِّ مُمْكِنٌ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَالْخَبَرُ بَيَانٌ لَهُ، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمَدْلُولِ، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، وَالدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ النَّاصِيَةِ، وَمِثْلُهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ فَرْضٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ لَازِمَهُ وَهُوَ تَكْفِيرُ الْجَاحِدِ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ قَبْلَ الْبَيَانِ مُمْكِنٌ قَوْلُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقَلِّ، قُلْنَا: لَا أَقَلَّ مِنْ شَعْرَةٍ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَمَا لَا يُمْكِنُ الْفَرْضُ إلَّا بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَتَحَقَّقَ الْإِجْمَالُ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْبَيَانُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا فِيهِ الْإِجْمَالُ، فَكَأَنَّ النَّاصِيَةَ بَيَانٌ لِلْمِقْدَارِ لَا لِلْمَحَلِّ الْمُسَمَّى نَاصِيَةً، إذْ لَا إجْمَالَ فِي الْمَحَلِّ فَكَانَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ، وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ فَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَحِقَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا إلَى
[ ١ / ١٨ ]
الِاسْتِيعَابِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ.
الْمُجْمَلِ دُونَ الْبَيَانِ وَالْمُجْمَلُ مِنْ الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ لِأَنَّ الْجَاحِدَ مَنْ لَا يَكُونُ مُؤَوِّلًا، وَمُوجِبُ الْأَقَلِّ أَوْ الِاسْتِيعَابُ مُؤَوِّلٌ يَعْتَمِدُ شُبْهَةً قَوِيَّةً، وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا مَنَعُوا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ فِي نَظَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِتَأْوِيلِهِمْ.
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا كَانَ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِهِ الِاسْتِيعَابَ (قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ) وَهِيَ الْأَصَابِعُ، قِيلَ هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِكَوْنِهَا الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَوْ وَضَعَ الْأَصَابِعَ وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ، بِخِلَافِ الْأُولَى. .
[ ١ / ١٩ ]
قَالَ (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ
قَالَ (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ بَيَّنَ سُنَنَهُ، وَالسَّنَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، وَحُكْمُهَا أَنْ يُثَابَ عَلَى الْفِعْلِ وَيَسْتَحِقَّ الْمَلَامَةَ بِالتَّرْكِ لَا غَيْرُ.
وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: أَيْ الْوُضُوءِ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا جَمَعَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ فَرُوعِيَ ذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْجَمْعِ بِخِلَافِ السُّنَّةِ، وَذِكْرُ الْإِنَاءِ وَقَعَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْأَتْوَارِ. وَطَرِيقُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا وَيَصُبَّ عَلَى يَمِينِهِ فَيَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُهُ
[ ١ / ٢٠ ]
إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الْغَسْلُ إلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
قَالَ (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا وُضُوءَ
رَفْعُهُ يَأْخُذُ عَنْهُ الْمَاءَ بِإِنَاءٍ آخَرَ صَغِيرٍ إنْ كَانَ مَعَهُ فَيَصُبُّهُ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِلَّا يُدْخِلْ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً دُونَ الْكَفِّ، وَيَصُبَّ عَلَى يَمِينِهِ فَيَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُدْخِلُ الْيَمِينَ.
وَقَوْلُهُ: (إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ) نُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ حَتَّى إذَا لَمْ يَسْتَيْقِظْ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ اتِّفَاقِيٌّ، خَصَّ الْمُصَنِّفُ غَسْلَهُمَا بِالْمُسْتَيْقِظِ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ. وَالسَّنَةُ تَشْمَلُ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ، وَقَدْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْغَمْسِ، وَالْغَمْسُ حَرَامٌ حَتَّى يَغْسِلَ الْيَدَ ثَلَاثًا فَيَكُونَ الْغَمْسُ وَالْغَسْلُ وَاجِبَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لَكِنْ تَرَكْنَا الْوُجُوبَ إلَى السُّنَّةِ فِي الْغَسْلِ لِأَنَّهُ ﷺ عَلَّلَ بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، وَتَوَهُّمُهَا لَا يُوجِبُ التَّنَجُّسَ الْمُوجِبَ لِلْغَسْلِ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّوَرُّعِ وَالِاحْتِيَاطِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ) مَبْنَاهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ تُرِكَ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْعُضْوِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَالرُّسْغُ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ. .
