مسألة: لا يجوز رهن المشاع عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يجوز.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ١ فهذا النص يقتضي أن لا يكون الرهن إلا مقبوضا والمشاع لا يمكن قبضه فلا يكون محلا للرهن.
حجة الشافعي ﵀ من وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢ ورهن المشاع عقد فيجب الوفاء به ومن ضرورته صحة رهن المشاع.
الجواب: أن الآية التي ذكرناها خاصة في باب الرهن وما ذكرتم من الاية عامة وقد خص منها العقود الفاسدة فإنه لا يجب الوفاء فيها فيخص المتنازع بالدليل المذكور.
الثاني: أن المقصود من الآيتين أنه إذا لم يؤد الراهن الدين يبيع المرتهن الرهن ويستوفي دينه من ثمنه والمشاع يجوز بيعه فبقي بهذا المقصود فيجوز رهنه.
والجواب: أن الاستيفاء بالبيع من أحكام جواز الرهن وهو مشروط بالقبض بالنص الذي ذكرنا وهو لا يتصور في المشاع فيكون هذا التعليل في مقابلة النص فلا يقبل.
مسألة: لا يجوز للراهن أن ينتفع بالرهن بالركوب والاستخدام وشرب
_________________
(١) ١سورة البقرة: الآية ٢٨٣ ٢سورة المائدة: الآية ١
[ ٩٤ ]
اللبن بدون رضى المرتهن ويكون جميع الزوائد رهنا مع الأصل عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ له الانتفاع بالركوب وشرب اللبن.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ١ ولو تمكن الراهن من الانتفاع بالرهن بدون رضى المرتهن لا يبقى مقبوضا إذا الانتفاع لا يمكن إلا بالاسترداد منه وحكم الرهن الحبس الدائم بالدين.
حجة الشافعي ﵀ من وجوه:
الأول: أن منافع الرهن مال لأن الطبع يميل إليها ولا يجوز استيفاؤها لغير الراهن بالإجماع فلو لم يمكن استيفاؤها للراهن كان ذلك إضاعة وذلك لا يجوز لنهي النبي ﷺ عن إضاعة المال.
والجواب: إنما الرهن الذي هو عين كاللبن والتمر والصوف يمكن بقاؤه أو بقاء قيمته فيكون رهنا مع الأصل فيأخذه الراهن بعد أداء الدين فلا يكون إضاعة وما ليس بعين كالمنافع فيمكنه الانتفاع باذن المرتهن ولو لم يأذن له فهي أعراض ليس لها بقاء فلا تكون من الأموال ولئن سلمنا أنها من الأموال لكن الراهن رضي بتعطيلها حيث حبسه بالدين.
الثاني: قوله ﷺ: "الرهن مركوب محلوب وعلى من ركبه نفقته له غنمه وعليه غرمه" والاستدلال به من وجوه:
الأول: أن الحديث دل على أن الرهن قد يكون مركوبا ومحلوبا وليس ذلك لغير الراهن فتعين أن يكون ذلك للراهن.
الثاني: أنه قال: "على من ركبه نفقته" أثبت فيه جواز الركوب ولم يثبت لغير الراهن فوجب ثبوته له.
_________________
(١) ١سورة اليقرة: الآية ٢٨٣
[ ٩٥ ]
الثالث: قوله "له غنمه وعليه غرمه" هذا الضمير لا يمكن رجوعه إليه.
والجواب عنه: أن هذا الحديث موقوف على أبي هريرة ﵁ ولو كان مرفوعا فقد روى يحيى بن معين أن أبا هريرة ﵁ أفتى بخلافه وذلك يوجب قدحا في الرواية لأن عمل الراوي بخلافه دليل على نسخه إذ لا يجوز له الخلاف ما لم يتبين له نسخه أو يحمل الحديث على أنه يجوز ذلك للمرتهن في ابتداء الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ: "كل دين جر نفعا فهو حرام" فلم يتعين كونه محلوبا ومركوبا لغير الراهن ولو سلم صحة الحديث وعدم نسخه وأن المراد به الراهن لكنا نقول إنه خبر الواحد في مقابلة الآية وهو قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ١ فلا يصح التمسك به إذ يحمل على أنه يجوز له ذلك برضى المرتهن.
الثالث: أن الراهن يملك رقبة الرهن وملك الرقبة يكون سببا لجواز الانتفاع فيجوز له ذلك.
الجواب عنه: أنه لما تعلق حق المرتهن استيفاء لدينه لا يجوز الانتفاع به ولو اعتقه لنفذ عتقه عند أبي حنيفة ﵁ ويؤخذ منه قيمته ويجعل رهنا مكانه وعند الشافعي ﵀ لا ينفذ عتقه.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ: "لا عتق إلا فيما يملكه ابن آدم" والاستثناء من النفي إثبات فوجب أن يجوز العتق فيما يكون مملوكا للإنسان والرهن مملوك للراهن بالإجماع فيصح إعتاقه.
