مسألة: إذا سرق رجل مقدار نصاب السرقة وقطعت يده وهلك المسروق لا يضمن السارق عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ يضمن.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ١ جعل القطع جميع الجزاء فلو ضمن صار الجميع بعضا وقوله ﵊: "لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه".
حجة الشافعي ﵀: أن الإجماع انعقد على قطع يده فيلزمه الضمان أيضا لأنه أخذ مال غيره بغير إذنه بغير حق فيجب عليه رده إذا كان باقيا ورد قيمته إذا كان هالكا لقوله ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى ترده"
الجواب عنه: أن التمسك بالكتاب أقوى والحديث الذي رويناه صريح في الباب فلا يعارضه ما ليس بصريح.
مسألة: لا قطع على النباش عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ عليه القطع.
حجة أبي حنيفة ﵁: قوله ﷺ: "لا قطع على المختفي" وهو النباش بلغة أهل المدينة وروي أن عليا ﵁ أتى بنباش فعزره ولم يقطع يده ووافقه ابن عباس ﵄.
حجة الشافعي ﵀: قوله ﷺ: "من نبش قطعناه" وهذا نص صريح في الباب.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: الآية ٣٨
[ ١٦٤ ]
الجواب عنه: أن هذا الحديث غير مرفوع إلى النبي ﷺ بل هو موقوف على معاوية بن مرة لم يرفعه أحد وقيل هو من كلام زياد بن أبيه ذكره في خطبته ولئن سلمت صحته فهو محمول على السياسة بدليل أن فيه "من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه ومن نبش دفناه حيا ومن نقب نقبنا عن كبده" ومعلوم أن هذه الأحكام غير مشروعة إلا سياسة ثم إنه متروك الظاهر لأنه علق فيه بالقطع بمجرد النبش وبالإجماع ليس كذلك فإن نبش ولم يأخذ لا يقطع والله أعلم.
مسألة: رجل سرق شيئا وحكم القاضي عليه بالقطع ثم إن المالك وهب المسروق من السارق قبل القطع وسلمه إليه سقط القطع عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يسقط.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن القضاء يحتاج إلى الإمضاء والإمضاء في باب الحدود من القضاء وكان ما حدث قبل الإمضاء كالحادث قبل القضاء ولو ملكها السارق قبل القضاء لا يقطع لأن الإنسان لا يقطع بملكه فكذا إذا ملك قبل الإمضاء.
حجة الشافعي ﵀: ما روي أن صفوان كان نائما في المسجد متوسدا رداءه فجاءه سارق فسرقه فأتى به النبي ﷺ فأمر بقطع يده فأخرج ليقطع فتغير وجه النبي ﷺ فقال له صفوان كأنه شق عليك يا رسول الله هو له صدقة وفي رواية وهبته منه فقال ﷺ: "أفلا كان قبل أن تأتيني به" وأمر بقطعه.
الجواب عنه: أن الهبة لا تثبت قبل القبول والقبض ثم أنه حكاية حال فلا عموم له.
مسألة: السارق في المرة الأول: ى تقطع يده اليمنى وفي الثانية رجله اليسرى وفي الثالثة لا يقطع منه شيء بل يعزر ويخلد في الحبس حتى يتوب ويظهر عليه سيما الصالحين عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ تقطع في الثالث: ة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى.
[ ١٦٥ ]
حجة أبي حنيفة ﵁: ما روي أن عليا ﵁ استشار الصحابة ﵃ في هذه الحادثة فقال بعضهم تقطع يده اليسرى فقال: بم يستنجي وقال بعضهم رجله اليمنى فقال لهم فبم يمشي ثم قال: إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ولا رجلا يمشي عليها وبهذا حاج بقية الصحابة فغلبهم فدرأ عنه الحد فحل محل الإجماع ولأن المستحق عليه التأديب وفيما ذكره إهلاك معنى بتفويت منفعة البطش والمشي عليه.
حجة الشافعي ﵀: أن المرة الثالثة موجبة للقطع لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ وقد أمكن قطع اليسرى فيجب القطع ولقوله ﷺ: "من سرق فاقطعوه فإن عاد فاقطعوه وإن عاد فاقطعوه".
الجواب عنه: أن الأمر في الآية لا يقتضي التكرار وعرف القطع في المرة الثاني: ة بفعل النبي ﷺ والحديث طعن فيه الطحاوي وغيره من نقلة الحديث وعلى تقدير الصحة يحمل على السياسة بدليل آخر الحديث فإن عاد فاقتلوه فإن القتل غير مشروع في السرقة فيحمل على أنه كان ذلك في الابتداء حين كان القتل مشروعا.
مسألة: إذا صال الجمل أو البقر الهائج على إنسان فقتله المصول عليه دفعا عن نفسه لزمه الضمان عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀ لا يلزمه شيء.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن هذه الدابة معصومة لحق المالك لا لاحترامها لذاتها فإنها خلقت محلا للتناول والابتذال فبقيت عصمتها ما دام حق مالكها باقيا وحقه لا يسقط بجناية الدابة بل يثبت له إباحة إتلافها
_________________
(١) ١ سورة المائد: الآية ٣٨
[ ١٦٦ ]
لإبقاء مهجته عند صولتها عليه بالقيمة كتناول طعام غيره حالة المخمصة رعاية للحقين.
حجة الشافعي ﵀: أن دفع ضرر هذا الجمل أو البقر لازم عليه فيكون مأمورا بقتله وإلا يستحق العقاب بإلقاء نفسه إلى التهلكة وإذا لزم عليه فعله لا يجب عليه ضمانه.
الجواب عنه: أن ما ذكرتم منقوض بتناول مال غيره حال المخمصة فإنه إذا اضطر ولم يجد ما يدفع جوعه إلا هذا الجمل أو البقر فإنه مأمور بقتله وأكله لئلا يستحق العقاب بإلقاء نفسه إلى التهلكة ومع هذا يلزم عليه الضمان بالإجماع رعاية لحق المالك فإن قيل مالك الجمل لو أراد قتل إنسان لدفع القتل عن نفسه لا يجب عليه شيء فكذا إذا صال جمله لا يجب عليه الضمان بقتله لأن الجمل ليس بأعز من مالكه فإذا لم يضمن بقتل مالكه فبقتل ملكه أولى قلنا المالك إذا قصد قتله فقد أبيح قتله ووجد منه إبطال العصمة فلا يضمن وأما فعل البهيمة فلا يبطل عصمة مالكه فافترقا.
[ ١٦٧ ]