قَالَ (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) لِأَنَّهُمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَجَمَاعَتُهُنَّ مَنْسُوخَةٌ لِمَا فِي اجْتِمَاعِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّيْنَ بِالْجَمَاعَةِ صَلَّيْنَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لِحَدِيثِ رَابِطَةَ قَالَتْ كُنَّا جَمَاعَةً مِنْ النِّسَاءِ عِنْدَ عَائِشَةَ - ﵂ - فَأَمَّتْنَا وَقَامَتْ وَسَطَنَا وَصَلَّتْ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ يُشْهِرُ نَفْسَهُ بِالصُّعُودِ إلَى أَعْلَى الْمَوَاضِعِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ وَالْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ ذَلِكَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، فَإِنْ صَلَّيْنَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ جَازَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الْإِسَاءَةِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ
قَالَ (وَإِنْ صَلَّى أَهْلُ الْمِصْرِ بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ فَقَدْ أَسَاءُوا) لِتَرْكِ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ وَجَازَتْ صَلَاتُهُمْ لِأَدَاءِ أَرْكَانِهَا وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ سُنَّةٌ وَلَكِنَّهُمَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ فَتَرْكُهُمَا ضَلَالَةٌ هَكَذَا قَالَ مَكْحُولٌ السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ أَخْذُهَا هَدْيٌ وَتَرْكُهَا لَا بَأْسَ بِهِ
، وَسُنَّةٌ أَخْذُهَا هَدْيٌ وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أَصَرَّ أَهْلُ الْمِصْرِ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أُمِرُوا بِهِمَا فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّلَاحِ كَمَا يُقَاتَلُونَ عِنْدَ الْإِصْرَارِ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُقَاتَلَةُ بِالسِّلَاحِ عِنْدَ تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ فَأَمَّا فِي السُّنَنِ فَيُؤَدَّبُونَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَا يُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِ الْوَاجِبِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ مَا كَانَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ فَالْإِصْرَارُ عَلَى تَرْكِهِ اسْتِخْفَافٌ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ لِهَذَا
قَالَ (فَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِ النَّاسِ وَإِقَامَتِهِمْ أَجْزَأَهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فِي بَيْتٍ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تُؤَذِّنُ فَقَالَ أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ
؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِيهِ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ فَأَمَّا هَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْمُقِيمُ أُذِّنَ وَأُقِيمَ فِيهِ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا.
قَالَ (وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ فَهُوَ حَسَنٌ) لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ فَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ النَّاسِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا وَالْإِقَامَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُقِيمُهَا
[ ١ / ١٣٣ ]
قَالَ (وَلَيْسَ لِغَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) أَمَّا لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» وَكَذَلِكَ تَوَارَثَهُ النَّاسُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَأَمَّا فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ فَلِأَنَّهَا لَا تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ إلَّا فِي التَّرَاوِيحِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ وَعِنْدَ أَدَائِهَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ وَأَمَّا فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ فَلِأَنَّهَا لَا تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ إلَّا التَّرَاوِيحَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ وَهِيَ تَبَعٌ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ أُذِّنَ وَأُقِيمَ لَهَا وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ أَدَائِهَا
، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ لِأَنَّهَا فَرْضٌ مَكْتُوبٌ وَالْأَذَانُ لَهُ مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَذَانِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ الْبَيْعُ وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ فَكَانَ الطَّحَاوِيُّ يَقُولُ هُوَ الْأَذَانُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي كَانَ لِلْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِمَا رُوِيَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ «كَانَ الْأَذَانُ لِلْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ يَخْرُجُ فَيَسْتَوِي عَلَى الْمِنْبَرِ وَهَكَذَا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -» ثُمَّ أَحْدَثَ النَّاسُ الْأَذَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارَةِ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ الْأَذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ وَرُبَّمَا تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنْ الْجَامِعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ كُلَّ أَذَانٍ يَكُونُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالْمُعْتَبَرُ أَوَّلُ الْأَذَانِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عَلَى الزَّوْرَاءِ
قَالَ (وَلَا يَتَكَلَّمُ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ كَالْخُطْبَةِ فَيُكْرَهُ التَّكَلُّمُ فِي خِلَالِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْحُرْمَةِ، وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُكْرَهُ رَدُّ السَّلَامِ فِي خِلَالِ الْأَذَانِ وَكَانَ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ
، وَلَكِنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ التَّأْخِيرُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ أَذَانِهِ
قَالَ (وَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ وَيُعِيدُهُ فِي الْوَقْتِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ إعْلَامُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ فَقَبْلَ الْوَقْتِ يَكُونُ تَجْهِيلًا لَا إعْلَامًا وَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ مُؤْتَمَنٌ قَالَ - ﷺ - «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» وَفِي الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ إظْهَارُ الْخِيَانَةِ فِيمَا ائْتُمِنَ فِيهِ وَلَوْ جَازَ الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَأَذَّنَ عِنْدَ الصُّبْحِ خَمْسَ مَرَّاتٍ لِخَمْسِ صَلَوَاتٍ وَذَلِكَ لَا يُجَوِّزُهُ أَحَدٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ
فَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرًا: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ - ﵁ - وَاسْتَدَلَّا
[ ١ / ١٣٤ ]
بِتَوَارُثِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِاللَّيْلِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلِأَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ مُشْتَبَهٌ وَفِي مُرَاعَاتِهِ بَعْضُ الْحَرَجِ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَاسَا الْأَذَانَ لِلْفَجْرِ بِالْأَذَانِ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا وَفِي الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ إضْرَارٌ بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمِهِمْ فَيَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ إذَا سَمِعَ مَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ عُلُوجُ فَرَاحٍ لَا يُصَلُّونَ إلَّا فِي الْوَقْتِ، لَوْ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ لَأَدَّبَهُمْ فَأَمَّا أَذَانُ بِلَالٍ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْأَذَانَ بِاللَّيْلِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ قَدْ زَامَ فَكَانَ يَبْكِي وَيَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَقُولُ لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُعَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إيَّاهُ، وَقِيلَ إنَّ أَذَانَ بِلَالٍ مَا كَانَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَكِنْ كَانَ لِيَنَامَ الْقَائِمُ وَيَقُومَ النَّائِمُ فَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً يَتَهَجَّدُونَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ اللَّيْلِ وَفِرْقَةً فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَكَانَ الْفَاصِلُ أَذَانَ بِلَالٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ صَلَاةُ الْفَجْرِ بِأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ كَمَا قَالَ - ﷺ - «لَا يَغُرَّنكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيَتَسَحَّرَ صَائِمُكُمْ وَيَقُومَ نَائِمُكُمْ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَكَانَ هُوَ أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسَ يَقُولُونَ أَصْبَحْت أَصْبَحْت
قَالَ (وَإِذَا دَخَلَ الْقَوْمُ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ كَرِهْت لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ)
لِحَدِيثِ الْحَسَنِ قَالَ كَانَتْ الصَّحَابَةُ إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فَمِنْهُمْ مَنْ اتَّبَعَ الْجَمَاعَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَرَجَعَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْتَهُ وَجَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَهَذَا عِنْدَنَا
، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَسَاجِدِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا
(وَلَنَا) أَنَّا أُمِرْنَا بِتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ وَفِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ تَقْلِيلُهَا لِأَنَّ النَّاسَ إذَا عَرَفُوا أَنَّهُمْ تَفُوتُهُمْ الْجَمَاعَةُ يُعَجِّلُونَ لِلْحُضُورِ فَتَكْثُرُ الْجَمَاعَةُ وَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا تَفُوتُهُمْ يُؤَخِّرُونَ فَيُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَاتِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَسْجِدَ الَّذِي عَلَى قَارِعَةِ
[ ١ / ١٣٥ ]
الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَوْمٌ مَعْلُومُونَ فَكُلُّ مَنْ حَضَرَ يُصَلِّي فِيهِ فَإِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَاتِ ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْمَحَالِّ إنْ صَلَّى غَيْرُ أَهْلِهَا بِالْجَمَاعَةِ فَلِأَهْلِهَا حَقُّ الْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ لِأَهْلِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي نَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ إلَيْهِمْ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، فَأَمَّا إذَا صَلَّى فِيهِ أَهْلُهَا أَوْ أَكْثَرُ أَهْلِهَا فَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ حَقُّ الْإِعَادَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ وَقَفَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فِي زَاوِيَةٍ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الْمَعْهُودِ لِلْإِمَامِ فَصَلَّوْا بِأَذَانٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ حَسَنٌ.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَدَخَلَ أَعْرَابِيٌّ وَقَامَ يُصَلِّي فَقَالَ - ﷺ - أَلَا أَحَدٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا يَقُومُ فَيُصَلِّي مَعَهُ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَصَلَّى مَعَهُ.