حجة الشافعي ﵀ أن إعتاق الراهن يكون سببا لزوال حق المرتهن عن الرهن وهو ضرر في حقه فلا يجوز لقوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
_________________
(١) ١سورة البقرة: الآية ٢٨٣
[ ٩٦ ]
الجواب عنه: أن ضرر المرتهن يندفع بأخذ الدين من الراهن إن كان الدين حالا أو يأخذ قيمته وجعلها رهنا مكانه إن كان الدين مؤجلا وإن كان معسرا سعى العبد في قيمته وقضى به الدين فلا يتضرر وأما القول بعدم العتق فأضرارها على العبد بحيث لا يندفع ضرره أصلا والذي ذكرناه أولى.
مسألة: الرهن مضمون عند أبي حنيفة ﵁ بأقل من قيمته ومن الدين فإن هلك في يد المرتهن وكان قيمة الرهن والدين سواء كان المرتهن مستوفيا لدينه حكما وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالفضل أمانة وإن كانت أقل سقط من الدين بقدره ورجع بالفضل وعند الشافعي ﵀ الرهن كله أمانة إذا هلك في يد المرتهن لا يسقط شيء من الدين.
حجة أبي حنيفة ﵁: ما رواه الطحاوي عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا ارتهن فرسا فمات الفرس في يد المرتهن فقال رسول الله ﷺ: "سقط حقك" وعنه أيضا أن الأئمة الثقات الفقهاء رفعوا إلى النبي ﷺ أنه قال: "الرهن بما فيه" وهو مروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وجماعة من الفقهاءالذين ينتهي إلى قولهم مثل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخالد بن زيد والحسن البصري وشريح وعطاء ﵃ أجمعين.
حجة الشافعي ﵀: أنه لم يوجد في هذا الدين الإبراء ولا الاستيفاء فلا يسقط أما أنه لم يوجد فيه الإبراء فظاهر وكذا لم يوجد فيه الاستيفاءلأن هذا الرهن لو كانت جارية لم يحل للمرتهن وطؤها حال الحياة ولايجب عليه تكفينها بعد الموت فإذا لم يوجد الإبراء ولا الاستيفاء وجب أن يبقى الدين كما كان لأن الأصل في الثابت البقاء.
الجواب عنه: أن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء والرهن وثيقة لجانب الاستيفاء فيثبت الاستيفاء ثبوت ملك اليد والحبس من وجه ويتقرر بالهلاك ولكن الاستيفاء يقع بالمالكية وأما العين فأمانة ولهذا كانت نفقة
[ ٩٧ ]
المرهون على الراهن في حياته وكفنه عليه بعد مماته ولأن ما ذكرنا من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين لا يترك بهذا التعليل.
مسألة: إذا خلل الخمر بإلقاء شيء فيها كالملح وغيره يحل ذلك الخل ويطهر عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يحل ولا يطهر.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ: "نعم الإدام الخل" مطلقا فيتناول خل الخمر بالتخليل وغيره وقوله ﷺ: "خير خلكم خل خمركم" مطلقا فيتناول التخليل ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد المحرم عن الخمر وهو الإسكار ويثبت الصفة النافعة له وهي تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح وكذا الصالح النافع للمصالح اعتبارا بالمخلل وبدباغة جلد الميتة.
حجة الشافعي ﵀ من وجهين:
الأول: أن الله تعالى أمر باجتناب الخمر بقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ١ وفي التخليل اقتراب من الخمر فيحرم.
الجواب عنه: أن الاقتراب المنهي عنه هو الاقتراب للشراء والبيع وغيرهما مما فيه إعزازه وأما الاقتراب لإزالة الوصف المفسد منه فيجوز كالاقتراب للاراقة والتخليل أولى من الإراقة لما فيه من إحراز مال يصير به حلالا منتفعا به.
الثاني: أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن تحليل خمر اليتامى فأمره باراقتها فلو كان التخليل جائزا لأمره به في حق اليتامى
الجواب عنه: أن هذا محمول على أنه كان في ابتداء التحريم حين كان النبي ﷺ يبالغ في إزالة الخمر وإراقتها زجرا لهم وقلعا عن العادة المألوفة بها
_________________
(١) ١سورة الأنعام: الآية ١٥٣
[ ٩٨ ]
كما أمر بقتل الكلاب وغسل الإناء عند ولوغها سبعا وخمور الأيتام يومئذ كانت جائزة الإراقة لأنها ليست بمال في حق المسلمين وكافل اليتيم إنما يجب عليه حفظ المال وارتكاب أمر جائز وإن كان فيه مفسدة خاصة يجوز ارتكابها لمصلحة عامة كما إذا تترس الكفار بصبيان المسلمين وأسراهم فأنا لا نلتفت إلى ذلك ولا نكف عن القتال.
