مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب وأقام بها ولم يهاجر إلى دار الإسلام فقتله مسلم أو ذمي لا يجب عليه القصاص ولا الدية عند أبي حنيفة ﵁ ويجب عليه الكفارة في الخطأ وقال: الشافعي ﵀ يجب عليه القصاص في العمد والكفارة في الخطأ.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ فالله تعالى أوجب الكفارة بقتله ولم يبين القصاص والدية ولو كانا واجبين لبينهما وروي أنه ﵊ قال: "من أقام بين المشركين فلا دية له" ولأن العصمة المقومة إنما تثبت بدار الإسلام وهو قد أهدر عصمته بالمقام في دار الحرب فلا يجب بقتله القصاص والدية
حجة الشافعي ﵀: أنه قد قتل المسلم عمدا وعدوانا فيكون موجبا للقصاص لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ٢.
الجواب عنه: أن الآية مخصوصة بالإجماع ولهذا لو قتل الأب ابنه لا يقتص منه فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدليل.
مسألة: إذا استولى الكفار على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب ملكوها عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لم يملكوها.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ٣ سماهم فقراء مع إضافة الأموال إليهم
_________________
(١) ١سورة النساء: الآية ٩٢ ٢سورة البقرة: الآية ١٧٨ ٣سورة الحشر: الآية ٨
[ ١٦٨ ]
والفقير من لا مال له لا من بعدت يده عن المال ومن ضرورته ثبوت الملك لمن استولى على أموالهم من الكفار وروي عن علي ﵁ أنه قال: يوم الفتح يا رسول الله ألا ننزل دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من منزل" وكان للنبي ﷺ دار بمكة ورثها من خديجة ﵂ فاستولى عليها عقيل وكان مشركا وروى ابن عباس ﵄ أن رجلا أصاب بعيرا له في الغنيمة فأخبر به النبي ﷺ فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالثمن" وروى تميم عن طرفة أنه ﵊ قال: في بعير أخذه المشركون فاشتراه رجل من المسلمين ثم جاء المالك الأول: إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "إن شئت أخذته بالثمن" فلو بقي في ملك المالك القديم لكان له الأخذ بغير شيء.
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١ فينبغي أن لا يصير مال المسلم للكافر بالغلبة والاستيلاء عليه.
الحجة الثانية: أن المسلم خير من الكافر والمسلم إذا استولى على مال مسلم آخر لا يصير ملكا له فالكافر أولى.
الجواب عنه: أما الآية فمقتضاها نفي السبيل على نفس المسلم ونحن نقول بموجبه فإنه إذا استولى على نفسه يملكه ونحن نملكهم ولكن الأصل في الأموال عدم العصمة وإنما صار معصوما بالاحراز بدار الإسلام فإذا أحرزوها بدار الحرب زالت العصمة بزوال سببها فبقيت أموالا مباحة فتملك بالاستيلاء عليه وفيه وقع الغرق بين استيلاء المسلم والكافر وأن المسلم لم يحرزها إلى دار الحرب والحربي أحرزها فافترقا.
مسألة: الغزاة إذا غنموا غنيمة لا يقسمونها في دار الحرب بل يخرجونها إلى دار الإسلام فيقسمونها فيها عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي
_________________
(١) ١ سورة الساء: الآية ١٤١.
[ ١٦٩ ]
﵀ يجوز قسمتها في دار الحرب حجة أبي حنيفة ﵁ ما روى مكحول الشامي أنه ﵊ ما قسم الغنيمة قط إلا في دار الإسلام وفي رواية أخرى أخر النبي ﷺ القسمة إلى دار الإسلام مع طلب بعض الغانمين الغنيمة فلو جازت لما أخر لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب والقسمة بيع معنى فيدخل تحت النهي لأن الاستيلاء التام لا يثبت إلا بالاحراز بدار الإسلام لقدرتهم على التخليص مما دامت في دار الحرب لم يستحكم الملك
حجة الشافعي ﵀: ما روي أن النبي ﷺ قسم الغنيمة في دار الحرب
الجواب عنه: أن تلك المواضع التي قسم فيها النبي ﷺ الغنيمة وإن كانت دار الحرب لكنها صارت دار الإسلام بظهور أحكامه فيها.
