قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُقِيمِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلِلْمُقِيمِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُسَافِرِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ)، أَمَّا فِي الْوَقْتِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «جَوَّزَ اقْتِدَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَاتٍ حِينَ قَالَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّا قَوْمُ سَفَرٍ» وَكَذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمُقِيمِ لَا يَتَعَيَّنُ بِالِاقْتِدَاءِ. وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ يَجُوزُ وَيَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَبَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِالِاقْتِدَاءِ، فَإِنَّ الْمُغَيِّرَ لِلْفَرْضِ إمَّا نِيَّةُ الْإِقَامَةِ أَوْ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقِيمِ، ثُمَّ الْفَرْضُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقِيمِ، وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَرْضُهُ كَانَ هَذَا عَقْدًا لَا يُفِيدُ مُوجِبَهُ، وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ فَرَغَ قَبْلَ إمَامِهِ، وَإِنْ أَتَمَّ أَرْبَعًا كَانَ خَالِطًا النَّفَلَ بِالْمَكْتُوبَةِ قَصْدًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ الْقَعْدَةُ الْأُولَى نَفْلٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ، وَاقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا بَيَّنَّا هَذَا الْفُرُوقَ، كَمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ.
قَالَ: (وَالْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ إذَا كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الصَّفِّ أَجْزَأَهُمَا
[ ١ / ٢٤٣ ]
ذَلِكَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَقَامَنِي وَالْيَتِيمَ مِنْ وَرَائِهِ».
قَالَ: (رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً ثُمَّ صَلَّى شَهْرًا وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَحْدَهَا اسْتِحْسَانًا)، وَإِنْ كَانَ صَلَّى يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَعَادَ مَا صَلَّى بَعْدَهَا فِي هَذِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا وَاحِدَةٌ تُفْسِدُ خَمْسًا، وَوَاحِدَةٌ تُصَحِّحُ خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ إنْ صَلَّى السَّادِسَةَ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْقَضَاءِ صَحَّ الْخَمْسُ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَدَّى الْمَتْرُوكَةَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ السَّادِسَةَ فَسَدَ الْخَمْسُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ وَخَمْسِ صَلَوَاتٍ بَعْدَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ فَسَدَتْ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْكُلِّ فَبِتَأَخُّرِ الْقَضَاءِ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: الْفَسَادُ كَانَ بِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا غَيْرَ مُرَتَّبٍ يَجُوزُ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حُكْمُ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي الثَّانِي، كَمُصَلِّي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُؤَدَّاةَ كَانَتْ تَطَوُّعًا وَإِلَّا كَانَ فَرْضًا، وَصَاحِبَةُ الْعَادَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِيهَا دُونَ عَادَتِهَا وَصَلَتْ صَلَوَاتٍ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَلَاةً صَحِيحَةً، وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا كَانَتْ صَحِيحَةً قَالَ: (وَإِذَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا، فَإِذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْكُلَّ حَيْضٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ جَاوَزَهَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: إذَا صَلَّى الْحَاجُّ الْمَغْرِبَ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا إنْ وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا فَهَذَا مِثْلُهُ. وَحَاصِلُ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ مُؤَدَّاةٌ فِي أَوْقَاتِهَا، وَالْفَسَادُ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فَسَادٌ ضَعِيفٌ، فَلَا يَبْقَى حُكْمُهُ بَعْدَ سُقُوطِ التَّرْتِيبِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: مَا يَحْكُمُ بِفَسَادِهِ لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ لَا يَصِحُّ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ، كَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْفَائِتَةِ فَطَوَّلَهَا حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ لَمْ يَحْكُمْ بِجَوَازِهَا، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: هُنَاكَ لَمْ يَسْقُطْ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ السُّقُوطِ لَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ، وَهُنَاكَ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَتْرُوكَةِ وَصَلَاةِ شَهْرٍ بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الَّتِي سَقَطَ بِهَا التَّرْتِيبُ وَقَدْ بَيَّنَّا
قَالَ: (رَجُلٌ صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَى وُضُوءٍ ذَاكِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا جَمِيعًا) لِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ، وَظَنُّهُ جَهْلٌ فَلَا
[ ١ / ٢٤٤ ]
يَسْقُطُ عَنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَكَانَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا كَانَ عِنْدَهُ إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّاسِي لِلْفَائِتَةِ فَيُجْزِئُهُ فَرْضُ الْوَقْتِ.
