وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ أَقْوَى لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَالْأَقْوَى يَدْفَعُ الْأَدْنَى، فَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ أَصْلًا إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْبُطْلَانَ فَيُدْفَعُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ أَسْبَقُ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الِاسْتِنَادِ فَيَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الصِّحَّة، وَلَا يُمْكِنُ إسْنَادُ الْعِتْقِ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الْعِتْقَ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ مَجَّانًا فَتَجِبُ السِّعَايَةُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِي عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَقَالَ الْآخَرُ كَانَ لِي عِنْدَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَعِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ أَقْوَى وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ. (فَصْلٌ)
مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَسْعَ الْعَبْدُ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ إنَّمَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْآخَرِ فَيَمْنَعُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ، وَهَاهُنَا لَمَّا حَصَلَا مَعًا بِتَصْدِيقٍ وَاحِدٍ بِقَوْلِهِ صَدَقْتُمَا جُعِلَ كَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَا وَثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ فَيَثْبُتَانِ مَعًا كَذَلِكَ.
(وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ) أَيْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ أَقْوَى عَلَى مَا ذُكِرَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ إسْنَادُهُ إلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ فَكَذَلِكَ ثَبَتَ الدَّيْنُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَثْبُتُ الْعِتْقُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ يَرُدُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وُجُوبَ السِّعَايَةِ، وَصَارَ تَصْدِيقُ الْوَارِثِ بِمَنْزِلَةِ تَصْدِيقِ الْمَيِّتِ. وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ الْمَرِيضِ أَعْتَقْتَنِي فِي صِحَّتِك وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ فَقَالَ الْمَرِيضُ صَدَقْتُمَا عَتَقَ الْعَبْدُ وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِلْغَرِيمِ كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إلَخْ) لَهُمَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَمْ تَظْهَرْ إلَّا وَالدَّيْنُ ظَاهِرٌ مَعَهَا فَيَتَحَاصَّانِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ثُمَّ الْوَدِيعَةِ؛ إذْ الْإِقْرَارُ مِنْ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ يَتَنَاوَلُ التَّرِكَةَ لَا الذِّمَّةَ فَقَدْ وَقَعَا مَعًا، بِخِلَافِ الْمُورَثِ. وَلَهُ أَنَّ حَقَّهُ يَثْبُتُ فِي عَيْنِ الْأَلْفِ مُقَارِنًا لِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَعِنْدَ انْتِقَالِهَا مِنْهَا إلَى الْأَلْفِ كَانَ الْأَلْفُ مُسْتَحَقًّا الْوَدِيعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُورَثُ حَيًّا وَقَالَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقْتُمَا، وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذُكِرَ عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ.
(فَصْلٌ)
قَدَّمَ بَابَ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ لِقُوَّةِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ. اعْلَمْ أَنَّ
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قُدِّمَتْ الْفَرَائِضُ مِنْهَا قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا مِثْلَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ) لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ أَهَمُّ مِنْ النَّافِلَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْبُدَاءَةُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ (فَإِنْ تَسَاوَتْ فِي الْقُوَّةِ بُدِئَ بِمَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي إذَا ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَهَمِّ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالزَّكَاةِ وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْحَجَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ صَدَقَةِ فِطْرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُوصِيَ بِهَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَمْ تُجْبَرْ الْوَرَثَةُ عَلَى إخْرَاجِهَا لَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَتَبَرَّعُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عِنْدَنَا. ثُمَّ الْوَصَايَا إمَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ كُلُّهَا لِلْعِبَادِ أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَا لِلْعِبَادِ خَاصَّةً تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمَا لِلَّهِ تَعَالَى إمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ فَرَائِضَ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، أَوْ وَاجِبَاتٍ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ كُلُّهُ تَطَوُّعًا كَالْحَجِّ التَّطَوُّعُ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا. أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْوَصَايَا كُلِّهَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَهَا وَالثُّلُثُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ كُلُّهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ وَهِيَ فَرَائِضُ كُلُّهَا أَوْ وَاجِبَاتٌ كُلُّهَا أَوْ تَطَوُّعٌ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ يُبْدَأُ بِالْفَرَائِضِ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا مِثْلَ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ أَهَمُّ مِنْ النَّافِلَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْبُدَاءَةُ بِمَا هُوَ أَهَمُّ وَإِنْ تَسَاوَتْ فِي الْقُوَّةِ: يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا كَمَا ذَكَرْنَا بُدِئَ بِمَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَهَمِّ.
فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي الثُّبُوتِ، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْهِمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَاحِدًا، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّدَ الْمُسْتَحِقُّ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقْدِيمِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
وَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُمَا وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْفَرِيضَةِ فَالزَّكَاةُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعِبَادِ فَكَانَ أَوْلَى. وَجْهُ الْأُخْرَى أَنَّ الْحَجَّ يُقَامُ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالزَّكَاةُ بِالْمَالِ قَصْرًا عَلَيْهِ فَكَانَ الْحَجُّ أَقْوَى، ثُمَّ تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ عَلَى الْكَفَّارَاتِ لِمَزِيَّتِهِمَا عَلَيْهَا فِي الْقُوَّةِ، إذْ قَدْ جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى
لِإِنْسَانٍ ثُمَّ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِآخَرَ. وَقَوْلُهُ (فَالزَّكَاةُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعِبَادِ) يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَقِيرَ حَقُّهُ فِي الْقَبْضِ ثَابِتٌ فَكَانَ مُمْتَزِجًا بِحَقَّيْنِ. وَقَوْلُهُ (إذَا جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي الْكَفَّارَاتِ) أَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الْآيَةَ، وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مَكَانَ قَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ مَاتَ يَهُودِيًّا» الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ (وَالْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى
[ ١٠ / ٤٧١ ]
صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِأَنَّهُ عُرِفَ وُجُوبُهَا دُونَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهَا بِالْقُرْآنِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْأُضْحِيَّةَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْبَعْضِ.
