قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَهُمْ الْمُلَاصِقُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُمْ الْمُلَاصِقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَحَلَّةَ الْمُوصِي وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَقَوْلُهُ قِيَاسٌ لِأَنَّ الْجَارَ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَهِيَ الْمُلَاصَقَةُ حَقِيقَةً
(بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ)
إنَّمَا أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا تَقَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرَ أَحْكَامِ الْوَصِيَّةِ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وَفِيمَا تَقَدَّمَهُ ذِكْرُ أَحْكَامِهَا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصُ أَبَدًا يَتْلُو الْعُمُومَ. قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَهُمْ الْمُلَاصِقُونَ) كَانَ حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَدِّمَ وَصِيَّةَ الْأَقَارِبِ
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهَذَا الْجِوَارِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا صَرَفَهُ إلَى الْجَمِيعِ يُصْرَفُ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الْمُلَاصِقُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يُسَمُّونَ جِيرَانًا عُرْفًا، وَقَدْ تَأَيَّدَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَفَسَّرَهُ بِكُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَلِأَنَّ الْمَقْصِدَ بِرُّ الْجِيرَانِ وَاسْتِحْبَابُهُ يَنْتَظِمُ الْمُلَاصِقَ وَغَيْرَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْجِوَارُ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا بَعِيدٌ، وَمَا يُرْوَى فِيهِ ضَعِيفٌ. قَالُوا: وَيَسْتَوِي فِيهِ السَّاكِنُ وَالْمَالِكُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ الذِّمِّيُّ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِ يَتَنَاوَلُهُمْ
نَظَرًا إلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْوَاوُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنْ يُقَالَ فَعَلَ ذَلِكَ اهْتِمَامًا بِأَمْرِ الْجَارِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ صَرْفُهُ إلَى الْجَمِيعِ) يَعْنِي لِعَدَمِ دُخُولِ جَارِ الْمَحَلَّةِ وَجَارِ الْقَرْيَةِ وَجَارِ الْأَرْضِ صُرِفَ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الْمُلَاصِقُ. وَقَوْلُهُ (وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ) قِيلَ: حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْمَحَلَّةِ مَسْجِدَانِ صَغِيرَانِ مُتَقَارِبَانِ فَالْجَمِيعُ جِيرَانٌ. وَقَوْلُهُ (وَمَا يُرْوَى فِيهِ ضَعِيفٌ) يَعْنِي مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «الْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا، هَكَذَا وَهَكَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» إشَارَةً إلَى الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خَبَرٌ لَا يُعْرَفُ رَاوِيهِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا إنْ صَحَّ كَانَ نَصًّا فِي الْبَابِ وَقَدْ طَعَنَ فِي رَاوِيهِ (قَالُوا: وَيَسْتَوِيَ فِيهِ السَّاكِنُ، وَالْمَالِكُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ) قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: وَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَدْخُلَ السُّكَّانُ
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ السَّاكِنُ عِنْدَهُ لِإِطْلَاقِهِ، وَلَا يَدْخُلُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ وَصِيَّةٌ لِمَوْلَاهُ وَهُوَ غَيْرُ سَاكِنٍ. .