(وَلَنَا) أَنْ نَقُولَ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا قَدْ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ نَاسِيًا فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِأَدَاءِ الْفَائِتَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا وَهُوَ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ فَمُجَرَّدُ ظَنِّهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ، فَإِنْ أَعَادَ الظُّهْرَ وَحْدَهَا ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْعَصْرَ لَهُ جَائِزٌ، قَالَ: يُجْزِئُهُ الْمَغْرِبُ وَيُعِيدُ الْعَصْرَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ هَذَا اسْتَنَدَ إلَى خِلَافٍ مُعْتَبَرٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَكَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَسَادٌ قَوِيٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا يُؤَدَّى بَعْدَهُ، فَأَمَّا فَسَادُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِ التَّرْتِيبِ فَسَادٌ ضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى، فَهُوَ كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ.
قَالَ: (رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَكَثَ فِيهَا شَهْرًا وَلَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا)، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ بِقَبُولِ الْإِسْلَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا لِمَا هُوَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلَكِنْ قَصَرَ عَنْهُ خِطَابُ الْأَدَاءِ لِجَهْلِهِ بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلْقَضَاءِ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، كَالنَّائِمِ إذَا انْتَبَهَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ مَا يَجِبُ بِخِطَابِ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ فَرْضِيَّةِ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَجَوَّزَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ. وَشَرِبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وَهَذَا لِأَنَّ الْخِطَابَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُخَاطَبِ الِائْتِمَارُ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَلَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ كَانَ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ، (وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا اسْتِحْسَانًا)، وَفِي الْقِيَاسِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَهُوَ الْحَدُّ لِمَا بَيَّنَّا. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ شَائِعٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقُومُ شُيُوعُ الْخِطَابِ مَقَامَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُبَلِّغِ أَنْ يُبَلِّغَ كُلَّ أَحَدٍ إنَّمَا الَّذِي وُسْعُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْخِطَابَ شَائِعًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَسْمَعُ الْأَذَانَ
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَالْإِقَامَةَ وَيَرَى شُهُودَ النَّاسِ الْجَمَاعَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَإِنَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مَا لَا يَشْتَبِهُ، وَلِأَنَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُ مِنْهُ، فَتَرْكُ السُّؤَالِ تَقْصِيرٌ مِنْهُ بِخِلَافِ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ بَلَّغَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِيمَا تَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يُخْبِرْهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مُلْزِمٌ، وَمِنْ أَصْلِهِ اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الْخَبَرِ الْمُلْزِمِ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ الْحَجْرِ عَلَى الْمَأْذُونِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْإِخْبَارِ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِالتَّبْلِيغِ قَالَ - ﵊ -: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» فَهَذَا الْمُبَلِّغُ نَظِيرُ الرَّسُولِ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمُوَكِّلِ، وَخَبَرُ الرَّسُولِ هُنَاكَ مُلْزِمٌ فَهَهُنَا كَذَلِكَ.
قَالَ: (رَجُلٌ تَرَكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الظُّهْرَ الَّذِي تَرَكَ أَوَّلًا أَوْ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّحَرِّي فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالثِّقَةِ صَلَّاهُمَا ثُمَّ أَعَادَ الْأُولَى مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا لَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى التَّحَرِّي؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ مَا تَرَكَ إلَّا صَلَاتَيْنِ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ، وَهَذَا نَظِيرُ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْجِهَاتِ كُلِّهَا احْتِيَاطِيًّا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ أَصْلٌ، وَفِي إعَادَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا تَيَقُّنٌ بِأَدَاءِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّرْتِيبِ بِخِلَافِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً، فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ بِمُبَاشَرَةِ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ. فَأَمَّا هَهُنَا إعَادَةُ الْأُولَى إمَّا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَهُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً لَا يَدْرِي أَيَّمَا هِيَ مِنْ صَلَوَاتِ الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: يُعِيدُ الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِنِيَّةِ مَا عَلَيْهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ مَا عَلَيْهِ بِثَلَاثِ قَعَدَاتٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَفِيمَا قَالُوا تَضْيِيعُ النِّيَّةِ، فَكَيْفَ يَتَأَدَّى بِهِ الْقَضَاءُ، وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا فَهَذَا مِثْلُهُ.
