الْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَصِيَّةِ قَالَ: وَمَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا أَوْ بَاعَ وَحَابَى أَوْ وَهَبَ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ، وَيُضْرَبُ بِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْوَصَايَا
(وَالْأَشَلُّ) مَنْ شُلَّتْ يَدُهُ (وَالْمَسْلُولُ) هُوَ الَّذِي بِهِ مَرَضُ السُّلِّ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ الْمُرَّةِ فِي الصَّدْرِ وَنَفْثِهَا، وَقَوْلُهُ (صَارَ طَبْعًا مِنْ طِبَاعِهِ) يَعْنِي: خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ تَصَرُّفُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ (فَلَوْ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهُوَ كَمَرَضٍ حَادِثٍ) فَيُعْتَبَرُ فِيهِ تَصَرُّفُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ عِنْدَمَا أَصَابَهُ ذَلِكَ وَصَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَمَاتَ مِنْ أَيَّامِهِ (؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ؛ وَلِهَذَا يَتَدَاوَى فَيَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ).
(بَابُ الْعِتْقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ)
الْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَصِيَّةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ أَحْكَامٌ مَخْصُوصَةٌ أَفْرَدَهُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَخَّرَهُ عَنْ صَرِيحِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ هُوَ الْأَصْلُ. قَالَ (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ مَكَانَ قَوْلِهِ جَائِزٌ، وَالْمُرَادُ الِاعْتِبَارُ مِنْ الثُّلُثِ وَالضَّرْبُ مَعَ أَصْحَابِ الْوَصَايَا لَا حَقِيقَةُ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا مُنَجَّزٌ غَيْرُ مُضَافٍ، وَاعْتِبَارُهُ مِنْ الثُّلُثِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ مَا ابْتَدَأَ الْمَرِيضُ إيجَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَالضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِيهِ كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَكُلُّ مَا أَوْجَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِضَافَةِ دُونَ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَمَا نَفَّذَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَمِنْ الثُّلُثِ، وَكُلُّ مَرَضٍ صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ كَحَالِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ بِالْبُرْءِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِي مَالِهِ.
قَالَ (وَإِنْ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا) فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى فَهُمَا سَوَاءٌ، (وَقَالَا: الْعِتْقُ أَوْلَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْوَصَايَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ فَكُلٌّ مِنْ أَصْحَابِهَا يَضْرِبُ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ فِي الثُّلُثِ لَا يُقَدَّمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا الْمُوقَعُ فِي الْمَرَضِ، وَالْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِمَوْتِ الْمُوصِي كَالتَّدْبِيرِ الصَّحِيحِ وَالْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَرَضِ لِأَنَّ الْوَصَايَا قَدْ تَسَاوَتْ، وَالتَّسَاوِي فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يُوجِبُ التَّسَاوِي فِي نَفْسِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْعِتْقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ
وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ الِاعْتِبَارُ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَهُوَ وَصِيَّةُ الِاعْتِبَارِ مِنْ الثُّلُثِ لَا حَقِيقَةُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عِبَارَةٌ عَمَّا أَوْجَبَهُ الْمُوصِي فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُتَطَوِّعًا. وَقَوْلُهُ (كَالضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ) غَايَرَ بَيْنَهُمَا بِالْعَطْفِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ أَعَمُّ مِنْ الْكَفَالَةِ، فَإِنَّ مِنْ الضَّمَانِ مَا لَا يَكُونُ كَفَالَةً بِأَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ خَالِعْ امْرَأَتَكَ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ، فَإِنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ يَكُونُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا عَلَى الْمَرْأَةِ، وَالْخَمْسُمِائَةِ عَلَى الضَّامِنِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَقَوْلُهُ (وَمَا نَفَّذَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ) أَيْ: نَجَّزَهُ فِي الْحَالِ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ (فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَكُلُّ مَرَضٍ صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ كَحَالِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبُرْءِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْ مَالِهِ).
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ) صُورَتُهُ رَجُلٌ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِأَلْفٍ وَأَعْتَقَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا (فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى) وَإِنْ ابْتِدَاءً بِالْعِتْقِ تَحَاصَّا فِيهِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) فَفِي الْأَوَّلِ يُسَلَّمُ الْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي بِأَلْفٍ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَتَحَاصَّانِ فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ (وَقَالَا: الْعِتْقُ أَوْلَى) سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمُحَابَاةَ أَوْ أَخَّرَهَا فَيَعْتِقُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ وَرَدَّ الْعَبْدَ لِمَا لَزِمَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْعَقْدَ وَأَدَّى كَمَالَ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَالْأَصْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (إلَّا الْعِتْقَ الْمُوَقَّعَ) أَيْ الْمُنَجَّزَ لَا الْمُفَوَّضَ إلَى إعْتَاقِ الْوَرَثَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَعْتِقُوهُ أَوْ يُوصِيَ بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ لَا يُقَدَّمُ وَقَوْلُهُ (كَالتَّدْبِيرِ الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْفَاسِدِ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ كَمَا سَيَجِيءُ. وَقَوْلُهُ (وَالْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا الْعِتْقَ الْمُوَقَّعَ.
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
آنِفًا لِأَنَّهُ أَقْوَى فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي، وَغَيْرُهُ يَلْحَقُهُ. وَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ لَا يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي، وَإِذَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ سِوَاهُمَا مِنْ أَهْلِ الْوَصَايَا، وَلَا يُقَدَّمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَالْمُحَابَاةُ يَلْحَقُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَقْدِيمِ الذِّكْرِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّقَدُّمَ فِي الثُّبُوتِ. وَلَهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى،
وَقَوْلُهُ (وَغَيْرُهُ يَلْحَقُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْعِتْقِ الْمُوَقَّعِ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ كَالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ. وَقَوْلُهُ (يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ سِوَاهُمَا) أَيْ: سِوَى الْعِتْقِ، وَالْمُحَابَاةِ. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ) وَهِيَ الَّتِي قَدَّمَ فِيهَا الْمُحَابَاةَ عَلَى الْعِتْقِ وَقَوْلُهُ (لَا يُوجِبُ التَّقَدُّمَ فِي الثُّبُوتِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَلِفُلَانٍ وَلِفُلَانٍ كَانَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَصَلَ أَوْ فَصَلَ وَلَا عِبْرَةَ بِالْبُدَاءَةِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَكَانَ تَبَرُّعًا بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ، وَالْإِعْتَاقُ تَبَرُّعٌ صِيغَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا وُجِدَتْ الْمُحَابَاةُ أَوَّلًا دُفِعَ الْأَضْعَفُ، وَإِذَا وُجِدَ الْعِتْقُ أَوَّلًا وَثَبَتَ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّفْعَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْمُزَاحَمَةُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إذَا حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْمُحَابَاةَ الْأَخِيرَةَ قُسِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فَيَسْتَوِيَانِ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَالْمُحَابَاةِ نِصْفَيْنِ، وَمَا أَصَابَ الْعِتْقَ قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي، وَعِنْدَهُمَا الْعِتْقُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ) يَعْنِي: وَبِالْمَرَضِ لَا يَلْحَقُهُ الْحَجْرُ عَنْهَا (فَكَانَ تَبَرُّعًا بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ، وَالْإِعْتَاقُ تَبَرُّعٌ صِيغَةً وَمَعْنًى)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ضِمْنِ الْمُعَاوَضَةِ وَبِالْمَرَضِ يَلْحَقُهُ الْحَجْرُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ (قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْمُحَابَاةَ الْأَخِيرَةَ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فَيَسْتَوِيَانِ) فِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمُحَابَاةُ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْمُحَابَاةِ الثَّانِيَةِ، وَالْمُحَابَاةُ الثَّانِيَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهَا، فَالْمُحَابَاةُ الْأُولَى مُسَاوِيَةٌ لِلْعِتْقِ الْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا، وَهُوَ يُنَاقِضُ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ جَانِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَيْضًا لَوْ حَابَى ثُمَّ حَابَى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ تَحَاصَّا، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيمَ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ يَسْتَدْعِي أَنْ تَنْفُذَ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ شَرْطَ الْإِنْتَاجِ أَنْ يَلْزَمَ النَّتِيجَةَ الْقِيَاسُ لِذَاتِهِ، وَقِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ لَيْسَ كَذَلِكَ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَاصَّا؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِنْ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ يَنْفُذُ ثُمَّ يَنْقُضُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نَفَّذْنَاهُ جَمِيعًا ثُمَّ نَقَضْنَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَثْبُتُ لَهُمَا بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَهُمَا نَافِذَتَانِ فَاسْتَوَيَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَوْلُهُ (قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَالْمُحَابَاةِ، وَمَا أَصَابَ الْعِتْقَ قُسِّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي) فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ عَبْدٌ فَهَلَكَ مِنْهَا دِرْهَمٌ لَمْ يُعْتَقْ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ بِحَجَّةٍ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَإِنْ لَمْ يَهْلِكْ مِنْهَا وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْحَجَّةِ يُرَدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ. وَقَالَا: يُعْتَقُ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ) لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِنَوْعِ قُرْبَةٍ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ اعْتِبَارًا بِالْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ. وَلَهُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالْعِتْقِ لِعَبْدٍ يَشْتَرِي بِمِائَةٍ وَتَنْفِيذُهَا فِيمَنْ يَشْتَرِي بِأَقَلَّ مِنْهُ تَنْفِيذٌ لِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُسْتَحَقُّ لَمْ يَتَبَدَّلْ فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ فَهَلَكَ بَعْضُهَا يَدْفَعُ الْبَاقِيَ إلَيْهِ، وَقِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمَا حَتَّى تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَمْ يَتَبَدَّلْ الْمُسْتَحَقُّ، وَعِنْدَهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، فَاخْتَلَفَ الْمُسْتَحَقُّ وَهَذَا أَشْبَهُ.
