مسألة: لا يجوز القضاء بالبينة على الغائب عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ لعلي ﵁: "يا علي لا تقض لأحد الخصمين مالم تسمع كلام الآخر".
حجة الشافعي ﵀: أن الحق قد ظهر عند القاضي بشهادة الرجلين فيجب القضاء لقوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" وأيضا قال ﷺ: "لمعاذ حين أرسله إلى اليمن اقض بالظاهر".
الجواب عنه: أن الحق لا يظهر إلا إذا أسلم الشهود من المعارض فلو كان الخصم حاضرا ربما يخرجهم أو يأتي بشهود على خلاف ما ادعاه عليه فلا بد من حضوره.
مسألة: قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ ينفذ ظاهرا لا باطنا وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وصورته لو ادعى رجل على امرأة نكاحا وأقام على ذلك شاهدي زور ولم يعرف القاضي بذلك فحكم بالنكاح على ظن صدق الشاهدين نفذ قضاؤه ظاهرا وباطنا ويحل له وطؤها عند أبي حنيفة ﵁ وكذا في الطلاق وعند الشافعي ﵀ لا يحل له وطؤها ولا يقع الطلاق.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن رجلا ادعى بين يدي علي ﵁ بالنكاح فقالت المرأة يا أمير المؤمنين ليس بيننا نكاح وإن كان لابد فزوجني منه فقال علي ﵁: شاهداك زوجاك ولم يجبها إلى إنشاء النكاح وكان بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع
[ ١٨٢ ]
ولأنه إذا لم ينفذ القضاء باطنا تكون امرأة لواحد في الباطن وفي الظاهر لآخر وهو باطل.
حجة الشافعي ﵀ من وجهين:
الأول: قوله ﷺ: "إنكم لتختصمون لدي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما قضيت له بقطعة من نار" فلو نفذ القضاء باطنا لما قال: ذلك.
الجواب عنه: أن هذا الحديث ورد في الأموال المرسلة بدليلها روي أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في مواريث درست فقضى لأحدهما فقال الآخر حقي يا رسول الله وذكر الحديث ونحن نقول بموجبه في الأموال المرسلة إذ الخلاف في الفسوخ والعقود دون الأموال المرسلة.
الثاني: أن القول بنفوذ القضاء باطنا يفضي إلى بطلان العصمة في الأموال والضياع والعقار والنساء والعبيد فلا يكون هذا الحكم لائقا لأحكام الشريعة.
الجواب عنه: أن هذا لازم عليكم أيضا لأنكم قائلون بنفوذ القضاء ظاهرا وهو يفضي إلى أمر شنيع مما ذكرنا وهو كون المرأة الواحدة بين رجلين ومذهبنا في غير العقود والفسوخ كمذهبكم فكل ما يرد علينا يرد عليكم والجواب كالجواب.
مسألة: إذا عرض اليمين على المنكر فنكل جاز للقاضي أن يحكم عليه بالنكول عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعلي وعثمان وابن عمر وابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا يجوز الحكم بالنكول.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فادعت على زوجها أنه قال: لها حبلك على غاربك فحلفه عمر بالله ما أردت الطلاق فنكل فقضى عليه بالفرقة وعن ابن عمر ﵄ أنه
[ ١٨٣ ]
اشترى من إنسان شيئا فادعى على البائع عيبا فاختصما إلى عثمان ﵁ فحلفه عثمان بالله ما بعته وبه عيب فكتمه فنكل فقضى عليه بالرد وكذا نقل عن علي وابن عباس وشريح ﵃.
حجة الشافعي ﵀: أن النكول لا يدل على صدق المدعي لاحتمال أن يكون المدعى عليه متوقفا لا يعرف أن دعواه صحيحة أو كاذبة فيجب عليه التوقف فلا يدل على صدق دعواه.
الجواب عنه: قد ترجح جانب كونه ناكلا أو مقرا بالامتناع عن اليمين الواحب عليه بعد العرض.
مسألة: إذا تنازع الخارج وذو اليد في الملك المطلق وأقاما البينة فبينة الخارج أولى عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ بينة ذي اليد أولى.
حجة أبي حنيفة ﵁: الخارج أكثر إثباتا وإظهارا لأنه قد رد ما تثبته بينة ذي اليد إذ اليد دليل مطلق الملك فكان الملك ظاهرا لذي اليد من وجه وظهوره من وجه يمنع كون بينة ذي اليد مظهرة له من ذلك الوجه لاستحالة إظهار الظاهر وبينة الخارج مظهرة من كل وجه فكانت أكثر إظهارا فكان القضاء بها واجبا لقوله ﷺ: "اقض بالظاهر".
حجة الشافعي ﵀: أن بينة ذي اليد ساوت بينة الخارج في الإثبات فترجح بينة ذي اليد باليد التي هي دليل الملك بالضرورة.
الجواب عنه: أنه لا نسلم المساواة بين البينتين في الإثبات بل بينة الخارج أكثر إثباتا لما ذكرنا فترجح على بينة ذي اليد.
مسألة: إذا أقام المدعي شاهدا واحدا ولم يجد شاهدا آخر فإن القاضي لا يحلف المدعي على ما ادعاه ولا يقضي بحلفه عند أبي حنيفة ﵁ وقال: الشافعي ﵀ يحلفه فإذا حلف
يقضي له بما ادعاه.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ
[ ١٨٤ ]
رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ١ وقوله ﷺ: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" قسم والقسمة تنافي الشركة وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء.
حجة الشافعي ﵀: أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين وهذا صريح في المسألة.
الجواب عنه: أن هذا الحديث منقطع ذكره الترمذي والطحاوي وهما أخذا على مسلم في تصحيحه وإن سلم صحته فهو خبر الواحد ورد على مخالفة الكتاب والسنة المشهورة فيكون العمل بالكتاب والسنة المشهورة أولى.
_________________
(١) ١سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
[ ١٨٥ ]