قَالَ: (رَجُلٌ أَمَّ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَحْدَثَ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاةُ النِّسْوَةِ فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ لَا تَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَبْقَ لِلنِّسْوَةِ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ فَتَفْسُدُ
[ ١ / ٢٤٦ ]
صَلَاتُهُنَّ؛ لِهَذَا قَالَ: (فَإِنْ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُنَّ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجُوزُ صَلَاةُ النِّسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ بِدَلِيلِ الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: اشْتِغَالُهُ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً لَهُ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ قَبْلَ تَحَوُّلِ الْإِمَامَةِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَتَفْسُدُ بِهِ صَلَاةُ الْمُقْتَدِينَ.
قَالَ: (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ)، وَهَذَا جَوَابٌ مُبْهَمٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ فَصْلَانِ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْفَصْلَ الثَّالِثَ وَلَمْ يُبَيِّنْ بِأَيِّ فَصْلٍ يَعْتَبِرُهُ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ هَذَا وَاسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إيَّاهَا سَوَاءٌ حَتَّى تَفْسُدَ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي بَابِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْمِ وَبَيْنَ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ إيَّاهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا نَظِيرُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا تَفْسُدَ صَلَاةُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ خَلِيفَةً لَهُ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فِي إفْسَادِ الصَّلَاةِ، فَصَارَ فِي حَقِّهِ كَأَنْ لَمْ يُقَدِّمْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالْمُنْفَرِدِ.
قَالَ: (مُسَافِرٌ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ نَوَى الْمُقَامَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ) وَهُوَ وَالْمُقِيمُ فِيهِ سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ يُخْرِجُهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ فَهَهُنَا حُجَّةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ظُهْرَ الْمُسَافِرِ كَفَجْرِ الْمُقِيمِ، ثُمَّ الْفَجْرُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ يَفْسُدُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحٌ إلَّا بِالِاسْتِقْبَالِ، فَكَذَلِكَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، إذْ لَا تَأْثِيرَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي رَفْعِ الْفَسَادِ، وَلَهُمَا أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ كَهِيَ فِي أَوَّلِهَا، وَلَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُفْسِدَ لَمْ يَتَقَرَّرْ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرْضِ أَنْ يَلْحَقَهُ مَدَدُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَالْمُفْسِدُ خُلُوُّ الصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ وَرَكَعَ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنْ كَانَ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّ مَا أَدَّى كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ لَمْ يَكُنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فَكَانَتْ هَذِهِ الرَّكْعَةُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى إلَى وَقْتِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ نَافِلَةً فَلَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِهَذَا.
قَالَ: (مُسَافِرٌ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْتُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ)؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْوَقْتِ فَالْتَحَقَ بِغَيْرِهِ مِنْ
[ ١ / ٢٤٧ ]
الْمُقِيمِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْإِتْمَامَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الِاقْتِدَاءِ، فَإِنْ أَفْسَدَهَا الْإِمَامُ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ عَلَيْهِ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْإِفْسَادِ (فَإِنْ قِيلَ:) فَقَدْ كَانَ هُوَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَبِأَنْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْفَرْضُ. (قُلْنَا:) لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الِاقْتِدَاءَ فِي الْوَقْتِ كَأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، وَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، وَفِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سُقُوطِ الشَّطْرِ تَبْقَى صَلَاتُهُ كَامِلَةً بِخِلَافِ الْفَجْرِ، فَإِنَّ بَعْدَ سُقُوطِ الشَّطْرِ مِنْهَا لَا يَبْقَى إلَّا رَكْعَةً وَهِيَ لَا تَكُونُ صَلَاةً تَامَّةً، وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ سُقُوطِ شَطْرٍ مِنْهَا لَا تَبْقَى صَلَاةً تَامَّةً فَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْهَا الْقَصْرُ، وَالسُّنَنُ وَالتَّطَوُّعَاتُ لَا يَدْخُلُهَا الْقَصْرُ بِسَبَبِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبِ السَّفَرِ تَوْقِيفٌ لَمْ يُعْرَفْ بِالرَّأْيِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِتَرْكِ السُّنَنِ فِي السَّفَرِ، وَيَرْوُونَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَتَيْتُ بِالسُّنَنِ لَأَتْمَمْتُ الْفَرِيضَةَ، وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَنَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمُكْثُ فِي مَوْضِعٍ لِأَدَاءِ السُّنَنِ.
قَالَ: (وَيُخَفِّفُ الْقِرَاءَةَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «قَرَأَ فِي الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَمَّا أُسْقِطَ عَنْهُ شَطْرُ الصَّلَاةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَلَأَنْ يُسْقِطَ مُرَاعَاةَ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ أَطْوَلُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِقَامَةِ فَيَقْرَأُ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَفِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَمَا أَشْبَهَهَا.
قَالَ: (وَدُخُولُ الْمُسَافِرِ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ الْإِكْمَالُ إنْ دَخَلَ فِي أَوَّلِهَا أَوْ فِي آخِرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ)؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالْمُقِيمِ فِي تَغَيُّرِ الْفَرْضِ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا فَهَذَا مِثْلُهُ.
قَالَ: (وَتَوْطِينُ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَاصِرُونَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سَاقِطٌ وَهُمْ مُسَافِرُونَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّا نُطِيلُ الثَّوِيَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِكَ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِإِقَامَةِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْفِرَارِ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ بَيْنَ أَنْ يَهْزِمَ الْعَدُوَّ فَيَفِرَّ وَبَيْنَ أَنْ يَنْهَزِمَ فَيَفِرَّ، وَلِأَنَّ فِنَاءَ الْبَلْدَةِ تَبَعٌ لِجَوْفِهَا وَالْبَلْدَةُ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْعَسْكَرُ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَيْضًا
[ ١ / ٢٤٨ ]
حُكْمًا. وَكَذَلِكَ إذَا نَزَلُوا الْمَدِينَةَ وَحَاصَرُوا أَهْلَهَا فِي الْحِصْنِ فَلَا قَرَارَ لَهُمْ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، فَكَانَ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ مَقَاسَ نِيَّةِ السَّفَرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ حَارَبُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحَاصَرُوهُمْ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: إنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ وَالْغَلَبَةُ لِلْعَدُوِّ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْفِرَارِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ خَارِجَ الْبَلْدَةِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْبُيُوتِ وَالْأَبْنِيَةِ صَحَّتْ نِيَّتُهُمْ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ دُونَ الصَّحْرَاءِ، وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْأَخْبِيَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْأَعْرَابِ وَالْأَتْرَاكِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُونَ مُقِيمِينَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْمَرْءِ أَصْلٌ وَالسَّفَرُ عَارِضٌ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ السَّفَرَ قَطُّ إنَّمَا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ، وَمِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى فَكَانُوا مُقِيمِينَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَرَّ الْإِمَامُ بِمَدِينَةٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُ وَأَجْزَأَهُمْ)، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، قَالَ - ﷺ -: «أَرْبَعَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ» فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَانَ مُسَافِرًا بِهَا» ثُمَّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنَّمَا تَجُوزُ بِأَمْرِهِ فَلَأَنْ تَجُوزُ مِنْهُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْحُضُورُ عَلَى الْمُسَافِرِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، فَإِذَا حَضَرَ وَأَدَّى كَانَ مُفْتَرِضًا كَالْمَرِيضِ، وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ يَطُوفُ فِي بِلَادِ عَمَلِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَهُوَ وَالْإِمَامُ سَوَاءٌ فِي هَذَا.
