لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِبَادَاتِ شَرَعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَابْتَدَأَ مِنْ بَيْنِهَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصَالِحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا،
[ ٣ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَدْ اشْتَهَرَتْ فِي وَعِيدِ مَنْ رَغِبَ عَنْهُ وَتَحْرِيضِ مَنْ رَغِبَ فِيهِ الْآثَارُ، وَمَا اتَّفَقَ فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِثْلُ مَا اتَّفَقَ فِي النِّكَاحِ مِنْ اجْتِمَاعِ دَوَاعِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالطَّبْعِ. فَأَمَّا دَوَاعِي الشَّرْعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَظَاهِرَةٌ.
[ ٣ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَمَّا دَوَاعِي الْعَقْلِ فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يُحِبُّ أَنْ يَبْقَى اسْمُهُ وَلَا يَنْمَحِي رَسْمُهُ، وَمَا ذَاكَ غَالِبًا إلَّا بِبَقَاءِ النَّسْلِ.
وَأَمَّا الطَّبْعُ فَإِنَّ الطَّبْعَ الْبَهِيمِيَّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى يَدْعُو إلَى تَحْقِيقِ مَا أُعِدَّ مِنْ الْمُبَاضَعَاتِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْمُضَاجَعَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَلَا مَزْجَرَةَ فِيهَا إذَا كَانَتْ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ بِدَوَاعِي الطَّبْعِ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَشْرُوعَاتِ. وَالنِّكَاحُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَطْءِ، ثُمَّ قِيلَ لِلتَّزَوُّجِ نِكَاحٌ مَجَازًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.
[ ٣ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِي الِاصْطِلَاحِ عَقْدٌ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ.
وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِتَعَاطِيهِ. وَشَرْطُهُ الْخَاصُّ حُضُورُ شَاهِدَيْنِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا لِلظُّهُورِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا الِانْعِقَادِ. وَشَرْطُهُ الْعَامُّ الْأَهْلِيَّةُ
[ ٣ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْمَحَلِّ، وَهِيَ امْرَأَةٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ. وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ؛ وَالْإِيجَابُ هُوَ الْمُتَلَفَّظُ بِهِ أَوَّلًا مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ وَالْقَبُولُ جَوَابُهُ.
وَحُكْمُهُ ثُبُوتُ الْحِلِّ عَلَيْهَا وَوُجُوبُ
[ ٣ / ١٨٨ ]
(النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
الْمَهْرِ عَلَيْهِ وَحُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَهُوَ فِي حَالَةِ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الزِّنَا وَاجِبٌ وَهُوَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي حَالَةِ خَوْفِ الْجَوْرِ مَكْرُوهٌ قَالَ (النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ)
[ ٣ / ١٨٩ ]
بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي) لِأَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِخْبَارِ وَضْعًا فَقَدْ جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ
قَدْ ذَكَرْت مَعْنَى الِانْعِقَادِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ (يُعَبَّرُ بِهِمَا) أَيْ بِلَفْظٍ وَيُبَيَّنُ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ الْبَيَانُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أَيْ تُبَيِّنُونَ، وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ لَفْظُ الْمَاضِي لِلْإِنْشَاءِ وَهُوَ
[ ٣ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْكَلَامُ الَّذِي لَيْسَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ تُطَابِقُهُ أَوْ لَا تُطَابِقُهُ لِيَدُلَّ عَلَى التَّحَقُّقِ وَالثُّبُوتِ فَكَانَ أَدَلَّ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
[ ٣ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٩٢ ]
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْنِي فَيَقُولَ زَوَّجْتُك) لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَيْسَ حَقِيقَةً فِيهِ وَلَا مَجَازًا عَنْهُ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لِلتَّلْفِيقِ وَالنِّكَاحَ لِلضَّمِّ، وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ
وَقَوْلُهُ (وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ) بَيَانُ أَلْفَاظٍ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ) لِأَنَّهُ إنْ انْعَقَدَ بِغَيْرِهِ مِثْلُ التَّمْلِيكِ مَثَلًا، فَإِمَّا أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَجَازٌ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً كَانَ التَّمْلِيكُ وَالتَّزْوِيجُ مُتَرَادِفَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ التَّمْلِيكُ يُوجَدُ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا إلَى الثَّانِي لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا (؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لِلتَّلْفِيقِ) يُقَالُ: لَفَّقْت بَيْنَ ثَوْبَيْنِ وَلَفَّقْت أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، إذَا لَاءَمْتَ بَيْنَهُمَا بِالْخِيَاطَةِ (وَالنِّكَاحُ لِلضَّمِّ، وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ
[ ٣ / ١٩٣ ]
وَالْمَمْلُوكَةِ أَصْلًا. وَلَنَا أَنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ.
وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ
وَالْمَمْلُوكَةِ أَصْلًا) فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا. وَقُلْنَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا مَوْجُودَةٌ؛ لِأَنَّ (التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا) يَعْنِي أَنَّ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ إذَا صَادَفَتْ مَحَلَّ الْمُتْعَةِ لِإِفْضَائِهِ إلَيْهِ (وَ) مِلْكُ الْمُتْعَةِ (هُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ) وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِي مَحَلِّهَا احْتِرَازًا عَنْ تَمْلِيكِ الْغِلْمَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالْأُخْتِ الرَّضَاعِيَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ إذَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ أَفْسَدَهُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ إفْسَادَهُ لِلنِّكَاحِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ لَا مَحَالَةَ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ ضَرْبِ مَالِكِيَّةٍ لَهَا فِي مُوَاجَبِ النِّكَاحِ مِنْ طَلَبِ الْقَسْمِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَالْمَنْعِ عَنْ الْعَزْلِ، وَحِينَئِذٍ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا يُثْبِتُهُ وَيَنْفِيهِ فَجَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ.
وَقَوْلُهُ (وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ) يَعْنِي بِأَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ بِعْتُك نَفْسِي أَوْ قَالَ أَبُوهَا بِعْتُك بِنْتِي بِكَذَا وَكَذَا
[ ٣ / ١٩٤ ]
هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ
بِلَفْظِ الشِّرَاءِ بِأَنْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا فَأَجَابَتْ بِنَعَمْ، أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ خَاصٌّ لِتَمْلِيكِ مَالٍ وَالْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ
[ ٣ / ١٩٥ ]
(وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ) فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ) لِمَا قُلْنَا (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
بِمَالٍ، وَوَجْهُ الصَّحِيحِ وُجُودُ طَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ إنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالنِّكَاحِ مَنْفَعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِوَضَ أَجْرًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ.
وَوَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ شَرْعًا إلَّا مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَبَّدًا فَكَانَ بَيْنَ مُوجِبَيْهِمَا تَنَافٍ فَلَا تَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ) لِعَدَمِ إفْضَائِهَا إلَيْهِ (وَلَا بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ لِمَا قُلْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ لَا يُوجِبُ مِلْكًا أَصْلًا، فَإِنَّ مَنْ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ لَا يَمْلِكُهُ فَإِنَّمَا يُتْلِفُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ (وَلَا بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ) وَلَوْ
[ ٣ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَرَّحَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ زَمَانُ انْتِهَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَبُطْلَانِهِ لَا زَمَانُ ثُبُوتِهِ.
[ ٣ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٩٨ ]
قَالَ (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ مُسْلِمَيْنِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ أَوْ مَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ
قَالَ (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ) أَمَّا اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَغَيْرُهُ مِنْ الْآيَاتِ بِهِ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ) حَتَّى لَوْ أَعْلَنُوا بِحُضُورِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ صَحَّ، وَلَوْ أَمَرَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ لَا يُظْهِرَا الْعَقْدَ لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَلَوْ بِالدُّفِّ» وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِعْلَانَ يَحْصُلُ بِحُضُورِ
[ ٣ / ١٩٩ ]
الْحُرِّيَّةِ فِيهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بِدُونِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ فِي أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ،
الشَّاهِدَيْنِ حَقِيقَةً،
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ (لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ) وَالشَّهَادَةُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفَاذِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى. وَذَلِكَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَكَلَامُنَا فِي حَالَةِ الِانْعِقَادِ، فَكَمَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ فَلْيَنْعَقِدْ بِشَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ إذْ الْوِلَايَةُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَدَاءَ يَحْتَاجُ إلَى وِلَايَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ وَلَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ هَاهُنَا. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْوِلَايَةُ الْقَاصِرَةُ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ أَمْرِ النِّكَاحِ كَاشْتِرَاطِ أَصْلِ الشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ (لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بِدُونِهِمَا وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ) يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَفِيهِ النَّظَرُ
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الذُّكُورَةِ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَتَعْرِفُ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،