قَالَ (وَمَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَقَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ فَأَجَازَ الْوَارِثَانِ ذَلِكَ لَمْ يَسْعَ فِي شَيْءٍ) لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ
الْعِتْقِ وَالْعِتْقِ ثُمَّ بَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي وَالْمُحَابَاةِ؟ قُلْت: لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعِتْقِ الثَّانِي فَلَا يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهَا، وَالْعِتْقُ الْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُحَابَاةِ فَيُزَاحِمُهَا فِي الثُّلُثِ، ثُمَّ مَا أَصَابَ الْعِتْقَ الْأَوَّلَ شَارَكَهُ فِيهِ الْعِتْقُ الْآخَرُ لِلْمُجَانَسَةِ وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَلَمْ يَصِلْ إلَى صَاحِبِ الْمُحَابَاةِ كَمَالُ حَقِّهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِدَّ صَاحِبُ الْمُحَابَاةِ مَا أَخَذَ صَاحِبُ الْعِتْقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْمُحَابَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى صَاحِبِ الْعِتْقِ الثَّانِي كَمَا لَوْ كَانَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا عِتْقٌ آخَرُ وَتَقَدَّمَتْ الْمُحَابَاةُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَاسْتَرَدَّ مِنْهُ صَاحِبُ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ، وَحَقَّ الْمُحَابَاةِ سَوَاءٌ فِي الثُّلُثِ فَيُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ، وَإِنْ نَقَضَ صَاحِبُ الْمُحَابَاةِ الْبَيْعَ لِمَا لَزِمَهُ مِنْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ كَانَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُعْتَقَيْنِ نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ حَقِّهِمَا.
قَالَ (وَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ عَبْدٌ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْحُجَّةِ يُرَدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ) قَالَ الْإِمَامُ الْكِنَانِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي جَعَلَ الْفَضْلَ لِلَّذِي حَجَّ عَنْهُ فَيَكُونُ لَهُ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا أَشْبَهُ) يَعْنِي إلَى الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ عِنْدَهُ فَيَحْلِفُ الْمُسْتَحِقُّ إذَا هَلَكَ
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
وَقَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَنَّهَا تَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَحِقَهُمْ وَقَدْ أَسْقَطُوهُ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ ثُمَّ مَاتَ فَجَنَى جِنَايَةً وَدَفَعَ بِهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ) لِأَنَّ الدَّفْعَ قَدْ صَحَّ لِمَا أَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُوصِي، فَكَذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ بَاقٍ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِالدَّفْعِ فَإِذَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا إذَا بَاعَهُ الْمُوصِي أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ فَدَاهُ الْوَرَثَةُ كَانَ الْفِدَاءُ فِي مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ الْتَزَمُوهُ، وَجَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ الْعَبْدَ طَهُرَ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِآخَرَ فَأَقَرَّ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ الْمُوصَى لَهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَقَالَ الْوَارِثُ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أَوْ تَقُومَ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ) لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ وَلِهَذَا يَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْوَارِثُ يُنْكِرُ لِأَنَّ مُدَّعَاهُ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ فَكَانَ مُنْكِرًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ حَادِثٌ وَالْحَوَادِثُ تُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلتَّيَقُّنِ بِهَا فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَارِثِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الْيَمِينِ، إلَّا أَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ فِيهِ أَوْ تَقُومَ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً وَهُوَ خَصْمٌ فِي إقَامَتِهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ.
قَالَ (وَمَنْ تَرَكَ عَبْدًا فَقَالَ لِلْوَارِثِ أَعْتَقَنِي أَبُوك فِي الصِّحَّةِ وَقَالَ رَجُلٌ لِي عَلَى أَبِيك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ صَدَقْتُمَا فَإِنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)، وَقَالَا: يَعْتِقُ وَلَا يَسْعَى فِي شَيْءٍ لِأَنَّ الدَّيْنَ وَالْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ ظَهَرَا مَعًا بِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ فَصَارَا كَأَنَّهُمَا كَانَا مَعًا، وَالْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ دَيْنٌ.
مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ وَتُرَدُّ الْمِائَةُ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ) أَيْ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ. وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي (إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ) أَيْ: مِلْكَ الْمُوصِي (بَاقٍ) فِيهِ لِحَاجَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَبْدُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْوَرَثَةِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِمْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ فِيهِ بَاقٍ بَعْدُ لِحَاجَتِهِ (وَإِنَّمَا يَزُولُ) مِلْكُهُ (بِالدَّفْعِ فَإِذَا خَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالدَّفْعِ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، كَمَا إذَا بَاعَهُ الْمُوصِي أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ. (فَإِنْ فِدَاهُ الْوَرَثَةُ كَانَ الْفِدَاءُ فِي أَمْوَالِهِمْ) أَيْ: كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا فَدَوْهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِآخَرَ) وَاضِحٌ
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ دَيْنٌ) يَعْنِي أَنَّ
[ ١٠ / ٤٦٨ ]