وَقَوْلُهُ: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ، وَقِيلَ إنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَبِحَقِيقَتِهِ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ وُضُوءٌ إلَّا بِتَسْمِيَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَأَحْمَدُ وَجَعَلُوا التَّسْمِيَةَ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ، لَكِنَّا قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ آيَةِ الْوُضُوءِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ فَحِينَئِذٍ كَانَ كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَهُوَ أَفَادَ الْوُجُوبَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ خَبَرَ الْفَاتِحَةِ مَشْهُورٌ دُونَهُ وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ
[ ١ / ٢١ ]
لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةً،
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ دُونَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ رَوَى «أَنَّ مُهَاجِرَ بْنَ قُنْفُذٍ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ، فَقَالَ ﵊ إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ ﵀ وَأَنْكَرَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَذْبَحَ، إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ كَمَا تَرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، وَكَوْنُهَا سُنَّةً مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ وَالْقُدُورِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ يَعْنِي الْقُدُورِيَّ سُنَّةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا.
رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄
[ ١ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا التَّسْمِيَةُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ سَمَّى فَهُوَ
[ ١ / ٢٣ ]
وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ (وَالسِّوَاكُ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ
مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ) دُونَ مَا قِيلَ يُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِمَا أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ فَيُسَمِّي قَبْلَهُ لِيَقَعَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ فَرْضُهَا وَسُنَنُهَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَمَا قِيلَ يُسَمِّي بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ حَالُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَذِكْرُ اللَّهِ حَالَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ» يَسْتَدْعِي التَّسْمِيَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ لَمَّا كَانَ مُلْحَقًا بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَهَارَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَالسِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ حُذِفَ الْمُضَافُ لِأَمْنِ الْإِلْبَاسِ. وَالسِّوَاكُ اسْمٌ لِخَشَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلِاسْتِيَاكِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَيَشُدُّ الْأَسْنَانَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيَكُونُ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ الشِّبْرِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ (؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ فَقْدِهِ) كَانَ
[ ١ / ٢٤ ]
يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبُّ.
قَالَ (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ
يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ) وَالْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ وَبِدُونِهِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ تَعْلِيمُ السِّوَاكِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِتَرْكِ التَّعْلِيمِ عَلَى تَرْكِهِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَتَرْكُ التَّعْلِيمِ عَلَى عَدَمِهِ فَكَانَ تَدَافُعٌ. .
وَقَوْلُهُ: (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ) يَعْنِي مَعَ التَّرْكِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّرْكِ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا حَكَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِكَيْفِيَّتِهِمَا نَفْيًا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِكَفٍّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ، وَلَنَا أَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ عُضْوَانِ مُنْفَرِدَانِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَعِنْ بِالْيَدَيْنِ كَمَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ بَلْ اسْتَعْمَلَ الْكَفَّ الْوَاحِدَ. .
[ ١ / ٢٥ ]
هُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ وُضُوءٍ ﷺ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٦ ]
(وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»
وَقَوْلُهُ: (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ) أَيْ لَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ سُنَّةٌ بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: انْتِصَابُ خِلَافًا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ أَيْ قَوْلُنَا هَذَا يُخَالِفُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، أَوْ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي مَعْنًى يُخَالِفُ فَكَانَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ اعْتِرَافًا، اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا». وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ».
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْمُرَادَ
[ ١ / ٢٧ ]
وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ. قَالَ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ،
بِقَوْلِهِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ ﵊ غَيْرُ مَبْعُوثٍ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، أَوْ بَيَانِ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ كَالرَّأْسِ لَا بِمَاءِ الرَّأْسِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي أَمْرٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ كَالرِّجْلِ مِنْ الْوَجْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَسْلِ وَالْخُفِّ مِنْ الرَّأْسِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَسْحِ. وَإِمَّا لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ بِمَاءِ الرَّأْسِ، وَذَلِكَ يُنَاسِبُ الذِّكْرَ عِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَبْعَاضِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا جَازَ أَنْ يُمْسَحَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ فَكَذَا إذَا حَكَمَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَ الْأُذُنِ مِنْ الرَّأْسِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَقَعُ عَمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، كَمَا أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْحَطِيمِ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْبَيْتِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ) قَالَ ﵊ «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ ﵇ وَأَمَرَنِي أَنْ أُخَلِّلَ لِحْيَتِي إذَا تَوَضَّأْت» وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِئَلَّا يُعَارِضَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ أَفَادَ
[ ١ / ٢٨ ]
وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
الْفَرْضِيَّةَ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا إذَا أَفَادَ الْوُجُوبَ فَلَا مَانِعَ عَنْهُ كَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ بِالْمُوَاظَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ خَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي»، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَعَنْ هَذَا نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَسْحُ اللِّحْيَةِ جَائِزٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَائِزٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْبِدْعَةِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ) يَعْنِي فِي الْوُضُوءِ (إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ) أَيْ دَاخِلِ اللِّحْيَةِ (لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ، وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ مَحَلَّ الْفَرْضِ فِي الْوُضُوءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ مِنْ الْوَجْهِ مِنْ وَجْهٍ؛ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْوَجْهُ
[ ١ / ٢٩ ]
قَالَ (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا تَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ» وَلِأَنَّهُ إكْمَالُ
مَحَلُّ الْفَرْضِ. .