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَصْهَارِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ أَعْتَقَ كُلَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إكْرَامًا لَهَا» وَكَانُوا يُسَمُّونَ أَصْهَارَ النَّبِيِّ ﵊. وَهَذَا التَّفْسِيرُ اخْتِيَارُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَزَوْجَةِ ابْنِهِ وَزَوْجَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَنَّ الْكُلَّ أَصْهَارٌ. وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمَرْأَةُ فِي نِكَاحِهِ
تَحْتَ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْجِيرَانِ الْمُتَلَاصِقِينَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ الْمَسْكَنَ، وَمَنْ كَانَ مَالِكًا وَلَمْ يَكُنْ سَاكِنًا لَا يَدْخُلُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ شَاهْوَيْهِ: هَذِهِ كرخدانية مِنْ مُحَمَّدٍ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بَنَى هَذَا الْحُكْمَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ وَهُوَ الْمُلَّاكُ. وَأَقُولُ: يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَضُمُّهُ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِاتِّحَادِ الْمَسْجِدِ سَمَاعُ الْأَذَانِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَصْهَارِهِ) أَيْ: لِأَقْرِبَاءِ امْرَأَتِهِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْأَصْهَارُ أَهْلُ بَيْتِ الْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ اخْتِيَارُ
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
أَوْ فِي عِدَّتِهِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَالصِّهْرُ يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِأَنَّ بَقَاءَ الصِّهْرِيَّةِ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْمَوْتِ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَخْتَانِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجِ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَكَذَا مَحَارِمُ الْأَزْوَاجِ) لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّى خَتَنًا. قِيلَ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ. وَفِي عُرْفِنَا لَا يَتَنَاوَلُ الْأَزْوَاجُ الْمَحَارِمَ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ. لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ فَهِيَ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَهُوَ أَوَّلُ أَبٍ أَسْلَمَ أَوْ أَوَّلُ أَبٍ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ. وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يُسْلِمْ. لَهُمَا أَنَّ الْقَرِيبَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرَابَةِ فَيَكُونُ اسْمًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ فَيَنْتَظِمُ بِحَقِيقَةِ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ. وَلَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَفِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ الْمَذْكُورِ فِيهِ اثْنَانِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَلَاقِي مَا فَرَطَ فِي إقَامَةِ وَاجِبِ الصِّلَةِ وَهُوَ يَخْتَصُّ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ أَقْرِبَاءَ، وَمَنْ سَمَّى وَالِدَهُ قَرِيبًا كَانَ مِنْهُ عُقُوقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَرِيبَ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى غَيْرِهِ بِوَسِيلَةِ غَيْرِهِ، وَتَقَرُّبُ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ بِنَفْسِهِ
مُحَمَّدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ؛ لِأَنَّ الصِّهْرَ فِي اللُّغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْخَتْنِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا) يَعْنِي: وَإِنْ وَرِثَتْ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ فِي الْمَرَضِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَخْتَانِهِ) يَعْنِي: أَنَّ الْأَخْتَانَ تُطْلَقُ عَلَى أَزْوَاجِ الْمَحَارِمِ كَزَوْجِ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَعَلَى مَحَارِمِ الْأَزْوَاجِ، فَيَكُونُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَزْوَاجِ الْمَحَارِمِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كُلُّهُمْ فِي قِسْمَةِ الثُّلُثِ سَوَاءً.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ) يَعْنِي تَصَرَّفَ إلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ إذَا لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي آلِ أَبِي طَالِبٍ) يَعْنِي أَنَّ الْمُوصِيَ إذَا كَانَ عَلَوِيًّا فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقْصَى الْأَبِ عَلِيٌّ فَلَا يَدْخُلُ
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
لَا بِغَيْرِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ، فَعِنْدَهُ يُقَيَّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعِنْدَهُمَا بِأَقْصَى الْأَبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالْأَبِ الْأَدْنَى.