قَالَ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ عَنْ وَقْتِهَا فَقَضَاهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ أَذَّنَ لَهَا وَأَقَامَ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - فِي لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بَعْدَ مَا انْتَبَهَ مَعَ أَصْحَابِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَضَى الْفَجْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَمَرَ بِلَالًا بِهِمَا» «وَشُغِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ» قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا» وَقَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ» «وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ».
قَالَ (وَإِنْ اكْتَفَوْا بِالْإِقَامَةِ جَازَ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ النَّاسِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِقَامَةَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ فَهُوَ حَسَنٌ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى سُنَنِ الْأَدَاءِ
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فَاتَهُ ظُهْرُ أَمْسِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ يُصَلِّي ظُهْرَ يَوْمِ غَيْرِ ذَلِكَ) وَهَا هُنَا مَسَائِلُ. إحْدَاهَا اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا فَإِذَا فَعَلُوا فَصَلُّوا أَنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» أَيْ نَافِلَةً، وَلِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بَنَى صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ إمَامِهِ كَمَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي آخِرَ صَلَاتِهِ عَلَى أَوَّلِ صَلَاتِهِ، وَبِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةٍ انْعَقَدَتْ لِلْفَرْضِ يَجُوزُ وَكَذَلِكَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ فَأَمَّا الْمُفْتَرِضُ إذَا اقْتَدَى بِالْمُتَنَفِّلِ عِنْدَنَا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَصِحُّ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ وَلِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي فِي التَّحْرِيمَةِ، وَالنَّفَلُ وَالْفَرْضُ يَسْتَدْعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْرِيمَةً مُطْلَقَةً
[ ١ / ١٣٦ ]
فَكَمَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ فَكَذَلِكَ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ.
(وَلَنَا) قَوْلُهُ - ﷺ - «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» مَعْنَاهُ تَتَضَمَّنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْقَوْمِ وَتَضْمِينُ الشَّيْءِ فِيمَا هُوَ فَوْقَهُ يَجُوزُ وَفِيمَا هُوَ دُونَهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَالصِّفَةِ، وَالنَّفَلُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُفْتَرِضًا فَصَلَاتُهُ تَشْتَمِلُ عَلَى صَلَاةِ الْمُقْتَدِي وَزِيَادَةٍ فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُتَنَفِّلًا فَصَلَاتُهُ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ لِأَنَّهُ بَنَى الْقَوِيَّ عَلَى أَسَاسٍ ضَعِيفٍ.
وَحَدِيثُ مُعَاذٍ تَأْوِيلُهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِنِيَّةِ النَّفْلِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ سُنَّةَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يَأْتِيَ قَوْمَهُ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ الْفَرْضَ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ تَغَايُرَ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَنَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ حَتَّى إذَا اقْتَدَى مُصَلِّي الظُّهْرِ بِمُصَلِّي الْعَصْرِ أَوْ مُصَلِّي عَصْرِ يَوْمِهِ بِمُصَلِّي عَصْرِ أَمْسِهِ لَمْ يَجُزْ الِاقْتِدَاءُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - ﵀ - يَجُوزُ.
وَإِذَا اقْتَدَى مُصَلِّي الظُّهْرِ بِمُصَلِّي الْجُمُعَةِ أَوْ مُصَلِّي الظُّهْرِ بِالْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَهُ فِيهِ وَجْهَانِ وَهَذَا الْخِلَافُ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا هُوَ أَنَّ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي لَا تَقْوَى عِنْدَهُ حَتَّى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ فَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي عِنْدَهُ صَحِيحَةٌ. وَعِنْدَنَا الْمُشَارَكَةُ تَقْوَى بَيْنَهُمَا فَتَغَايُرُ الْفَرْضَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ حَتَّى لَوْ ضَحِكَ قَهْقَهَةً يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ صَحِيحٌ إنَّمَا لَا يَصِحُّ فِي الْجِهَةِ.
وَفِي بَابِ الْحَدَثِ قَالَ: لَا يَصِيرُ شَارِعًا حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ. وَمَا ذُكِرَ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْجِهَةِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْجِهَةَ مَتَى فَسَدَتْ صَارَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي زِيَادَاتِ الزِّيَادَاتِ