وَقَوْلُهُ: (خَلِّلُوا) لَمْ يُفِدْ الْوُجُوبَ وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارَ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّخْلِيلِ فِيهَا يَصْرِفُهُ عَنْ إفَادَةِ الْوُجُوبِ.
وَالْوَعِيدُ مَصْرُوفٌ
[ ١ / ٣٠ ]
الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
قَالَ (وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلَاثِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ». وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
بِمَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ. .
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً») أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْجَوَازُ، وَرَتَّبَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَعِيدًا وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ وَهُوَ مَنْ زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا أَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مُعْتَقِدٌ أَنَّ كَمَالَ السُّنَّةِ لَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَقَوْلُهُ: (فَقَدْ تَعَدَّى) يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مُجَاوَزَةٌ عَنْ الْحَدِّ. وَقَوْلُهُ: (وَظَلَمَ) يَرْجِعُ إلَى النُّقْصَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أَيْ لَمْ تُنْقِصْ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ) إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِهِ. التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَرَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ
[ ١ / ٣١ ]
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ،
آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ.
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) قِيلَ الْمُسْتَحَبُّ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَوْلُهُ: (فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا) يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ.
وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَتَفْسِيرُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ إزَالَةَ الْحَدَثِ أَوْ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَ:؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، إذْ الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ عَلَى خِلَافِ هَوَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَالْوُضُوءُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ عِبَادَةٌ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَالْإِخْلَاصُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَقَدْ جَعَلَهُ حَالًا لِلْعَابِدَيْنِ، وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ، فَتَكُونُ كُلُّ عِبَادَةٍ مَشْرُوطَةً بِالنِّيَّةِ، وَقَاسَهُ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي كَوْنِهِمَا طَهَارَتَيْنِ لِلصَّلَاةِ.
وَلَنَا الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَقَعُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هَلْ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِدُونِ النِّيَّةِ حَتَّى يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ أَوْ لَا، وَلَا مَدْخَلَ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً فِي ذَلِكَ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ ضَرُورَةَ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا، وَالْمَاءُ طَهُورٌ بِطَبْعِهِ فَإِذَا لَاقَى النَّجِسَ طَهَّرَهُ قَصَدَ الْمُسْتَعْمِلُ ذَلِكَ
[ ١ / ٣٢ ]
بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلَّا فِي حَالِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ (وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ. وَلَنَا أَنَّ أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
أَوْ لَا كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَكَمَا فِي حَقِّ الْإِرْوَاءِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْقَلُ مُطَهِّرًا طَبْعًا فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلَا تَعَبُّدَ بِدُونِ النِّيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ فِي الْوُضُوءِ مَسْحٌ وَالْمَسْحُ لَمْ يُعْقَلْ مُطَهِّرًا طَبْعًا فَيُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَانْتِقَالِهِ إلَيْهِ بِضَرْبٍ مِنْ الْخُرْجِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ) فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ قِيلَ يَعْنِي أَنَّ التَّيَمُّمَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةُ هِيَ الْقَصْدُ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّيَمُّمُ بِدُونِ الْقَصْدِ أَيْ النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً، وَالْقَصْدُ الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ إنَّمَا هُوَ قَصْدٌ خَاصٌّ، وَهُوَ قَصْدُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَالْأَعَمُّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْأَخَصِّ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي فِعْلُ الْقَلْبِ وَلَا دَلَالَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ، وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ سُنَّةٌ) يَعْنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَصِفَةُ الِاسْتِيعَابِ أَنْ يَبُلَّ يَدَيْهِ وَيَضَعَ بُطُونَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيَعْزِلُ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ وَيُجَافِي الْكَفَّيْنِ وَيَجُرَّهُمَا إلَى مُؤَخِّرِ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيَمْسَحُ ظَاهِرَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَبَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ رَقَبَتَهُ بِظَاهِرِ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ مَاسِحًا بِبَلَلٍ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا، هَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَسْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ)؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ، فَكَانَ التَّثْلِيثُ فِيهِ سُنَّةً كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (وَلَنَا أَنَّ «أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ») وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ
[ ١ / ٣٣ ]
وَاَلَّذِي يُرْوَى مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غُسْلًا، وَلَا يَكُونُ مَسْنُونًا فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ.