قَالَ: (وَيُصَلِّي الْمُسَافِرُ التَّطَوُّعَ عَلَى دَابَّتِهِ بِإِيمَاءٍ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «كَانَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ تَطَوُّعًا حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]» وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ إنَّمَا يَتَطَوَّعُ عَلَى دَابَّتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَوَجْهُهُ إلَى الْمَشْرِقِ» إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ لِلْوِتْرِ وَالْمَكْتُوبَةِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ وَيَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَّا حِفْظُ اللِّسَانِ وَحِفْظُ النَّفْسِ عَنْ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الْفَاسِدَةِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَلَى سَرْجِهِ قَذَرٌ فَكَذَلِكَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ) وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَأَبُو حَفْصٍ النَّجَّارِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ: لَا تَجُوزُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي
[ ١ / ٢٤٩ ]
مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ اعْتِبَارًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَانَا يَقُولَانِ: تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَذَارَةِ عَرَقُ الدَّابَّةِ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُونَ: تَجُوزُ لِمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَالدَّابَّةُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ بَاطِنَهَا لَا يَخْلُو عَنْ النَّجَاسَاتِ وَيَتْرُكُ عَلَيْهَا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ النُّزُولِ وَالْأَدَاءِ، وَالْأَرْكَانُ أَقْوَى مِنْ الشَّرَائِطِ، فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْأَرْكَانِ هُنَا لِحَاجَةٍ فَشَرْطُ طَهَارَةِ الْمَكَانِ أَوْلَى، ثُمَّ الْإِيمَاءُ لَا يُصِيبُ مَوْضِعَهُ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ فِي الْهَوَاءِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُؤَدِّي عَلَيْهِ رُكْنًا وَهُوَ لَا يُؤَدِّي عَلَى مَوْضِعِ سَرْجِهِ وَرِكَابَيْهِ رُكْنًا فَلَا تَضُرُّهُ نَجَاسَتُهُمَا.
وَكَذَلِكَ الْمُقِيمُ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُسَافِرِ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِ الْوَسَاوِسِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا سَيْرَ عَلَى الدَّابَّةِ هَاهُنَا مَدِيدٌ كَسَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إذَا كَانَ رَاكِبًا فِي الْمِصْرِ هَلْ يَتَطَوَّعُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَذَكَرَ فِي الْهَارُونِيَّاتِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ وَيُكْرَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ جَوَّزْنَاهُ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ، وَالْمِصْرُ فِي هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى خَارِجِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ لَا يَكُونُ مَدِيدًا عَادَةً فَرَجَعْنَا فِيهِ إلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا سَمِعَ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ رَاكِبٌ» فَلَمْ يَرْفَعْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَأْسَهُ، قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ رُجُوعًا مِنْهُ إلَى الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: بَلْ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالشَّاذُّ فِي مِثْلِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِالْحَدِيثِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ اللَّغَطَ يَكْثُرُ فِيهَا فَلِكَثْرَةِ اللَّغَطِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِالْغَلَطِ فِي الْقِرَاءَةِ فَلِذَلِكَ كُرِهَ.
قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي الْمُسَافِرُ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ)؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوْقَاتٍ مَحْصُورَةٍ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ النُّزُولُ لِأَدَائِهَا فِيهَا بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بِشَيْءٍ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ لِأَدَائِهَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّزُولُ لِأَدَائِهَا، تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إذًا مَا يُنَشِّطُهُ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ أَوْ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ، وَكَذَلِكَ يَنْزِلُ لِلْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَعِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يُوتِرَ عَلَى الدَّابَّةِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ فَمُطِرُوا
[ ١ / ٢٥٠ ]
فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي حَتَّى نَادَى صَلُّوا عَلَى رَوَاحِلِكُمْ، فَنَزَلَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَطَلَبَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَدَعَاهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ إلَيْهِ فَقَالَ: أَمَا إنَّهُ يَأْتِيكُمْ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا أَمَرْتُ بِهِ أَمَا لَكَ فِي أُسْوَةٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ تَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّتْ، وَأَنَا أَسْعَى فِي رَقَبَةٍ لَمْ يَظْهَرْ فِكَاكُهَا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنَّهُ يَأْتِيكُمْ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنِّي لَأَرْجُو عَلَى هَذَا أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى» فَقَدْ جَوَّزَ لَهُمْ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ النُّزُولِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنْ سُبُعٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ.