قَالَ (وَإِذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ فَالْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ) عِنْدَهُ اعْتِبَارٌ لِلْأَقْرَبِ كَمَا فِي الْإِرْثِ، وَعِنْدَهُمَا بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا إذْ هُمَا لَا يَعْتَبِرَانِ الْأَقْرَبَ (وَلَوْ تَرَكَ عَمًّا وَخَالَيْنِ فَلِلْعَمِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ وَالنِّصْفُ لِلْخَالَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الِاثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِذِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْعَمِّ كُلُّ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْفَرْدِ فَيُحْرِزُ الْوَاحِدُ كُلَّهَا إذْ هُوَ الْأَقْرَبُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَاحِدٌ فَلَهُ الثُّلُثُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ تَرَكَ عَمًّا وَعَمَّةً وَخَالًا وَخَالَةً فَالْوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ وَالْعَمَّةِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ لِاسْتِوَاءِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ أَقْوَى، وَالْعَمَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ
فِي الْوَصِيَّةِ أَوْلَادُ عَقِيلٍ وَجَعْفَرٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَقْصَى الْأَبِ أَبُو طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ عَقِيلٍ وَجَعْفَرٍ، وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا إنَّ الْقَرِيبَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرَابَةِ فَيَكُونُ اسْمًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَتْرُوكًا بِالْإِجْمَاعِ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (يُقَيَّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِالْقُيُودِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (وَعِنْدَهُمَا بِأَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالْأَبِ الْأَدْنَى) وَمَا كَانَ مَتْرُوكًا بِالْإِجْمَاعِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ لَا مَحَالَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ) يَعْنِي: وَلَهُ وَلَدٌ يُحْرَزُ مِيرَاثُهُ فَالثُّلُثُ لِعَمَّيْهِ، وَهَذَا إلَى آخِرِهِ تَفْصِيلُ مَا أَجْمَلَهُ مِنْ الْقُيُودِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَهُوَ الِاثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ) يَعْنِي لَوْ كَانَ الْعَمُّ اثْنَيْنِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَكَذَا إذَا انْفَرَدَ كَانَ لَهُ النِّصْفُ أَيْضًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي هَذَا جَعَلَ عَدَمَ الْمُزَاحِمِ بِمَنْزِلَةِ الْمُزَاحِمِ حَيْثُ قَالَ: إذَا كَانَ مَعَهُ عَمٌّ آخَرُ كَانَ لَهُ النِّصْفُ، فَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَمٌّ آخَرُ. وَحِينَئِذٍ كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ عَمٌّ وَاحِدٌ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ عَمَّانِ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ، فَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: يَجِبُ لَهُ الرُّبُعُ أَوْ الْخُمُسُ عِنْدَ انْفِرَادِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَعْمَامٍ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَعْمَامٍ وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجُمُوعِ كُلِّهَا سَاقِطٌ لِتَعَذُّرِهِ، فَتَعَيَّنَ أَدْنَى مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَهُوَ الِاثْنَانِ لِتَيَقُّنِهِ، وَالْعَمُّ الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ فَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ مَالِهِمَا، وَإِذَا أَخَذَ الْعَمُّ النِّصْفَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ الثُّلُثِ لِلْخَالَيْنِ وَفِي قَوْلِهِمَا الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَهُوَ الِاثْنَانِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (وَهِيَ أَقْوَى) أَيْ قَرَابَةُ الْعُمُومَةِ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الْخُئُولَةِ. وَقَوْلُهُ (وَالْعَمَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْعَمَّةُ لَا تَسْتَحِقُّ الْعُصُوبَةَ وَيُقَدَّمُ الْعَمُّ عَلَى
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
الْقَرِيبُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا، وَكَذَا إذَا أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ أَوْ لِأَقْرِبَائِهِ أَوْ لِأَنْسِبَائِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَفْظُ جَمْعٍ، وَلَوْ انْعَدَمَ الْمَحْرَمُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِهَذَا الْوَصْفِ. قَالَ: وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ فُلَانٍ فَهِيَ عَلَى زَوْجَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَعُولُهُمْ وَتَضُمُّهُمْ نَفَقَتُهُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَلَهُ أَنَّ اسْمَ الْأَهْلِ حَقِيقَةٌ فِي الزَّوْجَةِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةِ كَذَا، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ: وَلَوْ أَوْصَى لِآلِ فُلَانٍ فَهُوَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ لِأَنَّ الْآلُ الْقَبِيلَةُ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ بَيْتِ فُلَانٍ يَدْخُلُ فِيهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ لِأَنَّ الْأَبَ أَصْلُ الْبَيْتِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ نَسَبِهِ أَوْ لِجِنْسِهِ فَالنَّسَبُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَالنَّسَبُ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ، وَجِنْسُهُ أَهْلُ بَيْتِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ، بِخِلَافِ قَرَابَتِهِ حَيْثُ تَكُونُ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ وَالْأَبِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَيْتَامِ بَنِي فُلَانٍ أَوْ لِعُمْيَانِهِمْ أَوْ لِزَمْنَاهُمْ أَوْ لِأَرَامِلِهِمْ إنْ كَانُوا قَوْمًا يُحْصَوْنَ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ فُقَرَاؤُهُمْ وَأَغْنِيَاؤُهُمْ
الْأَخْوَالِ بِسَبَبِهَا فَلَمْ تَكُنْ قَرَابَتُهَا أَقْرَبَ. وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ وَمُسَاوِيَةٌ لِلْعَمِّ فِي الدَّرَجَةِ، وَعَدَمُ اسْتِحْقَاقِهَا الْعُصُوبَةَ وَصْفٌ قَامَ بِهَا وَهُوَ الْأُنُوثَةُ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ مُسَاوَاتِهَا الْعَمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ كَالْعَمِّ الرَّقِيقِ أَوْ الْكَافِرِ لِمَا أَنَّ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ لِوَصْفٍ قَامَ بِهِ لَا لِضَعْفٍ فِي الْقَرَابَةِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنْسِبَائِهِ) الْأَنْسِبَاءُ جَمْعُ النَّسِيبِ وَهُوَ الْقَرِيبُ كَالْأَنْصِبَاءِ فِي جَمْعِ النَّصِيبِ. وَقَوْلُهُ (فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي مِنْ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا. قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ فُلَانٍ فَهِيَ عَلَى زَوْجَتِهِ) الْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ فُلَانٍ تَنْصَرِفُ إلَى الزَّوْجَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَضُمُّ نَفَقَةَ فُلَانٍ مِنْ الْأَحْرَارِ عِنْدَهُمَا اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ الْمُؤَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الزَّوْجَ خَاصَّةً، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ وَلَهُ أَنَّ الْأَهْلَ فِي الزَّوْجَةِ حَقِيقَةً يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ فَلَا يُصَارُ إلَى غَيْرِهَا مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا. قِيلَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ ﴿امْكُثُوا﴾ " وَالْمَرْأَةُ لَا تُخَاطَبُ بِذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ أَقَارِبِهَا مِمَّنْ ضَمَّتْهُمْ نَفَقَتُهُ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْأَرِقَّاءِ أَحَدٌ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. عَلَى أَنَّ الْحَقَائِقَ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهَا السَّمَاعُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا اُسْتُشْهِدَ بِالْآيَةِ تَأْنِيسًا. فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ مَا فِي لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الْحَقِيقَةِ لَا يُنَافِي مَطْلُوبَهُ كَالْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلَّا بِهَا، وَقَوْلُهُ فُلَانٌ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةِ كَذَا هُوَ الْمَسْمُوعُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ) فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ جِنْسِ قُرَيْشٍ، وَأَوْلَادُ الْخُلَفَاءِ صَلَحُوا لِلْخِلَافَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ الْإِمَاءِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا اللَّفْظِ دُونَ عَشِيرَةِ الْأُمِّ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَوْصَى لِأَيْتَامِ فُلَانٍ) الْيَتِيمُ اسْمُ
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ التَّمْلِيكِ فِي حَقِّهِمْ وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ. وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةُ وَهِيَ فِي سَدِّ الْخَلَّةِ وَرَدِّ الْجَوْعَةِ.
وَهَذِهِ الْأَسَامِي تُشْعِرُ بِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فَجَازَ حَمْلُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِشُبَّانِ بَنِي فُلَانٍ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ أَوْ لِأَيَامَى بَنِي فُلَانٍ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ حَيْثُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ فَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ تَمْلِيكًا فِي حَقِّ الْكُلِّ لِلْجَهَالَةِ الْمُتَفَاحِشَةِ وَتَعَذَّرَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ، وَفِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ يَجِبُ الصَّرْفُ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ اعْتِبَارًا لِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الْوَصَايَا عَلَى مَا مَرَّ.
لِمَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الْحُلُمِ. قَالَ ﷺ «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» وَالْعُمْيَانُ وَالزَّمْنَى مَعْرُوفَةٌ، وَالْأَرْمَلُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، مِنْ أَرْمَلَ إذَا افْتَقَرَ مِنْ الرَّمَلِ كَأَدْقَعَ مِنْ الدَّقْعَاءِ وَهِيَ التُّرَابُ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْأَرْمَلُ فِي النِّسَاءِ خَاصَّةً، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْأَوَّلُ حَيْثُ قَالَ: ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّعْبِيِّ. فَإِذَا أَوْصَى لِهَؤُلَاءِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا يُحْصَوْنَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ وُجِدَ الْإِحْصَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي الْإِحْصَاءِ إلَى كِتَابٍ وَلَا حِسَابٍ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ فَإِنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَهُوَ الْأَيْسَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ فُقَرَاؤُهُمْ وَأَغْنِيَاؤُهُمْ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَتَحْقِيقُ التَّمْلِيكِ فِيهِمْ مُمْكِنٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِشُبَّانِ بَنِي فُلَانٍ وَهْم لَا يُحْصَوْنَ، أَوْ لِأَيَامَى بَنِي فُلَانٍ وَهْم لَا يُحْصَوْنَ حَيْثُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي دُخُولِ الْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ وَهَلْ يَدْخُلُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي الْأَيَامَى دُخُولَهُ فِي الْأَرَامِلِ أَوْ لَا؟ قَالَ الْكَرْخِيُّ. يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ الْأَيِّمَ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا أَوْ يُقَالُ رَجُلٌ أَيِّمٌ أَيْضًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَيِّمُ هِيَ الثَّيِّبُ خَاصَّةً، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمَلٌ، وَالظَّاهِرُ دُخُولُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ اعْتِمَادًا عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْأَرَامِلِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الشُّبَّانِ وَالْأَيَامَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَقِيرِ حَتَّى يُصْرَفَ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ تَمْلِيكًا فِي حَقِّ الْكُلِّ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ فَبَطَلَتْ. قَالَ مُحَمَّدٌ: الْغُلَامُ مَا كَانَ لَهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَالْفَتَى مَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفَوْقَ ذَلِكَ.
وَالْكَهْلُ إذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَزَادَ عَلَيْهِ، وَمَا بَيْنَ
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
وَلَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ يَدْخُلُ فِيهِمْ الْإِنَاثُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلُ قَوْلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ جَمْعَ الذُّكُورِ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ خَاصَّةً لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْمِ لِلذُّكُورِ وَانْتِظَامُهُ لِلْإِنَاثِ تَجَوُّزٌ وَالْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَنُو فُلَانٍ اسْمَ قَبِيلَةٍ أَوْ فَخِذٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرَادُ بِهَا أَعْيَانُهُمْ إذْ هُوَ مُجَرَّدُ الِانْتِسَابِ كَبَنِي آدَمَ وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةُ وَحُلَفَاؤُهُمْ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ) لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَنْتَظِمُ الْكُلَّ انْتِظَامًا وَاحِدًا.
خَمْسِينَ إلَى سِتِّينَ إلَى أَنْ يَغْلِبَ الشَّيْبُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ شَيْخًا. وَفِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ يَجِبُ الصَّرْفُ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ اعْتِبَارًا بِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الْوَصَايَا عَلَى مَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ) يَعْنِي إذَا أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرِيدَ مَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ أَوْ يَكُونَ اسْمَ قَبِيلَةٍ أَوْ فَخِذٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْإِنَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا يَدْخُلُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ الْإِنَاثُ مُنْفَرِدَاتٍ فَلَا تَدْخُلُ بِالِاتِّفَاقِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ جَمْعَ الذُّكُورِ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الِاسْمِ وَانْتِظَامَهُ الْإِنَاثَ تَجُوزُ وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَنَاوَلُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِانْتِسَابِ لِبَنِي آدَمَ وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَحُلَفَاؤُهُمْ يَقْسِمُ الْوَصِيُّ بَيْنَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ مِنْ فُقَرَائِهِمْ.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ) وَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَبًا خَاصًّا أَوْ فَخِذًا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْوَصِيَّةُ تَنَاوَلَتْ الْأَوْلَادَ دُونَ أَوْلَادِهِمْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَالِاخْتِلَاطِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ الصُّلْبِيَّ كُلَّهُ انْتِظَامًا وَاحِدًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ مَجَازًا لَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ الصُّلْبِ يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، وَأَوْلَادُ الْأَبْنَاءِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ رِوَايَتَانِ، هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِوَلَدِ فُلَانٍ تَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ وَوَلَدَ الْوَلَدِ، فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ وَذَكَرَ فِيهِ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَدْخُلُونَ وَإِنْ كَانَ الصُّلْبِيُّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ فُلَانًا إذَا كَانَ فَخِذًا فَبَنُوهُ وَبَنَاتُهُ لَا تَخْلُو عَنْ الْأَوْلَادِ عَادَةً فَتَكُونُ مُرَادَةً فَتَدْخُلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَبًا خَاصًّا فَإِنَّ بَنِيهِ
[ ١٠ / ٤٨١ ]
(وَمَنْ أَوْصَى لِوَرَثَةِ فُلَانٍ فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى لَفْظِ الْوَرَثَةِ آذَنَ ذَلِكَ بِأَنَّ قَصْدَهُ التَّفْضِيلَ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ. وَمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: إنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ جَمِيعًا، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُوقَفُ حَتَّى يُصَالِحُوا. لَهُ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُسَمَّى مَوْلًى فَصَارَ كَالْإِخْوَةِ. وَلَنَا أَنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُسَمَّى مَوْلَى النِّعْمَةِ وَالْآخَرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَصَارَ مُشْتَرَكًا فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ لِأَنَّهُ مَقَامُ النَّفْيِ وَلَا تَنَافِي فِيهِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مَنْ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَلَا يَدْخُلُ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ لِأَنَّ عِتْقَ هَؤُلَاءِ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةُ تُضَافُ إلَى حَالَةِ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الِاسْمِ قَبْلَهُ.