الَّذِي مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَدَاءَ حَتَّى تَكُونَ الْوِلَايَةُ شَرْطًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّهَادَةَ وَصِفَةَ الشَّاهِدَيْنِ إنَّمَا كَانَتْ تَعْظِيمًا وَلَا تَعْظِيمَ لِشَيْءٍ بِسَبَبِ حُضُورِهِ لِلْكُفَّارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الذُّكُورَةِ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَوَعَدَ الْمُصَنِّفُ بِبَيَانِ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ وَنَحْنُ تَابَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ،
وَيَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ (الشَّهَادَةُ مِنْ الْكَرَامَةِ) لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ وَنَفَاذِهِ عَلَى الْغَيْرِ إكْرَامًا لَهُ لَا مَحَالَةَ (وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ) لِجَرِيمَتِهِ، وَدَلِيلُهُ يَتِمُّ بِأَنْ يَقُولَ: وَالْفَاسِقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ، وَلَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ الْإِكْرَامِ وَهُوَ الْإِهَانَةُ (وَلَنَا أَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ) عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ وَعَبْدَهُ وَأَمَتَهُ وَيُقِرَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ،
[ ٣ / ٢٠١ ]
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الْوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلَّدًا فَيَصْلُحُ مُقَلِّدًا وَكَذَا شَاهِدًا. وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ فَلَا يُبَالِي بِفَوَاتِهِ كَمَا
وَكُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْوِلَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ وِلَايَةٌ قَاصِرَةٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إلَى غَيْرِهِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ: يَعْنِي (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحْرَمْ الْوِلَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَهُمْ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِسْقَ لَا يُخْرِجُ الْمَرْءَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَفِيهِ الْإِلْزَامُ، فَلَأَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهَا عَلَى الِانْعِقَادِ وَلَا إلْزَامَ فِيهِ أَوْلَى (وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلِّدًا) كَالْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ قَلَّمَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ فِسْقٍ (فَيَصْلُحُ مُقَلِّدًا) أَيْ قَاضِيًا (فَكَذَا شَاهِدًا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْقَضَاءَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ. وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ قَالَ بِالْوَاوِ كَانَ أَحْسَنَ.
لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى مُقَلِّدًا بِكَسْرِ اللَّامِ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ السَّلْطَنَةِ لَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ عَكْسَهُ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ إذَا كَانَ الْفِسْقُ لَا يَمْنَعُ عَنْ وِلَايَةٍ هِيَ أَعَمُّ ضَرَرًا فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ عَنْ وِلَايَةِ عَامِّ الضَّرَرِ أَوْ خَاصِّهِ أَوْلَى، وَالتَّرْتِيبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ خَافِي الصِّحَّةِ. وَلَوْ قَالَ الْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْقَاصِرَةِ بِلَا خِلَافٍ فَيَصْلُحُ شَاهِدًا عَلَى الِانْعِقَادِ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِيهِ وَكَانَتْ الْوِلَايَةُ قَاصِرَةً لَكَانَ أَسْهَلَ تَأَتِّيًا، وَيَنْعَقِدُ بِحُضُورِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لِأَنَّهُ (مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ) عَلَى مَا مَرَّ (فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا) لَا أَدَاءً. فَإِنْ قُلْت: النُّكْتَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْفَاسِقِ أَوَّلًا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ شَهَادَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَلَمْ تَكُنْ فَكَانَتْ مَنْقُوضَةً. قُلْت: كَانَ كَذَلِكَ لَوْلَا النَّصُّ الْقَاطِعُ.
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ فَلَا يُبَالِي بِفَوَاتِهِ كَمَا
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فِي شَهَادَةِ الْعُمْيَانِ وَابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ
فِي شَهَادَةِ الْعُمْيَانِ) مَعْذِرَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ بَعْدَمَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَالْفَاسِقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرْته آنِفًا، وَالطَّرِيقُ الَّذِي ذَكَرْته فِي الْفَاسِقِ أَسْهَلُ مَأْخَذًا.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ السَّمَاعَ) أَيْ سَمَاعَ كَلَامِ الْعَاقِدَيْنِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ) وَهَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّا لَا نُرِيدُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى النِّكَاحِ إلَّا ذَلِكَ (وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ)
[ ٣ / ٢٠٣ ]
فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِوُرُودِهِ عَلَى مَحَلِّ ذِي خَطَرٍ لَا عَلَى اعْتِبَارِ وُجُوبِ الْمَهْرِ إذْ لَا شَهَادَةَ تُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْعَقْدَ
وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ (فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ، وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ، شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ) وَتَرْكِيبُ الْحُجَّةِ، هَكَذَا الشَّهَادَةُ فِي النِّكَاحِ، شُرِطَتْ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا، وَكُلُّ مَا شُرِطَتْ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهَا فَالشَّهَادَةُ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ عَلَيْهَا. وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ (لِوُرُودِهِ عَلَى مَحَلٍّ ذِي خَطَرٍ).