قَالَ: (وَإِذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَكِبَ فَأَتَمَّهَا رَاكِبًا لَمْ تُجْزِهِ، وَلَوْ افْتَتَحَهَا رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَمَّهَا أَجْزَأَهُ) قِيلَ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَالرُّكُوبُ عَمَلٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِعْمَالِ الْيَدَيْنِ عَادَةً، وَفِي النُّزُولِ يَجْعَلُ رِجْلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ فَيَنْزِلُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مُعَالَجَةٍ، وَقِيلَ: إذَا افْتَتَحَ عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ أَتَمَّهَا رَاكِبًا كَانَ دُونَ مَا شَرَعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَالْإِيمَاءُ دُونَ ذَلِكَ، وَالرَّاكِبُ إذَا نَزَلَ يُؤَدِّيهَا أَتَمَّ مِمَّا شَرَعَ فِيهَا بِالْإِيمَاءِ وَيُؤَدِّيهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَعَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا جَمِيعًا يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ افْتِتَاحُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ فَالْإِتْمَامُ أَوْلَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا جَمِيعًا يَسْتَقْبِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَنَى بَعْدَ النُّزُولِ كَانَ هَذَا بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَالْمَرِيضِ الْمُومِئِ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَرْقٌ فَقَالَ: هُنَاكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَا يَبْنِي وَبَيَّنَّا لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالنُّزُولِ لَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّاهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ) اعْتِبَارًا بِمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَمِعَ تِلَاوَةً عَلَى الْأَرْضِ فَسَجَدَهَا عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لَمْ تُجْزِهِ؛ لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ بِالسُّجُودِ بِالسَّمَاعِ عَلَى الْأَرْضِ حَيْثُ سَمِعَهَا قَبْلَ الرُّكُوبِ وَلَوْ سَمِعَهَا وَهُوَ رَاكِبٌ فَسَجَدَهَا بِالْإِيمَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا لَوْ الْتَزَمَهَا وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا أَتَمَّ مِمَّا الْتَزَمَهَا.
قَالَ: (رَجُلَانِ فِي مَحَلٍّ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي التَّطَوُّعِ أَجْزَأَهُمَا) كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى الْأَرْضِ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ إذَا كَانَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
[ ١ / ٢٥١ ]
دَابَّةٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ طَرِيقًا، وَالطَّرِيقُ الْعَظِيمُ بَيْنَ الْمُقْتَدِي وَالْإِمَامِ يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَجُوزَ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ إذَا كَانَتْ دَابَّتُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ دَابَّةِ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ الْفُرْجَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ إلَّا بِقَدْرِ الصَّفِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالَ: (وَنِيَّةُ اللَّاحِقِ لِلْإِقَامَةِ - وَهُوَ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ - سَاقِطَةٌ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ)؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يُتِمُّ مُقْتَدٍ بِالْإِمَامِ فَنِيَّتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَنِيَّةِ إمَامِهِ، وَنِيَّةُ الْإِمَامِ لِلْإِقَامَةِ لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَيَعْنِي بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْهَا فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ، (فَإِنْ قِيلَ:) نِيَّةُ الْمُقْتَدِي مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي حَقِّ الْإِمَامِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ (قُلْنَا:) الْمُقْتَدِي تَبَعٌ فَيُجْعَلُ كَالْخَارِجِ مِنْ الصَّلَاةِ حُكْمًا لِخُرُوجِ إمَامِهِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مِصْرَهُ، فَإِنَّ دُخُولَ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ وَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَنِيَّةُ الْمَسْبُوقِ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِلْإِقَامَةِ أَوْ دُخُولِهِ مِصْرَهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِيمَا يَقْضِي كَالْمُنْفَرِدِ، وَنِيَّةُ الْمُنْفَرِدِ الْإِقَامَةَ مُعَبِّرٌ فَرْضُهُ فِي الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَنِيَّةُ الْمُنْفَرِدِ الْإِقَامَةَ بَعْدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ فِي صَلَاةٍ افْتَتَحَهَا فِي الْوَقْتِ سَاقِطَةٌ، وَكَذَلِكَ دُخُولُهُ الْمِصْرَ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ صَارَ صَلَاةُ السَّفَرِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِإِقَامَتِهِ، فَأَمَّا فِي الْوَقْتِ لَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ بَعْدُ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْوَقْتِ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْحَيْضِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ.