وَبَنَاتِهِ قَدْ تَخْلُو عَنْ الْأَوْلَادِ فَلَا تَكُونُ مُرَادَةً.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِوَرَثَةِ فُلَانٍ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ) مَبْنَاهُ عَلَى جَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ، وَالشَّافِعِيُّ يُجِيزُ ذَلِكَ فَأَجَازَ هَذَا، وَأَصْحَابُنَا مَا جَوَّزُوهُ وَكَذَلِكَ هَذَا، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَكِنْ لَا عَلَى جَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مُتَوَاطِئٍ كَالْإِخْوَةِ عَلَى بَنِي الْأَعْيَانِ وَبَنِي الْعِلَّاتِ وَبَنِي الْأَخْيَافِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِخْوَةِ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ وَهُوَ اشْتِمَالُ صُلْبِ الْأَبِ أَوْ الرَّحِمِ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى الْمَوْلَى لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْأَعْلَى مُنْعِمٌ وَمَعْنَى الْأَسْفَلِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِي أَحَدِهِمَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَفِي الْآخَرِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ إنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ.
وَقَوْلُهُ (فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ) احْتِرَازٌ عَنْ صُورَةِ النَّفْيِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا، عَلَى أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ لَا فِي النَّفْيِ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ. وَأَجَابُوا عَنْ مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِتَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ الْمَوْلَى مُطْلَقًا لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي النَّفْيِ بَلْ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ بُغْضُهُ وَهُوَ غَيْرُهُ مُخْتَلِفٌ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى كَالشَّيْءِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ مُسْتَوْفًى بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ لَكِنَّ حُكْمَهُ التَّوَقُّفُ فَكَيْفَ قَالَ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ الْبَيَانِ وَالتَّوَقُّفُ فِي مِثْلِهِ لَا يُفِيدُ. فَإِنْ قِيلَ: التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مُمْكِنٌ وَهُوَ أَنْ تُصْرَفَ الْوَصِيَّةُ إلَى الْمَوْلَى الَّذِي أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ وَأَمَّا فَضْلُ الْإِنْعَامِ فِي حَقِّ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ فَمَنْدُوبٌ، وَالصَّرْفُ إلَى الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْهُ إلَى الْمَنْدُوبِ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى. أُجِيبَ بِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الْعُرْفَ
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَازِمٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدٌ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ إنْ لَمْ أَضْرِبْك فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَثْبُتُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ عِنْدَ تَحَقُّقِ عَجْزِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ وَأَوْلَادُهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي مُوَالَاةٍ يَدْخُلُ فِيهَا مُعْتَقُوهُ وَأَوْلَادُهُمْ دُونَ مَوَالِي الْمُوَالَاةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ أَيْضًا وَالْكُلُّ شُرَكَاءُ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الْجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فِي الْمُعْتَقِ الْإِنْعَامُ، وَفِي الْمَوَالِي عَقْدُ الِالْتِزَامِ وَالْإِعْتَاقُ لَازِمٌ فَكَانَ الِاسْمُ لَهُ أَحَقَّ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَوَالِي الْمَوَالِي لِأَنَّهُمْ مَوَالِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ مَوَالِيهِ وَأَوْلَادِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِإِعْتَاقٍ وُجِدَ
