مسألة: إذا أودع إنسان شيئا عند صبي فأتلفه فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي ﵀: عليه ضمان.
حجة أبي حنيفة ﵁
قوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ" ولأنه بالإيداع عند الصبي سلطه على ماله والظاهر من حاله الإتلاف لقصور عقله فيكون عن رضاه فلا يجب الضمان.
حجة الشافعي ﵀: أن الإتلاف لو كان قبل الإيداع وجب عليه الضمان فكذا بعد الإيداع لأن قول المودع أحفظ هذا المال لو لم يكن مانعا من الإتلاف لا يكون أقل من عدم الرضى به فيضمن.
الجواب عنه: بالفرق وهو أنه قبل الإيداع غير مسلط على الإتلاف من جهته وبعده مسلط عليه فافترقا.
مسألة: إذا سافر المودع بالوديعة فتلفت لايضمنها عند أبي حنيفة ﵁ إلا إذا كان الطريق مخوفا أو كان المالك نهاه عن المسافرة بها أما إذا لم ينهه عن ذلك ولم تكن المخاطرة في الطريق ظاهرة لم يضمن وقال: الشافعي ﵀ يضمنها مطلقا.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن المودع أتى ما أمره المالك به فلا يجب عليه الضمان لأنه أمره بالحفظ مطلقا وعند المسافرة لا يمكنه حفظها إلا بالمسافرة بها إذ لا يمكنه أن يودع عند آخر وكان مأذونا له فيها والمفازة محل للحفظ إذا كان الطريق آمنا ولهذا يملكه الأب والوصي في مال الصبي.
حجة الشافعي ﵀: مأمور المودع مأمور بحفظ كامل والسفر ليس فيه حفظ كامل فلا يكون مأذونا فيه فيجب عليه الضمان بالسفر.
الجواب عنه: أنه يمنع أن السفر ليس فيه حفظ كامل لأنه ربما لا يجد في
[ ١٢٣ ]
البلد من يعتمد عليه في الحفظ وهو مضطر إلى السفر وكان المالك عالما بذلك عادة فيكون مأذونا دلالة فلا يضمن.
مسألة: المودع إذا خالف وتعدى في الوديعة بأن كانت دابة فركبها أو ثوبا فلبسه ثم أزال التعدي وعاد إلى الوفاق لا يلزمه الضمان بالهلاك عند أبي حنيفة ﵁ وقال الشافعي ﵀: يضمن.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن الأمر بالحفظ باق بعد الخلاف لأنه مطلق عن الوقت غير موقت فيكون باقيا فإذا عاد إلى الوفاق يكون آتيا بما أمره به المودع من الحفظ في جميع الأزمان فلا يلزمه الضمان.
حجة الشافعي ﵀: وقت الخيانة لزمه الضمان والأصل في الثابت البقاء فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد العود إلى الوفاق.
الجواب عنه: أن الموجب للضمان هو الخيانة وقد زالت بالعود إلى الوفاق فيزول الضمان ولأنا نعارضه بالمثل وهو أن الضمان لم يكن واجبا قبل الخيانة والأصل في الثابت بقاؤه فبقي على ما كان من عدم لزوم الضمان.
مسألة: إسلام الصبي العاقل صحيح عند أبي حنيفة ﵁ وعند الشافعي ﵀: لا يصح.
حجة أبي حنيفة ﵁: أن عليا ﵁ أسلم وهو ابن ثمان سنين وروى الخلال وهو ابن عشر سنين وقد صحح النبي ﷺ إسلامه وافتخر علي ﵁ بذلك وتمدح به حيث قال:
سبقتكم إلى الإسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي
فلو لم يكن إيمانه صحيحا لما افتخر به النبي ﷺ ولأنه أتى بحقيقة الإيمان وهو التصديق والإقرار والحقائق لا يمكن ردها خصوصا الإيمان الذي لا يمكن الرد وقد جوزنا منه ما هو نفع محض كقبول الهبة فلأن يجوز
[ ١٢٤ ]
ما فيه سعادة أبدية ونجاة عقباوية سرمدية فهي من أجل المنافع وعاجله أولى
حجة الشافعي ﵀: لوكان الإيمان صحيحا من الصبي لكان واجبا عليه ولو كان واجبا عليه لما جوز الشرع تركه إذ ترك إسلام من وجب عليه كفر والشارع لم يجز له التقرير على الكفر فعلم أن إسلام الصبي لا يصح وقد قيل إن عليا ﵁ كان وقت إسلامه بالغا ابن خمس عشرة سنة.
الجواب عنه: أنه لا نسلم أنه يلزم من الجواز الوجوب فإن أردتم أنه لا يجب عليه بمعنى أنه لا يأثم بتركه ولا يجب عليه الإيمان فمسلم ولكن لا يلزمه منه عدم الجواز والقبول إذا أتى به فإن المسافر إذا صام من رمضان يقع عن الفرض مع أنه لا يجب إتيانه في الحال ولا يأثم بتركه وإن ادعيت أنه لا وجوب عليه أصلا فهو ممنوع على ما اختاره الشيخ أبو منصور ﵀ ونقله مذهبا لأهل السنة والجماعة وقد صح أن أول من أسلم من الصبيان علي ﵁ فلا يصح دعوى أنه أسلم بعد البلوغ.
[ ١٢٥ ]