مسألة: العبد المحجور عليه الممنوع من القتال لا يصح أمانة عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول ابن عباس ﵄ وقال الشافعي ﵀ يصح أمانة.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١ فانتفت قدرته على الأمان.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" والعبد من أدنى المسلمين فيصح أمانه.
الجواب عنه: أن المراد بالذمة الأمان المؤبد بأن يصير ذميا وهو صحيح من العبد فنحن نقول بموجبه وهذا لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام فهو
_________________
(١) ١ سورة النحل: الآية ٧٥
[ ١٧٠ ]
يمنزلة الدعوى إليه فيصح منه بخلاف الأمان المؤقت والحديث لا يدل عليه.
مسألة: كان الخمس في عهد النبي ﷺ يقسم على خمسة أسهم سهم لله ورسوله وكان يشتري به السلاح وسهم لذوي قربى النبي ﷺ وسهم للمساكين وسهم لليتامى وسهم لأبناء السبيل وبعد وفاة النبي ﷺ سقط سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى فيأخذون بالفقر دون القرابة عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ سهم النبي ﷺ يدفع إلى الإمام وسهم ذوي القربى باق لهم.
حجة أبي حنيفة ﵁: إجماع الصحابة على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإنهم قسموا خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم ولم يعطوا ذوي القربى شيئا لقربهم بل لفقرهم مع أنهم شاهدوا قسمة النبي ﷺ وعرفوا تأويل الآية وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع فلو كان سهمهم باقيا لما منعوهم وهذا لأن المراد بالقربى قربى النصرة دون القرابة بدليل ما روي أنه ﷺ قسم غنائم خيبر فأعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا فقال عثمان وهو من بني عبد شمس وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل يا رسول الله إنا لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم ولكن نحن وبنو المطلب منك في القرابة سواء فما بالك أعطيتهم وحرمتنا فقال ﵊: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام لم يزالوا معي" وشبك بين أصابعه فجعل ﵊ علة الاستحقاق النصرة والصحبة دون نفس القرابة وإلا لما أعطى البعض ومنع الآخرين ونصرة النبي ﷺ لم تبق بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق ويدخل فقراء ذوي القربى والأصناف الثلاثة وقد روت أم هانئ هذا المعنى مرفوعا فقال ﵊: "سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي" وكذا سهم النبي ﷺ سقط بعد وفاته إذ غيره ليس في معناه من كل وجه.
[ ١٧١ ]
حجة الشافعي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ١ وهذا نص صريح في المسألة.
الجواب عنه: أن المراد بالقربى قربى النصرة لا قربى القرابة بما ذكرنا من الدليل وقد زالت النصرة بعد وفاته.
مسألة: إذا أسلم الذمي أو مات بعد وجوب الجزية بمرور الحول سقطت عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا تسقط.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﵊: "لا جزية على مسلم" وقوله ﷺ: "الإسلام يجب ما قبله" وروي أن ذميا طولب بالجزية في زمن عمر ﵁ فأسلم فقيل إنك أسلمت تعوذا فقال: إن أسلمت تعوذا فإن الإسلام يتعوذ به فأخبر عمر بذلك فقال: صدق وأسقط عنه الجزية ولأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر وهي تسقط بالإسلام.
حجة الشافعي ﵀: أن الجزية وجبت على العصمة والأمن فيما مضى لأن ماله كان في معرض التلف فحصلت له الصيانة بقبول الجزية وقد وصل إليه العوض فلا تسقط عنه للعوض بالإسلام والموت.
الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص والآثار فلا يقبل.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: الآية ٤١
[ ١٧٢ ]