مسألة: إذا اشترى رجل متاعا فأفلس ولا يقدر على أداء الثمن لا ينفسخ البيع عند أبي حينفة ﵁ بل البائع أسوة الغرماء فيه وعند الشافعي ﵀ فسخ البيع وأخذ المتاع.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ: "إذا مات المشتري مفلسا فوجد البائع متاعه بعينه فهو أسوة الغرماء" وقوله ﷺ: "أيما رجل باع سلعة فأدركها عند رجل قد أفلس فهو ماله بين غرمائه".
فان قيل في إسناده ابن عياش وهو ضعيف فيكون مرسلا قلنا قد وثقه أحمد وإن كان مرسلا فهو حجة عندنا وقد احتج به الجصاص وأسنده.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ: "من وجد عين ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به ممن سواه".
الجواب عنه: أن المراد به الوديعة والعارية وأمثالهما دون المبيع ولهذا قال: من وجد عين ماله وهو الوديعة والعارية وأما المبيع فلم يبق بالبيع من أمواله حقيقة وكان حمل الكلام على الحقيقة أولى.
مسألة: قال: أبو حنيفة ﵁ لا يحجر على الحر البالغ السفيه وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا لماله قال: الشافعي ﵀ يحجر على السفيه المضيع لماله ويمنع عن التصرف فيه.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ
[ ٩٩ ]
الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ ١ الآية قد أثبت للسفيه ولاية المداينة وما روي أن حبان بن منقذ كان يغبن في البياعات فأتي أهله رسول الله ﷺ فطلبوا حجره فنهاه النبي ﷺ عن البيع فقال: يا رسول الله لا صبر لي عن البيع قال ﵊: "إذا بعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام" فقد أطلق في البيع ولم يحجره ولأنه حر مخاطب عاقل قد تصرف في خالص حقه فلا يححر عليه لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى بخلاف ما لو كان في الحجر دفع ضرر عام كالحجر على الطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس.
حجة الشافعي ﵀: أن السفيه يضيع ماله فيما لا فائدة فيه فيحجر عليه نظرا له لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ٢.
الجواب عنه: أن جمهور المفسرين قالوا هذا خطاب لكل من يملك مالا أن يعطي ماله لأحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة بعلمه أنه يضيعه فيما لا ينبغي ولهذا قال: أموالكم والأصل في الكلام الحقيقة ولم يقل أموالهم وهو محمول على أول البلوغ إلى حد يصير به جدا فهو خمس وعشرون سنة لأنه إذا بلغ هذا الحد لابد له من حصول رشد بزوال أثر الصبا عنه.
مسألة: الصلح على الإنكار جائز عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعلي وابن عباس وحذيفة ﵃ وعند الشافعي ﵀: باطل.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ٣
_________________
(١) ١سورة البقرة: الآية ٢٨٢. ٢سورة النساء: الآية ١٢٨. ٣سورة النساء: الآية ١٢٨.
[ ١٠٠ ]
وقوله ﷺ: "كل صلح جائز فيما بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" وما روى ابن عمر ﵄ أنه قال: ردوا الخصوم كي يصطلحوا فإن فصل القضايا يورث بينكم الضغائن وما روى أن أعرابيا جاء إلى عثمان ﵁ فقال: إن بني عمك عدوا على إبلي وقتلوا أولادها وأكلوا ألبانها فصالحه عثمان على إبل بمثل إبله من غير نكير
حجة الشافعي ﵀: الحديث الذي روينا وهو قوله ﷺ: "كل صلح جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما" وجه الاستدلال به أن المدعي إذا كان كاذبا فقد أخذ حراما وإن كان صادقا فقد حرم هذا الصلح حلالا لأنه ادعى الكل ثم أخذ البعض وحرم النصف الباقي
الجواب عنه: أن ترك الحق أو دفع المال جائز لدفع الخصومة عن نفسه وافتداء اليمين وقد روي عن حذيفة بن اليمان أن رجلا ادعى عليه حقا فقال: خذ عشرة ولا تحلفني فأبى فقال: خذ عشرين ولا تحلفني فأبى إلى أربعين وهذا صلح مع إنكار فلو لم يجز لم يفعله الصحابي ولأن الأصل في الأموال مباحة والحرمة لحق الغير فإذا رضى قد ارتفع المحرم فلا يكون في الصلح على الإنكار تحريم الحلال ولا تحليل الحرام على أن المراد بالحديث أحل حراما لعينه كالخمر أو حرم حلالا لعينه كالعسل والسكر وغيرهما ثم لو سلمنا الخبر فهو من الآحاد فلم يترك به القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
مسألة: المحال عليه إذا مات مفلسا من غير قضاء الدين عاد الدين إلى ذمة المحيل عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعثمان وشريح ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا يعود.