قَالَ: (خُرَاسَانِيٌّ قَدِمَ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ خُرَاسَانَ وَيَمُرُّ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنًا مُسْتَعَارًا فَانْتَقَضَ بِمِثْلِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ. وَطَنُ قَرَارٍ وَيُسَمَّى الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَشَأَ بِبَلْدَةٍ أَوْ تَأَهَّلَ بِهَا تَوَطَّنَ بِهَا. وَوَطَنٌ مُسْتَعَارٌ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْمُسَافِرُ الْمَقَامَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ وَوَطَنُ سُكْنَى وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْمَسَافِرُ الْمُقَامَ فِي مَوْضِعٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْقُضُهُ إلَّا وَطَنٌ أَصْلِيٌّ مِثْلُهُ، وَالْوَطَنُ الْمُسْتَعَارُ يَنْقُضُهُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ وَوَطَنٌ مُسْتَعَارٌ مِثْلُهُ وَالسَّفَرُ لَا يَنْقُضُهُ وَطَنُ السُّكْنَى لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَوَطَنُ السُّكْنَى يَنْقُضُهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْخُرُوجُ مِنْهُ لَا عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ فَأَكْثَرُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِخُرُوجِهَا ثَمَّةُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرْنَا هَهُنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ حِينَ تَوَطَّنَ بِالْحِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ هَذَا وَطَنًا مُسْتَعَارًا لَهُ فَانْتَقَضَ بِهِ
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ وَالْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ فَلِهَذَا يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُوَطِّنْ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالْحِيرَةِ صَلَّى بِالْكُوفَةِ أَرْبَعًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، فَإِنَّ الْحِيرَةَ كَانَتْ وَطَنَ السُّكْنَى لَهُ فَلَمْ يَنْتَقِضْ بِهِ وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ فَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ مِنْهَا.
قَالَ: (كُوفِيٌّ خَرَجَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحَفِيرَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْحَفِيرَةِ يُرِيدُ الشَّامَ وَلَهُ بِالْقَادِسِيَّةِ نَقْلٌ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْقَادِسِيَّةَ كَانَتْ وَطَنَ السُّكْنَى فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لَمْ يَعْزِمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِنَاءِ الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكُوفَةِ دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، فَلَمَّا خَرَجَ إلَى الْحَفِيرَةِ انْتَقَضَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى يَنْقُضُهُ مِثْلُهُ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ بِالْحَفِيرَةِ وَطَنُ السُّكْنَى، فَالْتَحَقَ بِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ الْقَادِسِيَّةَ، فَلِهَذَا صَلَّى بِهَا رَكْعَتَيْنِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِهَا فَقَدْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ فَكَانَ مُقِيمًا مِنْ سَاعَتِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْتِ الْحَفِيرَةَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ لِحَاجَةٍ حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْحَفِيرَةِ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَادِسِيَّةِ فَيَحْمِلَ ثِقَلَهُ مِنْهَا وَيَرْتَحِلَ إلَى الشَّامِ، وَلَا يَمُرُّ بِالْكُوفَةِ، صَلَّى أَرْبَعًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ اسْتِحْسَانًا)، وَفِي الْقِيَاسِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ وَطَنَ السُّكْنَى الَّذِي كَانَ لَهُ بِالْقَادِسِيَّةِ قَدْ انْتَقَضَ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا عَلَى قَصْدِ الْحَفِيرَةِ، كَمَا يُنْتَقَضُ لَوْ دَخَلَهَا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: الْقَادِسِيَّةُ كَانَتْ لِي وَطَنُ السُّكْنَى، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِقَصْدِ الْحَفِيرَةِ وَطَنُ سُكْنَى آخَرَ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا فَبَقِيَ وَطَنُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ، أَرَأَيْت لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ تَشْيِيعِ جِنَازَةٍ أَوْ لِاسْتِقْبَالِ قَادِمٍ أَكَانَ يَنْتَقِضُ وَطَنُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْخُرُوجِ لَا يَنْتَقِضُ، فَكَذَلِكَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحَفِيرَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا، فَلِهَذَا صَلَّى بِالْقَادِسِيَّةِ أَرْبَعًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهَا.
[ ١ / ٢٥٣ ]