قَالَ (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَكَرِهِ
عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا حَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَلَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَا ثَلَاثًا»، قُلْنَا: الْمَشْهُورُ عَنْهُمَا مَا رَوَيْنَاهُ أَوَّلًا (قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَاَلَّذِي يُرْوَى فِيهِ مِنْ التَّثْلِيثِ) يُرِيدُ بِهِ ذَلِكَ: يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ (مَحْمُولٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّثْلِيثِ (بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) ذَكَرَ الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَانَ مَسْنُونًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارَ الْبَلَلُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَكَيْفَ يُسَنُّ إمْرَارُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ لِإِقَامَةِ فَرْضٍ آخَرَ لَا لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، أَلَا يُرَى أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُسَنُّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ) دَلِيلٌ آخَرُ وَتَقْرِيرُهُ الْمَفْرُوضُ هُوَ الْمَسْحُ وَالْمَسْحُ يَصِيرُ بِالتَّكْرَارِ غَسْلًا، فَالْمَفْرُوضُ هُوَ الْغَسْلُ وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ التَّكْرَارُ مَسْنُونًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْوُضُوءِ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ لَا نَقْلُهُ مِنْ كَوْنِهِ مَسْحًا إلَى كَوْنِهِ غَسْلًا.
وَقَوْلُهُ: (فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ) تَقْرِيرُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْغَسْلِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَسْحَ يُفْسِدُهُ التَّكْرَارُ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ، فَكَانَ قِيَاسُ الشَّافِعِيِّ الْمَمْسُوحَ عَلَى الْمَغْسُولِ فَاسِدًا. .
قَالَ (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ) وَيُرَتِّبُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَوْعِبُ، وَالْكَلَامُ فِي كَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا أَوْ سُنَّةً كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَيَبْدَأُ بَيَانُ التَّرْتِيبِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّعْقِيبُ يَدُلُّ عَلَى
[ ١ / ٣٤ ]
وَبِالْمَيَامِنِ) فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ».
التَّرْتِيبِ فَيُفِيدُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ فِيهِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُرَتَّبِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْمُرَتَّبِ مُرَتَّبٌ أَوْ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ حَرْفُ الْوَاوِ يَعْنِي بَعْدَ الْفَاءِ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْفَاءُ دَخَلَتْ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي لَا تَرْتِيبَ فِيهَا فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَتَحْقِيقِهِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ تُفِيدُ تَعْقِيبَ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا غَسْلُ جُمْلَةٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ فَيُفِيدُ تَعْقِيبَهَا لِلْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَرْتِيبِ الْأَعْضَاءِ، وَالدَّاخِلُ فِيهَا الْوَاوُ وَهِيَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ إجْمَاعَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُفِيدُ الْقِرَانَ، أُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْفَارِسِيَّ ذَكَرَ أَنَّ النُّحَاةَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي كِتَابِهِ فَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ وَبِأَنَّ خِلَافَ الْقَلِيلِ لَا يَمْنَعُ الْإِجْمَاعَ اللُّغَوِيَّ وَقَوْلُهُ: (وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمَيَامِنُ جَمْعُ مَيْمَنَةٍ خِلَافُ الْمَيْسَرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْيَاءِ عَامِّيَّةٌ وَالصَّوَابُ بُدَاءَةٌ. وَقَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» التَّنَعُّلُ: لُبْسُ النَّعْلَيْنِ، وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ شَعْرِ الرَّأْسِ. .
[ ١ / ٣٥ ]