جَارٍ بِوَصِيَّةِ ثُلُثِ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْغَالِبُ فِي الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ الْفَقْرُ، وَفِي الْأَعْلَى الْغِنَى، وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَلَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْمَوْلَى الْأَعْلَى فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ. وَيَدْخُلُ فِيهَا الْمُعْتَقُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَلَا يَدْخُلُ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الشَّيْءِ لَا بِالْعِلِّيَّةِ يَعْقُبُهُ وُجُودًا، وَالْوَصِيَّةُ تُضَافُ إلَى حَالَةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَالْمِيرَاثُ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ اسْمِ الْمَوْلَى قَبْلَ الْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ)؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ (لَازِمٌ) أَيْ: ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ بِنَفْسِ الِاسْتِحْقَاقِ بَلْ بِالْإِحْيَاءِ الْحَاصِلِ بِالْعِتْقِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ (وَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ: فِي هَذَا الْإِيصَاءِ: يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ عَبْدٌ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَلَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ وَأَوْلَادُ الْمَوَالِي وَمَوَالِي الْمُوَالَاةِ دَخَلَ مُعْتَقُوهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَوْلَادُهُمْ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُمْ إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ الَّذِي بَاشَرَ فِي آبَائِهِمْ، وَالْفُرُوعُ أَجْزَاءُ الْأُصُولِ فَكَانَ الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةً فِيهِمْ كَمَا فِي أُصُولِهِمْ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الْمَوْلَى عَنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَأَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ عَنْ الْفُرُوعِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَيْسُوا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا هُمْ بَنُو بَنِيهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ: يَعْنِي مَوَالِي الْمُوَالَاةِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالْإِعْتَاقُ لَازِمٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: لَمَّا كَانَتْ الْجِهَةُ مُخْتَلِفَةً وَجَبَ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ كَالْمَوْلَى الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يَعْمَلُ بِهِ إلَّا إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ وَهَاهُنَا قَرِينَةٌ تُعَيِّنُ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ وَلَاءَ الْإِعْتَاقِ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ ضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَسَبَبُهُ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَوَالِي مُوَالَاةٍ كَانَ الثُّلُثُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا لَمْ تُمْكِنْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
مِنْهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ وَلَا أَوْلَادُ الْمَوَالِي لِأَنَّ اللَّفْظَ لَهُمْ مَجَازٌ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ مُعْتَقٌ وَاحِدٌ وَمَوَالِي الْمَوَالِي فَالنِّصْفُ لِمُعْتَقٍ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ ابْنُهُ أَوْ أَبُوهُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوَالِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَإِنَّمَا يُحْرِزُ مِيرَاثُهُمْ بِالْعُصُوبَةِ،
صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ (وَلَوْ كَانَ لَهُ مُعْتَقٌ وَاحِدٌ وَمَوَالِي الْمَوَالِي فَالنِّصْفُ لِمُعْتَقِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ) وَحُكْمُ وَلَدِ الْمُعْتَقِ حُكْمُ الْمُعْتَقِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اسْمَ الْمَوَالِي لِأَوْلَادِ الْمَوَالِي حَقِيقَةٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ (مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُطَابِقُ ذَلِكَ دُونَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هُوَ أَنْ يُبَاشِرَ إعْتَاقَ مَمْلُوكٍ فَيَصِيرَ بِهِ مَوْلًى عَنْهُ، وَالْمَجَازَ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِذَلِكَ بِإِعْتَاقِ مَمْلُوكٍ فَيُعْتِقُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ مَمْلُوكًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ مَوَالِي الْأَبِ وَالِابْنِ فِعْلُ الْإِعْتَاقِ وَلَا تَسْبِيبُهُ، فَقُلْنَا: إنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى كَمَا تَرَى لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ مَوَالٍ لَهُ حَقِيقَةً.
وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُحْرَزُ مِيرَاثُهُمْ بِالْعُصُوبَةِ) جَوَابٌ
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.