قَالَ (وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ قُدِّمَ مِنْهُ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي) لِمَا بَيَّنَّا وَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ. قَالُوا: إنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَمَا أَصَابَ الْقُرَبَ صُرِفَ إلَيْهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَيُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الْقُرَبِ وَلَا يُجْعَلُ الْجَمِيعُ كَوَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِجَمِيعِهَا رِضًا لِلَّهِ تَعَالَى فَكُلُّ وَاحِدَةٍ فِي نَفْسِهَا مَقْصُودٌ فَتَنْفَرِدُ كَمَا تَنْفَرِدُ وَصَايَا الْآدَمِيِّينَ. قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ يَحُجُّ رَاكِبًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى الْحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ بَلَدِهِ وَالْوَصِيَّةُ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ رَاكِبًا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَانْصَرَفَ إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ. قَالَ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْوَصِيَّةُ النَّفَقَةَ أَحَجُّوا عَنْهُ حَيْثُ تَبْلُغُ) وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحُجُّ عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْحَجَّةِ عَلَى صِفَةٍ عَدِمْنَاهَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ وَالْمُمْكِنُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهَا رَأْسًا، وَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ حَاجًّا فَمَاتَ
صَدَقَةِ الْفِطْرِ) تَرَكَ كَفَّارَةَ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ؛ لِثُبُوتِهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَثُبُوتِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِآثَارٍ مُسْتَفِيضَةٍ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْبَعْضِ) فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَقَدُّمَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى النَّذْرِ لِكَوْنِهَا وَاجِبَةً بِإِيجَابِ الشَّرْعِ وَالنَّذْرُ وَاجِبٌ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ، وَالنُّذُورُ تُقَدَّمُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ؛ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا دُونَ وُجُوبِ النُّذُورِ.
(وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ قُدِّمَ مِنْهُ مَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَهَمِّ وَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ وَقَالَ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأْت بِهِ»، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَقْدِيمُ مَا قَدَّمَ فَكَذَا هَذَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ يُبْدَأُ بِالصَّدَقَةِ ثُمَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ بِالْعِتْقِ مَثَلًا سَوَاءٌ رَتَّبَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَوْ لَمْ يُرَتِّبْ، وَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا قَالُوا: إنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا مَا كَانَ لِلَّهِ وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، وَتُجْعَلُ كُلَّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرْبَةِ مُفْرَدَةً بِالضَّرْبِ وَيُقْسَمُ عَلَى عَدَدِهَا، فَإِذَا قَالَ ثُلُثُ مَالِي فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلِزَيْدٍ يُقْسَمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا وَهُوَ رِضَا اللَّهِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ فِي نَفْسِهَا مَقْصُودَةٌ فَتُفْرَدُ كَمَا تُفْرَدُ وَصَايَا الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّ الْجَمِيعَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْقُرْبَةَ إذَا أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ لَكِنْ يُجْعَلُ لِكُلِّ جِهَةٍ سَهْمٌ عَلَى حِدَةٍ فَكَذَا هَذَا. قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ بِقَوْلِهِ: وَلَهُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِعِتْقِ عَبْدٍ يُشْتَرَى بِمِائَةٍ إلَخْ.
(بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ)
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ حَاجًّا) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلتِّجَارَةِ
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ اسْتِحْسَانًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا مَاتَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ. لَهُمَا أَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةً وَسَقَطَ فَرْضُ قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِقَدْرِهِ وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَيَبْتَدِئُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، بِخِلَافِ سَفَرِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً فَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ. وَلَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَسَيَذْكُرُهُ بُعَيْدَ هَذَا. قِيلَ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ وَطَنٌ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَجَهَّزَ بِنَفْسِهِ لَتَجَهَّزَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا أَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةً إلَخْ) مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ إلَّا ثَلَاثَةً» فَإِنَّ الْخُرُوجَ لِلْحَجِّ لَيْسَ مِنْهُ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُكَفِّرَ إذَا أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ وَمَاتَ فَأَوْصَى وَجَبَ الْإِكْمَالُ بِمَا بَقِيَ بِالِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ مَا أَطْعَمَهُ بِالْمَوْتِ، ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ، فَمَا هُوَ جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَنْ الْحَجِّ.
وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الْآمِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَوَّلَ إذَا بَدَا لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَنْ لَا يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بَعْدَمَا مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ وَفَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى غَيْرِهِ بِرِضَا الْوَصِيِّ لَمْ يَجُزْ وَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَنْفَقَهُ، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّجْزِيءَ، حَتَّى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِطْعَامِ إذَا أَطْعَمَ الْبَعْضَ ثُمَّ تَرَكَ الْبَعْضَ وَأَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَهَذَا لَيْسَ بِدَافِعٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمُتَجَزِّئِ وَغَيْرِهِ فِي الِانْقِطَاعِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّجْزِيءَ فِي الْإِطْعَامِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ التَّتَابُعُ أَصْلًا، حَتَّى لَوْ جَامَعَ فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ مَثَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا سَبَقَ، وَالْكِتَابُ أَقْوَى وَإِنْ كَانَ دَلَالَةً فَعَمِلَ بِهِ وَالْحَجُّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ الْحَدِيثِ فَعَمِلَ بِهِ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ قُبَيْلَ هَذَا: وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا إلَخْ.
[ ١٠ / ٤٧٣ ]