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي النِّكَاحِ حَالَ الِانْعِقَادِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ عَلَيْهَا إبَانَةً لِخَطَرِ الْمَحَلِّ، أَوْ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمَهْرِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي مُنْتَفٍ لِأَنَّ الْمَهْرَ مَالٌ وَلَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى لُزُومِ الْمَالِ أَصْلًا، وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ يُشْتَرَطُ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ عَلَيْهَا إلَّا الشَّهَادَةُ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا، وَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ حَالَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ شَهَادَةٌ عَلَيْهَا كَانَ الذِّمِّيَّانِ شَاهِدَيْنِ عَلَيْهَا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الذِّمِّيَّةِ جَائِزَةٌ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا) جَوَابٌ عَنْ
[ ٣ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِيَاسِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ عَلَى الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِكَلَامَيْهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ
[ ٣ / ٢٠٥ ]
يَنْعَقِدُ بِكَلَامِهِمَا وَالشَّهَادَةُ شُرِطَتْ عَلَى الْعَقْدِ.
قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا وَالْأَبُ حَاضِرٌ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ سِوَاهُمَا جَازَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ الْأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَيَبْقَى الْمُزَوِّجُ شَاهِدًا (وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُخْتَلِفٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْعَلَ الْأَبَ مُبَاشِرًا، وَعَلَى هَذَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِمَحْضَرِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمُسْلِمِ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى الْعَقْدِ
(وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا) بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا (جَازَ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ) شَاهِدًا لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُتَّحِدٌ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ الْوَاقِعُ مِنْ الْمَأْمُورِ حَقِيقَةً كَالْوَاقِعِ مِنْ الْآمِرِ حُكْمًا لِكَوْنِ الْوَكِيلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ (سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُخْتَلِفٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَبُ مُبَاشِرًا) مَعَ عَدَمِ حُضُورِهِ فِي مَجْلِسِ الْمُبَاشَرَةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْأَبَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِي بَابِ النِّكَاحِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْلِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْمَأْمُورِ إلَى الْآمِرِ حُكْمًا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ مَا (إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِمَحْضَرِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً جَازَ) بِنَقْلِ مُبَاشَرَةِ الْأَبِ إلَيْهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهَا (وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَقْدِرُ أَنْ لَوْ تُصُوِّرَ تَحْقِيقًا.
وَأَقُولُ: أَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ حَاضِرًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَاهِدًا فِي نِكَاحٍ أَمَرَهُ بِهِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فَكَأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْمُزَوِّجُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُزَوِّجُ شَاهِدًا، وَإِذَا انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمُبَاشَرَةُ أَيْضًا صَارَ هُوَ الْمُزَوِّجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ شَاهِدًا، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ فَزَوَّجَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَالْعَبْدُ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ إمْكَانِ جَعْلِ الْعَبْدِ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ وَالْوَكِيلِ مَعَ الرَّجُلِ شَاهِدَيْنِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ الْمَوْلَى عَقْدَ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ عِنْدَ حَضْرَةِ الْعَبْدِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ مُوَكِّلًا حَتَّى تَنْتَقِلَ مُبَاشَرَةُ الْوَكِيلِ إلَيْهِ وَيَبْقَى شَاهِدًا فَبَقِيَ الْوَكِيلُ عَلَى حَالِهِ مُزَوِّجًا، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاشَرَهُ الْمَوْلَى بِحَضْرَةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ هُنَاكَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلنِّكَاحِ بِنَفْسِهِ وَالْمَوْلَى شَاهِدًا فَيَكُونُ النِّكَاحُ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ. لَا يُقَالُ: الْمَوْلَى لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَنْ الْعَبْدِ فَكَيْفَ تَنْتَقِلُ مُبَاشَرَتُهُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَ لَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ غَائِبًا لِعَدَمِ إمْكَانِهِ مُبَاشِرًا لِمَا قُلْنَا إنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُقَدَّرُ أَنْ لَوْ تُصُوِّرَ تَحْقِيقًا.
[ ٣ / ٢٠٧ ]