حجة أبي حنيفة ﵁ قوله ﷺ: "لصاحب الحق اليد واللسان" ودين المحال عليه كان على المحيل وإنما رضي بانتقاله إلى المحال عليه بشرط سلامة حقه إليه إذ هو المقصود من الحوالة وإذا لم يسلم له فسخت الحوالة فيرجع الدين إلى ذمة المديون ولأن عثمان ﵁
[ ١٠١ ]
قضى بعود الدين إلى ذمة المحيل وسئل عمر ﵁ عن هذه المسألة فقال: يعود الدين إلى ذمة المحيل لا توى على مال امرئ مسلم فقد روي ذلك مرفوعا ومثله عن شريح من غير نكير.
وحجة الشافعي ﵀: أن البراءة قد حصلت مطلقة بالحولة فإذا برئت الذمة مرة فوجب أن لا تصير مشعولة مرة أخرى لأن الأصل في الأمر بقاؤه على ما كان.
الجواب عنه: أن البراءة كانت مقيدة بسلامة حقه لأن المقصود من الحوالة وصول حق صاحب الدين إليه فإذا مات مفلسا لم يحصل مقصوده والحوالة قابلة للفسخ فتنفسخ فصار كوصف السلامة في المبيع.
مسألة: إذا مات الرجل وهو مفلس فتكفل رجل عنه للغرماء لا يصح عند أبي حنيفة ﵁ في حق أحكام الدنيا فلا يطالب به ولا يحبس بل يكون متبرعا في إسقاط دين الميت وعند الشافعي ﵀ يصح فيطالب به في الدنيا.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة والميت لم تبق له ذمة فلا يمكن الضم إليها ولأنه كفل بدين ساقط لأن الدين هو القصد حقيقة ولهذا يوصف بالوجوب لكنه في الحكم مال لم يؤل إليه وقد عجز الميت بنفسه وبخلفه ففاتت عاقبة الإستيفاء فيسقط ضرورة فإذا سقط لا تلزم الكفالة عنه.
حجة الشافعي ﵀: ما روى أنه ﷺ أتى بجنازة رجل من الأنصار ليصلي عليه فقال: "هل على صاحبكم دين" قالوا نعم ديناران فقال: أترك لهما وفاء قالوا لا قال: "صلوا على صاحبكم" فقال: أبو قتادة هما علي يا رسول الله فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه.
الجواب عنه: يحتمل أن يكون أبو قتادة قال: ذلك وعدا بالتبرع بالأداء ولهذا لما أدى قال له ﷺ: "الآن بردت جلده" ولا نزاع في أحكام الآخرة
[ ١٠٢ ]
فقد أمكن تصحيحه في حق أحكام الآخرة حتى لا يبقى للغريم أن يطالبه بالدين في الاخرة وصححناه في حقها لأن الدين لا يسقط بالموت في أحكام الآخرة والخلاف إنما هو في أحكام الدنيا ولا دلالة في الحديث عليه فإن التبرع بأداء الدين جائز من غير أن يثبت عليه ولا كلام فيه.
مسألة: الكفالة بنفس من عليه الدين تصح عند أبي حنيفة ﵁ وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وجرير بن عبد الله وأبي بن كعب وعمران بن الحصين والأشعث بن قيس ﵃ وقال: الشافعي ﵀ لا تصح.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ: "الزعيم غارم" من غير فصل بين النفس والمال وهذا يفيد مشروعية الكفالة ينوعيه إذ الزعيم هو الكفيل وجاء في تأويل قوله تعالى: في سورة يوسف ﵇ ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ ١ قال: ابن عباس ﵄ موثقا أي كفيلا بنفس الأخ المبعوث منهم وقال: الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٢ والكفالة بالنفس عقد فيجب الوفاء به وقال النبي ﷺ: "المسلمون عند شروطهم".
حجة الشافعي ﵀: أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص باطلة فكذا في الأموال والجامع أن إحضار الشخص لا قدرة له عليه.
الجواب عنه: أنه يقدر علي تسليمه بطريقة أن يعلم الطالب مكانه فيخلي بينه وبينه أو يستعين بأعوان القاضي والحاجة ماسة إليه فلا مانع من الجواز على أنه تصح الكفالة بنفس من عليه الحد فلا يجوز القياس عليه وإن لم يصح بنفس الحد ولو سلم القياس فهو مردود بمقابلة ما ذكرنا من القرآن والحديث وأفعال الصحابة ﵃ والله أعلم.
_________________
(١) ١سورة يوسف: الاية ٦٦. ٢سورة المائدة: الاية ١.
[ ١٠٣ ]